التفصيل في ذكر طوائف أهل البدع وتقسيمهم لا يقصد منه عدم التكفير بعامة عند أهل السنة، وإنما المقصود ذكر التفصيل والتحقق من ثبوت الكفر على المعين، وإلا فالأصل: أن من شهد الشهادتين وأظهر شعائر الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج فإنه يسمى مسلمًا، فقد سمى الله من لم يدخل الإيمان في قلبه مسلمًا، وكان الصحابة يحكمون على المنافقين بالإسلام، ويعاملونهم على أساس ذلك.
[ ٩ / ١ ]
ثلاثة أوجه تغلظ بها مقالات الجهمية
[وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جدًا مشهورة، وإنما يردونها بالتحريف].
قوله ﵀: "وتغلظ مقالاتهم" أي: مقالة الجهمية التي هي نفي الأسماء والصفات، أو التعطيل للصفات.
وهو يبين هنا أن هذه المقالة من المقالات الكفرية، وهذا القول فرع عن قوله السابق: "ومقالات الجهمية هي من هذا النوع".
أي: من المقالات الكفرية التي لا يلزم أن يكون قائلها كافرًا، وهذا ما قرره في الأصل الثاني: أن المقالة قد تكون كفرًا، والقائل بها لا يلزم أن يكون كافرًا، وإنما يُكفر حيث عُلم قيام الحجة عليه.
[ ٩ / ٢ ]
مخالفة كثير من نصوص الكتاب والسنة والإجماع لقولهم
قوله: " أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جدًا مشهورة".
بمعنى: أن قول الجهمية ليس عليه أثرٌ من آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وهذا بخلاف أقوال الفرق الأخرى، فإن قول الخوارج: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، اعتبروه بمثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] وأمثال ذلك من الدلائل القرآنية المجملة في وعيد العصاة، وقد استدل بها الخوارج بين يدي كثير من الصحابة، كما في حديث يزيد الفقير الذي أخرجه مسلم في صحيحه في قصة مجيء الخوارج إلى جابر بن عبد الله ﵁، وما حصل من المناظرة بينه وبين شيوخ الخوارج، حتى رجع أولئك النفر إلا رجلًا واحدًا.
وكذلك كثير من مقالات المرجئة يستدل عليها أصحابها بأدلة من الكتاب والسنة، بخلاف مقالة الجهمية فإنها بريئة من الاستدلال، وإنما معتبر قولهم هو ما سموه في كتبهم وتكلم به نظارهم وهو دليل الأعراض، ولا يتسع المقام للكلام عن هذا الدليل، وإنما الذي يدرك هنا أن هذه المقالة ليس عليها أثر من الهدي، بل الدلائل من القرآن المجملة والمفصلة وكذا من السنة والإجماع تعارض قول هؤلاء وتبطله.
وهذا يبين أن معارضة الأصول الثلاثة -الكتاب والسنة والإجماع- لأقوال أهل البدع فيها تفاوت، وإن كانت جميع البدع باطلة بالكتاب والسنة والإجماع، إلا أن هذه المعارضة يدخلها قدر من التفاوت؛ ولهذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن مقالة الجهمية ليس عليها أثر من آثار الأنبياء، وإنما هي قول قوم من الملاحدة الفلاسفة، نقلها من نقلها من النظار إلى من انتصر لشيء من أصول الإسلام أو تسمى بدين الإسلام، ولهذا بين سابقًا أن الجهمية يكثر في طائفتهم الزنادقة، وهم المنافقون، الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر.
[ ٩ / ٣ ]
أن حقيقة قولهم تعطيل الله تعالى عن كماله
[الثاني: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله فأصل الكفر الإنكار لله].
يبين المصنف في كلامه أن حقيقة مذهب الجهمية التعطيل للصانع، فإن نفي صفات الله، ونفي أفعال الرب ﷾ المتعلقة بمشيئته وإرادته هذا هو التعطيل، ولهذا كان إثبات الكمال له بأسمائه وصفاته، وكان نفي الصفات هو التعطيل لمقام ربوبيته ومعرفته
إلخ.
فهو يبين أن حقيقة قولهم -أي: الحقيقة العلمية في نفس الأمر- هي التعطيل، ولهذا كل من قال بقولهم ممن يعرف حقيقة قولهم، ومتضمنه فإنه لابد أن يكون كافرًا، وعن هذا قال المصنف لمن ناظره ممن تأثر بشيء من أصول الجهمية وهم غلاة الأشاعرة، قال: "أنا لو أقول بقولكم كفرت".
وهذا في مسألة العلو؛ لأن من أنكر علو الرب ﷾ فقد جحد كمالًا من كماله، وأصلًا من أصول كماله الواجب، وهو أصل -لا بد منه- في مقام ربوبيته سبحانه تعالى.
ولكن المصنف قد أبان: أنه لا يلزم أن يكون من تكلم بكلمة الجهمية، أو من نسب إلى هذه الطائفة يعلم حقيقة قولها.
وعليه: يمكن أن يقال: إن من بان له أن قول الجهمية مستلزم تعطيل الصانع فالتزم به فإنه يكون كافرًا.
ما معنى تعطيل الصانع؟
أي: تعطيل الله ﷾ عن كماله، ومن المعلوم أن المسلمين أجمعوا -من أهل السنة وغيرهم- على أن الله مستحق للكمال منزه عن النقص، وقد حكى هذا الإجماع المصنف وغيره.
وتعتبر أقوال الجهمية ضربًا من نقص الباري ﷾، فإن كل ما خالف وعارض كماله فإنه نقص ولابد، ومع ذلك فإن من تكلم بهذا الكلام من النظار لا يرون أن قولهم تعطيل للباري، ونقص له بل يرونه كمالًا، وهذا ليس موجبًا لإسقاط العذر في حقهم من كل وجه، فإنه لا يرفع عنهم قدر الظلم والتفريط، بل لا يرفع عنهم أن يكون منهم من يكون كافرًا في نفس الأمر، بل لا يرفع عنهم أن يكون منهم من يقال بكفره ولو على مقام من مقامات الاجتهاد.
إنما المقصود: أن من التزم مبدأ النقص أو إسقاط الكمال -ولو في مسألة واحدة- فهذا يعد كافرًا ظاهرًا وباطنًا.
والمقصود هنا: أن يعتبر في قول المصنف "وإن كان منهم" أي: من الجهمية، ومن أخذ بأقوالهم "من لا يعلم أن قولهم مستلزم لتعطيل الصانع" فإن من علم ما في قولهم والتزمه فإن هذا لابد أن يكون كافرًا.
[ ٩ / ٤ ]
مخالفتهم لما اتفقت عليه الملل وأهل الفطر السليمة
[الثالث: أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها وأهل الفطر السليمة كلها].
فإن الله فطر الخلق على الإيمان بأسمائه وصفاته، حتى إن مشركي العرب لما نزل القرآن وفيه ذكر للأسماء والصفات لم ينازعوا رسول الله ﷺ في هذا الباب، لا بشيء من عقلهم ولا غير ذلك، وإنما نازع من نازع منهم في مسألة البعث، في مثل قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] فهذه منازعة عقلية في مسألة البعث، وقد أجيب عنها في القرآن في قول الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧].
وأما صفاته ﷾ فلم ينقل عن المشركين نزاع فيها من جهة العقل، وهذا يدل على أن العقل يقضي بالتسليم بثبوتها وليس بمنعها كما يزعم القوم.
فالقصد: أن مقالة الجهمية بتعطيل صفات الرب سبحانه مخالفة لقول أهل الملل، فإن الكتب السماوية قبل التحريف فيها ذكر لأسماء الرب ﷾ وصفاته، وحتى بعد التحريف؛ فقد ذكر المصنف أن في التوراة بعد تحريفها بقية كثيرة من ذكر أسماء الرب ﷾ وصفاته.
[ ٩ / ٥ ]
خفاء كثير من مقالات الجهمية على كثير من أهل الإيمان
[لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظن أن الحق معهم؛ لما يوردونه من الشبهات، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله، ورسوله باطنًا وظاهرًا].
لقد تكلم المصنف ﵀ في مقالات وصفها في الابتداء بأنها مقالاتٌ كفرية، ثم ذكر بعد ذلك أنها مقالاتٌ كفرية مغلظة من ثلاثة أوجه، وهذا يبين أن المقالات الكفرية لا يلزم أن تكون مقالات متساوية، بل يدخلها قدر من التفاوت من جهة بيان الكفر، فمقالة الجهمية من أظهر المقالات من حيث مخالفتها للإجماع والنصوص، ومن حيث ما تتضمنه وتستلزمه من التعطيل، ومن حيث مخالفتها للملل والفطرة.
لكن مع هذا التقرير من المصنف: إلا أنه يستدرك فيقول: "لكن مع هذا قد يخفي كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان، حتى يظن أن الحق معهم، لما يوردونه من الشبهات".
ثم يقول: "ويكون أولئك" أي: من تقلد شيئًا من أقوال الجهمية الكفرية الظاهرة الكفر في حكم الله ورسوله.
"مؤمنين بالله ورسوله باطنًا وظاهرًا" أي: ليسوا كفارًا، وهذا تصريح من المصنف يمنع القول بتكفير جميع الأعيان الذين يقولون بشيء من أقوال الجهمية، وأن من قال ذلك من السلف إنما أراد به الغالية، الذين ظهر من قرائن أحوالهم الالتزام بالتعطيل، وتبين لنا أن من التزم التعطيل على حقيقته بعد ما تبين له موجبات الصواب، وموجبات مناطات الكمال الصحيحة، فهذا لا شك أنه لا يصدر إلا عن زندقة وإلحاد.
[وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفارًا قطعًا].
هذا تصريح متين من المصنف بأن القائل قد يقول قولًا كفريًا بالإجماع، لكنه على قدر من الاشتباه، فإن حكم هذا القول في حق من تبين له لا يلزم أن ينطبق على من التبس عليه.
[بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي؛ وقد يكون منهم المخطئ المغفور له؛ وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه].
هذا التقرير الذي ذكره المصنف ﵀ مقالات الجهمية يقال في غيره من الأصول وفي غيره من المقالات.
[ ٩ / ٦ ]
أقسام المقالات التي يقول بها أهل البدع
هنا قاعدة يتفطن لها في تقرير مقالات المخالفين من أهل القبلة، وهي: أنه ما من طائفة من هذه الطوائف إلا وفي كلامها ما هو -من حيث الحقيقة الشرعية أو من حيث الحكم الشرعي- كفر أكبر: كتعطيل الصفات، أو تكفير الصحابة، والإطباق على سبهم سبًا مطلقًا
إلى أمثال هذه المقالات، فهذه مقالات كفرية، لا جدل في كونها كفرًا، ولكن المقالات التي تقول بها هذه الطوائف والتي يقال: أنها كفر، تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن تكون المقالة مما يعلم بالضرورة أنها كفر.
ومن مثال ذلك: النفي لعلم الرب بما سيكون من أفعال العباد، فهذه مقالة كفرية يمتنع التوهم فيها، ولا يتوهم فيها إلا من هو -على أقل أحواله- معرض عن الحق، إن لم يكن قاصدًا تكذيب الحق؛ لأنها خلاف الفطرة.
وكذلك المقالات التامة من مقالات الجهمية، وهي مقالة الجهمية الغالية، الذين يعطلون جميع الأسماء والصفات وينكرونها.
وكذلك من الأمثلة: مسألة العصمة عند بعض الطوائف، فمن نسب لقوم العصمة على معنى أنهم يعلمون الغيب، وما في النفوس والصدور، أو يقدرون ما يقدرون من حوادث الكون، ويسيرون هذه المسائل الكونية، أو أنهم مقطوعون عن هدي النبي ﷺ، وأنهم يأخذون من العلم المختص، أو أن لهم مقامًا من اللوح المحفوظ لا يعرفه محمد ﷺ ولا جبريل ﵇، أو أنهم يباشرون العلم في اللوح المحفوظ، فمن ادعى العصمة لأحد من الناس سواء سماه إمامًا أو وليًا أو غير ذلك على هذا المعنى ..
فهذا المدعي كافر، ولا جدل في كفره بعينه.
القسم الثاني: أن تكون المقالة كفرًا، والفرق بين هذا القسم والقسم الأول هو في الإبانة والبيان والظهور.
فالقسم الأول: هو المقالات الظاهرة على التمام للخاصة والعامة، والتي يمتنع عليها التوهم، فلا تصدر إلا عن زندقة وكفر.
أما القسم الثاني: فهو وإن كان كفرًا إلا أنه قد يشتبه على من يشتبه عليه من الناس.
فهذه المقالات إذا قيل: إنها كفر، فهذا على حقيقته، وكلام السلف في ذلك على حقيقته، أي: أنها كفر بالله ﷾، ولكن الأصل في القائل بها أنه لا يكفر بعينه إلا إذا عُلم قيام الحجة عليه.
ويُعلم ذلك بطرق -كالمناظرة وأمثالها- يعرفها المجتهدون من العلماء، فمن عُلم قيام الحجة عليه كُفر بعينه، وإذا كفر واحد بها فإنه لا يلزم من ذلك التكفير لكل من نطق بها، أي: لا يلزم إذا كفر إمام من الأئمة أحد القائلين بها أن كل من نطق بهذه المقالة يعطى نفس الحكم، وهذا هو الغالب على المقالات الكفرية عند طوائف أهل القبلة.
إذًا: المقالات البدعية عند أهل القبلة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مقالات بدعية تخالف الإجماع وليست كفرًا، وهي البدع التي دون الكفر.
القسم الثاني: مقالات بدعية كفرية؛ ولكن يدخلها ما يدخلها من الاشتباه، فهذه لا يكفر قائلها إلى حيث عُلم قيام الحجة عليه.
ومثال هذا: القول بخلق القرآن، فهذه كلمة كفر، لكن القائل بها ليس بكافر إلا إذا عُلم قيام الحجة عليه.
ومثل هذا القول بأن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، فإن هذا القول معارض لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦].
لكن ننبه هنا إلى مسألة: وهي أن هناك من يقول: من قال بأن العبد يخلق فعله، أو أن الله ليس خالقًا لأفعال العباد ..
فهوكافر، ويعلل هذا بأن قائل هذه المقالة مشرك، وكما أن الله كفر المشركين في الألوهية، كذلك يكفر من هو مشرك في الربوبية.
ومثل هذا الوجه من الأخذ للمسائل ليس بحسن، فإنه لا شك أن هذه المقالة مناسبة لمادة الكفر، ولكن القائل بذلك لا يكفر إلا حيث عُلم قيام الحجة عليه، وقد كان الإمام أحمد وأمثاله يقولون: "لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة".
القسم الثالث: هو المقالات الكفرية البينة الكفر التي لا تصدر إلا عن كفر، ويمتنع عليها التوهم والاشتباه، فهذه أصحابها كفار، ومثال ذلك: من يكفر الصحابة عن بكرة أبيهم إلا نفرًا يسيرًا كـ علي وأمثاله، ومن قال بعصمة الأئمة أو غيرهم على معنى أنهم يعلمون الغيب وأمثال ذلك فهذا كافر، ومن قال بتحريف القرآن فهذا كافر.
[ ٩ / ٧ ]
تحقيق أن يكون القول الكفري تقول به طائفة معينة
وقد يقول قائل: جميع الطائفة المعينة يقولون بهذا القول؟
نقول: هذا يحتاج إلى تحقيق، وإذا نسب ناسب من أهل المقالات أو حتى من الطائفة نفسها قولًا إلى طائفة فإنه لا يلزم أن تكون هذه الطائفة مطردة على هذا القول، بل قد يقع فيهم خلاف ..
هذه جهة.
ولو سلم أن ثمة اطرادًا فلابد من التحقق -وهذه مسألة لابد من فقهها في مسائل التكفير- من تفسير المعاني، فإن المعنى قد يكون مجملًا وينطق به قوم، ولكن كل درجة من هذه الطائفة يفسرونه بحقيقة منتهاهم، فإن الطوائف وإن اشتركت في الأسماء إلا أن منها الغالية ومنها دون ذلك، كمسألة العصمة: فإن منهم من يفسرها بمقام من الابتداع، حتى إن قيل: إنه كفر، فإنه يكون من الكفر الذي يدخله قدر من التوهم، فلا يبادر إلى تكفير الأعيان.
ومن الغلاة الذين يقولون بمسألة العصمة: من يفسر العصمة بمقام من الكفر المحض، كالقول بأنهم يعلمون الغيب، وأنهم مقطوعون عن أثر النبي ﷺ، أو أنهم أفضل علمًا منه، أو أنهم يأخذون من اللوح المحفوظ مباشرة والنبي ﷺ يأخذ بواسطة ..
هذه المعاني من التزمها فلا شك أنه كافر.
إذًا: الاسم الواحد من أسماء البدع قد يفسره أربابه بتفسيرين، ويكون بينهما اشتراك، ويكون كلاهما بدعة مخالفة للإجماع، بل قد يكون كلا التفسيرين عند هذه الطائفة لهذا الأصل من أصولهم تفسيرًا كفريًا، لكن قسمًا منهم يفسرونه تفسيرًا غاليًا؛ فيكون من الكفر المحض البين.
والقسم الآخر من هذه الطائفة يفسره بقول كفر أيضًا، ولكنه كفر يدخله قدر من التوهم.
إذًا: لابد من تحقق أمرين: أن جميع الطائفة تقول بهذا القول، وهذا يحتاج إلى تحقيق، ولهذا يخطئ من ينسب إلى جميع الشيعة أنهم يقولون بتحريف القرآن، فإنه وإن كان طائفة منهم يقولون بذلك، كما في الكتاب المعروف عندهم: "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، إلا أن هناك طائفة منهم لم يقولوا بذلك، فلا يجوز أن ينسب من لم يقل بهذا القول إليه عنوةً؛ لأن من الشيعة من قال به، فضلًا عن كون بعض علماء الشيعة قد صرح بإبطال هذا القول ونفيه.
إذًا: كل من قال قولًا والتزم بمعنى من معانيه أُخذ بهذا القول الذي قاله وبالمعنى الذي التزمه.
وأما أخذ الطوائف من أهل القبلة بالأسماء -سواء كانت أسماء طائفة أو أسماء بدعة- فهذا ليس بحكيم؛ لأن الطوائف تختلف، ولأن البدعة وإن اتفق اسمها إلا أن درجتها تختلف.
ومثال ذلك: اسم الإرجاء، فهو اسم مقالة بدعة: وهي بدعة الإرجاء، ومن بِدع الإرجاء بدعة الفقهاء الذين يقول الأئمة كـ شيخ الإسلام: "إنها من بدع الأقوال وليست من بدع العقائد".
وبالإجماع أنها ليست بدعة كفرية، لا من الكفر المحض ولا من غيره.
وكذلك من بدع المرجئة: بدعة مرجئة الجهمية المحضة التي هي كفر كما ذكره وكيع وابن مهدي وأحمد.
إذًا: قد يكون اسم البدعة مشتركًا، كما أن اسم الطائفة قد يكون مشتركًا، والنتيجة هنا: أن نتيجة تعليق التكفير بأسماء الطوائف أو أسماء البدع ليس كافيًا وحده، بل لابد من اعتبار اطراد المعاني والتزامها ..
أي: هل جميع هذه الطائفة يقولون بهذا القول؟
[ ٩ / ٨ ]
التحقيق في كون أفراد الطائفة المعينة على درجة واحدة في القول الكفري أو البدعي
وإذا تحقق أن جميعهم يقولون به، هل جميعهم فيه على درجة واحدة؟
ولتوضيح الاختلاف في الدرجة نضرب لذلك مثلًا: الفناء عند الصوفية، قوم من الصوفية يفسرون الفناء تفسيرًا كالفناء عن وجود السوى، يقول شيخ الإسلام: "هذا الفناء كفر".
أما الفناء عن شهود السوى فهو فناء بدعي لا يصل إلى حد الكفر، أما الفناء عن إرادة السوى، فإن ابن تيمية يقول عنه: "وهذا الفناء هو فناء الأولياء وأهل الإيمان، وإن لم يذكروا هذه التسمية عند محققيهم"، وهذا مع أن المصطلح كله يسمى الفناء.
وإذا كانت الأسماء في كتاب الله تشترك، فمن بابٍ أولى أنها تشترك في أسماء حادثة ليست من أسماء الديانة.
ومن أمثلة الاشتراك في الأسماء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ قوله ﷺ: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) فقد علق الكفر على السماع به ﷺ؟
والله سبحانه تعالى يقول في القرآن عن الكفار: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]، فكأن الكفار لم يسمعوا، مع أن الكفار سمعوا قطعًا!
نقول: لا تعارض بين الآية والحديث ولا بين القرآن بعضه مع بعض.
وهذا يدل على أن: الفقه الفقه للأسماء، وقد قال الإمام أحمد: "أكثر ما يخطئ الناس من جهة المجمل والقياس"، ويقول شيخ الإسلام: "قالت الفلاسفة: إن أكثر اختلاف العقلاء من جهة الاشتراك في الأسماء".
إذًا: اسم التشيع ليس وحده كافيًا للتكفير، فإن من الشيعة قومًا من أهل الصلاح والتقوى وإن كانوا أهل بدعة، كبعض الشيعة المفضلة الذين كانوا في التاريخ الإسلامي، والذين ليس عندهم إلا بدعة التفضيل لـ علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر، مع ثنائهم على أبي بكر وعمر، وليس عندهم بدعة غير تلك، فهؤلاء يقول ابن تيمية عنهم: "هذه طريقة فضلاء الزيدية، فهؤلاء يعدون في أهل السنة والجماعة وإن كان قولهم بدعة".
[ ٩ / ٩ ]
فرق الشيعة التي ظهرت في زمن علي ﵁ وأحكامها
وقد ظهرت ثلاث طوائف في زمن علي بن أبي طالب:
الطائفة الأولى: المؤلهة لـ علي، وقد أحرقهم ﵁ بالنار، وهذا ثابت عنه، وإن كان ابن عباس تعقب عليًا في الإحراق، وقال: (لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي ﷺ قال: لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم؛ كما قال النبي ﷺ: من بدل دينه فاقتلوه) فهذه مسألة اجتهاد بين ابن عباس وعلي، وإن كان الأظهر فيها طريقة ابن عباس؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يعذب بعذاب الله -أي: بالإحراق بالنار-، لكن لعل عليًا لم يبلغه النهي، فاجتهد من باب قطع دابر الفتنة، وعلى كل حال هذا مقام من الاجتهاد.
الطائفة الثانية: السابة، وهم شيعة ينتسبون إلى علي يسبون أبا بكر وعمر، وقد تتبع علي بن أبي طالب هؤلاء السابة، حتى إنه لم يبق أحدًا في دائرة جيشه وعسكره ممن يسب أبا بكر وعمر، وقد كان موقفه ﵁ من السابة غليظًا.
الطائفة الثالثة: المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فكان علي ﵁ يقول: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري".
إذًا: الأسماء كلها شيعة، ولكن الحقائق مختلفة.
ونتيجة هذا: أن الاشتراك باسم طائفة أو اسم بدعة لا يستلزم اتفاق الأعيان في جميع الحقائق العلمية.
[وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة: أن الإيمان يتفاضل ويتبعض؛ كما قال النبي ﷺ: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) وحينئذ فتتفاضل ولاية الله وتتبعض بحسب ذلك].
يجعل شيخ الإسلام ﵀ الولاية تبعًا للإيمان، فكما أن للإيمان أصلًا وكمالًا، كذلك الولاية لها أصل وكمال، وهي تزيد وتنقص.
[ ٩ / ١٠ ]
أصل قول الخوارج
[وإذا عرف أصل البدع فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب].
إذًا هم يكفرون بالكبائر، بل بما يرونه من الكبائر، فإنهم قد سموا علي بن أبي طالب صاحب كبيرة مع أنه ﵁ لم يفعل كبيرةً.
[ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب -وإن كانت متواترة- ويكفرون من خالفهم، ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي ﷺ فيهم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) ولهذا كفروا عثمان وعليًا وشيعتهما؛ وكفروا أهل صفين -الطائفتين- في نحو ذلك من المقالات الخبيثة].
وكان هدي الصحابة الذين أدركوا الفتنة مع الخوارج -وهم أول طائفة خرجت ونباذت المسلمين بالسيف- أنه لم تكن مسائل التكفير من باب المقابلات، أي: إنهم لم يقابلوا تكفير هذه الطائفة بالتكفير؛ فإن أخذ التكفير على وجه المقابلة ليس من طرق أهل السنة كما ذكره المصنف، وإنما هو مذهب ذكره بعض أهل البدع، ودخل على بعض أصحاب الأشعري، وهو قول حكاه البغدادي من الأشاعرة في كتبه: "أن من طرق التكفير أنا نكفر من كفرنا من الطوائف، ومن لم يكفرنا لا نكفره" ..
فهذه من طرق أهل البدع، وأما أهل السنة فإنهم يقيسون التكفير بالحق، سواءٌ كانت الطائفة المقابلة بالتكفير التزمت هذا مع أهل السنة أو لم تلتزمه.
[ ٩ / ١١ ]
أصل قول الرافضة
[وأصل قول الرافضة أن النبي ﷺ نص على علي نصًا قاطعًا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر، وأن المهاجرين والأنصار كتموا النص، وكفروا بالإمام المعصوم، واتبعوا أهواءهم، وبدلوا الدين وغيروا الشريعة، وظلموا واعتدوا؛ بل كفروا إلا نفرًا قليلًا -بضعة عشر أو أكثر- ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين.
وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا.
وأكثرهم يكفر من خالف قولهم، ويسمون أنفسهم المؤمنين ومن خالفهم كفارًا، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردة أسوأ حالًا من مدائن المشركين والنصارى؛ ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين، ومعاداتهم ومحاربتهم؛ كما عرف من موالاتهم الكفار المشركين على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين؛ ومن موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين.
ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة].
فهذه الطائفة لا شك أنها شر الطوائف المدعية للإسلام، وما ذكره المصنف من أصول الضلال والكفر عندهم، فإنه عندهم وما هو فوق ذلك، ولهذا ذكر المصنف: أن منهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، فقد انتسب إلى هذا الاسم قوم من الكفار الذين يُعلم كفرهم من الدين بالضرورة، ممن يعطلون الشرائع الخمس، أو ممن يطعنون على قضاء الله ﷾ بما يسمونه البداء، فإن من يقول بالبداء ويقول بالعصمة -على معنى علم الغيب- أو يحرف القرآن أو يقول بتحريفه، أو يقول: إن جبريل قد خان الأمانة؛ وأنه خدع الله -تعالى الله عن ذلك- من الأقوال التي يلتزمها من يلتزمها من هؤلاء الغلاة، فهؤلاء ليسوا من الإسلام في قبيل ولا دبير.
لكن مع ذلك قد ينتسب إلى مثل هذه الطوائف من يكون على قدر من اشتباه الحال، ولا يلتزم هذا الكفر المغلظ في سائر أقواله، وإنما يلتزم أوجهًا من الكفر المشتبه أو الذي قد يدخله مادة من الاشتباه، وعن هذا ذكر المصنف أن هذه الطائفة والخوارج قد تنازع أو تردد الأئمة في تكفيرهم، لكنه لم يرد ﵀ أن الأئمة تنازعوا أو ترددوا في تكفير من يقول بالبداء على الله، أو أنهم ترددوا في تكفير من يقول بالعصمة على معنى علم الغيب، أو من يقول بتحريف القرآن، أو من يقول بتقرير الشرك في الألوهية والتزامه ونبذ التوحيد؛ فإن من يلتزم مثل هذه الأصول المغلظة من الكفر فإنه يكون كافرًا، سواء سمى نفسه بهذا الاسم أو بغيره ..
هذا لا جدل فيه.
ولكن مع ذلك لا يلزم أن كل من انتسب لهذه الطائفة يلتزم جميع هذه الأسماء والحقائق، وهذا أهم من الأسماء، لا يلزم أن جميعهم يلتزمون جميع هذه الحقائق، فإن من التزم الحقائق التي هي من الكفر المحض البين، الذي عُلم بالضرورة أنه كفر ..
فهؤلاء لا شك أنهم كفار، ولهذا يكثر فيهم الزنادقة كما ذكر المصنف ﵀، وإن لم يلزم من ذلك الاطراد.
وهنا أيضًا مسألة وهي أن: من قيل فيه أنه من أصحاب المقالات الكفرية ولم يجزم بتكفيره بعينه، فإن عدم الجزم بتكفيره بعينه لا يلزم منه الحكم بإسلامهم، أي: أن عدم العلم بالتكفير لا يعني العلم بالإسلام.
وإذا قيل: فبم يسمون؟
قيل: تجرى عليهم أحكام المسلمين كما أجريت على المنافقين الذين هم كفار في الباطن.
إذًا: لا يصح أن يعلق التكفير لأعيان المنتسبين لقبلة المسلمين بمجرد الأسماء؛ فإنه ما من طائفة -في الغالب- إلا وفيها الغلاة والمتوسطون والمقتصدون، وقد توجد بعض الطوائف التي لا يكون فيها قومًا مقتصدين كالجهمية مثلًا، فإنه لا مقتصد فيهم، ولكنهم مع ذلك درجات، ليسوا وجهًا واحدًا.
فالقصد: أنه لا يعلق التكفير بالأسماء، لا بأسماء الطوائف ولا بأسماء البدع، وإنما يعلق التكفير بالمعاني التي يلتزمها أصحابها، فهذه المعاني بأي اسم عبر بها إن كانت من الكفر المحض قيل: إن صاحبها كافر.
وإن كانت من الكفر الذي قد يدخله قدر من التوهم؛ تُوقف في تكفير صاحبها، وإذا توقف في تكفيره فلا يلزم القطع بأنه مؤمن ظاهرًا وباطنًا، بل قد يكون منافقًا.
ولهذا إذا قيل: إن الطائفة المعينة ليسوا كفارًا، لا يلزم أن يقال: إن جميع أعيانهم مسلمون.
أي من قال: إن الطائف المعينة ليست طائفة كافرة بأعيانها، لا يلزمه جعل جميع الأعيان على الإسلام، أو الجزم لهم بالإسلام الظاهر والباطن، بل عدم الجزم بالكفر لا يعني الجزم بثبوت الإسلام.
وقد يقول قائل: إذًا لا يبقى لنا علم بهم.
نقول: وليكن ذلك، فقد ذكر الله ﷾ ذلك عن نبيه في كتابه في مسألة المنافقين، فقال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة:١٠١]: أن كثيرًا من المنافقين لم تعلم حاله.
[ ٩ / ١٢ ]
ظهور فرق الزندقة والنفاق من طائفة الرافضة
[ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم].
الباطنية الغلاة، وهم الذين أتوا إلى البيت الحرام في زمن القرامطة وأخذوا الحجر الأسود، وكان الحاكم بأمر الله يدعي مقامًا من الألوهية والربوبية.
وحكم من يدعي مقام الربوبية أو الألوهية لنفسه أو لغيره هو الكفر، أي: من يشرك في الألوهية شركًا صريحًا فهذا كافر كما كفّر الله أبا جهل وأمثاله من المشركين الذين كفروا بلا إله إلا الله، ولكن الأسماء لا تطرد؛ لأن ما يسمى بالدولة الفاطمية أو العبيدية لما ظهرت في مصر، بقوا في حكم مصر مائتي سنة، ولم يكن المصريون قبل ذلك أهل شيعة أساسًا، لكن أجبر من أجبر منهم -ولا سيما من كان قريبًا من بلاط الملك- فأظهر كثير منهم الانتصار لهؤلاء والتشيع على اسم هؤلاء.
فهؤلاء العامة الذين أظهروا هذا التشيع، وخدعوا بالتشيع لا يقال: إنهم بمجرد تسميتهم أنفسهم باسم هؤلاء يعطون حكمهم الذي هو في الباطن؛ لأن من طرق الطائفة الباطنية: أنهم لا يبوحون بحقائق الباطنية لعامتهم، فإذا كان لا يبوحون بالباطنية لعامتهم فإنه لا يجوز أن يكفر العامة منهم مع أنهم لا يعرفون هذا الباطن ولا يقولون به أصلًا.
[ ٩ / ١٣ ]
الرافضة شر من الخوارج
[ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة؛ ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهورالعامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني.
فإنما معناه: لست رافضيًا].
أي: أن التقسيم العام هو أن السنة يقابلها الرفض، أما التقسيم الخاصة: فإن السنة؛ يقابلها البدعة، أي: طوائف أهل البدع الأخرى.
[ولا ريب أنهم شرٌ من الخوارج].
لا ريب أنهم شرٌ من الخوارج من جهة فساد العقائد، وفساد الأحوال الظاهرة والباطنة، فإنهم من أفسد الطوائف ظاهرًا وباطنًا، لكن الخوارج فيهم شدة على المسلمين من جهة السيف، فإنهم استباحوا دماء المسلمين.
[لكن الخوارج كان لهم في مبدأ الإسلام سيف على أهل الجماعة، وموالاتهم الكفار أعظم من سيوف الخوارج، فإن القرامطة والإسماعيلية ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة، وهم منتسبون إليهم].
"منتسبون إليهم" ولكن كما أن الشيعة تنتسب لها القرامطة والإسماعيلية كذلك ينتسب للشيعة الزيدية المفضلة، وهذا يدل على أن "الشيعة" اسم عام، فلا يجوز أن يعلق التكفير به، ولا شك أنه غلط عقلًا وشرعًا، فإن من الشيعة قومٌ عرفوا بأنهم مسلمون لا جدل في إسلامهم كالشيعة المفضلة لـ علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر، فهذا قولٌ قاله قوم من الشيعة، وعليه طائفة معروفة منهم من أصول الزيدية، وإن كان من الزيدية من فسد مذهبه فيما بعد، ولكن هذه الطائفة المفضلة لـ علي بإجماع المسلمين ليسوا كفارًا، مع أن الناس يسمونهم وهم يسمون أنفسهم "شيعةً".
إذًا: تعليق التكفير باسم الشيعة أو غيره غير صحيح، إنما الكافر: هو من قال حقيقةً من الحقائق الكفرية وعُلم قيام الحجة عليه، إما لكون مقالته من الكفر المحض الصريح الذي يمنع التوهم، وأما أن يكون كافرًا لأن الحجة أقيمت عليه بالجدل والمناظرة.
[ ٩ / ١٤ ]
القدرية والمعتزلة
[وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق؛ والروافض معروفون بالكذب.
والخوارج مرقوا من الإسلام، وهؤلاء نابذوا الإسلام.
وأما القدرية المحضة فهم خير من هؤلاء بكثير، وأقرب إلى الكتاب والسنة].
قوله: "القدرية المحضة" أي: من زلَّ في مسألة أفعال العباد، فقال: أنها ليست مخلوقة، وأنها ليست بإرادة الله ومشيئته ..
فهذا القول قد قاله بعض أصحاب الرواية والإسناد، ومعنى أنهم قدرية محضة أي: ليس عندهم بدعة إلا مسألة أفعال العباد، فهذا النوع من القدرية المحضة التي غلطت في مسألة أفعال العباد، وهي في جمهور أصولها مقاربة للسنة والجماعة، هؤلاء لم ينطق أحد من السلف بتكفيرهم كما نص عليه المصنف في مقام آخر.
[لكن المعتزلة وغيرهم من القدرية هم جهمية أيضًا].
فالمعتزلة قدرية، ولكنهم ليسوا قدرية محضة، بمعنى: ليس عندهم بدعة القدر فقط، بل عندهم بدعة القدر وعندهم بدعة التجهم في نفي الصفات
إلى غير ذلك.
[وقد يكفرون من خالفهم، ويستحلون دماء المسلمين؛ فيقربون من أولئك].
أي: يقاربون الشيعة، وقد حصل أصلًا بين الشيعة والمعتزلة تجانس بعد ظهور المعتزلة البغدادية الذين تشيعوا لـ علي بن أبي طالب، حتى دخلت الشيعة فأخذت من معتزلة بغداد نفي الصفات، ونفي خلق أفعال العباد؛ ولهذا غلب على الشيعة الإمامية فيما بعد القول بنفي الصفات، والقول بأن الله لم يخلق أفعال العباد.
[ ٩ / ١٥ ]
المرجئة ليسوا من أهل البدع المغلظة
[وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المعظلة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة].
كـ حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وأمثالهما.
[وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة، حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة].
أي: المرجئة الفقهاء لم يعدوا عند الأئمة إلا من أهل السنة والجماعة.
[ولما كان قد نسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متبَعون، تكلم أئمة السنة المشاهير في ذم المرجئة والمفضلة تنفيرًا عن مقالتهم، كقول سفيان الثوري: "من قدم عليًا على أبي بكر والشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ وما أرى يصعد له إلى الله عمل مع ذلك أو نحو هذا القول.
قاله لما نسب إلى تقديم علي بعض أئمة الكوفيين، وكذلك قول أيوب السختياني: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
قاله لما بلغه ذلك عن بعض الكوفيين، وقد روي أنه رجع عن ذلك].
"إلى الإرجاء" أي: إلى القول بأن الأعمال ليست داخلة في اسم الإيمان.
"والتفضيل": أي: تفضيل علي على أبي بكر وعمر.
والمقصود بالشيخين: عمر وعثمان، وهذه المسألة -تفضيل علي على عثمان - الصواب فيها: أنها اجتهاد، وإن كان الصحيح فيها، وهو الذي عليه جمهور الأئمة، واستقر عليه أمر أهل السنة: أن عثمان أفضل من علي، لكن من نازع في ذلك فإنما نازع في اجتهاد، والإمام أحمد ﵀ يرى أن المنازع في ذلك ليس صاحب بدعة، بل قوله اجتهاد، كما ذكر ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الواسطية وغيرها.
إذًا: المسألة المحكمة: هي تقديم أبي بكر وعمر على غيرهم، أما التفضيل لـ علي على عثمان فهذه مسألة في أصلها كانت مسألة نزاع بين أهل السنة، والذي عليه جمهورهم التفضيل لـ عثمان، وهو الذي استقر عليه أمرهم، لكن المسألة ليس فيها محكم وقاطع.
إذًا: نقول: من قدم عليًا على أبي بكر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، ومن قدم عليًا على عمر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، لكن من قدم عليًا على عثمان في التفضيل هل نقول أنه أزرى بالمهاجرين والأنصار؟ لا يلزم هذا، وقد يستدل قائل هذا بأن عبد الرحمن بن عوف لما استشار الناس بين عثمان وعلي في الخلافة قدم المهاجرين والأنصار عثمان.
نقول: أولًا: هذا ليس بلازم؛ لأن هذا كان في الخلافة والمسألة هنا مسألة تفضيل؛ ولا تلازم بين التفضيل والخلافة؛ والدليل على أنه لا تلازم بينهما: أنه لو كان يلزم أن الفاضل هو الخليفة لم يجعل عمر الخلافة في ستة، ولحسمها في واحد؛ إلا أن يكون عمر ليس عنده وضوح وانضباط في أي هؤلاء الستة هو الفاضل، فإذا رجعنا إلى ذلك فهذا أيضًا لا بأس به، معناه: أنه ليس هناك اطراد عند الصحابة في تقديم عثمان على علي.
ثانيًا: أن من الستة الذين جعل عليهم عمر مدار الخلافة من أسقط حقه لـ عثمان، ومنهم من أسقط حقه لـ علي، فهذا الذي أسقط حقه لـ علي قدم عليًا، فهل نقول: إنه خرج إلى البدعة؟ هذا ليس بصحيح؛ فإن المسألة مسألة اجتهاد.
وإذا قيل: ما الصواب؟
قيل: الصواب الذي عليه جمهور أهل السنة، واستقر عليه أمرهم: التقديم لـ عثمان ..
هذا في الفضيلة؛ وأما في الخلافة فلا شك -وهذا مجمع عليه- أن عثمان قبل علي.
إذًا: الصواب: أن المسألة ليست من القطعيات، بل هي مسألة اجتهاد؛ لأنه لم يقدم جميع المهاجرين والأنصار عثمان على علي، فإن منهم من أسقط حقه لـ علي ابتداءً.
وكذلك عمر جعلها في الستة؛ مما يدل على قدر من التردد والتساوي عنده، ثم إن عبد الرحمن بن عوف إنما اعتبر الأمر بالغلبة وليس بالضرورة بجميع الأعيان.
[وكذلك قول الثوري ومالك والشافعي وغيرهم في ذم المرجئة لما نسب إلى الإرجاء بعض المشهورين].
يقصد بذلك بعض الفقهاء من أهل الكوفة.
[وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جارٍ على كلام من تقدم من أئمة الهدى، ليس له قول ابتدعه، ولكن أظهر السنة وبينها، وذب عنها وبين حال مخالفيها وجاهد عليها، وصبر على الأذى فيها لما أُظهرت الأهواء والبدع؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك قرنت باسمه من الإمامة في السنة ما شهر به وصار متبوعًا لمن بعده، كما كان تابعًا لمن قبله].
فليس له اختصاص لا هو ولا غيره؛ فإن السنة اللازمة هي ما انضبط في كتاب الله وسنة نبيه وأجمع عليه السلف، أما أقوال آحادهم -كـ أحمد أو غيره ممن كان قبله أو بعده- فهذا ليس من السنة اللازمة، إلا إذا كان قوله على هدي إجماع أو انضباط عن من سلف؛ وإنما أشير إلى الإمام أحمد كثيرًا لما قارن حاله من الانتصار للسنة والرد على أهل البدع، وإلا فجميع الأئمة الأربعة وأمثالهم هم من أئمة السنة والجماعة ولا جدل في ذلك.
[ ٩ / ١٦ ]
خلاصة بعض الأصول التي تم شرحها في هذه الرسالة
[وإلا فالسنة هي ما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ، وتلقاه عنهم التابعون، ثم تابعوهم إلى يوم القيامة، وإن كان بعض الأئمة بها أعلم وعليها أصبر، والله ﷾ أعلم وأحكم ..
والله أعلم].
بهذا ختم المصنف هذا التعليق والشرح الفاضل على هذا الحديث، سواء قيل: إن الحديث منضبط الصحة، أو ليس كذلك، فإن هذه أصول شرعية قررها خلال ذلك.
وأحب هنا أن نعطي قدرًا من التلخيص لبعض الأصول التي تم توضيحها خلال هذا الشرح:
[ ٩ / ١٧ ]
مذهب السلف يعلم بالنقل لا بالفهم
أولًا: أن مذهب السلف إنما يعلم بالنقل وليس بالفهم، وأخذه عن طريق الفهم قد دخل على بعض أصحاب السنة من المتأخرين.
ومن فروع الفهم أن يأتي متأخر من المتأخرين -ولو كان فاضلًا- فيروي عن إمام من أئمة السلف -كـ الثوري أو أحمد أو إسحاق أو ابن المبارك أو أمثال هؤلاء- كلمةً ما، فيجعل هذه الكلمة بمجرد قول هذا الإمام لها قسطاسًا وسنة لازمة إما في العقائد وإما في الأحكام ..
وهذا ليس بصحيح؛ فإن مذهب السلف لا يعرف بقول واحدٍ أو اثنين أو ثلاثة منهم، وإنما يعرف مذهبهم بالإجماع المنضبط: إما استفاضةً وإما نقلًا؛ ولهذا فكثير من أقوال السلف هي قول من الاجتهاد، ولا يلزم بالضرورة أن يكون سنةً لازمة لجميع المسلمين.
[ ٩ / ١٨ ]
أقسام أصحاب الأئمة المتأخرين الذين انتصروا للسنة والجماعة
ثانيًا: أن أصحاب الأئمة المتأخرين الذين انتصروا للسنة والجماعة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: من هو على طريقة أهل الحديث -أي: على طريقة الأئمة المحضة- كـ شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذا الرجل إذا قيل: من أحق من يعتبر فقهه لمذهب السلف بعد الأئمة؟ فلا جدل أن هذا الإمام هو أخص هؤلاء.
وثمة قوم تأثروا ببعض البدع الكلامية، وانحرفوا عن ظواهر السنن وعن التمسك بالأثر، وهؤلاء القوم ممن تأثر بطرق الكلابية أو غيرها في الغالب أن طالب العلم من أصحاب السنة لا يتأثر بهم؛ لأن تأثرهم بعلم الكلام بين، وقد أسقط رتبة التمسك بآرائهم وكلماتهم.
ولكن الذين يدخل على بعض أصحاب السنة أو بعض طلبة العلم من المعاصرين شيء من أثرهم، وأثرهم ليس محققًا على السنة والجماعة، هم القسم الثالث، وهم الذين لم يحققوا طريقة أهل الحديث المحضة من الأئمة، ولم يتأثروا بشيء من طرق المتكلمين، ولكنهم زادوا في الرد على المخالف.
وهذه حقيقة لابد أن تعرف: أن من أصحاب الأئمة من الفقهاء من بالغ في الرد على المخالف، فأطلق التكفير لكثير من الطوائف.
وسبق أن ذكرت لذلك مثلًا وهو شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، فهو إمام فاضل من العباد النساك الفقهاء في مذهب الإمام أحمد، وهو من المنتصرين للسنة والجماعة، وقوله في الصفات محقق، وهو من أظهر من رد على الجهمية وحقق إثبات الأسماء والصفات، لكنه متصوف، بل شديد الغلط في التصوف، كذلك عنده بدع في مسألة القدر وغيرها، وعنده فيما يختص بمقامنا هذا: أنه يبالغ في التعنيف على المخالف، ويكفر الأعيان، ويكفر الأشاعرة بالجملة، والشيعة أحيانًا بالجملة
إلخ.
وهذه الطرق لم تكن مطردة عند السلف؛ فإن السلف إذا كفروا طائفة فإنما أرادوا من التزم حقائق الأقوال الكفرية البينة الكفر، فعندما كفر السلف الجهمية، إنما أرادوا الجهمية المغلظة الغلاة، الذين عطلوا الرب سبحانه عن جميع أسمائه وصفاته، وأما من دخل عليه مادة من التجهم فهذا لم يكن كافرًا عند السلف بالتعيين، وإن كان عدم الحكم بتكفيره لا يستلزم الحكم بإسلامه وإيمانه.
وكذلك يعتبر ابن حزم ممن عنده اندفاع في تكفير الأعيان، فهو يقول مثلًا: وقال أبو هاشم الجبائي الكافر كذا كذا ..
مع أنه يرجع في كتاب الأصول إلى تقرير قاعدة تعد من أوسع القواعد في درء التكفير، وقد أخذها شيخ الإسلام ابن تيمية وانتصر لها بعد تقييدها، وهي: أن من أراد الحق واجتهد في طلبه من جهة الرسول ﵊ فأخطأه فإن خطأه مغفور له ..
هذه قاعدة قررها ابن حزم، وجاء شيخ الإسلام وشرحها في بعض كتبه، ولكنه قيدها بقيود على هدي الأئمة ﵏.
فالنتيجة من هذا: أن اعتبار مسائل التكفير يؤخذ من إطباقات السلف واستفاضة أقوالهم، أما إذا تكلم فلان أو فلان ولو عرف بالسنة، فهذا إذا لم يعلم أن قوله موافق لقول الأئمة على التحقيق فإن قوله أحسن ما يقال فيه: أنه اجتهاد ليس بلازم.
[ ٩ / ١٩ ]
لا يكفر أحد من أهل القبلة بمجرد الأسماء
ثالثًا: أنه لا ينبغي تعليق التكفير في أهل القبلة بالأسماء، سواء كانت أسماء طوائف أو أسماء بدع، إنما الذي يعلق التكفير لهم بالأسماء هم من سمى الله كفرهم في كتابه: كاليهود؛ فإن كل يهودي كافر، وكالنصارى؛ فإن كل نصراني كافر، وكالمجوس؛ فإن كل مجوسي كافر، وكالذين أشركوا؛ فإن كل مشرك كافر ..
وهلم جرا.
وأما الطوائف التي حدثت بين ظهراني المسلمين -من شيعة، أو جهمية، أو خوارج- فلا يجوز أن يقال: إن جميع من سمي بهذا الاسم كافر بعينه؛ فإن هذا لم يدرج عليه السلف، ومع ذلك فإن كثيرًا من هذه الطوائف في أعيانها كفارٌ زنادقة، وفي مقالاتها كفرٌ كثير، ومن لم يُعلم كفره من أعيانهم فلا يلزم العلم أو الجزم بإسلامه وإن أجريت عليه أحكام المسلمين ..
هذا هو الاقتصاد والتحقيق الذي عليه السلف، وجميعهُ مقرر في كلام شيخ الإسلام ﵀.
وإن كنت أقول: إن كلام شيخ الإسلام ﵀ أحيانًا فيه اشتراك، فقد يظهر من كلامه في مقام التكفير لطائفة من الطوائف بالتصريح، وفي مقام آخر يتأخر عن ذلك؛ وهذا لأن أسماء الطوائف مشتركة، بمعنى: أن الطائفة قد يكون عندها غلاة وغير غلاة، والقاعدة هي: أن من التزم القول بقول من الأقوال البينة الكفر في كلام الله ورسوله -كمن قرر الشرك الأكبر أو القول بالتحريف أو ما إلى ذلك- فهذا كافر.
إذًا: التكفير يعلق بالمعاني البينة وليس بمجرد الأسماء، وإن كانت جميع هذه الأسماء المخالفة للسنة والجماعة هي من البدع التي يجب إنكارها والتغليظ على أهلها.
هذا هو مجمل هذه المسائل، وهي تحتاج إلى قدر من البسط والتبيين والمتابعة.
وأنا أنصح الإخوة القراء بتأمل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الباب.
أما من ضاق عليه فهم كلام شيخ الإسلام، ورأى أنه لا يكفر هؤلاء ولا يكفر هؤلاء، وهو يريد أن يكفر؛ فرجع ليقول: إن ابن تيمية متساهل في التكفير أو متناقض في مسألة التكفير ..
فهذا ليس بشيء، وهو المتناقض، الجاهل، الغالي في هذه المسألة!
أما شيخ الإسلام ﵀ فلا يوجد بعد الأئمة ﵏ أعدل منه ولا أفقه منه، فهذا الإمام لا يطعن فيه إلا جاهل، ولا ينزله من مقام من مقامات العلم إلا جاهل.
رابعًا: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يلتزم التكفير في الشيعة، بل لما ذكر مسألة السب قال: إن فيها تفصيلًا.
فمن سب الصحابة على معنى التكفير لهم فهذا كافر، لكن من سب على معنى أخذ أموال آل البيت وما إلى ذلك فهذا ليس بكفر، وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن من السب ما هو كفر بين، ومن السب ما ليس كفرًا، ومن السب ما هو متردد فيه ينظر في قائله وإقامة الحجة عليه.
وليس المقصود من هذا التفصيل عدم التكفير، وإنما القصد ذكر التفصيل والتحقق من ثبوت الكفر على المعين، وإلا فالأصل: أن من شهد الشهادتين وأظهر الصلاة والزكاة وحج البيت وصوم رمضان أنه يسمى مسلمًا كما سمى الله ﷾ من لم يدخل الإيمان في قلبه مسلمًا، وكما دخل المنافقون في اسم الإسلام، وقد قال شيخ الإسلام: "إن المنافقين النفاق الأكبر يدخلون في اسم المسلمين بإجماع العلماء، وكان الصحابة يوارثونهم ويناكحونهم، ويسلمون عليهم ويردون ﵈
وإلى آخره، وما كانوا يخصون في الجملة بشيء من الأحكام".
هذا، ونسأل الله ﷾ أن يرزقنا السداد والصواب في القول والعمل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
[ ٩ / ٢٠ ]