شرح العبودية [١]
لقد كرم الله هذه الأمة واصطفاها من بين الأمم، وحفظ لها دينها، المتمثل في كتاب ربها، وسنة نبيها ﷺ، وجعل منها المهديين المصطفين، وجعل منها الأئمة الربانيين، والعلماء المخلصين، وجعل عقيدة أهل السنة والجماعة هي العقيدة السائدة على عموم المسلمين، وجعل لهم أئمة يجددون للناس أمور دينهم، وذلك على رأس كل مائة عام، ومن هؤلاء: البحر والنهر، العلامة الفهامة شيخ الإسلام، قدوة العاملين، وسيد المجاهدين تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي رحمه الله تعالى وقدس روحه.
[ ١٢ / ١ ]
الابتلاء والامتحان
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فإن الله ﷾ خلقنا في هذه الدنيا لتحقيق حكمة عظيمة وهدف كبير، وهي إقامة دينه في الأرض، ولهذا أرسل الله ﷾ الرسل وأنزل الكتب وامتحن الخلق وابتلاهم، وقد جاءت الرسل الكرام بالدعوة إلى عبادة الله ﷿ وحده لا شريك له وإفراده ﷾ بالعبودية والإلهية، لكن أقوامهم لم يكونوا على طريقة واحدة في التعامل معهم، بل آمن بهم البعض، وكفر بهم البعض وهم الأكثر.
وقد جعل الله ﷾ هذه الفتن في حياة الناس ليبتليهم وليختبرهم، فقدر الله ﷾ وجود الصراع بين الحق والباطل إلى قيام الساعة، ونحن في هذا الزمان بعد مرور أكثر من أربعمائة وألف سنة على هجرة النبي ﷺ نعيش في زمن كثرت فيه الأهواء، وكثر فيه الافتراء، وكثرت فيه التيارات والاتجاهات، وكثر فيه الدعاة المنحرفون على أبواب جهنم، وأمام هؤلاء لابد من أن يكون للداعية إلى الله ﷾ منهج وطريقة يسير عليها ليجنب نفسه ومن يستطيع هذه الأهواء وهذه الشبهات وهذه المناهج المضلة.
[ ١٢ / ٢ ]
طرفا الانحراف في الأمة الإسلامية
وإن هذه الأمة -أيها الإخوة- تقع بين فكي كماشة يقف على رأسها الأول المذاهب الكفرية المعاصرة، ويقف على رأسها الثاني البدع والأهواء المضلة.
[ ١٢ / ٣ ]
المذاهب الكفرية المعاصرة
المذاهب الكفرية المعاصرة تعصف بحياة الأمة المسلمة اليوم، فكم من الذين يقولون: (لا إله إلا الله) ويصلون ويصومون ويحجون ويزكون من يتبنى منهجًا اشتراكيًا أو شيوعيًا يرى أنه هو الذي يجب أن يحكم في حياة الناس، أو ينتهج منهجًا علمانيًا فيرى أن الدين إنما هو محصور في المسجد وليس له دور خارج المسجد، ولا علاقة للدين في التربية، ولا علاقة للدين في السياسة، ولا علاقة للدين في شئون الحياة كلها، أو ينتهج نهجًا آخر فيرى أن خير منهج لحياة المسلمين أن يتبعوا الغرب؛ لأنه يرى أن الغرب قد استطاع أن يبهر الدنيا بقدراته المادية والتكنولوجيا التي استطاع أن يفجرها في هذا الواقع، سواء في مجال الاتصال أو في مجال المواصلات، أو في أي مجال آخر، فيرى أن الأصلح للمسلمين أن ينتهجوا نهج الغرب في عقائدهم وفي أفكارهم وفي أخلاقهم وفي آدابهم، ويظن أن هذا النهج سيوصل إلى النجاح، وسيوصل إلى البناء، وسيوصل إلى أعلى المستويات التي يمكن للأمة أن تنسب إليها.
وتجد آخرين يرون أن هذا الدين لا يصلح أن يطبق اليوم، ولا يصلح أن يكون هو السائد على حياة الناس اليوم، ويقولون: كيف يمكن أن نطبق دينًا جاء لقوم آلتهم في المواصلات الحمار والبعير في الوقت الذي نسير فيه من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها الآخر في وقت لا يتجاوز عشرين ساعة أو أقل؟! يقولون: كيف نطبق هذا الدين في هذا الزمان المتطور المذهل؟! إذًا لابد من أن نجعل هذا الدين جزءًا من تراثنا نعتز به؛ لأنه تراث أمة من الأمم، لكن ينبغي أن نهدم كل ما هو قديم، وأن نبني الحياة البشرية على الصورة الأخرى وبطريقة أخرى تناسب الواقع المعاصر.
وكل أصحاب هذه الآراء مجمعون على أن هذا الدين لا يصلح لهذا الزمان، وأنه دين فني وانتهى، فترى بعضهم يصرح بأنه انتهى وذهب، وبعضهم يخشى من الانتقال فيحاول أن يمزق أجزاء هذا الدين، فيحصره في دائرة معينة ويقول: أنا أقر بالدين، لكن هذا الدين الأصلح له أن يكون في المسجد فقط، أما أن يبني الحياة فلا، وهذا طرف.
[ ١٢ / ٤ ]
البدع والأهواء والفرق الضالة
وهناك طرف آخر تواجهه الأمة اليوم، وهم أهل البدع والأهواء، قوم ينتسبون إلى الإسلام، وربما كان بعضهم من أهل العلم وله ردود، لكنهم أحدثوا بدعًا في مجال الاعتقاد وأحدثوا بدعًا في مجال الأعمال، وكان لهذه البدع أثر كبير في حياة الأمة، حيث انحرفت بها عن الجادة فلم تسر على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، إلى درجة أن بعض هذه البدع غيرت الدين كله، فنجد أن الشيعة أصبح لهم منهج مستقل، فلهم كتب في الحديث غير كتب السنة، ولهم رجال في الحديث غير رجال أهل السنة، ولهم منهج وطريقة في السلوك وفي الأخلاق وفي التعامل غير منهج أهل السنة وغير طريقتهم، وهكذا في خضم هذه الأفكار وهذه الآراء التي ازداد انتشارها عندما اكتشفت الآلات الحديثة اليوم، فالكتاب اليوم أصبح يطبع ويوزع في أنحاء الدنيا كلها، وإذا نظرت إلى آلة أخرى من الآلات -وهي آلة التلفزة مثلًا- وجدت القنوات الفضائية أصبحت تنشر على نطاق شامل للكرة الأرضية كلها، وإذا جئت إلى ميدان الصحف وجدت لها أثرًا كبيرًا في التوجه الفكري، وأصبحت هذه الأدوات التي توصل الأفكار إلى الناس ذات تأثير كبير بحسب أصحابها الذين يوجهونها والذين يقفون من ورائها.
[ ١٢ / ٥ ]
واجب الداعية في مواجهة طرفي الانحراف في الأمة
أقول: في خضم هذه الآراء وهذه الاتجاهات وهذه التيارات وهذه الأفكار لابد للداعية إلى الله ﷿ من ضبط المنهج الذي يسير عليه، بحيث يكون بعيدًا عن أصحاب المذاهب الكفرية التي تخرجه عن أخلاقه العادية فضلًا عن دينه، وبعيدًا -أيضًا- عن الفرق الضالة التي تعصف بالناس.
إن هذا المنهج لم يجعله الله ﷿ مخفىً لا نعرف له طريقًا، وإنما جعل الله ﷿ له معاني يمكن للإنسان أن يشاهدها وأن يصير عليها، يقول الله ﷾: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، وقال ابن مسعود ﵁: (خط رسول الله ﷺ خطًا مستقيمًا، ثم خط عن يمينه خطوطًا وخط عن يساره خطوطًا، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣])، ولهذا فإن على الإنسان أن يعرف الصراط المستقيم، ويعرف كيف يمكنه أن يسير عليه.
إن هذه الأمور -أيها الإخوة- لا ينبغي للإنسان أن يأخذها بطريقة سطحية، ويوافق كلام الآخرين فيها، بل الواجب على الإنسان أن يدرس وأن يتأمل وأن يفكر، لاسيما وأن حياتنا مليئة بالتيارات والأفكار، ومليئة بالآراء، فلابد للإنسان من أن يسير على منهج منضبط، وهذا المنهج المنضبط هو صراط الله المستقيم، وهذا الصراط المنضبط يشرع من خلال كتب أئمة السلف السابقين في الاعتقاد والأعمال، ويشرع في ضوابطه لطالب العلم، ويشرع في تأصيله في مسائل الاعتقاد، ويشرع في نظرته للكتاب والسنة وكيف يمكن أن يفهم الإنسان الكتاب والسنة، وهو الذي سار عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وسار عليه من بعدهم من أهل العلم، حتى ظهرت الآراء والأهواء المضلة.
ولهذا ينبغي على طالب العلم أن يدرس وأن يتعلم وأن يتحقق وأن يبحث وأن يفهم، وأن يعرف الطريقة السليمة للاستدلال بالقرآن والسنة، فإن كثيرًا من الناس اليوم ضلوا في طريقتهم في الاستدلال، وأضرب على هذا أمثلة: فمن ذلك أن الشيعة تسب عائشة ﵂ وتقول: إن سبب سب عائشة ﵂ هو القرآن! ويستغرب الإنسان ويتساءل: كيف يكون القرآن سببًا في سب عائشة ﵂؟! فيقولون: إن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، فإذا قيل: وما البقرة؟ قالوا: البقرة عائشة! فانظر إلى الضلال في الاستدلال بالنصوص! ومن ذلك أن تجد امرأة نصبت نفسها مفتية فتقول: إنه يجوز للمرأة أن يكون لها ولاية على الرجل ولاية عامة، كأن تكون حاكمة مثلًا، أو ولاية أقل منها، كأن تكون وزيرة مثلًا، بل إنها قالت: إنه يجوز للمرأة أن تصلي إمامة بالرجل، واستدلت على ذلك بقول الله ﷾: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، فقالت: «بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ» يعني: المؤمنون بعضهم أولياء على المؤمنات، وبعض المؤمنات أولياء على المؤمنين! فانظر إلى هذه الطريقة العوجاء في الاستدلال.
وما يزال كثير من الناس اليوم يتلاعب بالأحكام ويتلاعب بالقرآن والسنة، وبعضهم لا يستدل بالقرآن والسنة، إلى درجة أنك قد تجد من أثر عليه فأصبح يقول: إن اليهود والنصارى ليسوا كفارًا! بل إن بعضهم من أصحاب الأفكار العصرية يقولون: كيف يمكن أن يدخل البدوي الفلاح الغبي الجنة، لأنه يقول: لا إله إلا الله ويصلي ويصوم، بينما فلان من طواغيت الكفر الذكي المخترع كذا وكذا من الآلات المعاصرة يدخل النار؟! فيقولون: هذا تناقض، ويعتقدون أن هذا تناقض.
ونحن نقول: يدخل الجنة؛ لأن الله ﷿ جعل للجنة بابًا، وجعل للباب مفتاحًا، ومفتاح هذا الباب موجود عند هذا الأعرابي، حتى لو وصف بما وصفه به، والمفتاح لا يوجد عند ذلك المخترع.
[ ١٢ / ٦ ]
تميز أمة الإسلام بحفظ دينها
أقول: أمام هذه الأفكار لابد من ضبط المنهج وضبط العلم ودراسة العلم دراسة سليمة وصحيحة، وهذا هو منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، فإن منهج السلف الصالح هو الذي انضبطت به الأحكام الفقهية في الحلال والحرام وفي كل باب من الأبواب، وهذا هو الذي ميزنا -ولله الحمد- عن اليهود والنصارى، وذلك أنه لما جاء عيسى وموسى ﵉ إلى أقوامهما أنزل الله ﷿ التوراة على موسى ثم أنزل الإنجيل على عيسى، وبمجرد أن مات موسى ومات عيسى ﵉ وطالت أيدي المحرفين التوراة والإنجيل لم توجد أمة من بني إسرائيل تستطيع أن تحفظ التوراة بدون تحريف وأن تحفظ الإنجيل بدون تحريف، فأصبح اليهود اليوم وقبل اليوم يعيشون على توراة محرفة، والنصارى في هذا اليوم وفي غير هذا اليوم يعيشون على إنجيل محرف، ولم يبق أحد من النصارى اليوم على دين غير محرف أبدًا، ولو بقي لما نفعه مادام أنه لا يقر بنبوة النبي ﷺ، لقوله ﷾: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
أما هذه الأمة فهي أمة متميزة، ذلك لأن الله ﷿ جعلها آخر الأمم، كما قال النبي ﷺ: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا)، فنحن آخر الأمم، وكان من حكمة الله ﷿ عندما جعلنا آخر الأمم أن حفظ لنا القرآن وحفظ لنا السنة، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، والذكر يشمل القرآن ويشمل السنة أيضًا، فحفظ القرآن فلم تطله يد التحريف، وحفظت السنة على أيدي أهل السنة، فنشأ العلم المشهور، وهو علم الحديث العلم الدقيق الذي يمحص الرجال، حتى إنه يضبط أغلاطهم وأخطاءهم، فإذا جاء حديث من الأحاديث ربما رده الإمام أحمد وقال: هذا الحديث ليس من حديث الشعبي، وإنما هو من حديث فلان وهو ضعيف.
بناء على دراسة توثيقية دقيقة، وهذا هو المعلوم من النبي ﷺ في قوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين -وفي لفظ منصورة- لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، فلا يزول الخير أبدًا في أي عصر من العصور مهما انتشر الفساد العقدي والخلقي في هذه الأمة بالكلية، بمعنى: أنه لابد من أن يوجد فيها من ينطق بالحق، وهذا هو مصداق حديث الرسول ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، وأمر الله الذي يأتي فيأخذ هذه الطائفة هو الريح التي تأتي في آخر الزمان وتأخذ أرواح المؤمنين، فلا يبقى إلا شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة وتنتهي الدنيا.
فإذا انتهت هذه الطائفة انتهت هذه الدنيا.
وعندنا تقرأ في تاريخ الأمة وتنظر في الأحوال التي مرت عليها في عصورها السابقة تجد أنه مر عليها فترة من فترات الجهل، ومر عليها فترة من فترات ضياع العلم، ومر عليها فترة من فترات الإرهاب والضعف، ومع هذا تبقى طائفة قائمة بالحق.
[ ١٢ / ٧ ]
دور ابن تيمية في التجديد وبيان أهمية كتاب العبودية
ومن حكمة الله ﷿ أنه جعل على رأس كل قرن مجددًا يجدد لهذه الأمة أمر دينها، كما قال النبي ﷺ: (إن الله ﷿ يبعث على رأس كل مائة عام لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها)، ففي كل مائة سنة يوجد مجدد، هذا المجدد من أهل السنة ومن أتباع السلف الصالح، يقوم لله ﷿ بالحق فيتبعه على ذلك أقوام كثيرون ويصبرون على ما يحصل لهم، ولهذا قال في الحديث الآخر: (لا يضرهم من خذلهم)، وهو يدل على أن هناك أقوامًا يخذلونهم، وقال: (ولا من خالفهم)، وهذا يدل على أن هناك أقوامًا يخالفونهم، لكن لا يضرهم ذلك، مادام أنهم على الحق ملتزمون به، لا يضرهم ذلك من أي وجه من الوجوه.
ومن الأئمة الذين كان لهم تجديد ودور رائد وقوي شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية رحمه الله تعالى، فهذا الإمام كان له دور تجديدي كبير في حياة الأمة، حيث انتشرت في زمانه البدع والضلالات، حتى أصبحت هي السائدة، وأصبح الذي يدعو إلى عقيدة السلف رضوان الله عليهم شاذًا وغريبًا، فأحيا الله ﷿ به ما اندرس من العقيدة، وأظهر به السنة، وجاهد ﵀ وصبر، وكان يقف مواقف لا تقفها أمة من البشر، وكان هذا الإمام له من العلم ما لا تستطيع أن تؤديه مراكز من مراكز الأبحاث العلمية، وكان له أيضًا من الجهد والصبر ما لا يستطيعه أحد ممن كان في زمانه، وهذه إرادة الله ﷿، وهذا قدر الله ﷿ لهذه الأمة؛ لأنها أمة منصورة ولله الحمد، فيخرج الله ﷿ من أبنائها من يحمي لها عقيدتها ومن يحمي لها دينها، ومن يقول كلمة الحق في أحلك الأوقات ظلمة غير عابئ بما يحصل له ولا يخشى إلا الله ﷾، هذا الإمام ألف كتبًا كثيرة في العقيدة، فكان من الكتب التي ألفها رحمه الله تعالى كتاب (العبودية)، وهذا الكتاب من أهم الكتب في الحقيقة من ناحية الموضوع، وهو موضوع العبودية والعبادة، فإنها هي الأصل في الدعوة إلى الله ﷿، وهي الأساس في الحكمة من خلق الناس، وكذلك من ناحية طريقته ﵀ في بحث هذه المسألة ودراستها ومحاولة الإلمام بجوانبها، ومناقشة المنحرفين فيها والرد عليهم، وإن كان ذلك بشكل إجمالي، لكن لا بأس بأن نبسطه بإذن الله تعالى.
[ ١٢ / ٨ ]
ترجمة موجزة لشيخ الإسلام ابن تيمية
قبل أن أبدأ بالكتاب أحب أن أترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقد كتبت مصنفات في ترجمته، وترجمته طويلة، فلو أردنا التفصيل فيها لأطلنا، لكن لا بأس بأن نذكر نماذج من حياته ﵀ ومن سيرته وجهوده ﵀، ونبين كيف كان عمله ودعوته إلى الله ﷿.
[ ١٢ / ٩ ]
اسمه ونسبه
هذا الإمام اسمه أحمد، وكنيته أبو العباس، ولقبه تقي الدين، فهو أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية، وتيمية هذه هي جدة له، قيل: إنها ولدت في تيماء في الجزيرة عندما كانت أمها متجهة إلى الحج، ونسب إليها، وقد ينسب كثير من الناس إلى جدته أو إلى أمه، مثل إسماعيل بن علية ﵀، فـ علية أمه، وهذا أمر مشهور في كتب التراجم لمن اطلع عليها، ومثله أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي المشهور، فهذا أمه سلمية، وليس أبوه من بني سليم، فنسب إليها، ويحصل هذا كثيرًا في كتب التراجم.
كان الإمام ابن تيمية ﵀ من أسرة علم، فأبوه عالم من العلماء، وكان العالم المقدم في حران، وكذلك جده عبد السلام ابن تيمية، فإن له كتبًا مشهورة في مذهب الإمام أحمد، بل إن ابن مالك الجياني الطائي النهدي المشهور يقول: إن الله ﷿ ألان الفقه لـ عبد السلام كما ألان الحديد لداود.
وهو صاحب كتاب (منتقى الأخبار في أحاديث سيد الأخيار)، وهو كتاب في أحاديث الأحكام شرحه الإمام محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠هـ في كتاب سماه (نيل الأوطار).
[ ١٢ / ١٠ ]
طلبه للعلم
وقد حفظ شيخ الإسلام القرآن وهو شاب صغير، ثم اتجه إلى دراسة العلوم الشرعية مثل النحو والصرف والفقه والحديث والمصطلح والأصول، وتجاوز ذلك إلى دراسة بعض اللغات الأخرى، فكان ﵀ يجيد اللغة العبرية، وقيل: إنه كان يجيد اللغة اللاتينية أيضًا، ودرس شيئًا في الفلك والحساب والهندسة وعلومًا أخرى، وكان ممن درس عليه من شيوخه شرف الدين المقدسي، وهو من أشهر شيوخه، وابن عبد الدائم أيضًا، وشرف الدين المقدسي هو الذي أذن له في الإفتاء وكان عمره تسع عشرة سنة، وكان شرف الدين المقدسي يتمدح بأنه أذن لـ شيخ الإسلام بالإفتاء في هذه السن؛ لأنه رآه قد امتلك أداة الإفتاء، وكان ابن تيمية ﵀ صاحب مواهب متعددة، فقد كان سريع الحفظ، قوي الإدراك، شجاعًا، كريمًا، مقنعًا عندما يتكلم، وعندما يخاطب، لا يخاف أحدًا إذا أراد أن يقول كلمة الحق ولا يتردد، كما سيأتي معنا تفصيله وبيانه.
ومن شيوخه أيضًا محمد بن عبد القوي بن مهران الدمشقي، ومن شيوخه أيضًا تقي الدين الواسطي، ومنهم المنجا بن عثمان بن المنجا المقدسي.
وقد درس شيخ الإسلام ﵀ العلوم المعروفة، فلما هضمها وعرفها اتجه إلى القراءة والاطلاع، فكان واسع الاطلاع، وكان أعرف بكتب المخالفين منهم بها، فقد قال عن نفسه: إنه ربما قرر عقائد الشيعة للشيعي، فيفرح الشيعي بهذا التقرير ويعجب به ويقول: هو كما قلت، ثم ينقض هذا التقرير لبنة لبنة.
[ ١٢ / ١١ ]
جهوده في الرد على فرق الضلال
وكان ﵀ صاحب دعوة وجهاد، ويمكن أن نلخص جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في الدعوة فيما يلي: أولًا: أنه قام بالرد على الفرق الضالة وجاهدها، فقد تحدى البطائحية الرفاعية، وهم طائفة من الصوفية يعتمدون على الشعوذة والسحر، وهذه الطائفة كانت تأتي أمام الناس وتظهر الخوارق الغريبة، مثل كون الإنسان منها يدخل السيف في جوفه ثم يخرجه، ومثل أن يأخذ الزجاج ويبتلعه، ومثل أن يدخل حديدة من جهة ويخرجها من جهة أخرى من بدنه، ومثل أن يُضرب بالخنجر في رأسه حتى لا يستطيع أن ينزعه الرجل القوي، ومثل أن يضع السيف في عينه حتى إذا تركه استطاع أن يحركه بدون أن يسقط، ونحو ذلك من الغرائب والعجائب، وربما جاءوا بالعقارب فأكلوها، وربما أكلوا المسامير، وربما أدخل أحدهم المثقب من النار في جلده، وهذا كله من السحر والشعوذة، ويعتقدون أن ذلك من الكرامات، وقد تحداهم شيخ الإسلام ابن تيمية أمام ناحية السلطنة في دمشق، وتحداهم أمام الناس، وقال: إن كنتم تظنون أن الدخول في النار لا يستطيعه أهل السنة فلنتباهل أنا وأنتم، لكن بشرط أن تغسلوا أبدانكم بالخل والماء الحار؛ لأنهم كانوا يطلون أجسادهم ببعض المواد التي تحميهم عندما يدخلون النار، فيضحكون على الناس، فلم يستطيعوا، وربما منعهم شيخ الإسلام ﵀، فاشتكوه في يوم من الأيام إلى نائب السلطنة في دمشق، وقالوا: إن هذا الشيخ آذانا، فنريد أن يفسح لنا المجال في إظهار بعض الكرامات! هكذا يزعمون، والحقيقة أنهم سحرة.
وكذلك رد على الشيعة، فإن له كتابًا اسمه (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية)، وهو كتاب ضخم ألفه في الرد على صفي الدين بن المطهر الحلي، وهو شيعي كانت له علاقة بالدولة المغولية في زمانه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية في تلك الفترة تحت حكم المماليك، وهذا الشيعي استطاع أن يوسوس للحاكم المغولي ابن غازان وأن يقنعه بالتشيع واعتنق التشيع، فرد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الكتاب الضخم الذي ربما لا يستطيع كثير من الناس اليوم قراءته، وبين فيه ضلاله وانحرافه.
وكذلك رد شيخ الإسلام ابن تيمية على المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، فألف كتابًا ضخمًا في المعقولات سماه (درء تعارض العقل والنقل)، وله كتاب كبير في الرد على الإمام الثاني في المرحلة للأشاعرة، وهو الرازي، فألف كتابًا سماه (بيان تلبيس الجهمية).
[ ١٢ / ١٢ ]
جهوده في الرد على النصارى
وله كتب أخرى في الردود على أهل الباطل وأهل الضلال، فقد رد على النصارى في كتاب سماه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)، وأرسل برسالة إلى الملك قبرس، وكان في ذلك الوقت نصرانيًا، وعاتبه في ظلم المسلمين، وأمره ونهاه، وذكره بأن الظلم يمحق الإنسان حتى ولو كان على غير ملة الإسلام، وقد ذكر أنه عندما خرج إلى ابن غازان فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، يقول: أمرته بإطلاق أسرى المسلمين والنصارى وغيرهم؛ لأن هذا من الظلم، والظلم لا يجوز حتى على الكفار.
[ ١٢ / ١٣ ]
جهوده في التأليف والتصنيف
وله جهود كثيرة في التأليف، فمجال التأليف أثراه شيخ الإسلام ابن تيمية إثراء كبيرًا جدًا، وكثير من كتبه عبارة عن رسائل كان يفتي بها، فالعقيدة الواسطية هي عبارة عن رسالة، فقد جاءه قاضٍ من واسط وهو في طريقه إلى الحج، فقال: إنني أريد أن تكتب لي عقيدة، فقال: إن الناس كتبوا عقائد كثيرة فارجع إلى كتبهم، فقال: أريد أن تكتب لي أنت، فكتب له العقيدة الواسطية في جلسة بين الظهر والعصر.
وله -كذلك- رسالة سماها الفتوى الحموية، وهي -أيضًا- سؤال جاءه من حماه عن آيات الصفات وأحاديثها.
وله أيضًا في تقرير العقيدة السلفية وتقعيدها كتاب (التدمرية)، وهو كتاب عظيم في بابه، وله كتب عظيمة ﵀، وهذا مجال دعوي خصب أثراه شيخ الإسلام إثراء كبيرًا، وكان لكتبه تأثير كبير، وقد رد على الفلاسفة وأهل الاتحاد ووحدة الوجود في كتاب سماه (بغية المرتاد) وألفه عندما كان مسجونًا في الإسكندرية بسبب مشايخ الصوفية.
وله كتاب أيضًا في الرد على الصوفية اسمه (الاستقامة)، وهو رد على رسالة القشيري، وهي من أهم كتب الصوفية.
وله كذلك من المصنفات كتاب عظيم جدًا اسمه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) تكلم فيه على الذي يشتم النبي ﷺ، وكان سبب ذلك أن رجلًا شتم النبي ﷺ، فرفع عليه شيخ الإسلام دعوى عند نائب السلطنة، وأوذي فيها وصمد، وفي آخر ذلك قتل هذا الرجل حدًا، وقبل أن يقتل جاءه الشيخ ينصحه، وذكره بالله وأمره بالتوبة، ثم قتل؛ لأن القول الصحيح في الذي يسب الله ويسب الرسول ﷺ هو أنه يقتل في الدنيا حتى ولو تاب، وتوبته -إذا كان فيها صادقًا- ربما تنفعه عند الله ﷾.
[ ١٢ / ١٤ ]
جهوده في تدريس العلم والدعوة إلى الله ﷿
ومن جهود شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الجمع بين تدريس العلم والدعوة إلى الله ﷿، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية استطاع أن يؤسس مدرسة من خلال الدروس التي كان يقيمها، ومن خلال اجتماعاته مع الدعاة في ذلك الزمن، فخرج على يديه أئمة وعلماء كبار، مثل ابن قيم الجوزية، ومثل ابن كثير، ومثل المزي صاحب تهذيب الكمال، ومحمد بن المنجى التنوخي وغيرهم، وهم يعتبرون علماء ذلك الزمان، فلو أن رجلًا استطاع أن يربي أشخاصًا حتى أخرجهم إلى حيز أشرف العلماء، فما هي المقدرة العقلية والنفسية التي يمتلكها هذا الرجل؟! فمن نتائج شيخ الإسلام ابن تيمية ابن القيم صاحب التصانيف النافعة، يقول ابن حجر العسقلاني ﵀ في كتاب (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة)، في ترجمته لـ تقي الدين: إن تقي الدين كان فرطًا بين الناس، يعني: أن شيخ الإسلام ﵀ ليس عالمًا عاديًا يكتفي بتدريس المسائل والإفتاء المجرد فقط، لكنه كان يعيش في الحياة ويتفاعل معها، فهو يعايش الحياة ويتفاعل معها، وقد أسلم على يده يهودي وهو صغير لم يصل سن العشرين، وأسلم عليه يهودي آخر بعد سنة ٧٥٠هـ تقريبًا، وكان له من القدرة الفائقة في التأثير الشيء العجيب.
[ ١٢ / ١٥ ]
جهوده في الفتوى والجهاد في سبيل الله
ومن جهوده أنه أفتى في المسائل التي استصعب كثير من الناس الإفتاء فيها، وحرك السلاطين في جهاد المغول التتار، والتتار كان لهم تأثير في حياة المسلمين، وهم عبارة عن قبائل كانت موجودة في جنوب شرق منغوليا، وكانت قبائل متعددة، ثم ولي أمرهم جنكيز خان، واستطاع أن يجتاح بعض البلاد، حتى استطاع أن يحتل ما يسمى اليوم بأفغانستان وإيران، ودخل بغداد عام ٦٥٦هـ، وكان سبب دخول التتار لبغداد، هو الخيانة من الرافضة الشيعة، فإن المستعصم -وهو آخر خلفاء الدولة العباسية في الفترة التي قبل التتار- كان رجلًا مقبلًا على الشهوات، ومقبلًا على المغنيات وعلى الراقصات، ومقبلًا على جمع الأموال وعلى اللعب، وكان عنده وزراء بعضهم من الرافضة، وكان لهم تأثير كبير جدًا في صفوف الدولة العباسية، فقد كان عند الخليفة وزير اسمه ابن العلقمي، كان يحسن للمستعصم تلك الشهوات، وكان المستعصم يعرف أنه رافضي، ولأنه غافل مقبل على الشهوات ما استطاع أن يدرك أثر هؤلاء الأعداء، وهم الشيعة الرافضة، فقام ابن العلقمي بزيارة هولاكو عندما وقف على حدود بغداد، فزاره وأخذ الأمان لنفسه، ثم قال له: سأترك لك الميدان لكي تدخل بغداد بدون أي مقاومة ثم رجع إلى بغداد، وجاء إلى المستعصم بعد أن صرف غالب الجنود الموجودين في بغداد فقال: إن هذا الرجل لديه جيوش لا قبل لك بها، فما رأيك أن تذهب إليه وأن تطلب منه أن يبقيك كما أبقى ملك الروم وتكون له الولاية ولا يضرك بشيء؟ فانخدع المستعصم، وزُيِّن له ذلك، فقام ومعه أربعون من العلماء ومن أولاده ومن نسائه ومن أعيان البلد، ومن الوزراء الذين كانوا معه، فلما وفدوا على هولاكو قتلهم عن بكرة أبيهم، وما ترك منهم نفسًا، ولما أراد قتل المستعصم خاف؛ لأنه يعرف أن الخليفة عند المسلمين شيء كبير، وأنه لا يستطيع أن يقتل الخليفة مباشرة، فربما هاج عليه العامة فلا يستطيع أن يقاومهم، فزين له ابن العلقمي وسيلة لقتله، وهي أن يلفه في لحاف وأن يضربه حتى يموت بدون أن يهريق دمه، ثم يقال: إنه مات، ثم قتل بهذه الطريقة بين يدي هولاكو، ثم دخل التتار بغداد، وعبثوا فيها أربعين يومًا يحرقون ويسرقون ويدمرون ويقتلون، حتى إن ابن كثير ﵀ قال في البداية والنهاية: قتل فيها أكثر من ألف ألف إنسان يعني: قتل أكثر من مليون من المسلمين في تلك الفترة الحرجة، وابن الأثير صاحب (الكامل) عندما تكلم عن مجيء التتار ومحاصرتهم لبغداد قال: إنني ترددت كثيرًا في كتابة ما فعله التتار بالمسلمين، فإنه لا يمكن للإنسان أن يرضى بأن يكتب نعي الإسلام، ولا أستطيع أن أكتب الدمار الذي حل بالمسلمين، فيا ليت أمي لم تلدني، ويقول: يا ليتني كنت نسيًا منسيًا ومت قبل هذه الحادثة، وذلك لما رأى.
وعلى كل حال فإن تلك الفترة -مع أنها فترة ضعف وفترة جمود في حياة المسلمين- هي أقل بكثير من حياة المسلمين في هذا العصر.
ثم إن هذه القبائل الوثنية -أعني التتار- لما اجتاحت بلاد المسلمين استطاع الملك المظفر قطز أن يردهم عن بلاد الشام، ثم جاء محمود غازان -وهو حاكم من حكامهم- فأسلم، ولو استطاع غازان أن يغير عقائد المسلمين وأن يغير أخلاقهم وآدابهم وأفكارهم وتوجهاتهم ويجعلهم على منهج التتار لما أسلم، ولا يمكن أن يسلم، لكن أهل الإسلام بقوا على عقائدهم مع وجود هذا الاستعمار العسكري المباشر من التتار، ومع هذا استطاعوا أن يبدلوا عقيدة أعظم حاكم من حكام البوذيين في ذلك الزمان، وهو غازان، فأسلم، وهذا يقودنا إلى الكلام عن بعض المسائل الصعبة التي استطاع أن يفتي فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وذلك أن غازان أسلم قبل رمضان، وصام رمضان، وبدأ يصلي، وأمر الناس بالإسلام، وبنى المساجد، وبدأ يدعو الوثنيين إلى الإسلام والتخلي عن عقائدهم، وأعلن أن دين الدولة هو الإسلام، لكنه مع هذا بقي يحكم بدستور وضعه جنكيز خان القائد الأول للمغول الوثنيين، وقد جمع هذا الدستور الذي يحكم به من عقائد الأمم الوثنية، ومن عقائد اليهود، ومن عقائد النصارى، وجعله في كتاب سمي (الياسق)، فلما أراد المسلمون أن يحاربوهم تردد كثير من العلماء في بلاد الشام وفي مصر في محاربتهم، وقالوا: كيف نحارب المسلمين؟! فهم يعلنون أنهم مسلمون، فكيف نحاربهم؟! فأفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بأنهم ليسوا من المسلمين، وأن دولتهم دولة حرب، والسبب في هذا هو أنهم لم يتنازلوا عن عقائد الكفر، والواجب على الإنسان إذا أسلم أن يترك عقائد الكفر وأن يبدأ حياة جديدة، فيسلم ويكون خاضعًا لدين الله ﷿ في كل وجه من الوجوه، أما أن يكون هذا (الياسق) هو المسيطر عليهم، وهو الحاكم بين
[ ١٢ / ١٦ ]
شيخ الإسلام بشر ونحن متعبدون بنصوص القرآن والسنة
وبقيت هنا قضية أختم بها، وهي قضية مهمة جدًا، وهي أن شيخ الإسلام ابن تيمية بشر، ونحن متعبدون بنصوص القرآن والسنة، ولسنا متعبدين بكلام عالم أو إمام أو نحو هذا، لكننا متعبدون بنصوص القرآن وبنصوص السنة، ولهذا فلا نقول: إننا نقلد شيخ الإسلام ﵀، فإننا ننكر على الذين يقلدون الأئمة، لأن الأئمة كان كل واحد منهم يقول: الدليل مذهبي.
ويقول: إذا عارض قولي الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط.
ولا شك في أنه لا يمكن أن يثبت أمام قول الله وأمام قول الرسول ﷺ قول لأحد كائنًا من كان، مهما كان جهاده، ومهما كانت قدرته، ومهما كان عمله، ومهما كان شرفه، لا يثبت أمام قول الله وقول رسوله أي قول آخر.
ولهذا فإنه عندما يقرأ الإنسان أي كتاب من الكتب -سواء أكان لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أم لغيره- فإنه ينبغي عليه أن يستفيد من حججه، وألا يعتبر قوله في كل شيء، ومثال ذلك في أنه لا يقبل الله ﷿ دينًا غير دين الإسلام، فإن قيل: هل يقبل الله ﷿ يوم القيامة اليهودية؟ فإنك تقول: لا.
فإن قال: ما هو الدليل؟ فلا تقل: قال شيخ الإسلام ﵀.
بل تأتي بالآية فتستدل بها، وهذا منهج عظيم في قراءة الكتب، فإنه ليس كل الناس يقر بإمامة الأئمة، لكن كل الناس يعتبرون أن كتاب الله حجة وأن السنة حجة، ولهذا إذا قرأت كتابًا لعالم من العلماء فلا تعتبر كلامه، بل انظر إلى دليله، لتعرف كونه استدلالًا صحيحًا وسليمًا، فإن كان كذلك فاحفظ الدليل واحفظ الاستدلال فهو الحجة، وليس قول فلان ولا قول فلان.
وستكون طريقتنا -إن شاء الله- في دراسة هذا الكتاب هي أننا قبل أن نبدأ في دراسة هذا الكتاب سنعرف بكتاب من كتب أهل السنة وبطريقته، ثم نبدأ بالكتاب بعد ذلك بإذن الله، وسنقسمه حسب الموضوعات، فالذي يقرأ كلام الشيخ يعرف أنه كثير الاستطراد، وأنه ربما تكلم كلامًا متسلسلًا، فلا يشعر الإنسان بوحدة موضوعية كما يقول الباحثون في هذا العصر، لكن عندما نأخذ الكلام ونقسمه على فقرات يكون ذلك أبين وأوضح، الفقرة الأولى تكون في تعريف العبادة، والفقرة الثانية في أمثلتها، والفقرة الثالثة في منزلتها، والفقرة الرابعة في العلاقة بين الدين والعبادة، والفقرة الخامسة في العبادة في الشرع، وهكذا نأخذها على شكل فقرات ونبحثها بحثًا نسأل الله ﷿ أن يكون موفقًا، إنه على كل شيء قدير.
[ ١٢ / ١٧ ]
الأسئلة
[ ١٢ / ١٨ ]
كيفية الابتعاد عن الشبهات والبدع
السؤال
كيف يستطيع الشاب المسلم أن يبتعد عن الشبهات والبدع ويرد عليها؟
الجواب
يستطيع الشاب المسلم أن يبتعد عن الشهوات والبدع إذا طلب العلم بمنهج مستقيم وصحيح، فإن طلب العلم يمنع من الشهوات ويمنع من الشبهات، لكن إذا كان جاهلًا ليس عنده علم، وإنما عنده عاطفة طيبة وحسن نية فذلك لا يكفي، فنحن في زمن امتلأت فيه الدنيا بالأفكار والآراء، وما يوجد من أفكار شاذة في غرب العالم أصبح يوجد عندنا اليوم عن طريق الإعلام المرئي والمسموع، وعن طريق الانفتاح الكبير على الغرب الذي يعيشه المسلمون اليوم، وهذا الانفتاح الكبير لا شك في أن له سلبياته الكبيرة، ومن أعظم هذه السلبيات أن الإنسان إذا كان غير محصن بالعلم الشرعي ربما تلقى فكرة من هذه الأفكار فأصبح داعية إليها، وهي على منهج بعيد عن المسلمين.
وعندما يظهر الإنسان اليوم على أية صحيفة -كصحيفة الحياة- يجد أنه في بلاد من بلاد المسلمين يقول الحزب الشيوعي كذا وكذا، ففي بلاد المسلمين شيوعيون، مع أن الشيوعيين أمة من أمم الكفر انقرضت وهلكت، فكيف يوجد في بلاد المسلمين شيوعيون؟! وكيف يوجد في حياة المسلمين علمانيون؟! مع أن العلمانية فكرة وجدت في أوروبا؛ لأنهم رأوا أن الدين الذي يحكم أوروبا لا يصلح أن يكون حاكمًا لها، فألغوا الدين ووضعوه جانبًا، وأصبحوا يبنون حياتهم بناء آخر.
فالانفتاح الكبير الذي يحصل في حياة المسلمين على العالم الغربي أو العالم الشرقي، في حين أنه لا يوجد عند كثير منهم حصانة عقدية وفكرية وأخلاقية تمنعهم من الانحراف والزلل والتأثر بالغرب، معناه أنهم سيتأثرون مباشرة بأولئك.
[ ١٢ / ١٩ ]
حكم دعوى أنه لا ينقص شيخ الإسلام سوى النبوة
السؤال
ما حكم قول: (لا ينقص شيخ الإسلام ابن تيمية سوى النبوة)؟
الجواب
هذه كلمة لا داعي لها أصلًا؛ لأن أبا بكر الصديق وعمر وعثمان وعليًا والصحابة جميعًا لا شك في أنهم أفضل من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، مع أنه لا يقال فيهم هذه المقولة، فلا داعي للمبالغة، ولا يتعود الإنسان على المبالغة وتهويل الأمور وتعظيمها.
[ ١٢ / ٢٠ ]
توضيح لمعنى قول الشارح: (مات عيسى)
السؤال
ذكرت أنه بعد أن مات موسى وبعد أن مات عيسى ﵉ لم يستطع أحد أن يحفظ هذه الكتب بغير تقرير، فهل مات عيسى ﵇؟
الجواب
ليس المقصود بالموت أنه مات كما مات موسى، ولكن هي الوفاة التي قالها الله ﷾، حيث قال تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، ورفعه إليه يمكن أن يطلق عليه وفاة على أحد التفسيرين، وإن كان بعض العلماء يقول: إن الواو لا تقتضي الترتيب، وإن المعنى: إني رافعك إلي ومتوفيك.
يعني: بعد الرفع.
فالمقصود أن عيسى ﵇ حي عند الله ﷾، ولم يمت في الدنيا كما يموت الناس.
[ ١٢ / ٢١ ]
آخر الفرق ظهورًا
السؤال
ما هي آخر فرقة ظهرت الآن؟
الجواب
ليس هناك فرقة تستطيع أن تقول هي آخر فرقة ظهرت، فالآن يمكن أن يأتيك إنسان فيه خليط من الآراء، فرأي من فرقة، ورأي آخر من فرقة، ورأي ثالث من فرقة، خاصة بعض العصريين المشتغلين بالفقهيات وبعض المنشغلين بالعلم والدعوة الذين رأوا أنهم لا يستطيعون أن يواجهوا هؤلاء الملاحدة والمشركين، سواء أكانت المواجهة عملية أم علمية، فأراد بعضهم أن يقطع نصف المرحلة في حين يقطع الطرف الآخر نصف المرحلة، فيلتقون في الطريق، ومع الانهزام أمام الحضارة الغربية تولدت أفكار وآراء غريبة جدًا، إلى درجة أن بعض من ينتسب إلى العلم يقول في الرجل الذي يضع ماله النقدي في بنك من البنوك ثم يعطى عليه فائدة، يقول: إن هذا ليس ربا، وأن هذا جائز، وقد أفتى بعض الناس بأن الفوائد البنكية ليست من الربا! وهذا من الضلال.
وآخر يفتي في ممثلة أو راقصة تعرض نفسها على ألوف من البشر في صورة مزرية وسيئة كاشفة لوجهها وشعرها وصدرها تبادل الرجال ألوان الحب والغرام، ومع هذا يقول إن هذه الراقصة على خير، وهذا لا شك في أنه خطأ، والسبب في هذا هو الأفكار العصرية المكونة من هذا الخليط، وأحسن المناهج -بغير شك- هو منهج السلف الصالح الذي هو طريقة الرسول ﷺ وصحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم.
[ ١٢ / ٢٢ ]
قراءة كتاب العبودية للمبتدئ في الطلب
السؤال
هل هذا الكتاب ينصح بقراءته للمبتدئ في طلب العلم؟
الجواب
إذا كان يفهم فلا مانع، لكن إذا كان يشعر أنه لا يفهم المعاني التي تقرأ ولا يستوعبها فينبغي أن يبدأ بكتاب آخر.
أسأل الله ﷿ أن ينفعنا وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٢ / ٢٣ ]
شرح العبودية [٢]
العبادة هي الكلمة الوحيدة التي تحوي بين جنباتها كل معاني حياة المسلم، فهي جامعة لكل خير، حاوية لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، شاملة لكل تفاصيل الصلاح والبر الموجود في أفراد المسلمين
[ ١٣ / ١ ]
تعريف بكتاب الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا؛ إنك أنت العليم الحكيم.
أيها الإخوة الكرام! قد وعدنا أن نبدأ هذه الدروس بالتعريف بكتاب من كتب السلف الصالح رضوان الله عليهم، ثم بعد ذلك نبدأ في درس من كتاب العبودية.
والكتاب الذي سنبدأ به هو كتاب (الرد على الجهمية والزنادقة) للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، والإمام أحمد غني عن التعريف، فهو إمام من أعظم أئمة أهل السنة والجماعة، وله مواقفه المشهورة تجاه أهل البدع الذين حاولوا تغيير منهج النظر والاستدلال ومنهج الاعتقاد في حياة الأمة.
والمعتزلة لم يكن لهم رصيد في واقع المسلمين، وإنما هم شواذ ناظروا أهل الأديان الأخرى مثل الهندوسية والسمنية وغيرهم من الأديان الأخرى بمنهج منحرف، فولد هذا عندهم بدعًا وضلالات كان من ثمارها الخبيثة ظهور الاعتزال، والذي جعل منهج المعتزلة خطيرًا هو تبني المأمون له، وقد كان في تلك الفترة هو أمير المؤمنين، فلما تبنى الاعتزال كان في بداية أمره لا يستطيع أن يصرح به مع أنه حاكم المسلمين، وذلك لمكانة يزيد بن هارون -وهو عالم من العلماء- في تلك الفترة، ويذكر الذهبي ﵀ في السير: أن رجلًا من جلساء المأمون قال له: لماذا لا تصرح بخلق القرآن؟ فقال: كيف أصرح وفي الناس مثل يزيد بن هارون؟! قال: ومن يزيد بن هارون هذا؟ قال: هذا عالم من العلماء أخشى أن أصرح بالقول بخلق القرآن فيعارضني فتكون فتنة، فقال له: ما لك ولـ يزيد، يعني: اتركه، لكنه قال له: سأذهب إلى يزيد وأقول له: إن أمير المؤمنين سيصرح بالقول بخلق القرآن، فقال له: اذهب، فجاء هذا الجليس من جلساء المأمون إلى يزيد بن هارون في المسجد أمام الناس وقال له: إن أمير المؤمنين يريد أن يعلن القول بخلق القرآن، فقال له يزيد بن هارون بصوت عال يسمعه أهل المسجد: كذبت؛ أمير المؤمنين لا يقول بخلق القرآن، فإنه إن قال به صارت فتنة، فرجع هذا الرجل إلى المأمون فقال له: حصل كيت وكيت، فقال: ألم أقل لك: إنني لا أستطيع أن أقول بذلك؟! فـ يزيد بن هارون بقوله ذلك أعطى للمسلمين الذين كانوا في المسجد وغيرهم ممن يتناقل الخبر مناعة من تلقف القول بخلق القرآن، مع ما هو منتشر عند الناس من أن القول بخلق القرآن كفر والعياذ بالله؛ لأن القرآن هو كلام الله ﷿، وكلام الله ﷿ صفة من صفاته، فإذا قيل: إن القرآن مخلوق فمعنى هذا أن بعض صفات الله مخلوقة، وهذا خطر عظيم على العقيدة.
ثم بعد ذلك لما مات يزيد بن هارون امتحن المأمون الناس بالقول بخلق القرآن، وكان ذلك في سنة ٢١٨هـ، وسجن كثير من أئمة السنة الذين رفضوا أن يقولوا بأن القرآن مخلوق، وكان ممن أوذي الإمام أحمد بن حنبل ﵀، لكن كثيرًا من أهل السنة في تلك الفترة اتقوا السيف وتأولوا، ومنهم أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، سجن في الشام، ثم طلبه المأمون، فلما جيء به وضع على النطع وكاد أن يقتل، فأجاب بالقول بخلق القرآن، ثم بعد أن خرج أنكر القول بخلق القرآن وقال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فرد مرة أخرى، فرأى المأمون أن التعامل معه صعب، فرده وسجنه، فمات في السجن رحمه الله تعالى، وأكثر الذين أجابوا في تلك الفتنة اعتذروا بالتقية؛ لأنهم تعرضوا لخطر كبير، وهو احتمال القتل.
وأما الإمام أحمد بن حنبل فإنه دعا الله ﷿ ألا يريه المأمون، وعندما أخذ الإمام أحمد وأريد أن يذهب به إلى المأمون -وكان في طرسوس- مات المأمون قبل أن يأتيه الإمام، لكنه في مرض موته أوصى أخاه المعتصم وشدد عليه في الوصية بأن يمتحن الناس بالقول بخلق القرآن ويجعله مذهبًا رسميًا للدولة، وكان المأمون رجلًا مثقفًا، ولكنه اتبع البدعة، أما المعتصم فهو على عكسه، فإنه كان رجلًا شجاعًا قويًا، لكنه لم يكن من أهل النظر، ولا كان من أهل البصيرة ولا كان من أهل الفهم والاستنباط، وإنما أخذ هذه الوصية عن أخيه فامتحن الناس، وحين جيء بالإمام أحمد إليه في مجلسه ضرب عنده وجلد حتى كان يسقط فيرحمه ثم يقول: لولا أنها وصية أخي لتركتك، فليس هو صاحب علم ولا صاحب فهم، لكنها وصية أخذها وامتحن الناس بها، ثم كانت النتيجة بعد ذلك للمتقين، فلما خرج الإمام أحمد ﵀ من السجن صنف هذا الكتاب العظ
[ ١٣ / ٢ ]
المراد بالزنادقة الذين رد عليهم الإمام أحمد
الزنادقة الذين رد عليهم الإمام أحمد ﵀ ليس هم الذين ينفون القرآن بالكلية، فإن هؤلاء شأنهم يسير، فالذي يأتي ويقول: القرآن كله باطل، شأنه يسير من ناحية أن حكمه واضح عند المسلمين، ولا يشك أحد من المسلمين في ضلاله وانحرافه، لكن المشكلة في الزنادقة الذين رد عليهم الإمام أحمد هي أنهم نوع خاص من الزنادقة يأخذون القرآن ويلعبون به، ويريدون أن يثبتوا بهذا أن القرآن متناقض، فيشككون الناس في صدق هذا القرآن، فرد عليهم الإمام أحمد ﵀ بهذا الكتاب، والجهمية كذلك، فهم الذين أرادوا أن يستدلوا بالقرآن الكريم على أن القرآن مخلوق، مع أن نصوص القرآن ظاهرة في أن كلام الله ﷿ منه، والله ﷿ ليس بمخلوق، بل هو الخالق ﷾، فألف هذا الكتاب في الرد على الذين يلعبون بالنصوص الشرعية ويحاولون الاستدلال بهذه النصوص على بدعهم وعلى آرائهم، وهؤلاء لا شك في أنهم يشكلون خطرًا كبيرًا في حياة المسلمين، ذلك لأنه عندما يأتي الإنسان ويرد القرآن ويرفضه جملة فإن كل المسلمين يعلمون أنه ضال وأنه منحرف وأنه كافر؛ لأنه ينفي القرآن كله ويقول: هذا كذب وهذه أساطير، لكن المشكلة عندما يأتي الإنسان ويقول: القول الذي أنا أقول به هو ما دل عليه القرآن، مع أن قوله معاند للقرآن، ثم يبحث عن المتشابهات ويلعب بها.
مثال ذلك: لو أن رجلًا قال: أنا أنصحكم ألا تصلوا؛ لأن هذه الصلاة سيئة بالنسبة لكم! فإذا قيل له: كيف تكون سيئة والله ﷿ يأمر بالصلاة؟ قال: إن الله ﷿ يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]، فإذا صليتم فلكم ويل، وينسى تتمة الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] فالكلام عن طائفة معينة ممن يصلون تارة ويتركون الصلاة تارة أخرى.
وهكذا توجد طوائف ممن يلعبون بالقرآن والسنة بهذه الطريقة والعياذ بالله.
[ ١٣ / ٣ ]
ذكر طبعات الكتاب
هذا الكتاب طبعه الشيخ محمد رشيد رضا في مصر قديمًا على نفقة بعض المحسنين من أهل نجد، وطبعه كذلك الأستاذ محمد فهر الشقفة في حماه في سورية، وطبعته كذلك إدارة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد، وكذلك طبعه الأستاذ الدكتور علي سامي النشار وتلميذه عمار الطاربي في مجموعة سميت (عقائد السلف)، مع كتاب (خلق أفعال العباد) للبخاري، وكتاب (الرد على الجمهية) لـ عثمان بن سعيد الدارمي.
[ ١٣ / ٤ ]
إثبات نسبة الكتاب إلى الإمام أحمد
هذا الكتاب ثابت النسبة إلى الإمام أحمد، ولا يلتفت إلى تشكيك محمد زاهد الكوثري في تعليقه على كتاب الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية لـ ابن قتيبة، لا يلتفت إلى تشكيكه في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد ﵀، فإنه شكك في هذا الكتاب وقال: إنه ليس من كتب الإمام أحمد، وهو لم يسبق إلى هذا التشكيك، وقد شكك فيه بسبب وجود رجل في إسناده، وهو الخضر بن مثنى، وهو مجهول، ولا شك في أن هذا الكتاب نسبته ثابتة إلى الإمام أحمد، فقد رواه الخلال في كتابه السنة، وقال: كتبت هذا الكتاب من خط عبد الله ابن الإمام أحمد الذي كتبه من كتاب أبيه، فالمسألة واضحة التسلسل، إذ الإمام أحمد ﵀ كتب هذا الكتاب، فجاء ابنه عبد الله فكتبه من خط أبيه، فجاء أبو بكر الخلال فكتبه من خط ابن الإمام -وهو عبد الله - في كتابه (السنة)، وكتاب السنة لـ أبي بكر الخلال موجود، وهو مخطوط، وطبع منه أجزاء كثيرة، لكنه لم تكتمل طباعته بعد، وقد أثبت نسبة هذا الكتاب -أيضًا- ممن لا يُتهم بالتعصب للإمام أحمد، وهو ابن النديم في كتابه الفهرست، وابن النديم معروف بميوله الشيعية، ومع هذا لما ترجم للإمام أحمد ﵀ في كتابه ذكر كتبه وذكر منها هذا الكتاب، وكذلك كل من ترجم للإمام أحمد ﵀ ذكر أن هذا الكتاب من كتبه، وقد أطال ابن القيم ﵀ في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية)، في النقل من هذا الكتاب وفي إثبات صحته ونسبته إلى الإمام أحمد.
[ ١٣ / ٥ ]
أمثلة من ردود الإمام أحمد على الجهمية والزنادقة
في هذا الكتاب بعد المقدمة يقول الإمام أحمد: يقول الله ﷿: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦]، قالت الزنادقة: فما بال جلودهم التي عصت قد احترقت وأبدلهم جلودًا غيرها؟! فلا نرى إلا أن الله يعذب جلودًا لم تذنب حين يقول: «بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا»! فشككوا في القرآن وزعموا أنه متناقض، فقلت: إن قول الله تعالى: «بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا» ليس يعني: جلودًا غير جلودهم، وإنما يعني: بدلناهم جلودًا غيرها، فتبديلها بمعنى: تجديدها؛ لأن جلودهم إذا نضجت جددها الله؛ وذلك لأن القرآن فيه خاص وعام ووجوه كثيرة وخواطر يعلمها العلماء.
وفي موضع آخر يقول: أما قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:٩٧]، وقوله في آية أخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٥٠] فقالوا عنه: كيف يكون من الكلام المحكم قوله: «وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا»، ثم يقول في موضع آخر: إنه ينادي بعضهم بعضًا؟! فشككوا في القرآن من أجل ذلك.
أما تفسير: «وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ»، وفي آية أخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، فإنهم أول ما يدخلون النار يكلم بعضهم بعضًا، وينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [إبراهيم:٤٤]، ويقولون أيضًا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فهم يتكلمون، حتى قال الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فصاروا عميًا وبكمًا وصمًا، وينقطع الكلام ويبقى الزفير والشهيق، فهذا تفسير ما شك فيه الزنادقة من قول الله.
وهكذا -أيضًا- في ردوده على الضالين من هؤلاء المبتدعة، ومن ذلك رده على المعتزلة والجهمية، قولهم: إن الله ﷿ يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، والقرآن شيء فهو مخلوق.
فقال لهم: يقول الله ﷿: «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ»، والله تعالى شيء، وما خلقه من الأشياء شيء، فالله ﷿ ليس مخلوقًا، ومنه الكلام، وكل شيء المقصود به بقية المخلوقات، هذا أولًا.
ثانيًا: من أسلوب القرآن استعمال هذا التعبير: (كل شيء)، لكن ليس المراد به التعميم المطلق، وإنما المقصود به هنا ما من شأنه أن يُخلق، مثل قول الله ﷿: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥]، فمساكنهم لم تدمر، مع أنه قال: (كل شيء)، فالمقصود: كل شيء مما يستحق التدمير، أو مما يراد به التدمير، مثل العصاة والظلمة.
هذا هو كتاب الإمام أحمد ﵀ (الرد على الزنادقة والجهمية).
[ ١٣ / ٦ ]
نظرة عامة في مواضيع كتاب العبودية
أما الكتاب الذي ندرسه هنا فهو كتاب العبودية كما سبق، وهو عبارة عن سؤال وجه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن العبادة وعن معناها وعن حقيقتها، وعن أعلى المقامات في الدنيا والآخرة إلخ؟ فأجاب ﵀، مبتدئًا بتعريف العبودية فقال: [الحمد لله رب العالمين.
العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة].
ثم شرع في أمثلتها فقال: فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة وأمثال ذلك من العبادة.
يقول: وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة.
ثم قال: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة.
ثم شرع في بيان منزلة العبادة، ثم ذكر الآيات في هذا الموضوع، إلى قوله: فالدين كله داخل في العبادة.
فقوله: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، إلى قوله: فالدين كله داخل في العبادة.
ثم شرع بعد ذلك في العلاقة بين الدين والعبادة.
فقال: فالدين كله داخل في العبادة.
ثم ساق الأدلة على هذا، إلى قوله: كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦].
فهذا الجزء يمكن أن نسميه العلاقة بين الدين والعبادة.
ثم بعد ذلك بدأ في موضوع آخر، فقال: وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد الذي عبده الله، وهذه الفقرة يمكن أن نجعل عنوانها: (العبادة الجبرية)، وهي نوع من أنواع العبادة سيأتي الحديث عنها إن شاء الله.
ثم قال كلامًا آخر إلى قوله: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة فيشهدها لا يشهد إلا هذه الحقيقة.
وحينئذ نبدأ في موضع آخر، وهو موقف الصوفية من العبادة الجبرية، وهذه المسألة أطال فيها، وسيأتي -إن شاء الله- الحديث عنها مفصلة.
[ ١٣ / ٧ ]
تعريف العبادة وبيان مفهومها
وسنبدأ بالحديث عن تعريف العبادة ومفهوم العبادة.
أما العبادة في اللغة فإنك إذا تتبعت كتب المعاجم ستجد أن العبادة تأتي لخمسة معان: الأول والثاني: الخضوع والذل، ولهذا تقول العرب: هو طريق معبد أي: ذللته الأقدام بالسير.
والثالث: الطاعة، والرابع: التمليك، تقول العرب: أعبدني هذا أي: ملكنيه.
والخامس: التنسك، فهذه خمسة معان تأتي العبادة بها في اللغة.
وأما تعريفها في الشرع فقد عرفها الشيخ بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وعرفها غيره بتعريف آخر، فيقول أبو البقاء الكفوي في كتابه (الكليات) في تعريف العبادة: هي فعل ما يرضي الرب.
وعرفها غيره فقال: العبادة هي عبارة عن الاعتقاد والشعور بأن للمعبود سلطة غيبية في العلم والتصرف فوق الأسباب يقدر بها على النفع والضر، فكل دعاء وثناء وتعظيم ينشأ من هذا الاعتقاد فهو عبادة.
فإذا جئنا إلى تعريف الشيخ في قوله: (هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه) نجد أن معنى العبادة: هو كل ما أمر الله ﷿ به في القرآن، أو أمر به الرسول ﷺ في السنة، وذلك أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: طلب وتخيير.
فأما الطلب: فهو طلب الفعل أو طلب الكف، وطلب الفعل يكون على نوعين: إما طلب الفعل على سبيل الإلزام، وهذا هو الواجب.
وإما طلب الفعل على غير سبيل الإلزام فهذا المندوب.
وأما طلب الكف فهو نوعان: الأول: طلب الكف على سبيل الإلزام، وهذا هو المحرم، والثاني: طلب الكلف على غير سبيل الإلزام، وهذا هو المكروه.
وأما التخيير الذي هو مقابل الطلب في التقسيم الأول فهو المباح الذي إن شاء الإنسان فعله وإن شاء تركه، فالعبادة الشرعية هي الطلب بمعناه الأول، طلب الفعل أو طلب الكف، فهذا الطلب هو العبادة، ولهذا نلاحظ أن العبادات التي أمرنا الله ﷿ بها بعضها يقتضي أن تقوم بفعل، سواء أكان هذا الفعل فعلًا بدنيًا أم فعلًا لسانيًا أم فعلًا قلبيًا، أو بعضها يقتضي طلب الكف والترك، وهذا يكون بترك الشرك والكفر وبترك البدعة وبترك جميع الذنوب والمعاصي، فترك الشرك وترك البدعة في حد ذاته عبادة، أي: أن مجرد الابتعاد في حد ذاته عبادة؛ وذلك أن الترك في حقيقته فعل، والدليل على ذلك قول الله ﷿ عن بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]، فقوله: «لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» يعني: ترك التناهي، يقول تعالى: «كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ»، يعني: يفعلون المنكرات في مجتمعاتهم فلا ينهى بعضهم بعضًا، ثم قال في وصفهم: «لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ»، فما هو الفعل الذي فعلوه؟ هو أنهم تركوا النهي عن المنكر، فالترك فعل أيضًا.
[ ١٣ / ٨ ]
شمول العبادة لحياة الإنسان كلها
ومن هنا نلاحظ أن العبادة اسم جامع لكل ما أمر الله ﷿ به، سواء أكان أمرًا إيجابيًا أم أمرًا سلبيًا، ومعنى الأمر الإيجابي طلب الفعل، ومعنى الأمر السلبي طلب الترك، فيدخل في هذا كل حياة الإنسان، ولهذا نجد أن الإنسان في تكوينه إما أن يفعل وإما أن يترك، وليس للإنسان في ذلك شيء آخر، فإما أن يفعل الفعل وإما أن يتركه، فالأفعال التي يفعلها الإنسان هي عبادة يتقرب بها إلى الله ﷿، وأما التروك التي يتركها الإنسان فإذا قصد بها العبادة فهي عبادة، ويدل على أن العبادة تشمل حياة الإنسان كله أن الإنسان كائن بشري يتحرك في الوجود بأعضائه، والعبادة تشمل جميع أعضاء الإنسان، فهي تشمل حركات البدن الظاهرة، كحركة اليدين والرجلين، فيدخل في هذا القتال في سبيل الله، وهو من أفضل القربات وأفضل العبادات عند الله ﷾، ويدخل في هذا حركة اللسان، فمن العبادات أن يقرأ المرء القرآن وأن يسبح وأن يدعو إلى الله ﷿، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدخل في هذا عبادات القلب، مثل الخوف من الله والرجاء والتوكل والإنابة والرغبة والرهبة وغير ذلك، ويدخل في ذلك النظر، ولهذا نجد أن الأحكام الشرعية متعلقة بجميع أعضاء الإنسان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] فهو مسئول عن هذه الأشياء جميعًا.
إذًا: العبادة تشمل حياة الإنسان كلها، ولا يمكن أن يخلو الإنسان من العبادة، فهو إما أن يكون خاضعًا لله أو خاضعًا لغيره، وسيأتي معنا -إن شاء الله- بيان حقيقة نفسية مهمة جدًا، وهي أن طبيعة تكوين الإنسان أن الله ﷿ خلقه محتاجًا، فإما أن يحتاج إلى الله، وهذا من التعبد، وإما أن يرغب عن الاحتياج لله ﷿ فيحتاج إلى غيره، أما إذا تصور أحد أن الإنسان يمكن أن يكون غير عابد لله ولا لغير الله فهذا تصور باطل.
وقد نشأت ملة جديدة في هذه العصر تسمى: الليبرالية، والليبراليون أشخاص يقولون: نحن أحرار من جميع الأديان، أحرار من كل الالتزامات، وليس هناك التزام معين نلتزمه، فنحن أحرار من الأديان جميعًا، النصرانية، واليهودية، والإسلام، والبوذية، فهؤلاء من يعبدون؟ إن بعض الناس يقول لك: لا يعبدون أحدًا، وهذا غلط، فهم يعبدون الهوى، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] فهو يعبد الهوى، أي: يعبد رغبته وشهوته أينما وجهته يتوجه وراءها.
الشيخ يقول: اسم جامع، يعني: يشمل كل ما يحبه الله ويرضاه، والذي يحبه الله ويرضاه نوعان: الواجب والمستحب -وقد يسمى المستحب: مندوبًا- من الأقوال والأعمال، والأقوال تشمل أقوال اللسان وأقوال القلب، فأقوال اللسان سبق أن مثلنا لها، وقول القلب هو تصديق بما جاء عن الله وما جاء عن الرسول ﷺ وقوله: (الباطنة والظاهرة) ليشمل نشاط الإنسان القلبي ونشاطه الظاهرة ولا شك في أن بين الظاهر والباطن تلازمًا مطردًا ومنعكسًا، أي: تلازم دائم وهذا هو معنى قول النبي ﷺ: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فلا يتصور أبدًا وجود إنسان صالح في الظاهر مائة في المائة، وهو فاسد في الباطن، إلا في حالة واحدة، وهي النفاق، أما أن يكون الإنسان صالحًا في الباطن متقيًا لله ﷿ يخاف الله ويخشاه، وفي نفس الوقت لا يكون ذلك ظاهرًا على جوارحه فهذا غير متصور إلا في حالة واحدة، وهي حالة الإكراه بحيث يكون مكرهًا، لا يستطيع أن يعبر عما في داخله بأفعاله، ومع هذا لا يتصور أن يكره إنسان بحيث لا يستطيع أن يؤدي عبادة واحدة؛ لأنه يمكن أن يعمل في السر، فيقول سبحان الله، أو ينطق بالشهادة، أو يصلي في السر، أو يعمل أي عمل في السر.
فقوله: (الباطنة والظاهرة) يشمل حياة الإنسان كلها.
ومن هنا نلحظ وهذه قضية مهمة أن العبادة نوعان: فردية وجماعية، فالفردية هي التي يقوم بها الإنسان، مثل الصلاة والصيام والحج، وحقوق الوالدين، وحقوق الجيران، وحقوق الأهل، وما يقوم به من الخوف والرجاء والتوكل وقراءة القرآن، وما يقوم به من ترك الربا وترك الفواحش وترك المحرمات جميعًا، فهذه يمكن أن نسميها عبادة فردية؛ إذ يقوم بها الإنسان وحده.
وهناك عبادات جماعية، كالجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله، والإصلاح بين الناس، والنصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه العبادات الجماعية ضرورية جدًا لصلاح المجتمع، فإنه متى ما تركت هذه العبادات فسد المجتمع، وبعض الناس يقول: ما لي وللمجتمع، فأهم شيء أن أصلح نفسي.
ونقول: إن الله أوجب عليك إصلاح نفسك وإصلاح غيرك، وإلا فما معنى النصيحة؟ وما معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وما معنى الجهاد في سبيل الله بالقول واللسان واليد ونحو ذلك؟! وما معنى بناء المجتمع الإسلامي؟ ولماذا ذم الله ﷿ اليهود الذين كانوا يسكتون عن المنكرات؟ ل
[ ١٣ / ٩ ]
الأسئلة
[ ١٣ / ١٠ ]
بيان معنى قول شيخ الإسلام: (ويرضاه) في تعريف العبادة
السؤال
ما معنى قول المصنف: ويرضاه في تعريف العبادة؟ وهل يدخل في ذلك المباح؛ لأنه مما لا يسخطه الله تعالى؟
الجواب
قوله: (يرضاه) بمعنى: (يحبه)، وبمعنى أنه يقره ولا يسخط منه، وأما الإباحة فهي نوعان: إباحة شرعية، وإباحة أخرى طبيعية.
فالإباحة الطبيعية: هي عموم ما جعله الله ﷿ في الأرض؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩] فكل ما في الأرض الأصل فيه الإباحة، إلا ما دل الدليل الشرعي على تحريمه، وأما الإباحة الشرعية فهي التي نص فيها على الإباحة، مثل قول الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، فهذه تسمى الإباحة الشرعية، بمعنى أن الله ﷿ هو الذي أحلها.
[ ١٣ / ١١ ]
اقتضاء الأمر الوجوب والإلزام
السؤال
هل الأمر يقتضي الإلزام ويقتضي التخيير أحيانًا؟
الجواب
الأمر إذا أطلق في النصوص الشرعية، فالأصل فيه أنه يقتضي الإلزام، والدليل على ذلك قول الله ﷾: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]، فرتب حصول الفتنة وحصول العذاب الأليم على مخالفة الأمر.
ويقول الله ﷾: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فنفى الخيرة عنهم، وهي الاختيار في الفعل أو الترك، وهذا يدل على الإلزام.
إلا أنه في بعض الأحيان - لوجود قرائن أخرى- لا يدل الأمر على الإلزام، ومثاله السترة فالنبي ﷺ يقول: (إذا صلى أحدكم فليستتر) يعني: بسترة في الصلاة، فهذا الأمر ظاهره أنه يدل على الوجوب، لكن ثبت عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح من حديث ابن عباس (أن النبي ﷺ صلى في فضاء) يعني: وليس له سترة يستتر بها، ففعله ﷺ دل على أن هذا الأمر للتخيير، وليس للإلزام.
[ ١٣ / ١٢ ]
شرح العبودية [٣]
العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وللعبادة ركنان أساسيان هما: الخضوع والحب، فمع الخضوع والاستسلام وتمام الانقياد لابد من المحبة لله سبحانه، فمن خضع واستسلم لله ولم يحبه فليس عبدًا خالصًا لله، وكذلك من أحب الله ولم يخضع له ويستسلم لأوامره فليس عبدًا خالصًا لله.
والعبادة هي أساس التوحيد؛ لأن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة.
[ ١٤ / ١ ]
تعريف بكتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فقد سبق أن تحدثنا عن كتاب (الرد على الزنادقة والجهمية) للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
وسوف نتحدث هنا -بإذن الله تعالى- عن التعريف بكتاب: (توحيد وإثبات صفات الرب ﷿) لـ أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة الشافعي الذي يلقب بإمام الأئمة، والإمام أبو بكر بن خزيمة ﵀ من علماء القرن الثالث، وولادته كانت في فترة مبكرة، ولهذا تلقى على أقران الإمام أحمد رحمه الله تعالى، من أمثال: إسحاق بن راهوية والإمام البخاري ﵀ ومسلم وغيرهم من علماء أهل السنة المشهورين في تلك الفترة، وقد ولد في سنة مائتين وثلاث وعشرين، وتوفي في سنة ثلاثمائة وإحدى عشرة.
[ ١٤ / ٢ ]
موضوع كتاب التوحيد لابن خزيمة
هذا الكتاب الذي هو كتاب التوحيد صنفه الإمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في العقيدة، وهدفه الأساسي الاختصاص بمسألة توحيد الأسماء والصفات، خاصة مسألة الصفات؛ لأن الخلاف في موضوع الصفات خلاف كبير، وقد حصلت فيه فُرقَة عظيمة بين الناس في القرن الثالث خاصة لا سيما عندما وقعت المحنة والفتنة التي سبق أن أشرنا إليها، وهي فتنة خلق القرآن.
وهذا الكتاب الذي ألفه ابن خزيمة ﵀ اشترط فيه الصحة كما اشترط الصحة في صحيحه، وهذا هو ظاهر كلامه ﵀ في المقدمة، فإنه عندما تحدث عن سبب تأليف الكتاب بين أنه بسبب ظهور بعض الأحداث سمع من المشتغلين بالعلم الذين جالسوا أهل الأهواء والبدع، سمع منهم كلامًا خلاف السنة فقام بتأليف هذا الكتاب.
ويحسن هنا أن نذكر الموطن التي أشار فيها إلى اشتراطه للصحة، فإنه عندما ذكر المسائل التي سيتعرض لها في هذا الكتاب وهي مسألة القدر ومسألة الأسماء والصفات قال: مما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وبما صح وثبت عن نبينا ﷺ بالأسانيد الثابتة الصحيحة بنقل أهل العدالة موصولًا إليه، ليعلم الناظر في كتابنا هذا ممن وفقه الله لإدراك الحق والصواب، ومنَّ عليه بالتوفيق لما يحب ويرضى صحة مذهب أهل الآثار في هذين الجنسين من العلم.
يقصد العلم بالقضاء والقدر، والعلم بتوحيد صفات الله ﷾.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى أن ابن خزيمة ﵀ ممن اشترط الصحة في كتابه التوحيد، فإذا روى حديثًا بإسناده ولم يعلق عليه فذلك علامة على أنه يرى أنه صحيح، كما أنه إذا روى حديثًا في صحيحه المشهور الذي لم يطبع منه إلا الربع فقط فهو -كذلك- صحيح عنده، ولكن مع هذا فقد وجد في هذا الكتاب بعض الأحاديث التي انتقدت، رواها عن بعض الضعفاء، بل روى عن بعض المتروكين.
ومن الأحاديث الضعيفة التي ذكرها رحمه الله تعالى الحديث المشهور الذي فيه أن الله خلق الأرض على النون، والنون على قرن ثور، وهو حديث طويل لا يثبت عن النبي ﷺ، ومع ذلك نقله في هذا الكتاب.
وهذا الكتاب يرد فيه على الطوائف المنحرفة جميعًا، فهو يرد فيه على المعتزلة، وقبل ذلك على الجهمية، ويرد فيه كذلك على الكلابية.
وكان العصر الذي ظهر فيه ابن خزيمة ﵀ قد نشطت فيه الكلابية خاصة في المشرق، وكان لهم كثير من الأئمة، فقد كان هناك بعض الأئمة من أهل الحديث، وفي نفس الوقت يكون على عقيدة ابن كلاب الذي خالف فيها منهج السلف.
وهذا الكتاب اهتم بإثبات الصفات، فهو -مثلًا- يذكر سياق ما ورد عن النبي ﷺ في أن لله ﷿ يدين، وفي إثبات صفة الوجه، وفي إثبات الصفات بشكل تفصيلي، لكن يوجد فيه تكرير، فصفة اليد ذكرها في أكثر من عشرة أبواب، فيذكرها في باب، ثم يأتي في باب آخر فيذكرها، ثم يأتي في باب آخر فيذكرها، وقد كانوا لا يعتنون بالترتيب كما هو منهج البحث العلمي المعاصر الآن، وإنما كانوا كلما وجدوا حديثًا يمكن أن يضعوا له بابًا مستقلًا فعلوا ذلك، وقد يكررون لأهمية التكرار في بعض الأحيان.
[ ١٤ / ٣ ]
موقف أهل البدع من كتاب التوحيد لابن خزيمة
هذا الكتاب شجىً في حلوق أهل البدع، ولهذا سماه الرازي في تفسيره عندما فسر قول الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، سماه كتاب الشرك، وفيه يقول: ليس كتاب التوحيد، بل هذا كتاب الشرك، والعياذ بالله، والسبب في هذا أن الرازي على خلاف عقيدة السلف في الصفات وفي الإيمان وفي مسائل كثيرة، فهو عندما يقرأ إثبات الصفات يعتقد أن إثبات الصفات يلزم منه تعدد الآلهة مع الله تعالى، وهذا لا يلزم، فلا يلزم منه إثبات تعدد الآلهة كما يزعم هؤلاء المبتدعة الضالون.
ولهذا قلده -أيضًا- جهمي في العصر الحاضر، وقد توفي وهلك عام ألف وثلاثمائة وسبعين تقريبًا، وهو محمد زاهد الكوثري، فإنه في تعليقه على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ذكر كتاب ابن خزيمة هذا ونقده نقدًا شنيعًا، وتكلم عليه كلامًا قبيحًا وسماه: كتاب الشرك، والعياذ بالله.
ولا شك في أن هذا الكتاب من كتب أئمة السلف، وابن خزيمة إمام مشهور، تلقى عنه العلم البخاري ومسلم، ورويا له في غير الصحيح أحاديث متعددة، ومن تلاميذه ابن حبان البستي، وغيرهم من الأئمة المشهورين في ذلك الزمن.
وهذا الكتاب فيه عناية تفصيلية بإثبات الصفات، ولهذا جاء أحد الأشاعرة - وهو أبو بكر بن فورك - فتتبع هذا الكتاب، وأخذ الصفات المذكورة في هذا الكتاب وقام بتأويلها صفة صفة، وزعم أنها ليست على ظاهرها.
وسمى كتابه: (بيان مشكل الحديث) ثم رد عليه بعد ذلك إمام من أئمة الحنابلة، وهو أبو يعلى رحمه الله تعالى بكتاب سماه: (إبطال التأويلات) فأخذ تأويلات ابن فورك، ورد عليها تأويلًا تأويلًا، وبين خطأه وضلال المذهب الذي اتبعه في ذلك.
[ ١٤ / ٤ ]
بيان منزلة الكتاب في الاعتقاد
هذا الكتاب يعتبر من الكتب الأصلية في معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، لا سيما أن ابن خزيمة ﵀ يروي الأحاديث والآثار بإسناده، وهذا يدل على أن كتابه مصدر أصلي من المصادر التي نقلت العقيدة عن السلف الصالح رضوان الله عليهم، وحري بطالب العلم أن يقتني مثل هذا الكتاب، ويستفيد منه، وينتفع به.
هذا بالنسبة للتعريف بكتاب من كتب السلف رضوان الله عليهم في مجال العقائد.
[ ١٤ / ٥ ]
معاني العبادة وبيان المراد بها
أما الدرس الذي نحن بصدده في كتاب العبودية فإنا قد تحدثنا عن تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى للعبودية، وقلنا: إن العبودية تطلق ويراد بها معنيان: المعنى الأول: المتعبد به، والمعنى الثاني: التعبد.
فأما المتعبد به فهو ما عرف به شيخ الإسلام رحمه الله تعالى العبادة، فإنه قال: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فهذا تعريف للعبادة في ذاتها.
ولهذا لما ذكر الأمثلة ذكر الصلاة والزكاة والصيام والحج إلى آخر الأمثلة التي ساقها بعد التعريف.
وأما العبادة التي تطلق ويراد بها التعبد فيصدق عليها ما عرفها به الكفوي ﵀ في كتابه (الكليات) فإنه قال عن العبادة: هي فعل ما يرضي الرب.
وسبق أن أشرنا إلى معاني العبادة في لغة العرب، وقلنا: إن العبادة تأتي في لغة العرب على خمسة معان: الأول: الخضوع، والثاني: الذل، والثالث: الطاعة، والرابع: المملوكية، والخامس: النسك والتنسك.
[ ١٤ / ٦ ]
علاقة التعريف اللغوي بالتعريف الاصطلاحي للعبادة
هناك قاعدة ينبغي العناية بها في مسألة التعريفات، وهذه القاعدة هي أن التعريف الاصطلاحي لا بد من أن يكون له علاقة بالتعريف اللغوي، فمثلًا: الصلاة في اللغة هي الدعاء، وفي اصطلاح الفقهاء: أقوال وأفعال تبدأ بالتكبير وتختم بالتسليم، كما هو معلوم، ولها أوقات مخصوصة، فهناك علاقة بين التعريف الاصطلاحي والتعريف اللغوي، وهي أن هذه الأقوال والأفعال هي من جنس الدعاء، فإن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، وهكذا بقية التعريفات.
فالحج في اللغة: هو القصد، وفي الاصطلاح: قصد أماكن مخصوصة لأداء شعائر مخصوصة.
فهناك علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، ولا يصح أن يكون المعنى اللغوي في جهة والمعنى الاصطلاحي في جهة أخرى، فالكلمات التي استخدمها الشارع في معانٍ جديدة في الحقائق الشرعية لا بد من أن يكون هناك رابط بينها وبين المعنى اللغوي في أصل لغة العرب قبل أن تستخدم بالمعنى الشرعي.
فالعبادة في لغة العرب معناها: الذل والخضوع، ومعناها: الطاعة والاستسلام، ومعناها: المملوكية التامة، ومعناها التنسك بأفعال يقدمها الإنسان لمعبوده الذي يعبده.
والعبادة في الشرع هي هذه المعاني اللغوية، لكن بشرط أن تصرف لله ﷾، فإن معنى العبادة في لغة العرب يمكن أن يصرف لأي شيء، فيمكن أن يصرف للطاغوت، أو للأصنام أو للهوى أو للشيطان، لكن العبادة بمفهومها الشرعي هي نفس المعاني اللغوية التي استخدمت، لكن بشرط أن تكون مصروفة لله ﷾، فهذه هي العبادة الشرعية.
[ ١٤ / ٧ ]
إثبات المعنى اللغوي في التعريفات الشرعية والزيادة عليه
وبقيت قضية أخرى، وهي أن المصطلحات الشرعية -في بعض الأحيان- ينقل فيها الشرع الكلمة من معناها اللغوي إلى معناها الاصطلاحي بنفس المعنى، وقد يزيد في بعض الأحيان.
مثال ذلك: الإيمان، فالإيمان يقول فيه بعض أصحاب المعاجم: إنه يراد به التصديق في لغة العرب، وعندما تأتي إلى المعنى الشرعي تجد أنه لا يقصد به التصديق فقط، وإنما يضاف إليه العمل والقول، أي: عمل القلب وعمل الجوارح، وقول اللسان، فلم يبق المعنى الاصطلاحي على حد المعنى اللغوي، وقد كان بعض الناس يتكلمون في لغتهم الدارجة بكلمة (آمن) بمعنى: صدق، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧] يعني: ما أنت بمصدق لنا، لكن هذه الكلمة استخدمت في المعنى الشرعي بمعنى أشمل من المعنى اللغوي، فهل الأمر كذلك في تعريف العبادة أم أن الشرع استعمل العبادة بمعناها اللغوي بدون أن يضيف إليها معنى آخر جديدًا؟
[ ١٤ / ٨ ]
معاني العبادة التي أضافها الشرع على المعاني اللغوية
نقول: لقد أضاف الشرع معنى آخر جديدًا إلى المعاني الخمسة التي سبق أن ذكرناها، فالحب معنى جديد يدخل في مفهوم العبادة الشرعية، فلا تكون العبادة عبادة شرعية إلا إذا كان فيها حب، فإذا اجتمعت تلك الأركان الخمسة مع الحب تكونت العبادة، وإذا لم تجتمع معه لم تتكون العبادة.
بيان ذلك أنه يمكن أن يخضع الإنسان في بعض الأحيان ويذل ويطيع وهو كاره غير محب، فهذه الأفعال لا تسمى عبادة، مثل حالات الإكراه التي تمر بالناس، بحيث إنهم يُضطهدون من الطواغيت مثلًا، ففرعون اضطهد بني إسرائيل، فلم يستطع أحد منهم أن يرفع رأسه، فالظاهر هو أنهم خاضعون، وأنهم مذلون طائعون له، لكن لا يعني هذا أنهم عبدوه من دون الله، والسبب في هذا أن هذا الخضوع وهذا الذل كان بالقهر والجبر والقوة، وليس خضوعًا تعبديًا، فإن الخضوع التعبدي هو الذي يكون فيه خضوع وفي نفس الوقت يكون ناشئًا عن محبة وعن تأله لهذا المعبود، كما أن المحبة وحدها بدون خضوع ليست عبادة، فالإنسان يحب أبناءه، ويحب أمه وأباه، ويحب زوجته، ويحب إخوانه في الله، ولم يقل أحد من الناس: إن الرجل إذا أحب هؤلاء فقد عبدهم من دون الله، فهو كافر.
ومن هنا كان تحرير المصطلحات الشرعية مهمًا جدًا، وإذا لم يحدد الإنسان المعاني الشرعية يقع في الزلة.
ومثال ذلك: الذين وقفوا عند المعاني اللغوية في تعريف العبادة، فقالوا: إنها هي الذل والخضوع فقط، فقد رتبوا على هذا أن من ذل وخضع فهو عابد، ورتبوا على هذا أن الذين يذلهم الطواغيت بالقوة والقهر والجبر والحديد والنار كفار، فإذا قيل لهم: لماذا كفروا؟ قالوا: لأنهم خضعوا للطواغيت، فإذا قيل: ما معنى أنهم خضعوا للطواغيت؟ قالوا: عبدوهم من دون الله، فإن العبادة هي الخضوع.
فنقول: لكن هذا الخضوع ليس عن محبة، وإنما هو عن خوف، فقد جبروهم على هذا الخضوع، والعبادة ليست مجرد الخضوع، وإنما هي خضوع مع محبة.
وأكثر ما يبرز معنى العبادة في طاعة طواغيت التصوف، فطواغيت التصوف الآن لا يتسلطون على الناس بالحديد والنار، ولا يتسلطون على الناس بالإرهاب المادي، وإنما يتسلطون على الناس بالإرهاب النفسي، فأنت إذا أغضبت الولي محق رزقك، وذهبت البركة من مالك، وأصبحت ضائعًا في هذا الوجود ليس لك أحد تأوي إليه، وحينئذ يضطر الإنسان الذي ليس عنده عقيدة سليمة إلى أن يخضع لهؤلاء حتى لا يضيع رزقه، وحتى لا يكون من الهلكى، ويكون هذا الخضوع ليس خضوعًا؛ لأنه يخاف على رزقه فقط، بل خضوعًا مشوبًا وخصلة التعظيم والإجلال، وفيه العناية بالتعبد، ومنها هنا جاءت المحبة، فهو يحبه لأنه ولي لله كما يتصور، ويخضع له؛ لأنه يخاف على رزقه، فاختلط الخضوع والمحبة، فعبده من دون الله، والعياذ بالله.
فعبودية المريدين لأصحاب الطرق الصوفية أوضح في الشرك -والعياذ بالله- من عبودية المضطهدين الذين لم يخضعوا عن محبة وإنما خضعوا عن خوف، ولهذا ينبغي على الإنسان إذا درس أي مفهوم من المفاهيم الشرعية أن يحرره تحريرًا شرعيًا، كمفهوم التوحيد مثلًا، أو مفهوم الإيمان، أو مفهوم الشرك، أو مفهوم الكفر، أو غيرها من المفاهيم، ومنها مفهوم العبادة، فيجب أن يحرره تحريرًا شرعيًا، بحيث يكون المعنى واضحًا في ذهنه، ولا يرد عليه إيرادات تفسد هذا المعنى.
ومن ثم نأخذ من هذا أن حقيقة العبادة التي إذا صرفت لغير الله كانت شركًا: هي الخضوع والذل والطاعة للمألوه والمحبوب، والمألوه والمحبوب هو الذي أحب لمعنى غيبي، فالمشركون الذين كانوا في مكة كانوا يحبون أصنامهم، وقد يقول قائل: ومن يحب الحجر؟ نقول: لا بد من أن نفهم كيف كان المشركون يعبدون أصنامهم، فالمشركون ما كانوا يعبدون الأصنام لأنها حجارة، فهم أناس لهم عقول، ويعرفون أن الحجارة هذه لا تضر ولا تنفع، ولا يستفاد منها، وإنما كانوا -في الحقيقة- يعبدون الأولياء والصالحين والأنبياء والملائكة، فهم في الحقيقة يعبدون هؤلاء، كما قال الله ﷿: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧].
فقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الإسراء:٥٧] يعني: أولئك المدعوون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، فيحبون ويخافون ويرجون، فهم يعبدون الله، وهؤلاء هم الأنبياء والصالحون والملائكة.
ولهذا تجد أن النصارى يعبدون عيسى ﵇ وهو نبي صالح، واليهود يعبدون عزيرًا وهو صالح كذلك، والمشركون يعبدون اللات، وسبب ذلك أن رجلًا كان يلت السويق على صخرة بين مكة والطائف، ويعطيه الحجاج، ثم مات، فلما مات عكفوا على قبره وعبدوه من دون الله.
فهم ما كانوا يعبدون الأصنام؛ لأنها حجارة.
وهنا قد يقول قائل: لماذا جاءوا بالأصنام؟ أقول: إن الأصنام جاءوا بها من أجل أن تذكرهم فقط، فيضعون صنمًا على شكل إنسان أو على شكل ولي أو على شكل قائد كبير مثلًا، فتذكرهم بالملائكة، وتذكرهم بالأنبياء والصالحين
[ ١٤ / ٩ ]
أركان العبادة
سبق أن أشرنا إلى أن هذا الدرس سنتحدث فيه عن أركان العبادة، وبيّنا أن أركان العبادة هي: الخضوع والذل والمحبة، وكذلك الخوف والرجاء في المعنى الشرعي، كما دلت عليه آية الإسراء، وهي قول الله ﷿: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧]، فهذا ركن من أركان العبادة، وهو ركن المحبة، قال تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]، فهذه الثلاثة هي حقيقة العبادة، فإن المحبة مثل الرأس للطائر، والخوف مثل الجناح والرجاء مثل الجناح الثاني، ولهذا ثبت في حلية الأولياء لـ أبي نعيم الأصبهاني عن مكحول -وهو أحد السلف المشهورين- أنه قال: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئي، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو خارجي -أو قال: حروري- ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو سني متبع.
ولهذا فإن تغليب جانب على جانب في قضايا العبادة يجعل الإنسان يضل وينحرف.
[ ١٤ / ١٠ ]
علاقة العبادة بالتوحيد
التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبار، وإلى قسمين باعتبار آخر: فهو ينقسم إلى توحيد الربوبية والإلهية والأسماء والصفات باعتبار جانب الله ﷾، فإذا أردت أن تقسم التوحيد بالنظر إلى الله فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: توحيد الربوبية وهو إفراد الله بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير عمومًا.
القسم الثاني: توحيد الإلهية وهو إفراد الله ﷿ بالعبادة.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ، هذا هو التقسيم الأول.
وأما التقسيم الثاني: فهو باعتبار جانب العبد، فإن التوحيد ينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد القصد والطلب.
فتوحيد المعرفة والإثبات يشتمل في التقسيم الثلاثي: على توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن هذين التوحيدين إنما يتعلقان بالمعرفة في الإنسان.
وأما النوع الثاني من أنواع التوحيد بالنسبة للتقسيم الثنائي فهو توحيد القصد والطلب، وهذا التقسيم الثاني يقابل توحيد الإلهية في التقسيم الثلاثي، وبناءً على ذلك فإن توحيد الإلهية يعتبر شطرًا أساسيًا من التوحيد، وإنما قيل له: توحيد الألوهية بالنظر إلى جانب الله، ونفسه يعبر عنه بتوحيد العبادة بالنظر إلى جانب العبد، فبالنظر إلى جانب العبد يسمى توحيد العبادة، وبالنظر إلى جانب الله تعالى يسمى توحيد الألوهية، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة.
ومن هنا نلحظ العلاقة بين العبادة وبين التوحيد، فالعبادة هي أساس التوحيد، وأساس التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، ولا يتصور أن يفرد الإنسان الله ﷿ بالعبادة إلا إذا جاء بتوحيد الربوبية، وهو إفراد الله ﷿ بالخلق والرزق والملك، وكذلك إثبات الأسماء والصفات، فإذا حصل القدح في إفراد الله ﷿ بالربوبية، أو في إفراده بالأسماء والصفات فإن هذا يكون في نفس الوقت قدحًا في توحيد العبادة.
ومن هنا نلحظ أهمية العبادة، فإن العبادة لها أهمية كبرى في حياة الإنسان؛ لأنها هي حقيقة التوحيد الذي أراده الله ﷿ منا.
[ ١٤ / ١١ ]
علاقة العبادة بالإيمان
ما هي العلاقة بين العبادة والإيمان؟ الإيمان يعرفه أهل السنة بأنه قول وعمل، والمراد بالقول قول القلب وقول اللسان، وقول القلب هو تصديقه، وقول اللسان هو النطق بالشهادتين، والذكر، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله، ونحو ذلك.
وأما العمل فيشمل عمل القلب وعمل الجوارح، فما هو عمل القلب؟ إن عمل القلب هو الخشية، والخوف، والإنابة، والرجاء، والمحبة، والتوكل، وغير ذلك من أنواع العبادات القلبية.
وأما عمل الجوارح فهي الأعمال التي يباشرها الإنسان بجوارحه، مثل الجهاد في سبيل الله، والحج، والدعوة، والصلاة والزكاة والصيام ونحو ذلك، فهذه أعمال بالجوارح.
فهذا هو تعريف الإيمان عند السلف الصالح رضوان الله عليهم، وإذا قارنا بين العبادة وبين الإيمان نجد أن العبادة هي الإيمان تمامًا، فالعبادة هي حقيقة الإيمان، فإن العبادة -كما سبق- معناها الذل والخضوع والمحبة لله تعالى، والذل والخضوع والمحبة لله تعالى هي أعمال القلب في تعريف الإيمان.
كما قال النبي ﷺ: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فإذا قارنت بين العبادة والإيمان تجد أن العبادة هي نفسها عمل القلب في الإيمان، فعمل القلب: الخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والمحبة، ونحو ذلك، فهذه هي عبادات، وهي في نفس الوقت إيمان.
وكذلك أعمال الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، وكذلك قول اللسان كصدق الحديث، فهذه كلها عبادات، وهي في نفس الوقت إيمان، وهذا الإيمان إما متعلق باللسان، وإما متعلق بالجوارح، وإما متعلق بالقلب.
ومن هنا نلحظ العلاقة القوية بين العبادة من جهة، وبين الإيمان من جهة أخرى، فإذا تصورنا إنسانًا لا يعبد الله ﷿، فهل يكون مؤمنًا؟ إنه لا يكون مؤمنًا أبدًا؛ لأن العبادة والإيمان بمعنى واحد.
[ ١٤ / ١٢ ]
علاقة العبادة بالإسلام
إن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك، هذا هو تعريف الإسلام شرعًا، وهو في اللغة: الاستسلام والإذعان، وإذا جئنا إلى العبادة نجد أنها الخضوع والذل، والخضوع والذل والمحبة استسلام وإذعان، فالعبادة هي الإسلام نفسها.
[ ١٤ / ١٣ ]
علاقة العبادة بالدين
وما هي العلاقة بين العبادة والدين؟ لقد بحث شيخ الإسلام هذا الموضوع فقال: فالدين كله داخل في العبادة.
ثم ذكر حديث جبريل، وقال: فجعل هذا كله من الدين، ويقول: والدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: دنته فدان أي أذللته فذل، ويقال: يدين الله، ويدين لله، أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له.
فنلحظ هنا أن العبادة هي التوحيد، وأن العبادة هي الإيمان، وأن العبادة هي الإسلام، وأن العبادة هي الدين، ويدلنا هذا على أهمية فهم العبادة، وعلى أهمية الاهتمام بها وتصورها، والنظر إلى حياة النفس وحياة المجتمع هل هي موافقة لعبادة الله أم ليست موافقة.
ومن ثم تعرف هل هي موافقة للإيمان، وهل هي موافقة للتوحيد، وهل هي موافقة للإسلام، وهل هي موافقة للدين، أم ليس الأمر كذلك؟
[ ١٤ / ١٤ ]
المنحرفون في تعريف العبادة
وبعد أن ذكرنا تلك العلاقات ننتقل إلى موضوع آخر سبق أن وعدنا بالحديث عنه، وبه نختم، وهو موضوع طويل ومهم جدًا، وهو موضوع المنحرفين في تعريف العبادة، فالمنحرفون في تعريف العبادة كثيرون، وأشهرهم ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: العلمانية.
والطائفة الثانية: أهل الكلام.
والطائفة الثالثة: الصوفية.
[ ١٤ / ١٥ ]
العلمانية وانحرافها في مفهوم العبادة
أما العلمانية فإن أول درس قد أشرنا فيه إلى أنها أخطر اتجاه وتيار يهدد مسيرة هذه الأمة.
فهم لا يرفضون الدين جملة، ولا يطعنون فيه مباشرة، وإنما يحصرون الدين في جزء يسير من الحياة، ويتركون بقية الحياة لأهوائهم وأفكارهم وآرائهم وفلسفاتهم، وهم في كثير من الأحيان يستعيرون آراءً وأفكارًا ومذاهب وفلسفات من جهات أخرى.
فهؤلاء العلمانيون خطر على مسيرة الأمة؛ لأن العلمانية حصرت الدين الذي أنزله الله ﷿ من السماء ليكون حاكمًا للناس في واقع الأرض، حصرته في مكان ضيق ومحدد، وهي لا ترفضه، بل إنها قد تعتز به، وقد تثني عليه، وقد تفرح به وبرجالاته، لكنها لا تفهم الفهم السليم الصحيح الذي أراد الله ﷿ أن يكون واقعًا في الأرض.
ومن هنا كان لا بد من أن نعرف تعريف العلمانية للعبادة، وأن نبين الخطأ والآثار المترتبة على هذا التعريف.
يعرف العلمانيون العبادة بأنها: الشعائر التعبدية التي تكون في حدود المسجد.
وهم إذا تكلموا عن العبادة وفرحوا بها فإنما يقصدون الشعائر التعبدية فقط، مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة ونحو ذلك، ولهذا لا يرون ضيرًا على كل إنسان علماني أن يتبنى مذهبًا فكريًا غربيًا وفي نفس الوقت يكون مسلمًا، ويكون عابدًا لله؛ لأن العبادة التي تصوروها، والتي يريدون أن يفوا بها هي هذه العبادة التي هي الشعائر التعبدية في حدود المسجد فقط.
[ ١٤ / ١٦ ]
الآثار الخطيرة المترتبة على المفهوم العلماني للعبادة
هذا التعريف له آثار خطيرة على مجتمع المسلمين، وهذه الآثار الخطيرة يمكن أن نوضحها بأمثلة، فمن أمثلة ذلك أن يعبد غير الله ﷿ في ميادين متعددة، مثل ميدان المرأة، فالعلمانيون يرون أنه يجوز للمرأة أن تعيش كما تريد، وأنه لا قوامة للرجل عليها، وأنه لا علاقة للرجل بها؛ لأنه لا علاقة للعبادة بالمرأة، فللمرأة أن تخلع حجابها وسترها، وأن تسافر بغير محرم، وليس للولي سلطان عليها بحيث يحجبها كما يقولون.
وبناء على هذا يقولون: إن المرأة -مثلًا- لو أنها خرجت سافرة متكشفة لتسافر إلى أي مكان، وتعمل ما تريد، وتترك ما تريد، وتعاشر غير زوجها من الرجال إذا كان ذلك بحريتها، وليس فيه قدح في شخصيتها؛ فإن هذا أمر مباح لها، وهو من حقوقها الشخصية.
فالمرأة يمكن أن تعبد غير الله ﷿، بحيث تتخذ منهجًا في حياتها مخالفًا لمنهج الله ﷾، وتصلي وتصوم ثم تقول: إنها عابدة.
وهذا لا شك في أنه انحراف خطير.
ومن أمثلة ذلك أنهم يقولون: يمكن لإنسان عابد ومسلم أن ينضم إلى حزب شيوعي يرى أن الشيوعية خير في التحاكم إليها من أي شريعة أخرى في الدنيا، أو ينتمي إلى فكر تحرري يرى أن الإنسان حر حرية مطلقة بغير قيود، وهي التي يسمونها الليبرالية، لكن في نفس الوقت لا بد من أن يحافظ على الشعائر التعبدية حتى يكون مسلمًا، وإلا فإنه لا يكون مسلمًا، وحينئذ جعلوا الإنسان عابدًا لغير الله في أغلب حياته.
ويترتب على تعريف العلمانية للعبادة إلغاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل في شئون الآخرين، وإلغاء الجهاد في سبيل الله؛ لأن فيه تعديًا على حريات الآخرين، وفيه إيذاء للآخرين.
وهكذا بقية شئون الحياة تبنى على غير منهج الله، فتكون جماعة العلمانيين حينئذ عابدة لغير الله ﷿ في بقية شئونها، وفي نفس الوقت ترى أنها عابدة لله ﷿ بمجرد أداء الشعائر التعبدية، وهذا هو تعريف الإسلام عندهم، فإذا قيل لهم: ما هو الإسلام العظيم الذي جاء به محمد ﷺ؟ قالوا: هو هذا المسجد الذي يصلى فيه، ويجتمع فيه المسلمون، وفيه تكون اللقيا بين المسلمين يوم الجمعة ونحو ذلك، أما بقية أمور الحياة فلا شأن للإسلام فيها، بل إنهم يقولون: إن الإسلام نظيف، فلا يصلح أن ندخله في جميع شئون الحياة؛ فإن ذلك يجعل الإسلام يتقذر؛ لأن شئون الحياة فيها قذارة، وفيها مصالح، والإسلام مثالي، فلا يصلح أن يكون بهذه الطريقة وبهذا المستوى.
ولهذا يريدون من الإسلام أن يكون مجرد شعائر تعبدية فقط، وهذا مخالف -كما قلت- لأساسيات عظيمة في القرآن والسنة، ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، فالذي يتبع أي مذهب من المذاهب الفكرية فهو ضال منحرف، خارج عن دائرة الإسلام.
والله ﷾ يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وهذا المنهج العلماني فيه ادعاء أن هذا الدين ليس كاملًا؛ لأنه لم يأت بأحكام للمرأة، ولم يأت بأحكام للمال، وهذا هو مقتضى التعريف.
ومثل ذلك آيات كثيرة، كقوله ﷾: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، فهذه الآية تدل على أن حياة الإنسان كلها خاضعة لمنهج الله ﷾، ويجب أن تكون وفق منهج الله ﷾، وإذا تصور الإنسان أنه يمكن لجوانب من حياته أن تخرج عن منهج الله فهو مخالف لنص الآية؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام:١٦٢]، أي: كل أحوالي ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، ومخالف -أيضًا- لسيرة النبي ﷺ العملية، وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم، فإن النبي ﷺ قد صبغ الحياة كلها بالإسلام، وليس هناك ميدان أبدًا من الميادين لم يصبغه هذا الدين بالإسلام، وليس هناك ميدان من الميادين أبدًا لم يكن فيه شرع لله ﷿.
[ ١٤ / ١٧ ]
أهل الكلام وانحرافهم في تعريف العبادة
الاتجاه الثاني: هم أهل الكلام، والكلام -كما يعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀-: هو طريقة مخترعة على غير طريقة المسلمين في عرض العقائد ومناقشتها، فيدخل في ذلك كل طوائف الكلام، مثل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وغيرها من الطوائف التي انتسبت إلى علم الكلام ودافعت عنه.
وعلم الكلام علم مناظرة وحجاج وجدل، وقد ترتب على هذه المناظرات والحجاج والجدل كثير من العقائد التي صنفها أهل الكلام في كتبهم، وهؤلاء انحرفوا في تعريف العبادة، حيث حصروا العبادة في التصديق القلبي والنطق باللسان فقط، والسبب في حصر العبادة في تصديق القلب والنطق باللسان فقط أمران: الأمر الأول: الإرجاء.
والأمر الثاني: تفسيرهم للإله بأنه القادر على الاختراع.
فإن عامة أهل الكلام مرجئة، أي: أنهم أخروا العمل عن مسمى الإيمان، فلم يجعلوا العمل داخلًا في مسمى الإيمان، وإنما أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان وحصروا الإيمان المنجي عند الله ﷿ في التصديق القلبي فقط، ثم اختلفوا: هل النطق بالشهادة شرط لإجراء الأحكام الدنيوية على الإنسان مع احتمال أن يكون ناجيًا يوم القيامة، أم أن النطق بالشهادتين شرط في أساس الإيمان من التصديق؟ وذلك على قولين في هذه المسألة، وجمهورهم على أن النطق بالشهادتين شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، والتفريق بين المسلم وغيره إنما يكون بالنطق، وأما عند الله ﷿ فإنه قد ينجو عندهم من جاء بالتصديق القلبي فقط حتى ولو لم ينطق بالشهادتين، وقد نصوا على ذلك في كتبهم، فالذي يراجع مثلًا كتاب المواقف للإيجي يجد هذا الكلام، وكذلك كتاب أصول الدين للبغدادي، وكذلك عامة كتب أهل الكلام، مثل تحفة المريد في شرح جوهرة التوحيد، وتبسيط العقائد الإسلامية، وغيرها من الكتب التي نصوا فيها على أن الإيمان يحصل بمجرد التصديق القلبي فقط.
وإذا كان الإيمان هو مجرد التصديق القلبي فقط، فمعنى هذا أن عمل القلب لا يدخل في الإيمان، وقد نصوا على هذا، ونص الباقلاني في باب الإنصاف على أن عمل القلب وعمل الجوارح لا يدخل في مسمى الإيمان، وإذا كان عمل القلب والجوارح لا يدخل في مسمى الإيمان فمعنى هذا أن من ترك جميع أعمال القلب، وجميع أعمال اللسان، وجميع أعمال الجوارح، فإنه لا يكون كافرًا ما دام أنه مسلم، فتصور وجود إنسان لا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج، ولا يزكي، ولا يخاف الله، ولا يحبه، ولا يخشاه، ولا يتوكل عليه، ولا يرجوه، ولا يعمل من الأعمال شيئًا ومع هذا يكون مسلمًا؛ لأنه مصدق بالقلب، وأخرجوا العبادة كلها من مفهوم الإيمان، فلما أخرجوا العبادة كلها من مفهوم الإيمان ترتب على هذا أنهم جاءوا إلى تفسير (لا إله إلا الله) فقالوا: (لا) معناها النفي، وهذا واضح، و(إلا) معناها الحصر، وهذا واضح، و(الله) هو اسم الجلالة المعروف، وهذا واضح، وبقيت كلمة (إله) فقالوا: الإله معناه: القادر على الخلق، والقادر على الرزق، والقادر على الإبداع، فمعنى (لا إله إلا الله) عندهم: لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله.
فيقولون: إن الإنسان إذا اعتقد أنه لا خالق إلا الله فهو مؤمن، وقالوا: لا يمكن أن يعبد المؤمن غير الله.
[ ١٤ / ١٨ ]
الآثار المترتبة على انحراف أهل الكلام في تعريف العبادة
ويترتب على هذا اختلاف وتناقض قوي جدًا بين أهل السنة عمومًا وبين أهل الكلام في زمانهم، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول: إن الطواف حول القبور شرك، حتى وإن كان الإنسان يعرف أن الله هو الخالق الرازق، والذبح لغير الله -كالذبح للقبور- شرك، حتى وإن كان الإنسان يعرف أن الله هو الخالق الرزاق، وكذلك الخضوع بين يدي غير الله تعالى، فهذا كله من الشرك، وكذلك الاستغاثة بغير الله، ودعاء غير الله ﷾، فذلك عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعند أهل السنة والجماعة من الشرك، حتى ولو كان فاعله يعرف أن الله هو الخالق.
أما أهل الكلام فيقولون: إذا كان يعتقد أن الله هو الخالق الرزاق فليس بمشرك، حتى لو طاف حول القبر، وذبح لغير الله، واستغاث بغير الله، فما دام يعتقد أن الله هو الخالق الرازق، فهذا يكفي.
وقد كان المشركون يعتقدون أن الله هو الخالق الرزاق، كما قال الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] والله ﷿ يقول: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، قال المفسرون: يعني: تعلمون أن الله هو الخالق الرازق.
ولهذا فإن المشركين جميعًا يعرفون الله ويعظمونه، ويعظمون البيت الحرام، ويعظمون المشاعر، ويعظمون الأنبياء، ويعظمون الملائكة، ويعرفون أن الله هو الخالق الرازق، لكن يجعلون مع الله آلهة أخرى في أفعال الخلق، وفي أفعال الجوارح.
[ ١٤ / ١٩ ]
شرح العبودية [٤]
العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى، وهي الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وقد وصف الله تعالى بها كرام خلقه من الأنبياء والملائكة والصالحين، وهي أول واجب على المكلف؛ لأنها الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم، وقد ضل وانحرف في العبادة ومفهومها طوائف من أهل البدع، كالصوفية وأهل الكلام والعلمانيين ونحوهم، فجانبوا الصواب واتبعوا سبل الغواية والانحراف.
[ ١٥ / ١ ]
تعريف بكتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، إنك أنت العليم الحكيم.
سنبدأ هذا الدرس بالتعريف بكتاب من كتب السلف الكرام، وهو كتاب (الإيمان) لـ أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى.
وأبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ من العلماء المتقدمين، وهو من علماء القرن الثاني، ولد في منتصف القرن الثاني، وأخذ العلم عن مشايخ الإمام أحمد ﵀، مثل سفيان بن عيينة ويزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم.
وأخذ عنه العلم أئمة كبار مشهورون، مثل الإمام الدارمي ﵀، وابن أبي الدنيا والبغوي وغيرهم، وهو عالم في فنون متعددة: عالم في الفقه وفي العقيدة وفي القراءات وفي اللغة، وله في الفقه كتاب مشهور اسمه (الأموال) وله كذلك في اللغة (غريب الحديث)، وله في العقيدة هذا الكتاب الذي نحن بصدد الحديث عنه.
[ ١٥ / ٢ ]
موضوع كتاب الإيمان لأبي عبيد
وهذا الكتاب من أوائل المصنفات التي صنفت في هذا الموضوع الخطير من موضوعات العقيدة، وموضوع الإيمان من أخطر موضوعات العقيدة على الإطلاق، فموضوع الإيمان هو أول موضوع اختلفت فيه الأمة، فإن أول فرقة خرجت عن جماعة المسلمين وشقت صفوفهم هي فرقة الخوارج، وهؤلاء كفروا أعيان المسلمين بسبب الكبائر، فكانت أول فرقة خرجت ومرقت عن السنة في موضوع الإيمان.
وقد ناقش أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه هذا أهم مسائل الإيمان، خاصة مسألة تعريف الإيمان وحقيقته، ونقد في هذا الكتاب الطائفتين اللتين وصفتا بالإرجاء، وهما فرقة الجهمية الذين قالوا بأن الإيمان هو مجرد التصديق، أو الذين قالوا بأن الإيمان هو مجرد المعرفة فقط، وأخرجوا عمل القلب وإقرار اللسان وعمل الجوارح عن مسمى الإيمان، وكذلك فرقة مرجئة الفقهاء الذين قالوا: إن الإيمان هو تصديق القلب وإقرار اللسان بدون عمل الجوارح، وأما أعمال الجوارح فإنهم قالوا: لا تدخل إنما هي بر وإحسان وعمل صالح، لكنها لا تدخل في حقيقة الإيمان نفسه، بحيث لو ترك الإنسان جنس أعمال الجوارح فإنه لا يكفر، وأما عند الجهمية فإنه لو ترك جنس العمل عمومًا -مثل عمل القلب وعمل الجوارح مطلقًا، بل وإقرار اللسان- فإنه لا يكفر، والعياذ بالله.
كما أنه ناقش بعض الشبهات التي أثارها المرجئة، ونقل الحجج من القرآن والسنة على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وناقش موضوع زيادة الإيمان ونقصانه، وناقش كذلك موضوع الاستثناء في الإيمان، ونحوها من الموضوعات المهمة ذات الارتباط بموضوع الإيمان.
[ ١٥ / ٣ ]
بيان أهمية الكتاب
وأهمية هذا الكتاب تبرز من عدة جهات: أولًا: أنه من أول الكتب التي صنفت في هذا الموضوع، وكتاب مثله الإيمان لـ ابن أبي شيبة، فإنه لم يصنف في موضوع الإيمان -فيما أعلم- قبل هذين الكتابين كتاب مستقل في موضوع الإيمان، وإنما كان يكتب في ذلك في العقائد العامة، هذا أولًا.
ثانيًا: أنه متقدم، فقد ولد مؤلفه -كما قلت- في منتصف القرن الثاني، وهو من أقران الإمام أحمد ﵀، وهو عالم متميز، يتميز -كما قلت- بفهمه للغة، لا سيما أن أهل الإرجاء يعتمدون على اللغة كثيرًا، فإن أكبر قضية اعتمد عليها الباقلاني في كتابه (الإنصاف) في تقرير أن الإيمان هو مجرد التصديق هي اللغة، فإنه يقول: إن الإيمان في لغة العرب هو مجرد التصديق.
واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، وأن الإنسان إذا سئل: هل أنت تؤمن باليوم الآخر؟ فإنه يقول: نعم.
وإنما يفهم من قولك: (تؤمن باليوم الآخر) معنى: (تصدق) فقط.
وهذا الإمام بين أن الإيمان مع كونه في اللغة يدل على التصديق، بين كذلك أنه في الاصطلاح الشرعي زيد على مفهوم التصديق العمل.
والقرآن نزل بلسان العرب، وفي بعض الاصطلاحات الشرعية زيد على المعنى اللغوي معنى إضافي شرعي، وهذا المعنى الإضافي الشرعي يعرف من خلال النصوص الشرعية ومن خلال كلام النبي ﷺ.
[ ١٥ / ٤ ]
أهمية كتاب الإيمان في العصر الحاضر
والإمام أبو عبيد إمام مسند، ولهذا تنبغي العناية بهذا الكتاب وقراءته وتلخيصه، وهو كتاب صغير حققه الشيخ الألباني قديمًا، وهو من أهم الكتب في موضوع الإيمان، لا سيما أن موضوع الإيمان موضوع مهم جدًا في هذه الآونة الأخيرة التي بدأت تخرج فيها مقالات المرجئة مع الأسف في بعض الأحيان باسم السنة، فإن بعض المنتسبين إلى السنة يقرر الإرجاء عقيدة، ثم ينسبها إلى السنة، ولا شك في أن هذا من الضلال والعياذ بالله، ويكون الأمر خطيرًا عندما يقرر المذهب الباطل بهذه الطريقة، بحيث يقرره رجل ينتسب إلى السنة ثم ينسبه إلى السنة كذلك.
وهناك كتاب ألف في موضوع الإرجاء، وهو كتاب (إحكام التقرير في أحكام التكفير) ألفه مراد شكري، ونقل فيه أقوال المرجئة، أمثال: الرازي والغزالي والإيجي والدردير وغيرهم، ونقلها وهو يقرر أنها هي عقيدة أهل السنة، ولهذا صدر فيه بيان من اللجنة الدائمة، بينت فيه أن هذا الكتاب هو على عقيدة غلاة المرجئة الذين حصروا الإيمان في مجرد المعرفة فقط؛ ولهذا كان لا بد من أن يكون للإنسان زاد يتقي به هذه الاتجاهات الخطيرة التي تؤثر على عقيدة الإنسان، مثل الإرجاء ومثل عقيدة الخوارج ونحوهما من العقائد المضلة، لا سيما عقيدة المستغربين الذين يسمون أنفسهم بأصحاب الفكر المستنير، وسيأتي شيء من الكلام على هذه الفرقة فيما بعد إن شاء الله.
[ ١٥ / ٥ ]
الانحراف في تعريف العبادة ومفهومها
[ ١٥ / ٦ ]
انحراف أهل الكلام
كنا قد وقفنا في تعريف العبادة في الدرس السابق عند تعريف أهل الكلام، وقلنا: إن أهل الكلام حصروا العبادة في مجرد الإقرار وتصديق القلب فقط، وهذا التعريف لمفهوم الإيمان سببه أمران: الأمر الأول: الإرجاء.
والأمر الثاني: تفسيرهم للإله بأنه القادر على الاختراع.
وسبق أن أشرت إلى أن أهل الكلام طوائف متعددة، ومن هذه الطوائف التي بقيت إلى الآن فرقة الأشاعرة وفرقة الماتريدية، ولهما وجود في حياة المسلمين، وهما من الفرق التي تقرر أن الإيمان هو مجرد التصديق، كما أشرت إليه في التعريف بكتاب الإيمان، وترتب على هذا أن العبادة عندهم هي مجرد التصديق القلبي فقط، والتصديق القلبي هو مجرد التصديق بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت؛ لأنهم يفسرون (الإله) في شهادة التوحيد بمعنى: القادر على الخلق والقادر على الاختراع والإنشاء والإبداع، فمعنى (لا إله إلا الله) عندهم: لا خالق إلا الله، ولا شك في أن هذا ليس هو المقصود من (لا إله إلا الله) فإن المشركين الذين كانوا في زمن النبي ﷺ قال تعالى عنهم: ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]، مع أنهم في ذات الوقت كانوا يثبتون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وهذا يدل على أنهم لم يفهموا من (لا إله إلا الله) أنها تقتضي مجرد إثبات الخلق والرزق لله وحده فقط، وإنما فهموا أن المقصود أنه لا بد من أن يدين الإنسان لله ﷿ ويخضع له بكل شيء، فيخضع له بقلبه، ويخضع له بجوارحه ويخضع له بلسانه، وهذه هي حقيقة الإيمان عند السلف، وهي أنه مركب من ثلاثة أشياء: من عمل القلب وتصديقه، ومن عمل الجوارح، ومن قول اللسان كذلك.
[ ١٥ / ٧ ]
الآثار المترتبة على الانحراف الكلامي في مفهوم العبادة
وقد ترتب على هذا الانحراف عند أهل الكلام أن تكون العبادة هي الأفعال والأقوال التي تصرف لمن يعتقد فيه أنه خالق ورازق، فالعبادة عندهم هي الأقوال والأعمال التي تصرف لمن يعتقد فيه الربوبية، فإذا رأى أحدهم رجلًا يطوف حول قبر أو يذبح له أو ينذر له أو يستغيث بغير الله، قال: هذا في حد ذاته ليس كفرًا؛ إلا إذا كان يعتقد أن هذا الذي صرفت له العبادة خالق ورازق، وحينئذ افترق الناس إلى فرقتين في مفهوم العبادة وفي مفهوم الشرك أيضًاَ، فصار أهل الكلام يعرفون العبادة بتعريف غير تعريف أهل السنة، وصاروا يعرِّفون الشرك بتعريف غير تعريف أهل السنة، فهم يقولون: العبادة هي الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة التي تصرف لمن يعتقد فيه الخلق والرزق والإحياء والإماتة والربوبية.
أما أهل السنة فإنهم يقولون: العبادة هي الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة التي تجمع بين الخضوع والذل وبين المحبة، حتى لو صرفت لمن يعتقد أنه حجر، أو أنه ولي، أو أنه نبي، أو ملك من الملائكة، فما دام أنها أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة اجتمع فيها الذل والخضوع واجتمع معها المحبة كذلك فهي عبادة مصروفة، فإما أن تكون لله فتكون حينئذ توحيدًا، وإما أن تكون لغير الله فتكون حينئذ شركًا.
وترتب على هذا الخلاف بين السلف رضوان الله عليهم وبين أهل الكلام في مفهوم العبادة ترتب عليه خلاف كبير في الواقع، فأهل السنة يقولون: إن الذين يقفون حول القبور وينذرون لها ويذبحون لها كفار، وأهل الكلام يقولون: هم لم يعبدوا غير الله.
ولهذا فإن كتاب: (مفاهيم يجب أن تصحح) لـ محمد علوي المالكي قال فيه صاحبه بالنص: ولا يكفر المستغيث بغير الله ما لم يعتقد الخلق والإيجاد لغير الله تعالى.
فعنده لو أن إنسانًا استغاث بولي وهو يعتقد أنه غير خالق بل هو مخلوق، فليس فعله من الشرك، وأنه إذا ذبح لولي أو نذر له فإن هذا ليس من الشرك، إلا إذا اعتقد أن هذا الولي هو الخالق الرازق، وهذا لا شك في أنه لا يقول به أحد في الدنيا، فإنه لا يوجد طائفة تقول: إن هذا الكون أوجده إلهان وصانعان متفقان في الصفات وفي الأفعال، وإنما أكثر الملل وأكثر الأمم على أن الله هو الخالق الرازق، فمن أين دخل عليهم الشرك حتى اقتضى هذا أن يرسل الله إليهم الرسل؟ لقد دخل عليهم الشرك عندما صرفوا العبادات لغير الله، وعندما صرفوا الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة لغير الله ﷿، وعندما صلوا لغير الله، حتى لو كان من صلوا له يعتقدون فيه أنه مخلوق، وعندما ذبحوا لغير الله ونذروا لغير الله واستغاثوا بغير الله، وعندما أحبوا غير الله حب الذل، وعندما خافوا من غير الله خوف العبادة، وعندما توكلوا على غير الله واعتمدوا عليه حصل فيهم الشرك، وعندما تحاكموا إلى غير الشرع، فبذلك حصل عندهم الشرك والكفر.
وهذا التعريف الباطل الذي يعرف به أهل الكلام العبادة يرده حديث النبي ﷺ: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة)، فسماه النبي ﷺ عبدًا للدينار، مع أنه لا يوجد أحد في الدنيا يتصور أن الدينار خلقه، أو أن الدراهم خلقته، أو أن الخميصة أو الخميلة تخلق وترزق.
فالعبادة في مصطلح الشرع لا يلزم منها أن يكون هناك اعتقاد بأن الله ﷿ هو الخالق الرازق فيمن صرفت له، لكن لا شك في أن العبادة الشرعية المقبولة عند الله هي التي تصرف لله ﷿ باعتقاد الربوبية له، ولا يتصور أن يوجد إنسان يصرف العبادات لله ﷿ وهو لا يعتقد فيه أنه خالق ولا رازق ولا محيٍ ولا مميت.
[ ١٥ / ٨ ]
انحراف الصوفية في تعريف العبادة
والطائفة الثالثة التي انحرفت في مفهوم العبادة هي: الصوفية.
فإن الصوفية فسروا العبادة بأنها شهود الخلق والرزق وشهود الإنعام، ومعنى الشهود -كما سيأتي معنا إن شاء الله- هو ملاحظة النعمة أو ملاحظة الخلق أو الاهتمام به فهذا الشهود عندهم هو العبادة، ولهذا يفسر القشيري في كتابه (الرسالة) العبودية بأنها شهود الحقيقة الكونية العامة، وهي مقتضى الخلق.
ولهذا اتفق الصوفية وأهل الكلام وصاروا على طريقة واحدة، ولهذا تجد أن المتأخرين من الصوفية، والمتأخرين من أهل البدع يجمعون بين ثلاثة أشياء: يجمعون بين الانحراف في الاعتقاد -فتجد أحدهم مثلًا أشعري العقيدة- والانحراف في السلوك، فتجد أنه -مثلًا- قادري السلوك أو نقشبندي، والانحراف في الفقه، فتجد أنه متعصب لإمام من الأئمة، فلو جاءه الحديث لرده بسبب قول هذا الإمام، وهذه لا شك في أنها ثلاث مصائب متعاونة، وقد تركبت في حياة المتأخرين خاصة.
[ ١٥ / ٩ ]
منزلة العبودية
وننتقل الآن إلى القضية الثانية التي أشرت إليها سابقًا، وهي قضية منزلة العبودية التي ذكرها شيخ الإسلام ﵀، فقد ذكر ﵀ في منزلة العبودية ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى.
الأمر الثاني: أن العبودية هي التي أرسل الله ﷿ بها جميع الرسل.
الأمر الثالث: أن الله ﷿ وصف كرام الخلق بالعبودية، مثل الملائكة والأنبياء.
وسنزيد على ذلك -إن شاء الله- حتى نوصله إلى عشرة أمور.
[ ١٥ / ١٠ ]
العبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى والمرضية له
أما الأمر الأول فيقول عنه: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
هذه الآية اختلف فيها المفسرون، فبعضهم يفسر العبادة في هذه الآية بأنها العبادة العامة التي تقتضي الخضوع المطلق لجميع الكائنات، وهي الموافقة لمعنى الخلق ومعنى الملك، وحينئذ فسروا هذه الآية فقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ما خلقتهم إلا ليطيعوني طاعة عامة.
وهكذا لا يحصل شيء في حياة الناس إلا بإرادة الله ﷿ وتقديره ﷾، فلا يمكن أن يحصل شيء من غير إرادة الله ﷿ أبدًا؛ لأنه فعال لما يريد.
لكن التفسير الصحيح لهذه الآية هو أن المقصود بقوله: «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» -كما قال ابن عباس وغيره من المفسرين-: إلا لآمرهم فيطيعوني، وأنهاهم فينتهون، وحينئذ يكون المعنى في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، أي: إلا ليخضعوا الخضوع الاختياري الذي هو موافقة الأمر والنهي عن اختيار وعن رغبة، وهذه هي العبودية الشرعية التي جاء الأمر بها.
وأما العبودية التي فسرت بها هذه الآية أولًا فهي العبودية الجبرية التي سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، ولا شك في أن كون العبادة هي الغاية المطلوبة والمرضية والمحبوبة لله ﷾، يدل على أهمية هذه العبادة ومنزلتها.
[ ١٥ / ١١ ]
العبودية هي الغاية من إرسال الرسل
وأما الأمر الثاني فهو أن العبودية أرسل الله تعالى بها جميع الرسل، والآيات الواردة في أن الله ﷿ أرسل جميع الرسل بالعبادة تنقسم إلى قسمين: آيات عامة تشمل جميع الرسل، وآيات مفردة لكل رسول.
فمن الأمثلة على الآيات العامة قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
وأما الآيات المفردة لكل رسول فمنها قول نوح ﵇ لما أرسله الله ﷿ إلى قومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لأقوامهم، ثم ذكر الآية العامة في هذا الموضوع، وهي قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، كما في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢].
وجعل ذلك لازمًا لرسوله إلى الموت، كما قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، فمنهج الرسل جميعًا هو الدعوة إلى عبادة الله ﷿، ومعنى الدعوة إلى عبادة الله: الدعوة إلى إفراد الله ﷿ بإرادات القلب، مثل: المحبة، والخوف، والرجاء، والاعتماد، والتسليم، والخضوع، ونحو ذلك، وعبادات الجوارح، وعبادات اللسان، وهذا هو محط نظر الدين، ومحط نظر الإسلام، ومحط نظر الشرع، وهو السبب الذي جعل الرسل الكرام رضوان الله عليهم ينكرون على أقوامهم ما هم عليه من الشرك، فإن الأقوام -كما سبق أن أشرت- يقرون بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، ونحو ذلك.
فمنهج الرسل في الدعوة إلى الله ﷿ هو أن يبتدئوا أولًا بالدعوة إلى العبادة، وهي أساس العقيدة.
[ ١٥ / ١٢ ]
بيان خطأ المعرضين عن الاشتغال بقضايا العقيدة بحجج واهية
وهناك أشخاص يقولون: إن العقيدة يسيرة، ولهذا لا داعي لأن نشتغل بتقريرها والبحث فيها، وإنكم أعطيتم هذه القضية أكبر من حجمها.
وهؤلاء لو رجعوا لوجدوا أن منهج الأنبياء جميعًا أن أول ما يبتدئون به مع الأقوام هو الدعوة إلى الاعتقاد الصحيح؛ لأن أعظم قضية في الدين هي قضية إقرار المسلم بربوبية الله تعالى، وإقراره بإلهيته وفعل العبادة له، وإقراره بأسمائه وصفاته، فإذا لم يكن موضوع العقيدة موضوعًا مهمًا فما هي الموضوعات المهمة إذًا؟! ولهذا فإن معاذًا رضي الله تعالى عنه عندما أرسله النبي ﷺ إلى أهل اليمن أمره أن أول ما يبدأ بالعقيدة، فقال: (إنك تأتي قومًا أهل الكتاب، فليكن أول ما تأمرهم به شهادة ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله).
ومن العجيب أن الذين يقولون: إن موضوع العقيدة يسير يستدلون بأن الرسول ﷺ لما جاءه معاوية بن الحكم السلمي وكان قد ضرب جاريته فقال لها رسول الله ﷺ: (أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: رسول الله.
قال: فأعتقها فإنها مؤمنة) فيقولون: انظروا كيف قرر العقيدة في دقائق! ولهذا فإنه لا حاجة إلى أن تطيلوا الشرح في الموضوع وتفرعوا وتوسعوا.
ولا شك في أن هذا خطأ كبير، فإن النبي ﷺ عندما قرر لهذه الجارية العقيدة لم يقرر لها كل العقيدة، وإنما قرر لها المسائل الأساسية، فقرر لها أن الله في العلو، وقرر لها صدق نبوة الرسول ﷺ، ولتتلقى منه، هذا أولًا.
ثانيًا: أنه كان يريد أن يطمئن على أنها مؤمنة، وليست بمشركة، ولهذا فأكثر آيات القرآن الكريم تختم بالأسماء والصفات، أو في أثنائها ينبه على علم الله ﷿ وقدرته، وأنه ﷾ مع الإنسان في كل لحظة، وكل هذا من العقائد.
وحينئذ فلا شك في أن تقرير العقيدة من أهم الأمور في الدعوة إلى الله ﷾، فإذا صححت العقائد عند الناس استقام دينهم، وإذا فسدت عقائدهم ضلوا وانحرفوا عن المنهج السليم، وإذا كانت عقائدهم صحيحة فإن بقية الأعمال تبنى عليها، سواء في موضوعات الفقه، أو في موضوعات العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو في أي موضوع من الموضوعات.
ثم إن الإيمان هو القوة وهو أساس العقيدة، فالإيمان الكامل إذا تحقق في النفس استطاع الإنسان أن يواجه الفتن والشيطان وهوى النفس الأمارة بالسوء، ونحو ذلك.
فمن هذا المنطلق نعرف أن منهج جميع الرسل الكرام هو الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، وتقريرها، وأعظم العقيدة التي يدعى إليها العبادة لله ﷾.
[ ١٥ / ١٣ ]
وصف كرام الخلق بالعبودية
وأما الأمر الثالث فهو وصف كرام الخلق بالعبودية، يقول: وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه، فقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦].
وذم المستكبرين عنها بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠].
ونعت صفوة خلقه بالعبودية، وهذا تابع لنفس الموضوع، فقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، فإنه وصفهم بأنهم عباد الله، والإضافة على نوعين: إضافة تشريف، وإضافة خلق وإيجاد، فهنا الإضافة إضافة تشريف؛ لأن الحديث عن أهل الجنة.
وقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]، ولما قال الشيطان: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٣٩ - ٤٠] قال الله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤١ - ٤٢].
وقال في وصف الملائكة بذلك: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وًَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥].
فهذه الآيات جميعًا وصف الله ﷿ فيها كرام الخلق من الأنبياء ومن الصالحين والملائكة بأنهم عابدون لله ﷿، وهذا يدل على فضل العبودية، وأهميتها، فإنه إذا وصف بالشيء أفضل المخلوقات، دل ذلك على مكانته منزلته وأهميته.
وقال تعالى عن المسيح الذي ادعيت فيه الإلهية والبنوة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩]، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تطروني -يعني: لا تبالغوا في المدح والثناء علي- كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله).
وقد أطرت النصارى المسيح فوق درجة العبودية ظنًا منهم أن درجة العبودية درجة عادية ويسيرة، والواقع أن درجة العبودية درجة كبيرة، ولهذا ادعوا أنه إله، وادعوا أنه ابن للإله، يريدون أن يعظموا المسيح لمكانته في قلوبهم، لكنهم ضلوا بهذه الطريقة.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (خيرت بين أن أكون ملكًا نبيًا أو أكون عبدًا رسولًا، فاخترت أن أكون عبدًا رسولًا) فمن أعظم المقامات العبودية لله ﷿، وقد نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله، فقال في الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١].
لأن الإسراء مقام عظيم بالنسبة للنبي ﷺ، وقال في الإيحاء: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠].
وقال في الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩].
وقال في التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣].
[ ١٥ / ١٤ ]
العبودية هي الميثاق الذي أخذه الله على عباده
تلك ثلاثة أمثلة ذكرها الشيخ في بيان منزلة العبودية، ويمكن أن نضيف عليها في بيان منزلة العبودية أن العبودية هي الميثاق، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة:٨٣].
[ ١٥ / ١٥ ]
العبودية حق الله تعالى
وهي كذلك حق الله تعالى، ويدل على ذلك حديث معاذ بن جبل رضي الله عندما كان رديف النبي ﷺ على حمار فقال: (أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ فقال: الله ورسوله أعلم.
قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا)، فالعبودية حق خالص لله ﷿، ومن أجلها وجب الجهاد والقتال، ولا شك في أن الجهاد والقتال أمره صعب وعسير على الإنسان، ومع هذا أوجبه الله ﷾، فإن النبي ﷺ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).
وكذلك يقول النبي ﷺ: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).
[ ١٥ / ١٦ ]
العبودية أول واجب على المكلف
ومما يدل على منزلة العبودية أنها أول واجب على المكلف، ولهذا جاء في حديث معاذ بن جبل عندما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن أنه قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وهذا نص في الأولية.
[ ١٥ / ١٧ ]
العبودية هي الأساس في المحاورة مع أهل الأديان
والعبودية هي الأساس في الحوار مع أي أمة من الأمم، ونحن نسمع كثيرًا عن الحوار بين الأديان، والحوار بين أهل السنة وغيرهم من الفرق الضالة مثل الصوفية، والشيعة وغيرهم، وهذا الحوار له ضابط شرعي ينبغي أن يدركه الإنسان، وهو قول الله ﷿: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤].
إذًا: الأساس في الحوار ينبغي أن يكون في تقرير أن الله ﷿ هو المعبود، وهو ﷾ وحده الخالق الرازق المحيي المميت الذي يجب أن تصرف له العبادة، أما الذين يدعون إلى الحوار مع اليهود، أو مع النصارى، ويقولون: إن الحوار يقتضي أن يتنازل الإنسان عن بعض ما عنده، ويتنازل الخصم عن بعض ما عنده، ونلتقي في منتصف الطريق، فلا شك في أن فعلهم هذا من أعظم الضلال والانحراف.
وقد يقول قائل: أنتم عندما تناقشون الأمم الأخرى، كاليهود أو النصارى، أو أي أمة من الأمم فإنكم تناقشونهم وعندكم نظرة سابقة عن دينكم بأنه هو الحق ولا يمكن أن يتغير، وغيركم عنده نظرة عن دينه بأنه هو الحق الذي لا يتغير، فكيف يمكن أن يقنع بعضكم بعضًا؟! ونقول: إن القضية يسيرة ولله الحمد، فهذا الدين مقرر بأعظم الأدلة والبراهين، وهو ليس دينًا إيمانيًا يؤمن به الإنسان هكذا، بحيث يُقبل الحوار في ترك بعضه، أو نقصان بعض منه، بل هذا الدين مؤسس بأعظم الأدلة البرهانية التي لا تقبل خلافًا عند العقلاء من الناس، ولهذا سبق أن أشرت إلى أن هذا القرآن مليء بالأدلة العقلية التي إذا قرأها الإنسان المستقيم العقل فإنه سينقاد لها مباشرةً، وحينئذ عندما يناقش الإنسان اليهود أو النصارى أو غيرهم فإنه يأخذ هذه الأدلة العقلية ويحتج بها عليهم، كما أن دينهم واضح البطلان، بل إنهم يعلمون ذلك، ولكن الذي يمنعهم من الالتزام بدين المسلمين ليس هو عدم وجود أدلة عند المسلمين تكفي في الاستدلال على عقائدهم، بل لأنهم يتبعون الهوى، ويتبعون الشهوة، ويحسدون هذه الأمة المسلمة على أن تكون هي الأمة الرائدة القائدة لجميع الأمم في الأرض، ولهذا ينبغي أن يدرك الإنسان مخاطر قضية الحوارات والآراء المعاكسة، وما يسمونه بالرأي والرأي الآخر، فهذا لا يدخل في أساسات الدين، فإن أسس الدين مقررة وإجماعية متفق عليها، وليس فيها خلاف، فقضايا العقائد الأساسية متفق عليها، ولا تقبل النقاش، ولا تقبل الخلاف، وكونها لا تقبل النقاش لأنها برهانية عقلية يقينية صحيحة، لكن نحن نقول: لا نقبل النقاش حتى لا نعرض ديننا لكل عابث، ولهذا كان السلف رضوان الله عليهم ينهون عن المناظرات، وعن المجادلات، فقد كان في زمن الدولة العباسية بعض الخلفاء من أصحاب الأموال، وكذلك الوجهاء والوزراء وغيرهم، كانوا يجمعون الطوائف المختلفة والمفترقة ثم ينظرون إليهم ويطلبون منهم أن يتجادلوا، فيطرحون قضية من قضايا العقيدة مثلًا، أو قضايًا الإيمان، أو أي مسألة من المسائل، ويبدءون بالجدال فيها، فإذا تجادلوا وتناقشوا في هذا الموضوع العقدي الخطير يبدأ الفقهاء يعجبون بمن يغلب، وتكمن أهمية المناظرة في استثارة كل واحد منهم، بحيث إنه تكون حجته أقوى، ويبدءون يزينون الكلام ويجملونه ويحسنونه، ويتناقشون في أخطر القضايا العقدية، وبعضهم جاهل بدين الله، ولهذا قد يقول القول وهو لا يعلم حقيقته، وقد يوصله ذلك إلى الردة -والعياذ بالله-، وهو لا يعلم حقيقة هذا القول الذي قال به، فهذه المناظرات وهذه المجادلات لا يقبلها دين الله ﷿، وإنما نقول: إن دين الله ﷿ ثابت بالأدلة القطعية، ومقرر بالأدلة العقلية التي لا تقبل النقاش، وإذا جئنا نحاور أمة من الأمم لا نحاورهم بأن نتنازل عن عقائدنا، بل نحاورهم بدعوتهم إلى العقائد الصحيحة التي عندهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤]، فما هي الكلمة السواء بيننا وبينهم؟ إنها ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤]، وهذا أمر يعرفه أهل الكتاب، ويعرفه كل صحيح الفطرة، وهو أن الخالق لابد من أن يعبد وحده، فإذا جئتم باجتهادات من عندكم، فجئتم بأولياء وبصالحين تريدون التقرب بهم إلى الله، نقول: اتركوا هذه المسائل إلى المتفق عليه، وهو أن الخالق لابد من أن يعبد وحده، وهذا هو حقيقة الدين.
[ ١٥ / ١٨ ]
العبودية أساس الاستخلاف والنصر
ومن فضائل العبودية ومنزلتها: أن العبودية هي أساس الاستخلاف والنصر لأهل الإيمان، وهي المطلوب الأول بعده، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
[ ١٥ / ١٩ ]
العبودية أساس دخول الجنة
ونختم بقضية أن العبودية هي أساس دخول الجنة كما تعلمون، فإن النبي ﷺ قال: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد حرم ماله ودمه وحسابه على الله) وفي حديث آخر: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).
ثم بعد ذلك تعرض الشيخ لمسألة العلاقة بين الدين والعبادة، وقد سبق أن تحدثنا عن موضوع العلاقة بين العبادة والدين، وبين العبادة والإيمان، وبين العبادة والإسلام، وبين العبادة والتوحيد.
وكذلك أشار إلى تعريف الدين، وأنه يجمع بين الذل والخضوع وبين المحبة، وفصل في ذلك، وقد سبقت الإشارة أيضًا إليه.
[ ١٥ / ٢٠ ]
اشتراط الخضوع والمحبة لتحصيل العبادة
ثم يقول ﵀ في آخر كلامه في هذا الموضوع: ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له.
وقد سبق أن أشرنا إلى هذا، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله ﷿، بل لابد من الخضوع ولابد من المحبة، فإذا اجتمعا حصلت العبادة، وإذا كان هناك خضوع بغير محبة فإنه لا يكون عبادة، وإذا كان هناك محبة بغير خضوع فإنها لا تكون عبادة، وقد أشرت إلى فائدة هذا التعريف والعناية به، وهو أن بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة قد يكفرون من خضع لغير الله ﷿، ولو كان مكرهًا، وهذا لا شك في أنه إجحاف وغلو وظلم، والعياذ بالله.
[ ١٥ / ٢١ ]
اختصاص الله ﷿ بعبادة الخلق له
ثم بعد ذلك دلل على أن العبادة خاصة بالله ﷾، فقال: فجنس المحبة تكون لله ولرسوله كالطاعة، فإن الطاعة لله ولرسوله، والإرضاء لله ولرسوله، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة:٦٢]، والإيتاء لله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩].
وأما العبادة وما يناسبها من التوكل والخوف ونحوه فلا تكون إلا لله وحده.
ثم استدل ببعض الأدلة، ويمكن أن نشير إلى وجه الدلالة فيها؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤].
فإنه قال: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤]، وهذا فيه حصر العبادة لله ﷿، وذلك أن النفي مع الإثبات في آن واحد يدل على الحصر والقصر، وهذا معروف عند أهل البيان والبلاغة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، فانظر كيف قرن بين الله ورسوله في مسألة الإيتاء؛ لأن الإيتاء يمكن أن يكون من الله، ويمكن أن يكون من الرسول، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، لكن انظر إلى الحسب -وهو الكفاية والتوكل-، فقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩] ولم يقل: (حسبنا الله ورسوله) لأن الحسب عبادة، أما الإيتاء فيمكن أن يكون من الله، ويمكن أن يكون من الرسول ﷺ كذلك.
فانظر إلى هذه الآية العجيبة، ففيها إيتاء وحسب ورغبة، فالإيتاء جعله لله وللرسول، وجعل الحسب لله وحده، والرغبة لله وحده، وهذا يدل على أن حصر الحسب والرغبة في الله ﷿ مقصود، والدليل على أنه مقصود هو كونه جعل الحسب بين موضعين من الإيتاء، حيث قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، هذا هو الموضع الأول، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩]، ثم قال: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، فجعل الإيتاء لله والرسول في بداية الآية، وفي آخر الآية كذلك جعله لله ولرسوله، وجعل الحسب بينهما لله وحده، والرغبة كذلك جعلها لله وحده، فالإيتاء لله وللرسول، كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
[ ١٥ / ٢٢ ]
اختصاص الله تعالى بالحسب ومعنى قوله: (يا أيها النبي حسبك الله) وبيان انحراف الشيعة في معناها
وأما الحسب -وهو الكافي- فهو لله وحده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
ومما يدل على أن الحسب -وهو الكفاية والتوكل على الله- يجب أن يكون لله فقط قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤].
يعني: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، وليس المقصود من هذه الآية أن المؤمنين أيضًا حسبك، فلا يمكن أن يصلح هذا المعنى؛ لأن الحسب عبادة، فيجب أن تكون لله فقط.
يقول في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله، يعني: كافيك وكافي المؤمنين أيضًا هو الله، ومن ظن أن المعنى: (حسبك الله والمؤمنون معه) فقد غلط غلطًا فاحشًا كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.
فالشيخ ﵀ بسط الكلام في هذه الآية في كتاب (منهاج السنة النبوية في الرد على الرافضة القدرية)، وهذا الكتاب ألفه في الرد على كتاب اسمه: (منهاج الكرامة) لـ ابن المطهر الحلي، وقد استدل ابن المطهر الحلي على إمامة علي بن أبي طالب بهذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] فإنه قال: البرهان الرابع والعشرون يعني: من الأدلة على أن علي بن أبي طالب هو الإمام وليس أبا بكر - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، يقول: فقد ثبت من طريق أبي نعيم قال: نزلت في علي.
وهذه فضيلة لم تحصل لأحد من الصحابة غيره، فيكون هو الإمام.
ولا شك في أن هذا الفهم فهم أعوج، وقد أبطله شيخ الإسلام في صفحات طويلة في هذا الكتاب، وسبب ذلك -كما أشار الشيخ نفسه- أنه قال: إن معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] يعني: حسبك الله وحسب المؤمنين أيضًا الله ﷿.
فيقول: وقد ظن بعض الغالطين أن معنى الآية أن الله والمؤمنين حسبك، ويكون قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الأنفال:٦٤] مرفوعًا عطفًا على الله، أي: حسبك الله والمؤمنون أيضًا حسبك.
وهذا خطأ قبيح مستلزم للكفر، فإن الله وحده حسب جميع الخلق، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] أي: الله وحده كافينا كلنا، فكل من النبيين قال: (حسبي الله)، فلم يشرك بالله غيره في كونه حسبه، فدل على أن الله وحده حسبه ليس معه غيره.
ثم ذكر مجموعة من الآيات، وكرر بعض الكلام المذكور، مثل أن الرغبة لله فقط، وأن الحسب له أيضًا فقط، ثم قال: وكذلك التحسب الذي هو التوكل على الله وحده، فلهذا أمروا أن يقولوا: (حسبنا الله)، ولا يقولوا: (ورسوله) كما في الآية السابقة، فإذا لم يُجدِ أن يكون الله ورسوله حسب المؤمن فكيف يكون المؤمنون مع الله حسبًا لرسوله؟! يشير إلى المعنى الذي سبق معنا، وهو قول الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة:٥٩] فلم يقل في الآية: ورسوله.
أي: فإذا كان الله ﷿ ذكر عن المؤمنين أنهم قالوا: (حسبنا الله)، ولم يشركوا الرسول في الحسب وهو رسول الله، فكيف يكون معنى قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أن المؤمنين حسب للرسول وهو أفضل منهم بلا شك؟! وأيضًا: فإن المؤمنين محتاجون إلى الله كحاجة الرسول إلى الله، فلابد لهم من حسب، ولا يجوز أن تكون معونتهم وقوتهم من الرسول وقوة الرسول منهم، فإن هذا يستلزم الدور، بل قوتهم من الله إلى أن يقول: فهذا كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣]، فإنه هو وحده المؤيد للرسول بشيئين: أحدهما: نصره، والثاني: بالمؤمنين، وهناك قال: ﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٢] إلى قوله: وإذا تبين هذا فهؤلاء الرافضة رتبوا جهلًا على جهل، فصاروا في ظلمات بعضها فوق بعض، فظنوا أن قوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] معناه أن الله ومن اتبعك من المؤ
[ ١٥ / ٢٣ ]
الأسئلة
[ ١٥ / ٢٤ ]
حكم ترك أداء الزكاة
السؤال
ما رأيك في قول المرجئة: إن تارك الزكاة يرتفع عنه الإيمان، ولا يقال: ليس له إيمان؟
الجواب
ترك الزكاة مسألة خلافية بين العلماء، لكن إذا اجتمع قوم واتفقوا على الترك فإنهم يقاتلون قتال المرتدين، فإن من نواقض الإيمان أن تجتمع طائفة على الإعراض عن أمر من أمور الإسلام، وتتفق على ذلك، وهذا الاجتماع وهذا الاتفاق والتعاون والتظاهر والتناصر على عدم تطبيق أمر من أمور الإسلام، أو على ترك أمر من أمور الإسلام لا شك في أنه ردة إذا حاربوا وقاتلوا، فلو أن طائفة من الناس من أهل مدينة أو أهل قرية امتنعوا عن الصلاة فإنهم يقاتلون قتال الكفار، وكذلك إذا امتنعوا عن الزكاة نقاتلهم قتال الكفار إذا قاتلوا، وكذلك إذا امتنعوا عن الجهاد، أو امتنعوا عن أداء أي شعيرة من شعائر الإسلام العامة، فإنهم يقاتلون، فإذا قاتلوا فقتالهم هو قتال المشركين المرتدين، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ عندما قاتل المرتدين.
[ ١٥ / ٢٥ ]
حكم من حكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاد وجوبه
السؤال
إذا حكم المرء بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه أو غرض من الأغراض مع اعتقاده بوجوب الحكم بما أنزل الله فهل يكون كافرًا؟
الجواب
الحكم بغير ما أنزل الله نوعان: الأول: أن يحكم بغير ما أنزل الله في قضية جزئية، مثل القاضي الذي يحكم في مسألة بشهوة مع اعترافه بأصل الأحكام الشرعية، ومع تطبيقه لها في غالب أحكامه، فهذا لا يكفر، وإنما هو عاص.
وأما تنحية الشريعة بأكملها وإقامة قانون وضعي بدلًا عن هذه الشريعة فلا شك في أن هذا كفر ناقل عن الإسلام، ومخرج من الملة، فإن هذا فيه إعراض عن هذه الشريعة بالكلية، وفيه رد لها، وهو كفر يخرج عن الإسلام، وكذلك إذا شرع أحد قانونًا في قضية من القضايا، فإنَّ هذا استحلال في الحقيقة؛ لأن أي قانون من القوانين يبدأ بقوله: (يجوز) أو (لا يجوز)، حتى القوانين الإدارية العادية تبدأ بنص: (لا يجوز للموظف أن يعمل كذا وكذا)، وكذلك القوانين التشريعية تبدأ بقولهم: (لا يجوز) أو (يجوز)، فالقوانين الوضعية التي تكون قانونًا وقاعدة عامة تطبق على كل الناس إذا غيرت فيها الأحكام الشرعية فهي كفر ينقل عن الملة، ويمكن أن يراجع في هذا الموضوع كتاب: (تحكيم القوانين الوضعية) للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى، فإنه وضح هذا توضيحًا بينًا، حيث ذكر أنواع الحكم بغير ما أنزل الله الذي يخرج من الملة، فذكر أنواعًا تتعلق بالاستحلال القلبي، مثل اعتقاد أن القانون الوضعي خير من حكم الشرع، أو اعتقاد وجوب الحكم الوضعي، أو اعتقاد أن الحكم الوضعي مثل الحكم الشريعة، وذكر نماذج من الاعتقاد، ثم ختمها بتنحية الشريعة والإتيان بالقانون الوضعي، وهذا يدل على أن ذلك كفر من غير اعتقاد؛ لأنه لو كان كفرًا باعتقاد أيضًا لكان في هذا تكرير للأنواع السابقة، وهو -﵀- رجل دقيق في العلم، ويمكن أن يراجع الكتاب ففيه خير كثير.
[ ١٥ / ٢٦ ]
الأدلة العقلية التي تثبت صحة الإسلام
السؤال
ما هي الأدلة العقلية التي تثبت صدق الإسلام؟
الجواب
إن أي موضوع من موضوعات الإسلام يمكن الاستدلال عليه، فموضوع التوحيد فيه أدلة عقلية، موضوع النبوات فيه أدلة عقلية، وموضوع المعاد الأخروي فيه أدلة عقلية، وسبق في إثبات صفة العلم أن من الأدلة العقلية على هذا الموضوع قول الله ﷿: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] يعني: لا يتصور أن يخلق الخلق وهو بغير علم، فإن الخالق لابد من أن يكون عالمًا، وإلا لم يكن خالقًا، وكذلك في إثبات صفة القوة يقول الله ﷿: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] أي: لا أحد أشد منا قوة، والدليل العقلي على خطأ قولهم هو قول الله ﷿: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، أي: أنتم -يا من ادعيتم القوة المطلقة- مخلوقون، فالذي خلقكم أقوى منكم؛ لأنه لو لم يكن أقوى منكم لما استطاع خلقكم، فالقوة العالية التي يفتخرون بها يقدر الله تعالى على إزالتها.
وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وقد فت عظمًا وقال: هل تظن أن هذا سيبعثه الله بعد ذلك؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ [يس:٧٨]، يعني: لما جاء بالعظم وفته، ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] فالدليل العقلي هنا: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] فالذي أنشأها أول مرة قادر على إحيائها، وهذا واضح، فلو أنك طبعت كتابًا، وبعد أن انتهيت من طباعته مزقته، أفلا تستطيع طباعته مرة أخرى؟! وهكذا الخلق، فالذي خلقك أول مرة هو الله ﷿، فإذا أهلكك فإنه يستطيع أن يحييك مرة أخرى؛ لأنه هو الذي ابتدأك، بل إن البداية أشد، وهناك أدلة عقلية أخرى غير هذه الأدلة، وإنما هذه أمثلة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٥ / ٢٧ ]
شرح العبودية [٥]
جميع خلق الله تعالى من الإنس والجن والملائكة والحيوان والجماد عباد له سبحانه شاءوا أم أبوا، فهم تحت ربوبيته وإرادته ومشيئته في جميع شئونهم وأحوالهم، وهذا ما يعبر عنه بالعبودية الاضطرارية التي يستوي فيها جميع الناس، ولا علاقة لها بنجاة العبد يوم القيامة من عذاب الله تعالى وعقابه.
وقد تعلق بها الصوفية حتى تركوا العبادة الحقة لله تعالى فضلوا عن سواء السبيل.
[ ١٦ / ١ ]
العبودية الاضطرارية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فقد سبق الحديث عن منزلة العبودية، وبيان أن المصنف ﵀ ذكر ثلاثة أمور في منزلة العبودية، وزدناها حتى أوصلناها إلى العشرة، وفي هذا الدرس سنبدأ بذكر بيان الشيخ ﵀ عن أنواع العبودية، وذلك أن العبد قد يطلق ويراد به المعبد، وقد يطلق ويراد به العابد، فإذا أطلق وأريد به المعبد فإن العبودية تكون حينئذ بمعنى: الخلق، وبمعنى الإيجاد والربوبية، وهذا النوع يمكن أن نطلق عليه (العبودية الاضطرارية)، وهي التي لا إرادة للإنسان فيها، وحينئذ توافق معنى الخلق ومعنى الإيجاد ومعنى الربوبية، مثل خلق الله ﷾ للناس، ومثل مطاعمهم ومشاربهم وحاجتهم لذلك، وحاجتهم للباس، وحاجتهم لدفع الأسباب عن أنفسهم، مثل المرض يدفع بالعلاج، وكذلك الجوع يدفع بالأكل وهكذا، وهذه العبودية يستوي فيها المؤمن والكافر، ويستوي فيها البر والفاجر، وتستوي فيها كل المخلوقات، فكل المخلوقين هم عباد لله ﷿ بهذا الاعتبار، سواء أكانوا من الإنس، أم من الجن، أم من الملائكة، أم من الجمادات، أم من الحيوانات، فكلهم عباد لله ﷿ بهذه الاعتبار، بمعنى أنهم معبدون لله، فإن إرادة الله ﷿ إرادة شاملة عامة، وقدرته نافذة لا يخرج عنها شيء، ولا يمكن أن يحصل شيء في حياة الناس إلا بقدر الله ﷿ وقدرته وإرادته، وحينئذ فسواءً أكان الإنسان طائعًا أم كارهًا فإنه لابد من أن يكون عبدًا لله؛ لأنه لا يمكن أن يخرج عن هذه العبودية، فالذي أوجد الإنسان من العدم هو الله ﷾، فجعله ذليلًا لا يمكن أن يخرج عن خلقه ﷿، ولا عن تدبيره بأي وجه من الوجوه.
والإيمان والإقرار بهذا النوع من العبودية هو إقرار وإيمان بتوحيد الربوبية، وقد سبق أن بينا أن توحيد الربوبية هو إفراد الله ﷿ بالخلق والرزق والتدبير والملك، فالله ﷿ هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو المدبر وحده، وهو المالك وحده، فإذا آمن أحد بهذا التوحيد فإنه حينئذ يكون قد أقر بالعبودية الجبرية، وتسمى الاضطرارية، وهي التي لا خيار للإنسان في فعلها أو تركها، إذ إنما هو خلق الله ﷿ القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فالذي نقله من العدم إلى الوجود هو الله ﷿، فهو عبد له بهذا الاعتبار.
والشيخ ﵀ يقول: وتحرير ذلك أن العبد يراد به المعبد.
يعني: المذلل الخاضع من غير اختيار، فالذي عبده ودبره وصرفه هو الله تعالى، وبهذا الاعتبار يكون المخلوقون كلهم عبادًا لله من الأبرار والفجار والمؤمنين والكفار، وأهل الجنة وأهل النار؛ إذ هو ربهم كلهم ومليكهم، لا يخرجون عن مشيئته وقدرته، وكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، فما شاء كان وإن لم أشأ، وما شئت إن لم يشأ لم يكن؛ لأن إرادته -﷾- هي النافذة.
ثم ذكر الدليل على ذلك، وهو قول الله ﷿: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] يعني: إلا سيأتي إلى الله ﷿ وهو خاضع مقر، وليس له أن يهرب يوم القيامة، وهذا معنى قول النبي ﷺ في دعائه: (اللهم لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك).
[ ١٦ / ٢ ]
إقرار جميع الأمم بالعبودية الجبرية الاضطرارية
وهذه العبودية الجبرية تقر بها جميع الأمم من المشركين واليهود والنصارى وعامة الوثنيين من جهتين: من جهة الاستسلام الحقيقي العملي، ومن جهة الاعتراف بأن هناك ربًا يجب أن يستسلم له استسلامًا مطلقًا، ولا توجد أمة من الأمم في الدنيا تقول: إن هناك إلهين خالقين مدبرين لهذا العالم على السواء؛ لأن هذا يرفضه العقل؛ لأنه إذا كان هناك إلهان خالقان لهذا العالم فأراد أحدهما فعل شيء، وأراد الآخر أن لا يكون هذا الشيء -كما لو أراد أحدهما تحريك جسم، وأراد الآخر تسكينه- فإما أن تنفذ إرادة الاثنين، وهذا لا يتصور أبدًا؛ لأنه إذا نفذت إرادة الاثنين فمعنى هذا أن الجسم سيكون متحركًا وساكنًا في آن واحد، وهذا ممتنع، وإما ألا تنفذ إرادة الاثنين، وهذا أيضًا ممتنع؛ لأن نفي النقيضين ممتنع؛ لأنه لا يتصور في الجسم إلا أن يكون ساكنًا أو متحركًا؛ لأنه إذا خلا من الحركة والسكون كان عدمًا، وإما أن تنفذ إرادة أحدهما، فإذا نفذت إرادة أحدهما فهو الإله، والآخر مألوه، ولهذا لا يتصور أبدًا أن يكون هناك إلهان خالقان للعالم مدبران له، ولهذا أقرت جميع الأمم في الأرض بأن الله ﷿ وحده هو الخالق الرازق المحيي المميت ﷾، ووقع الشرك عندهم في عبادة غير الله ﷾ بصرف الإرادات -كالمحبة والخوف والرجاء ونحو ذلك- لغير الله، أو بصرف أعمال الظاهر -مثل أعمال الجوارح وقول اللسان- بغير الله ﷾، فهذه العبودية الاضطرارية لا تخرج الإنسان إذا آمن بها واعترف بها عن دائرة الكفر، ولا تدخله في دائرة الإسلام، فلو أن مجوسيًا جاء وقال: أنا عابد، فقلنا له: ما هو الدليل على أنك عابد؟ فقال: أنا أقر بأني خاضع لله ﷿، فلا يمكن أن أحدث شيئًا في الكون لم يرده الله ﷿، ولا يمكن أبدًا أن يأتيني رزق -مثلًا- أو أي شيء إلا من الله، فأنا نقول: هذا وحده لا يكفي في الدخول في الإسلام، بل لابد من أن يضاف إليه العبادة، وهو ما سيأتي معنا في الكلام عن العبودية الاختيارية، وهي العبودية التي يختار الإنسان فعلها، أو يختار تركها.
[ ١٦ / ٣ ]
بقاء العباد داخل دائرة العبودية الاضطرارية
يقول: فهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم، ومقلب قلوبهم، ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره، ولا مالك لهم سواه، ولا خالق إلا هو، سواءٌ اعترفوا بذلك أو أنكروا.
يعني: هم عابدون لله ﷿، وعبوديتهم هذه عبودية لازمة لهم، حتى ولو أنكروا، فعندما ظهر الشيوعيون وقالوا: (لا إله والحياة مادة)، وعندما ظهر فرعون وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فهل معنى هذا أنهم خرجوا عن ملك الله وتدبيره؟ لا، فهو خاضع لله ﷿، سواء اعترف أو لم يعترف، ولهذا لا يمكن أبدًا أن يخرج عن هذه الأرض الصغيرة التي يعيش فيها إلى أي كوكب آخر، فما بالك بكونه يستطيع أن يدير هذا الكون الواسع الكبير؟! فهو عابد لله عبادة اضطرارية شاء أم أبى، فإذا اعترف فإنه يحصل له جزء من الإيمان، لكن هذا الجزء لا يدخله في الإسلام حتى يأتي بالعبادة الاختيارية.
يقول: لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك واعترفوا به، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
ويستغرب الإنسان في بعض الأحيان فيقول: كيف يثبت لهم الإيمان ثم ينسبهم إلى الشرك؟
و
الجواب
يثبت لهم الإيمان في البداية فيقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
ولهذا جاء عن بعض السلف أنه سمى الإقرار بالربوبية فقط دون الإلهية إيمان المشركين، وذلك (أن الإقرار بالربوبية، والإقرار بالعبودية الاضطرارية من الإيمان، لكن ليس هو كل الإيمان، وليس الإيمان الذي ينجي الإنسان يوم القيامة، وليس الإيمان الذي يدخل الإنسان الجنة، ويجعله يخرج من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام، فلا يدخله هذا النوع في الإسلام، بل لابد من الإتيان بالعبودية الاختيارية التي سيأتي الكلام عنها.
يقول: بخلاف من كان جاهلًا بذلك، أو جاحدًا له مستكبرًا على ربه لا يقر ولا يخضع له مع علمه بأن الله ربه وخالقه.
[ ١٦ / ٤ ]
تسبيح الكائنات وعبوديتها لله تعالى وذكر الخلاف في هذه المسألة
هنا مسألة، وهي: أن الكائنات جميعًا -كما سبق- عابدة لله ﷿ عبودية اضطرارية، ومنها الإنسان والجن والملائكة والجمادات والحيوانات والنباتات، فكل هذه المخلوقات تشترك في هذا النوع من أنواع العبادة، فهي خاضعة جميعًا، لكن ورد في بعض الآيات إثبات التسبيح والسجود والقنوت لبعض المخلوقات، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١]، يعني: الذي في السموات والذي في الأرض، فقوله: «مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ» يشمل كل ما هو موجود في السماء والأرض من الحيوانات والنباتات والجمادات؛ لأن (ما) في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١] موصولة بمعنى: (الذي)، والأسماء الموصولة جميعًا من صيغ العموم كما هو معلوم، فيشمل هذا جميع ما يوجد في الكون؛ فإنه مسبح لله ﷿.
ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] يعني: كل شيء يسبح لله ﷾، لكن نحن لا نفقه تسبيحهم.
والسؤال هنا: هل هذا التسبيح الذي يصدر من السموات، والذي يصدر من الأرض، والذي يصدر من الكائنات جميعًا هل هو تسبيح حقيقة أم تسبيح دلالة؟
[ ١٦ / ٥ ]
القول الأول: أن المراد تسبيح الدلالة
انقسم الناس في ذلك إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى قالت: إن المراد بالتسبيح في هذه الآيات هو تسبيح الدلالة؛ فإن كل الموجودات تدل على أن هناك خالقًا خلقها وأوجدها، على حد قول الشاعر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فقالوا: إن المقصود بالتسبيح ليس تسبيحًا حقيقيًا، وإنما هو تسبيح مجازي المقصود به الدلالة على وجود خالق خلق هذا العالم.
وهذا القول باطل غير صحيح، والدليل على بطلانه هو أن هذه الموجودات تدل على الله ﷿ هذه في كل أحوالها وفي كل أوقاتها، بينما ورد التسبيح والسجود لبعض هذه المخلوقات في وقت دون وقت، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨].
فقوله: ﴿سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨] يدل على أن هذه الجبال تسبح في أوقات معينة مع داود ﵇، فلو كان المراد بالتسبيح هو تسبيح الدلالة لكان ذلك في كل أوقاتها، سواء في العشي، أو في الإشراق، أو في الظهر، أو في الضحى، فكونه تعالى يبين أن تسبيحها في وقت دون وقت يدل على أن التسبيح ليس المراد به مجرد الدلالة على أن هناك خالقًا، فإن الجبال تدل على أن الله ﷿ خالقها حتى في الظهر، مع أنه هنا ذكر التسبيح لها في العشي والإشراق، فهذه يدل هذه الآية التي دلت على أن تسبيح هذه الجبال في وقت دون وقت دلت على أنه ليس المقصود من التسبيح هو ما فسره به هؤلاء.
[ ١٦ / ٦ ]
القول الثاني: أن العموم الوارد في الآيات المراد به الإنس والجن فقط
وقالت الطائفة الثانية: المقصود بالعموم في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] المقصود به الخصوص، فإنه ليس المقصود بأن كل المخلوقات -ومنها الجمادات والحيوانات والنباتات- تسبح لله ﷿، فإننا نرى الجمادات وهي لا تسبح، ونرى الحيوانات وهي لا تسبح، ونرى النباتات وهي لا تسبح، فحينئذ قالوا: إن هذا العموم يراد به الخصوص، وقالوا: بأن المراد الإنس والجن المكلفين فقط، وهذا القول فيه ضعف، والسبب في أن فيه ضعفًا هو أن الله ﷿ سمى أنواعًا من الجمادات ووصفها بالتسبيح، كما في آية سورة: (ص) الآنفة الذكر، فلو كان المراد بقوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١] الجن والإنس المكلفين فقط، أو مع الملائكة لاعترض أيضًا على هذا القول بقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨] فسمى التسبيح وسمى الجبال، والجبال لا شك في أنها غير الإنس والجن والملائكة.
[ ١٦ / ٧ ]
القول الثالث: أن تسبيح الكائنات وسجودها على حقيقته كما ورد
وقالت طائفة: إن التسبيح والسجود والقنوت على حقيقته، وإنه تسبيح وقنوت حقيقي، والقنوت معناه: دوام الطاعة، قال تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة:١١٦] يعني: كل له مطيعون، وجاء هذا عن ابن عباس وعن جماعة من السلف، وهذا القول هو الصحيح.
فالقنوت على حقيقته، والتسبيح على حقيقته، والسجود على حقيقته، لكن ليس بالضرورة أن تكون حقيقة ذلك هي ما يقوم به الإنسان، فلا يلزم من التسبيح -مثلًا- أن يوجد لها لسان تسبح به، ولا يلزم من السجود أن يكون لها رأس مستجيب ينحني في الأرض، فإن السجود والتسبيح والقنوت يعتبر بحسب ما يضاف إليه، فإذا أضيف إلى الإنسان فإنه يتخذ الشكل المعروف الذي نفعله نحن في السجود، والتسبيح كذلك، وإذا أضيف إلى الجبال كان له شكل آخر، وإذا أضيف إلى الشجر كان له شكل آخر، وكذلك إذا أضيف إلى البحار، وهكذا، بل إن الحيوانات سمي بعضها فاسقًا، والفسوق هو الخروج عن الطاعة، فالنبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: (العقرب فاسقة، والحية فاسقة، والفأرة فاسقة).
وثبت أن النبي ﷺ بين سبب قتل الوزغ، وهو أنه كان ينفخ النار على إبراهيم ﵇ من أجل أن تزداد اضطرامًا، وتزداد حرارة، ولهذا شرع ﷺ قتله، وبين أن فيه أجرًا.
[ ١٦ / ٨ ]
موقف العقلانيين والعصريين من نصوص سجود الكائنات ونحوها
لكن العقلانيين لا يؤمنون بهذه الأشياء، ولا يعترفون بها، ويقولون: كيف ينفخ الوزغ في النار من أجل أن تضطرم على إبراهيم؟! وما أدرى الوزغ بإبراهيم؟! وما أدرى الوزغ بهذه النار؟! وهذا هو كلام الصادق المصدوق، ولا يمكن أبدًا أن يكذب ﷺ، وهذا خبر، ولا يمكن أن نرد الأخبار بعقولنا المجردة، فإننا نؤمن بالغيبيات عمومًا، وهذه هي ميزة المسلمين، حيث يؤمنون بالغيب، وما دام أننا آمنا بأن الرسول ﷺ يأتيه الخبر من السماء في ليلة واحدة أو في أقل من ذلك، فنحن نؤمن بما يخبرنا به عن الحيوانات مما لا نعرفه ولا نراه بأعيننا، وهذا الفيصل بين الموحد وغيره، وهذا هو الفرق بين المؤمن وغيره، ولهذا قام هؤلاء العصريون بتأويل جميع النصوص في القرآن وفي السنة التي لم توافق عقولهم، فتجد أنهم يقولون عن الطير الأبابيل: إنها هي الجراثيم الموجودة في الكون، ولهذا لما جاء أبرهة بقومه إلى الوادي المشهور بقرب مكة دخلت فيهم الجراثيم فأهلكتهم وأسقطت ما عندهم من اللحم والشحم حتى ماتوا، وهذا تفسير باطل؛ لأن الله تعالى سماها طيرًا، ولا شك في أن الواجب هو الإيمان بالنصوص الشرعية كما أرادها الله ﷾ بدون تحريف أو تأويل.
وهنا مسألة، وهي: هل تسبيح الجمادات والحيوانات وبقية الكائنات غير المكلفة تسبيح اختياري، بمعنى: أنها تستطيع الترك، أم أنه تسبيح اضطراري، وهو حقيقي في ذات الوقت؟ وهذه المسألة من المسائل المهمة التي لم تستطع عقول العصرانيين أن تؤمن بها.
[ ١٦ / ٩ ]
العصرانيون ومواقفهم من أحكام الشرع وأخباره
العصرانيون ليسوا فرقة لها مؤسس ولها كتب ومصنفات، وإنما هم أتباع المدرسة العقلية التي انقرضت في القرن الماضي تقريبًا.
والمدرسة العقلية مؤسسها هو جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، وقد كان من أبرز سمات هذه المدرسة العقلية: أنها تقدم العقل على النصوص، وسار على نهج هذه المدرسة بعض المشتغلين بالدعوة الإسلامية في هذا العصر، ومن أبرز آراء هؤلاء: أنهم يقولون بأنه لابد من أن نقارب بين المجتمع الإسلامي الذي نعيش فيه، والعالم الغربي والحضارة الغربية الموجودة، وبعضهم يقول بوحدة الأديان، وأن اليهود والنصارى وغيرهم طرقهم جميعًا طرق توصل إلى الله ﷾، فنحن -أهل الإسلام- نصل إلى الله ﷾ عن طريق محمد ﷺ، والنصارى يصلون إلى الله عن طريق عيسى، واليهود يصلون إلى الله عن طريق موسى، فيرى أن اليهود والنصارى بوضعهم الحالي على خير وأنهم سيصلون إلى الجنة، وبعضهم يعارض مقررات عقدية أساسية في دين الله ﷿ مثل الجهاد، فالجهاد قاعدة من قواعد هذا الدين، ولا يمكن أبدًا أن يلغى، ولا يمكن أبدًا أن يرده أحد، فحين ترجع إلى التاريخ الإسلامي، وتقرأ من زمن النبي ﷺ تجد أن النبي ﷺ قاتل المشركين في غزوة بدر وفي أحد وفي الخندق، وقاتلهم في حنين، فلما توفي النبي ﷺ وقامت أول دولة إسلامية بعد الرسول ﷺوهي دولة الخلفاء الراشدين- قام المسلمون بالجهاد في سبيل الله، وكان الجهاد الذي عندهم هو جهاد الطلب، بحيث يذهبون إلى الأمم الأخرى ويقولون: أسلموا، أو ادفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وتنازلوا عن ملككم، أو القتال بيننا وبينكم، ولهذا وقعت معركة اليرموك، ومعركة القادسية التي نقرؤها في التاريخ، وهكذا، فالتاريخ الإسلامي مليء بالجهاد، ومليء بالمعارك، ومليء بمقاتلة المشركين، وليس هذا الجهاد هو بسبب نزعات قومية مثلًا، أو بسبب خلافات عرقية، أو بسبب خلافات في اللغة، بل السبب في هذه المعارك المشهورة في التاريخ الإسلامي هو: اختلاف الدين، فأهل الإسلام لهم دين، وأولئك لهم دين آخر، ولهذا كان من القواعد الأساسية التي يريد إبطالها العصريون: قاعدة المفاصلة بين أهل التوحيد وأهل الشرك، فالموحدون لهم منهج ولهم طريقة، كما قال الله ﷿: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، وليس المقصود بقوله: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» أنكم تبقون على دينكم على رغبتكم وأنا أبقى على ديني، بل المقصود هو: أن ديني هو الصحيح، ولا يمكن التنازل عنه ولو شبرًا واحدًا، وأنتم إما أن ترجعوا إلى دين الله ﷿، وإما أن تدفعوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما أن يكون القتال بيننا وبينكم، كما كان يعرض أصحاب النبي ﷺ على أمم الكفر جميعًا.
فهؤلاء العصريون من المشتغلين بالدراسات الإسلامية بعضهم أساتذة ودكاترة، ومع ذلك يقولون: إن المشروع في القتال هو الدفع فقط، فلو أن شخصًا آذاك فإنك تدفعه، لكن أن تبتدئ الآخرين وتدعوهم وتقاتلهم فلا، إذ ليس هذا من الدين، ولا شك في أن هذا كلام باطل تنقضه النصوص الشرعية الواردة في القرآن وفي السنة، وتنقضه السيرة العملية لأصحاب النبي ﷺ.
وبعض الناس يقول: لماذا نتدخل في شئون الأمم الأخرى؟ فنقول: إن الرسول ﷺ كان يواجه مثل هؤلاء ويقاتلهم في سبيل الله.
ومثل هذا نماذج أخرى عند هؤلاء يريدون بها تمييع قضايا العقائد، خاصة القضايا الأساسية في المعتقد، مثل قضية الولاء والبراء، ومثل قضية الجهاد في سبيل الله، ومثل قضية عدم الرضا بالكفر، ومثل قضية التمييز بين المنافقين والمؤمنين، ومثل قضية دار الإسلام ودار الكفر.
فمثل هؤلاء يؤلفون الكتب في قضايا الجهاد في الفقه الإسلامي مثلًا أو في غيرها، ويحاولون أن يتلاعبوا بالأحكام الشرعية بهذه الطريقة، فهم لا يؤمنون بأن الجبال تسبح حقيقة، ولا يؤمنون بأنها تسجد حقيقة، ولا يؤمنون بأنها تقنت وتديم الطاعة لله حقيقة، ولا يؤمنون بأن الفأرة فاسقة حقيقة، ولا يؤمنون بأن الحية فاسقة حقيقة، ولا يؤمنون كذلك بأن الوزغ يقتل لأنه كان ينفخ النار على إبراهيم ﵇، وإنما يحاولون أن يؤولوا ذلك بأي وجه من أوجه التأويلات الباطلة.
[ ١٦ / ١٠ ]
المعرفة بالحق دون الاستجابة له لا تكفى في الإيمان
يقول الشيخ: [فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبوله والجحد له كان عذابًا على صاحبه].
أي: أن مجرد المعرفة بأنه يجب الخضوع لله ﷿، وأنه هو رب كل شيء ومليكه من دون عبادة ومن دون عمل، بل مع الاستكبار -يعني: الرفض للعبادة العملية- عن قبوله والجحد له عذاب على صاحبه، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل:١٤] يعني: آل فرعون جحدوا بالمعجزات التي جاء بها موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل:١٤].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] يعني: لا تنقصهم المعرفة، فالمعرفة موجودة، لكن تنقصهم العبادة والعمل، وهذا يدل على أن المعرفة لا تكفي في الإيمان، بل لابد معها من العمل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦] يعني: يعرفون أنهم يكتمون الحق.
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: لا يكذبونك في الحقيقة، بل يعترفون بأنك صادق، وأنك على حق: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: يجحدون علوًا واستكبارًا.
ولهذا جاء حبران إلى الرسول ﷺ فقالا له: نشهد أنك رسول الله.
والمرجئة يقولون: ما بعد هذا إيمان؛ حيث وقع منهما أول شيء تصديق بالقلب، ثم نطق باللسان.
لكن رسول الله ﷺ ما قبل إسلامهما، وإنما قال: (وما يمنعكما أن تتبعاني) يعني: لماذا لا تلتزمان بما قلتما وهو الشهادة لي بأني رسول الله، وبما يترتب على ذلك من الأعمال القلبية وأعمال الجوارح؟ فقالا: تقتلنا اليهود.
فلم يقبل عذرهم رسول الله ﷺ؛ لأن الإنسان لا يعذر في قبوله للإسلام قبولًا قلبيًا بمثل هذا العذر، ولهذا فإن هرقل لما جمع الروم في دسكرة واحدة قال لهم: هل لكم في النجاة؟ هل لكم في الفلاح؟ إنه رسول الله، فحاصت الروم كما تحوص الحمر، واتجهوا إلى الأبواب من أجل أن يقاتلوه، فلما يئس عدوا الله من الإسلام قال: ردوهم علي.
فلما اجتمعوا له قال لهم: إنما كنت أختبر التزامكم بدينكم.
فمات على الشرك، مع أنه قال لـ أبي سفيان: والله لو أنني أخلص إليه -يعني: لو استطعت مقابلة هذا الرسول- لغسلت عن قدميه وشربت ماءهما.
فأي إيمان أكثر من هذا الإيمان؟! لكن هل نفعه هذا؟ ما نفعه، فلابد من الإيمان مع عمل القلب ومع عمل الجوارح ومع الالتزام بدين الله ﷾، وإلا فمجرد التصديق ليس من الإيمان.
يقول: فإن اعترف العبد أن الله ربه وخالقه، وأنه مفتقر إليه محتاج إليه؛ عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله، وهذا العبد يسأل ربه فيتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يطيع أمره، وقد يعصيه، وقد يعبده مع ذلك، وقد يعبد الشيطان والأصنام، يعني: فلا تنفعه عبادته.
[ ١٦ / ١١ ]
استواء أهل الجنة وأهل النار في العبودية الاضطرارية
ثم قال: ومثل هذه العبودية -يعني: العبودية الاضطرارية- لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار؛ لأنهم جميعًا عابدون، ولا يصير بها الرجل مؤمنًا؛ لأنه ليس الإيمان هو مجرد الإقرار بالخلق والرزق لله ﷿، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥].
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٥] إلى قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٩].
[ ١٦ / ١٢ ]
تعلق الصوفية بالعبودية الاضطرارية
ثم انتقل الشيخ إلى قضية أخرى، وهي قضية نقاش مع الصوفية خطيرة جدًا، فإن الصوفية يدعون التعبد ويدعون أنهم يجتهدون في العبادة اجتهادًا كبيرًا، وهم إنما تميزوا وقبلهم الناس لظن كثير من الناس أنهم أهل عبادة وأهل اجتهاد في العبادة، لكن -يا ترى- هل الصوفية عندما يشتغلون في خلواتهم وجلساتهم وحضراتهم -كما يسمونها- وشهودهم هل يشهدون العبودية الاختيارية التي أوجبها الله ﷿وهي توحيد الإلهية- أم أنهم يجتهدون في إثبات الخالقية والرازقية والمالكية فقط لله ﷿؟! بمعنى: أنهم يشهدون توحيد الربوبية، أو يتعلقون تعلقًا تامًا بالعبودية الاضطرارية.
الواقع أن الذي ينظر إلى منهج الصوفية يجد أنهم يتعلقون بالعبودية الاضطرارية، فأحدهم إذا جلس في خلوته وبدأ يجتهد في العمل حتى يوصله ذلك إلى الكشف يعترض عليه بعدة أمور: الأمر الأول: أن الذكر والورد الذي يقوم به في خلوته ذكر مبتدع، فهو وورد مبتدع إما أن يردد -مثلًا- الضمير (هو) فيقول: هو، هو، وهكذا، وإما أن يردد اسمًا من أسماء، فيقول: الله، الله، الله، الله، الله، أو: اللطيف، اللطيف، اللطيف، اللطيف، وهكذا، وهذا لا شك في أنه ذكر مبتدع لم يرد عن الرسول ﷺ، وسيأتي معنا الكلام عليه مفصلًا وذكر أدلته، والرد عليها بإذن الله تعالى.
فأول ما يبدأ الصوفي في خلوته بذكر بدعي، فإذا كرر الاسم (الله) لا يشهد ولا يفكر ولا يرى عبودية الله ﷿ ووجوب إفراده بالعبادة، بل يفكر في كونه هو الخالق الخلق المطلق وهو الرازق الرزق المطلق، وهو المحيي الحياة المطلقة والمالك ملكًا مطلقًا، وهكذا، فيبدأ يشغل نفسه بهذا الأمر، وهذا الأمر لا شك في أنه عظيم إذا ترتب عليه فائدة عملية، لكن مجرد التفكير المجرد فيه ليس فيه زيادة على عمل المشركين الذين قال تعالى عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] فالتفكير المجرد في أن الله هو خالق السموات والأرض ليس فيه زيادة، بل الزيادة هي الثمرة المترتبة، فإذا كان الله تعالى خالق للسموات والأرض فلابد من أن أعبده وأصلي له وأسجد، وأخاف منه، وأرجوه، وأتوكل عليه، وهكذا.
فالصوفية يشتغلون بهذا حتى يصلون إلى الكشف، والكشف هو حالة تأتي لهم من ترديد بعض الكلمات، ولا سيما إذا خالطها بعض السماع، مثل الطبل والرقص والصياح، وقد يكون مع ذلك أن يرتفع الواحد منهم على الأرض ويسقط عليها مرة أخرى، أو يقف على رأسه مدة طويلة، أنه مع هذه الأمور جميعًا تأتيه بعض الأحيان تصورات، وتأتيه أفكار، وتأتيه أوهام، فيظن أن هذه الأفكار وأن هذه الأوهام وأن هذه التصورات حقيقة لا تقبل الشك، مع أنها في بعض الأحيان تكون فرصة مناسبة للشيطان، فيدخل فيه ويعطيه أفكارًا ويعطيه آراء، ويعطيه أشياء معنوية في نفسه.
والمهم أنهم يرون أن هذا العمل الذي يقومون به غاية العبودية، ولاشك في أن هذا العمل ليس هو غاية العبودية، وإنما العبودية -كما سيأتي معنا- هي العبودية الاختيارية التي تكون متعلقة بقلب الإنسان وعمله، مثل الخوف والرجاء.
أسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.
[ ١٦ / ١٣ ]
الأسئلة
[ ١٦ / ١٤ ]
مؤلفات محمد الغزالي في الميزان
السؤال
ما رأيك في مؤلفات محمد الغزالي؟
الجواب
محمد الغزالي رجل خطيب، ومؤلفاته ليست علمية دقيقة، وقد رد عليه كثير من المشايخ، وردودهم موجودة في المكتبات.
[ ١٦ / ١٥ ]
حكم وصف النبي ﷺ بالنور
السؤال
هل يصح أن نقول: إن الرسول ﷺ نور؛ لأن الله تعالى قال عنه: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، جاء في دعاء الخروج إلى المسجد أنه ﵊ كان يقول: (واجعلني نورًا)؟
الجواب
إذا قال الصوفية: إن النبي ﷺ نور فمعنى قولهم: إنه نور أنه ليس له جسد كأجسادنا نحن، وإنما جسده يختلف، أي: ليس له عظم ولا دم ولا شحم ولا أعصاب، وإنما هو نور، ثم يقولون: إن هذا النور مأخوذ من نور الله ﷾.
ولا شك في أن هذا ضلال مبين.
لكن إن كان المقصود أنه نور معنوي بمعنى: أنه جاء بالنور - وهو الإسلام - فيصح بهذا الاعتبار، إلا أنه لم يكن من عادة السلف الصالح رضوان الله عليهم أن يطلقوا على الرسول ﷺ أنه نور لأنه جاء بالنور، وإنما يقال: (جاء بالنور) مباشرة.
وقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦] يعني: ينير لغيره الطريق بالدعوة إلى توحيد الله ﷾.
وقوله: (واجعلني نورًا) هذا علم به أمته، فهل معنى هذا أن أمته كلها أنوار؟! فالمقصود بقوله: (واجعلني نورًا) يعني: واجعلني على هدى، واجعل طريقتي طريقة مستقيمة.
هذا هو المقصود.
[ ١٦ / ١٦ ]
عصمة الأنبياء
السؤال
هل الأنبياء معصومون من الخطأ؟
الجواب
الأنبياء لا شك في أنهم معصومون من الخطأ في البلاغ عن الله ﷾، فلا يمكن أن يخطئوا فيما يبلغون به عن الله ﷾، ولا يحصل لهم السهو ولا النسيان في هذا الأمر، وأما الخطأ الطبيعي فإن النبي ﷺ أخطأ في صلاته وسجد للسهو، وإن كان الخطأ المقصود به المعصية فإنهم معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فإنه إذا حصل أن وقع فيها أحدهم فإنه لابد من أن يتوب إلى الله ﷾، كما حصل للنبي ﷺ عندما اجتهد وفدى أسرى بدر، وبعضهم جعل فديته أن يعلم الصحابة شيئًا من القراءة، فلامه الله ﷿ على ذلك، وتاب منه.
[ ١٦ / ١٧ ]
حكم قراءة المسلم للتوراة والإنجيل
السؤال
هل تجوز قراءة التوراة والإنجيل إذا علمنا أنهما محرفان؟
الجواب
ليس في قراءة التوراة والإنجيل فائدة إلا لمتخصص ينقدها، أما أن يقرأهما عامة الناس أو من لا علاقة له بهذا التخصص فهذا ليس من السنة أبدًا، والدليل على ذلك قصة عمر بن الخطاب ﵁ عندما جاء إلى النبي ﷺ ومعه قطعة من التوراة، فغضب النبي ﷺ وقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والله لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي.
فقال عمر: آمنت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا) ثم ترك الاطلاع عليها.
[ ١٦ / ١٨ ]
معنى فسق الفأرة والحية
السؤال
هل معنى فسق الفأرة والحية هو الخروج عن الطاعة، أم يطلق عليها ذلك بطبيعة فعلها من الأذية والتخريب؟
الجواب
النبي ﷺ قال: (إنها فاسقة) والفسوق معناه في اللغة: الخروج، فيحتمل هذا ويحتمل هذا.
[ ١٦ / ١٩ ]
عدم كفاية توحيد الربوبية في الإسلام
السؤال
في الإسلام ذكرت أن الشخص إذا أتى بجزئية يسيرة من الإسلام لا يكون مسلمًا، والمعلوم أن العبد إذا فعل جزئية من جزئيات الإسلام مثل الشهادتين والصلاة فقد أسلم، فما توضيح كلامكم؟
الجواب
كان الكلام على موضوع توحيد الربوبية، وقلنا: إن الاقتصار على الإيمان بتوحيد الربوبية، لا يكفي في الإسلام، ولا يدخل به المرء في الإسلام، ولا شك في أن توحيد الربوبية من الإيمان، لكن الاكتفاء به لا يدخل الإسلام، بل لابد من أن ينضاف إلى ذلك إفراد الله ﷿ بالعبادة، وليس المقصود أي جزئية في الإسلام، كما أنه ليس المقصود الإسلام الحكمي أو الإسلام الظاهر، وإنما المقصود به الإسلام الحقيقي، فمن نطق بالشهادتين أو صلى عرفنا أنه مسلم، وحكمنا عليه بالإسلام، وقد يكون منافقًا، والمقصود على كل حال هو أن توحيد الربوبية إذا اكتفى به الإنسان لا يكفيه، فإذا قال: أؤمن بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ثم اكتفى نقول: إن كفار قريش كانوا يؤمنون بذلك، فلابد من أن ينضاف إلى ذلك إفراد الله بالعبادة القلبية، وعمل الجوارح.
[ ١٦ / ٢٠ ]
نشأة فكر العقلانيين
السؤال
لماذا أنشأ العقلانيون فكرهم؟ ومن هو أبرزهم؟
الجواب
العقلانيون لم ينشئوا فكرهم إنشاءً، وإنما ظهر من خلال فتاويهم، ومن خلال آرائهم، ومن خلال أفكارهم، فنشأ هذا الفكر الذي سمي فيما بعد بالعقلانية؛ لأنهم يقدمون العقل على النصوص الشرعية، وأبرزهم -كما قلت- جمال الدين الأفغاني قديمًا، وحديثًا الشيخ محمد الغزالي الذي رد عليه المشايخ، وكتبهم موجودة.
[ ١٦ / ٢١ ]
ذكر الدليل على أن العبودية هي الميثاق
السؤال
ما هو الدليل أن العبودية هي الميثاق؟
الجواب
الآية التي في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة:٨٣]، فقوله: ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة:٨٣] تفسير للميثاق المأخوذ على بني إسرائيل.
[ ١٦ / ٢٢ ]
شرح العبودية [٦]
لقد تعلق الصوفية بالعبودية الاضطرارية وتركوا العبادة الاختيارية الحقة لله تعالى، التي بها نجاة العبد وفوزه يوم القيامة، والصوفية دين من أديان الهند نقل إلى العالم الإسلامي عن طريق الزنادقة.
وقد قسم الصوفية الناس إلى عامة وخاصة، وزعموا أنهم يدركون أشياء لا يدركها العوام، ودعوا إلى وحدة الأديان، والقول بالحلول والاتحاد، وغير ذلك من العقائد الضالة المنحرفة.
[ ١٧ / ١ ]
العبودية الاضطرارية واستواء الخلق فيها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، إنك أنت العليم الحكيم.
أيها الإخوة الكرام: في آخر درس من الدروس المتعلقة بكتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعرضنا للكلام عن أقسام العبادة والعبودية، وقلنا: إن العبودية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: العبودية الاضطرارية.
والقسم الثاني: العبودية الاختيارية.
وسبق أن تحدثنا عن العبودية الاضطرارية، وقلنا: إن العبودية الاضطرارية هي الذل والخضوع لله ﷾ اضطرارًا، وليس اختيارًا من الإنسان، وهذه العبودية حاصلة لكل مخلوقات الله ﷾، فكل المخلوقات من الإنسان والجن والملائكة والأشجار والأحجار وجميع المخلوقات هي عابدة لله ﷾ بهذا الاعتبار.
وقلنا: إن الكفار -أيضًا- هم عابدون لله ﷿ اضطرارًا، أي: خاضعون له، وذليلون له، وهم في خضوعهم وذلهم هذا ليسوا مختارين، وإنما هم مضطرون إلى ذلك.
فالعبودية بهذا المعنى هي موافقة لربوبية الله ﷾، أي: أنه رب كل شيء ﷾، وأنه خالق كل شيء ﷿.
وأما العبودية الاختيارية فهي العبودية التي يفعلها الإنسان عن اختيار ولو شاء لتركها، وهذه العبودية لا تكون إلا من المكلفين الذين كلفهم الله ﷾ بالأمر والنهي، فهؤلاء هم الذين يعبدون الله ﷿، وهم المختارون هذه العبادة عن رضى وطواعية.
وسبق أن قلنا: إن العبودية الاضطرارية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، وإنه لا يصير الإنسان بها مؤمنًا.
وقلنا كذلك عن هذه العبودية: إنه أقر بها المشركون وكفار قريش، فإنهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت.
ولهذا يقول الله ﷾ عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
فأثبت لهم إيمانًا، لكن هذا الإيمان لا ينفع وحده، بل لابد من أن يضاف إلى هذا الإيمان إيمان آخر، وهو الاختيار في عبودية الله ﷾.
[ ١٧ / ٢ ]
الصوفية ومنهجها في العبودية
سبق أن قلنا: إن العبودية الاضطرارية هي التي يُتعب الصوفية أنفسهم في الوصول إليها، فهم يعتبرونها الغاية التي يصل إليها العابد، ولهذا يردد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ دائمًا في كتبه في السلوك -مثل كتاب الاستقامة، ومثل كتاب التحفة العراقية- يردد ذكر هذه العبودية عنهم.
وقد يستطرد أحيانًا في بعض كتبه الأخرى فيذكر أن الصوفية يفنون أعمارهم في شهود الحقيقة الكونية.
وهذا ما ذكره هنا، فإنه قال: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة -وهي الحقيقة الكونية- التي يشترك فيها وفي شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر، وإبليس معترف بهذه الحقيقة، وأهل النار.
قال إبليس: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦] إلى آخر ما ذكره ﵀ في هذا الموضوع.
[ ١٧ / ٣ ]
نشأة التصوف
وقبل أن نتحدث عن شهود الصوفية لهذه الحقيقة لابد من أن نُعرف أولًا بالصوفية، ولا بد من أن نتحدث عن نشأة التصوف والصوفية في حياة المسلمين، ثم نذكر باختصار الكلام على أهم العقائد التي يتبناها الصوفية، ثم بعد ذلك نعلق على كلام شيخ الإسلام ﵀ في هذا الموضع عن شهود الصوفية للحقيقة الكونية، واعتبار هذه الحقيقة الكونية الأساس في العبودية.
اختلف الباحثون في الحديث عن نشأة التصوف، وأصح الأقوال في نشأة التصوف هو أن الصوفية دين من أديان الهند نقل إلى العالم الإسلامي عن طريق الزنادقة.
فإن الهنود الوثنيين عندهم فلسفة ورياضة يسمونها الثيوصوفية، و(الثيوصوفية) هذه معناها: عاشق الإله، أو عاشق الله.
فالثيوصوفية مثل الفلسفة، فإن كلمة (فيلاسوف) معناها: محب الحكمة، والحكمة هي أسرار الأشياء واللطائف التي تكون في الأشياء ومكونات الأشياء.
ومن هنا سمي الفلاسفة فلاسفة؛ لأنهم -حسب زعمهم- يسعون من أجل الوصول إلى الحكمة، فكلمة (فيلاسوف) مركبة من كلمتين (فيلا) و(سوف)، فـ (فيلا) معناها الحكمة، و(سوف) معناها محب، فالمعنى والترجمة لها أنها (محب الحكمة)، فهذه معنى (فيلا سوف)، وكذلك معنى (ثيو صوف)، أي: عاشق الإله، فإن (صوف) بمعنى: محب أو عاشق، و(ثيو) بمعنى: الإله.
وكانت الهنود عندهم رياضات يقومون بها، وهذه الرياضات يزعمون أنها توصلهم إلى الإشراق، وأن هذه الرياضات إذا تدربوا عليها بطرق معينة وبأساليب معينة فإنهم سيصلون إلى مراحل عالية جدًا.
من هذه المراحل المخاطبات والمكاشفات التي تحصل لهم، ومن ذلك -أيضًا- أنهم قد يظنون أنهم يتصرفون في الأشياء بناء على هذه الرياضات.
وهذا ما ذكره أبو الريحان البيروني في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في الذهن أو مرذولة)، وهذا الكتاب هو عبارة عن كتاب تاريخي يتكلم عن البلدان وأديان البلدان، ومؤلفه هو رجل جغرافي ورحالة كان يتنقل في البلاد، وكلما نزل في بلد من هذه البلدان يتحدث عن طبيعة هذه البلاد وعن دينها، فألف هذا الكتاب عن الهند لما رأى فيها من العجائب والغرائب، وكانت الهند من أعرق البلدان والشعوب في قضايا الفلسفة.
والمهم أن هذا الكتاب -الذي هو تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في الذهن أو مرذولة- تحدث عن أديان الهند، وذكر أن عندهم طائفة تسمى (الثيوصوفية)، وذكر من أوصافهم أنهم يعشقون الإله، وأنهم يتصورون أنهم إذا تعلقوا بالإله فإن الإله يعطيهم من فيضه ويعطيهم من جوده ما يمكن أن يتصرفوا به في الكون من حولهم.
وانتقلت هذه الديانة إلى العالم الإسلامي عن طريق الزنادقة كما سبق أن ذكرت، فإن الأمة المسلمة لما أظهر الله ﷾ دينها، وحكم رسول الله ﷺ الجزيرة، وانطلقت الفتوحات في زمن أبي بكر الصديق وفي زمن عمر بن الخطاب ﵄ استطاع الصحابة رضوان الله عليهم أن يكسروا شوكة أمم كثيرة، ومنهم الفرس والهنود وأمثال هؤلاء، فدخل كثير من أبناء هذه البلدان المفتوحة في دين الله ﷾ نفاقًا، فلما دخلوا نفاقًا أرادوا أن يفسدوا هذا الدين من داخله، وذلك عن طريق إثارة بعض العقائد الباطلة وبعض المفاهيم المنحرفة، ومحاولة تغيير الدين من داخله.
وبالفعل ظهرت كثير من البدع التي لا تمت إلى جوهر الإسلام بأي وجه من الوجوه، وسنلحظ عندما نستعرض بعض عقائد هؤلاء أنه لا يتصور أن إنسانًا ينتسب إلى الإسلام ومع هذا يقول بهذه العقائد وهذه الأقوال.
وبهذا ظهر دين الشيعة، وظهر -أيضًا- التصوف من خلال هؤلاء، وظهرت الباطنية الذين يزعمون أن مشايخهم آلهة يديرون الكون ويتصرفون فيه، كما سيأتي ذكر بعض عقائدهم وأفكارهم.
فأدخل الزنادقة ذلك الانحراف في حياة المسلمين، فلما أدخله الزنادقة في حياة المسلمين وجدوا طائفة من المسلمين يتميزون بالزهد ويتميزون بالتقشف ويتميزون بكثرة العمل الذي يكون متعلقًا بالعبادة.
فلما وجدوا هؤلاء -لا سيما مع كثرة الجهل- أظهروا لهم الزهد وأظهروا لهم التعبد، ثم بعد ذلك أظهروا شيئًا من عقائدهم قليلًا قليلًا حتى ظهرت هذه الطائفة التي سميت فيما بعد بالصوفية.
ولا يعني هذا أن كل من انتسب إلى الصوفية زنديق، فكل دعوة من الدعوات وكل مذهب من المذاهب فيه مخدوعون كثر، لا يعرفون حقيقة هذا المذهب، ولا يعرفون فكرته الأساسية، وإنما ينتسبون إليه مجرد انتساب، وربما أخذوا بعض المظاهر العامة فيه وانتسبوا إليه.
وهذا يدل على أنه ليس كل واحد من الصوفية لابد من أن يكون زنديقًا يريد هدم الإسلام من الداخل.
لكن الذين نقلوها إلى العالم الإسلامي، والذين دبروا هذه المكيدة للمسلمين؛ لاشك في أنهم زنادقة، كما سيأتي في الكلام عن شيء من عقائدهم، هذه هي نشأة الصوفية وهذه هي بدايتهم.
[ ١٧ / ٤ ]
عقائد الصوفية
[ ١٧ / ٥ ]
الحقيقة والشريعة
ويمكن هنا أن نذكر شيئًا من عقائد الصوفية: فمن ذلك أن عندهم ما يسمى بالحقيقة والشريعة، ويقصدون بالشريعة الأحكام الفقهية العملية، وقد يسمونها في بعض الأحيان الظاهر، وأما الحقيقة فإنهم يقصدون بها الأعمال القلبية، وقد يسمونها الباطن في بعض الأحيان.
ولم يقف التصوف عند هذا الحد، بحيث يقول أهله: إن الفقهاء يعرفون أحكام الظاهر ونحن متخصصون في أحكام الباطن.
لا، وإنما أرادوا بهذا أن يقسموا الناس إلى قسمين: عامة وخاصة، فأما العامة فهم الذين يقرءون الأحكام الشرعية ويأخذون عموماتها، فمثلًا إذا قرءوا الصلاة ظنوا أن الصلاة هي هذه الصلاة التي تصلى في اليوم خمس مرات بالركعات المعهودة، وإذا قرءوا الحج ظنوه كذلك، وإذا سمعوا الجنة والنار ظنوهما كذلك، وإذا سمعوا بعض تفسير الآيات لم يفهموا منه إلا هذه المظاهر العامة التي يفهمها الإنسان عندما يخاطب بمثل هذا الكلام.
وأما هم فيقولون: نحن عندنا الحقيقة، وما هي الحقيقة؟ قالوا: الحقيقة هي شيء لا يدركه هؤلاء العوام، فهي معانٍ وأسرار لا يعرفها أي أحد، وعندما تطلع على هذه الأسرار تجد الخرافات وتجد البدع المضلة والانحرافات العجيبة.
ولهذا يعتبرون علماء السنة المشهورين -كالأئمة الأربعة وغيرهم- علماء الشريعة، ويعتبرون أنفسهم علماء الحقيقة.
فعلماء الشريعة مثل الإمام أحمد والإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق بن همام الصنعاني وغيرهم، فيسمون هؤلاء وأتباعهم المشتغلين بدراسة العلوم الشرعية يسمونهم أصحاب الشريعة، أو أصحاب الظاهر، أو العامة.
ويسمون أنفسهم وهم يتصرفون تصرفات غريبة وبعيدة عن هدي الإسلام أصحاب الحقيقة، ولهذا قد يأتي أحدهم -مثل إبراهيم العريان - ويخطب أمام الناس وهو عريان ليس عليه شيء من اللباس، فإذا أنكروا عليه ضحك بعض الصوفية وقال: هؤلاء هم العامة، ويضحك على من ينكر عليه ويقول: هؤلاء أصحاب الشريعة ما تغلغلوا في التدين وعرفوه على حقيقته كما عرفه إبراهيم العريان الذي يخطب أمام الناس وهو عريان.
ولهذا يقول الشبلي: إذا بارزونا بعلم الورق خرجنا إليهم بعلم الخرق يقول: إذا احتجوا علينا بعلم الورق الذي هو علم الكتب والدراسة وحفظ الأحاديث والمسائل كما كان السلف الصالح عليه؛ برزنا إليهم بعلم الخرق.
فما هو علم الخرقة عندهم؟ إن الخرقة خرافة، فهم يزعمون أن النبي ﷺ أعطى علي بن أبي طالب ﵁ خرقة وبايعه على الطريقة التي هي طريقة الأسرار وطريقة الحقائق كما يتصورونها، وصارت الخرقة هذه رمزًا وعلامة على أن من أخذها فقد وصل إلى الحقيقة، فـ علي بن أبي طالب بايع من بعده، وكل واحد يبايع الآخر.
فإذا جئنا إلى أهل السنة وما عندهم من العلوم وجدنا أنهم يقولون: حدثنا فلان قال: أخبرنا فلان، قال: أنبأنا فلان عن فلان عن فلان، بإسناد متصل.
وأما هؤلاء فيقولون: نحن لنا علم آخر غير العلم الذي أنتم عليه، نحن علمنا وإسنادنا هو عن طريق الخرقة، أخذت الخرقة عن شيخي الفلاني، عن شيخه الفلاني عن شيخه الفلاني، حتى وصلت إلى الرسول ﷺ.
فما هي فائدة هذه الخرقة؟ قالوا: هذه الخرقة عبارة عن رمز، وعبارة عن طريقة إذا تعلمها الإنسان فإنه يحدث عن الله مباشرة، فيقول: أنبأني قلبي عن ربي مباشرة، ولا يحتاج إلى قوله: (أنبأنا فلان عن فلان عن فلان عن الرسول ﷺ عن جبريل عن رب العالمين)، فأسانيدنا طويلة، أما أسانيدهم فقصيرة.
ولهذا فإن الكشوف التي يحصلون عليها يعتقدون أنها يقينية مائة في المائة، ولا يشكون فيها، وسيأتي معنا الإشارة إلى هذا عندما نتحدث عن الأولياء عندهم بإذن الله تعالى.
[ ١٧ / ٦ ]
الحقيقة المحمدية
ومن عقائد الصوفية: الحقيقة المحمدية: فهم يغلون في الرسول ﷺ إلى درجة أنهم يوصلونه إلى ما نهى عنه ﷺ بقوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله)، حيث يقولون: إن الله ﷿ ما خلق هذا الخلق إلا للرسول ﷺ، وما خلق الأنبياء وما خلق الدنيا كلها إلا من أجل الرسول ﷺ، فهم يعارضون قول الله ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
ولهذا يقول البوصيري: وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم يعني: لولا الرسول ﷺ ما خرجت الدنيا من العدم وظهرت في الواقع في حياة الناس.
ويزعمون أن النبي ﷺ كان مخلوقًا قبل آدم، وأن آدم ﵇ لما أكل من الشجرة وتاب الله عليه بقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧] فقالوا: هذه الكلمات هي أنه استغاث بالرسول ﷺ وسأل الله ﷿ بجاهه، فقال الله ﷿ لآدم كيف عرفت محمدًا ﷺ؟! قال: نظرت إلى العرش فوجدته منقوشًا عليه: (أشهد أن محمدًا رسول الله)، فعرفت أنه عزيز عندك.
ويقولون: إن محمدًا ﷺ عبارة عن نور، وإنه ليس إنسانًا حقيقيًا له بدن وله جسد ونحو ذلك، وإنما هو نور من الأنوار، ولهذا يروون عن النبي ﷺ أحاديث موضوعة في هذا الأمر، منها أنه قال: (كنت نورًا وانتقلت في أصلاب الرجال نورًا حتى جئت إلى صلب عبد الله، ثم كنت بعد ذلك).
[ ١٧ / ٧ ]
وحدة الأديان
العقيدة الثالثة: وحدة الأديان.
فالصوفية من الدعاة إلى وحدة الأديان، ولا يلزم من ذكري هذه العقائد أن كل صوفي عنده هذه العقائد، لكن هذا هو منهج التصوف، ففي بعض الأحيان قد يلتزمه الناس جميعًا، وفي بعض الأحيان قد يلتزم بعض الناس بعضه ويتركون بعضه، وفي بعض الأحيان قد يلتزم بعضهم الشعار فقط، فيقول: أنا صوفي، ويمشي معهم وهو لا يعلم، فالمخدوعون كثر.
ففي وحدة الأديان يرى أئمة الصوفية الكبار -مثل ابن عربي والحلاج وابن الفارض وغيرهم- أنه ليس هناك فرق بين الأديان، وإنما الأديان جميعًا دين واحد، وهو اعتقاد أن هذا الوجود هو الله ﷾.
يقول ابن عربي: لقد صار قلبي قابلًا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني فهو يرى أن حب الوجود جميعًا هو دينه؛ لأن الوجود جميعه هو الله ﷿ عنده، فهو يحب اليهود والنصارى والوثنيين وكل الفلسفات الموجودة المتناقضة يحبها جميعًا؛ لأن الحب هو دينه وإيمانه.
وقد سبق أن نقلنا عن أحد السلف -وهو مكحول ﵀- أنه كان يقول: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئي، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق.
ويقصد به هؤلاء، ولهذا سبق أن ذكرت أن التصوف عبارة عن دين من أديان الهند نقلته الزنادقة إلى حياة المسلمين، ولهذا فإن السلف كانوا يسمون هذا النوع من أصحاب العقائد زنادقة.
ويمكن أن يراجع كتاب اسمه (التنبيه والرد) للملطي ﵀، فإنه ذكر عقائد الصوفية، وهو في كل عقيدة يقول: وتقول الزنادقة كذا، وتقول الزنادقة كذا، ويقصد به هؤلاء الصوفية الكبار.
ومما يمكن في هذا أن أبا يزيد البسطامي مرَّ على مقبرة يهود فقال: معذورون، ومر على مقبرة من مقابر المسلمين فقال: مغرورون، ثم خاطب الله ﷿ فقال: ما هؤلاء حتى تعذبهم؟! حطام جرت عليهم القضايا، اعف عنهم.
وهذه عقيدتهم التي سيأتي الإشارة إليها، وهي أنهم يرون أن العباد مجبورون على أفعالهم، فهم جبرية.
[ ١٧ / ٨ ]
عقيدة الولاية عند الصوفية
بقي أن نشير إلى عقيدة أخرى عند هؤلاء الصوفية، وهي عقيدة الولاية، والكلام على عقيدة الولاية طويل، لكن يمكن أن نلخصه في أمرين: الأمر الأول: الطريق إلى الولاية عند الصوفية.
الأمر الثاني: طبقات الأولياء عندهم.
[ ١٧ / ٩ ]
الطريق إلى الولاية عند الصوفية
فأما الطريق إلى الولاية فيكون عندهم عن طريق الرقص، ويسمونه السماع، وعن طريق الاسم المفرد (الله، الله، الله)، وستأتي الإشارة إليه، وعن طريق الضمير: (هو، هو، هو) وهكذا، فيردد الواحد منهم ويقفز ويصيح ويبكي حتى يصل إلى درجة يسمونها الفناء، وستأتي الإشارة إلى الفناء -إن شاء الله- مفصلة.
ويسمونها الاصطلام، ويسمونها السكر، وفي هذه الحالة يغيب هذا الإنسان عن شهود المخلوقات، فلا يشهد إلا الخالق كما يزعمون، ولهذا يقول أبو يزيد البسطامي نفسه: ما في الجبة إلا الله.
ولهم طرق متعددة، وليس لهم طريقة واحدة يسيرون جميعًا عليها، وإنما لهم طرق متعددة يجمعها السماع والغناء والرقص والطبل والحديث عن الحب، والاستفادة من أشعار العشاق مثل مجنون ليلى قيس بن الملوح، وعمر بن أبي ربيعة وغيرهم من الشعراء الذين يتكلمون عن محبوبهم.
فهم يغنون ويطبلون ويصيحون ويصرخون ويرددون هذه الأشعار حتى يغيب الإنسان، فإذا غاب يغيب عن وعيه وعن عقله، فتأتيه أوهام وتأتيه مخاطبات ويسمع كلامًا وهذه مرحلة من المرض النفسي المعروف، وأظن اسمه المنخوليا أو نحو هذا، بحيث يبدأ الإنسان يهذي، ويتكلم بالخرافات ويتكلم بالأوهام.
فهم يتصورون أن الإنسان إذا وصل إلى هذه المرحلة فأن هذه المخاطبات التي تأتيه هي عبارة عن كلام من الله، أو كلام من الرسول، أو يرى كشوفات، فقد يرى أجسامًا غريبة ويرى أشخاصًا من جراء التعب والإرهاق، لاسيما أن بعضهم -مثل الحلاج - ذهب إلى الهند في الوقت الذي كان فيه الأئمة من السلف يتنقلون بين البلدان لطلب الحديث، فانتقل الحلاج إلى الهند ورأى عباد الهنود كيف يعملون، وذلك أن أحدهم يقف على رأسه الساعات الطويلة -وهو جائع- في الشمس، فتأتيه حالة الهيستيريا، ويبدأ يصرخ ويأتي بكلام لا معنى له، ويسمون ذلك حقائق لا تقبل الجدل ولا تقبل النقاش، حتى إن أبا حامد الغزالي في الإحياء يقول: إن الكشف إذا عارض نصًا في القرآن أو السنة فإنه يؤول النص الشرعي؛ لأن الكشف لا يقبل التأويل! وفي هذه الحالة تأتيهم الشياطين التي تأتيهم في الحقيقة.
وأبو حامد الغزالي له كتاب اسمه (المضنون به على غير أهله)، وهو دائمًا يردد الكلام على الأسرار، ويقول: إن صدور الأحرار قبور الأسرار، وإنه ينبغي على الإنسان أن يحافظ على السر، ويقصد بالسر ما يصل إليه من المكاشفات، وقد يصل إلى الكفر الأكبر المخرج عن الإسلام، والعياذ بالله، فهذه هي الطريق إلى الولاية.
وأما طبقات الأولياء فإن الأولياء عندهم ليسوا على درجة واحدة، بل أعلاهم القطب، والقطب يسمونه الغوث، والغوث هو الذي يغيث من استغاث به.
ويسمون عمل القطب وما يقوم به: الخلافة عن الحق مطلقًا، أي: يكون خليفة عن الله ﷿ مطلقًا.
ولهذا يقولون: لا يصل إلى الخلق شيء من الحق إلا بحكم القطب، أي: لا يصل إلى الناس شيء من الله ﷿ إلا بحكم القطب هذا.
فهم أخذوا فلسفة يونانية عند أفلاطون، وهي أن الإله عندما كان ولا شيء موجود من المخلوقات، كان هذا الإله كاملًا من كل وجه، فلما خلق المخلوقات خلقها وفيها السيئ وفيها الحسن وفيها الرديء وفيها القبيح، ولا يمكن للإله النظيف العظيم أن يتدنس بعلاقته بهذا الخلق تدبيرًا وتوجيهًا ونحو ذلك، ولهذا صدر عن الإله ما يسمونه بالعقل الفعال، وهذا العقل الفعال هو الذي يدير شئون الكون.
فهم جاءوا إلى فلسفة أفلاطون فوضعوا الإله في محل الإله في نظرية أفلاطون، وجاءوا بالقطب -وهو أعظم الأولياء عندهم- ووضعوه مكان العقل الفعال، وقالوا: هذا القطب هو الذي يدبر شئون الناس.
وقالوا: إنه لا يمكن أن يكون القطب إلا واحدًا، وعندهم أن القطب قسمان: الأول: قطب بشري، وهذا القطب إنسان يعيش حياة الناس، وقد يكون مجهولًا عند بعض الناس، ولهذا فإن بعضهم يقول: إذا دخلت الحرم أو أي مكان من الأماكن التي يكون فيها مساجد ووجدت رجلًا وسخ الثياب قذرًا حالته ترثي لها أنت؛ فإنه قد يكون القطب وأنت لا تعلم.
ولهذا توجد طائفة عند الصوفية يسمونهم (الملامية) ويقولون عنهم: إنهم يفعلون الفعل الذي يستقبحه الناس دفعًا للرياء حتى لا يكشفوا أنفسهم.
فالواحد منهم لا يرضى أن يكشف نفسه، إذ يمكن أن يكون القطب، فما هو الحل حتى لا يكشف نفسه؟ الحل هو أن يعمل أعمالًا يستقبحها الناس، فربما يخرج عريانًا أمام الناس، وربما يجده الناس وهو يطأ بهيمة مثلًا، وربما ينام مع الكلاب في المزابل، وهكذا، ويسمونهم الملامية؛ لأن الواحد منهم يفعل الفعل الذي يلام عليه ليدفع عن نفسه نظر الناس واهتمام الناس، فيكون مخلصًا حسب زعمه.
بل إن بعض الصوفية -وهو أحمد الرفاعي الساحر المشهور صاحب الطائفة الرفاعية- قال له تلميذه: يا شيخ! هل أنت القطب؟ فقال: نزه شيخك عن القطبية، يعني: أنا أعلى منها.
فالقطبية التي هي تدبير لشئون الخل
[ ١٧ / ١٠ ]
قصص من خرافات الصوفية التي يسمونها كرامات الأولياء
والكلام في هذا الموضوع يطول، فإن الحديث عن الصوفية كثير جدًا، لكن يمكن لي أن أنقل بعض النصوص المأخوذة من ثلاثة كتب: كتاب اسمه (كرامات الأولياء) لـ يوسف بن إسماعيل النبهاني، وكتاب اسمه (طبقات الأولياء) لـ عبد الوهاب الشعراني، وكتاب آخر للشعراني نفسه يتكلم فيه أيضًا عن قواعد التصوف، وهو (الأنوار القدسية في القواعد الصوفية).
يقول النبهاني في ترجمة أحمد بن إدريس: إن الله خصه بالمواهب المحمدية والعلوم اللدنية، والاجتماعات الصورية الكمالية بالنبي ﷺ، والأخذ والتلقي منه، حتى لقنه النبي ﷺ بنفسه أوراد الطريقة الشاذلية.
فلكي يروجوا للطريقة الشاذلية جاءوا بكرامة لهذا الرجل.
ويقول الشعراني: ومنهم -يعني: من الأولياء- الشيخ عبد الله أحد أصحاب سيدي عمر النبتيلي نفعنا الله ببركاته، كتب لي أنه رآني بحضرة رسول الله ﷺ وهو يقول للإمام علي ﵁: ألبس عبد الوهاب طاقيتي هذه وقل له: يتصرف في الكون! ويذكر -أيضًا- من كرامات محمد بن أبي المواهب الشاذلي أنه كان كثير الرؤيا للنبي ﷺ في المنام حتى كأنه لا يفارقه، وكان يقول: قلت لرسول الله ﷺ: إن الناس يكذبوني في صحة رؤيتي لك، فقال: وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أو كذبك فيها؛ لا يموت إلا يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا! ومنهم إبراهيم المجذوب الموجودة ترجمته في (جامع كرامات الأولياء) وفي طبقات الشعراني: كان كل قميص يلبسه فيخيطه بخرقة على رقبته ضيقة جدًا حتى يختنق يحصل للناس من ذلك شدة عظيمة، وإن وسعه حصل لهم الفرج والراحة! يعني: إذا ضيق في اللباس على نفسه فإن الناس يعيشون في ضيق، وإذا وسع توسع الناس، فهذه كرامته.
فانظر كيف يربطون أرزاق الناس بثياب هؤلاء ورقابهم! وهذا موسى بن مهيم المرديني يقول عنه النبهاني في (جامع كرامات الأولياء): وقع بماردين حريق فاحش وفشا في البلد وعظم أمره، فاستغاثوا بالشيخ موسى ﵀ فأمرهم بإلقاء عكازه في النار فانطفأت كأن لم تكن، فقال: إن الله وعدني ألا يحترق بالنار ما مسته يدي! فأي إنسان يضع يده عليه فإنه يعتبر نفسه عتيقًا من النار! وهذا رجل منهم اسمه أبو بكر بن أبي القاسم روي عنه أنه قال: من رآني ورأيته دخل الجنة! حتى وإن كان يهوديًا أو نصرانيًا.
وكذلك يقول أحد أئمتهم: من رآني أو رأى من رآني إلى سابع من رأى دخل الجنة.
ومنهم رجل اسمه مدين الأشحوري جاءته امرأة فقالت له: هذه ثلاثون دينارًا وتضمن لي عند الله الجنة، فقال الشيخ ﵁ مباسطًا لها: ثلاثون دينارًا قليلة.
فقالت: لا أملك غيرها.
فضمن لها على الله الجنة، فماتت، فبلغ ورثتها ذلك، فجاءوا يطلبون الثلاثين دينارًا، وقالوا: هذا الضمان لا يصح -ويبدو أنهم من أصحاب الشريعة- فجاءتهم في المنام وقالت لهم: اشكروا لي فضل الشيخ؛ فإني دخلت الجنة! فرجعوا إلى الشيخ.
وهذا مذكور في طبقات الشعراني.
ومن كرامات بعضهم التي يذكرونها: أن امرأة يقارب عمرها عشرين سنة بدمشق المحروسة أعطاها سيدي تاج الدين نصيبًا صالحًا من الأسرار، ثم سكنت المرقب، وصار الفقراء يترددون إلى منزلها، فمر عليها فقيران وأقاما مدة، ووردتهما أحوال عظيمة ومكاشفات رهيبة، ثم حدث أحدهما نفسه بها؛ لما رأى من إحسانها وودها، وسألها ما يسأل النساء، فأجابته ظاهرًا، واعتقد القبول باستحكام غفلته، فلما ضاجعها ليلًا وجدها خشبة يابسة، فقال لنفسه المكابرة الأمارة: الثديان ألين شيء في المرأة.
فلمسهما فوجدهما كحجرين، فلمس أنفها فلم يجد أنفًا، فعند ذلك اقشعر جلده! فهل هذا فعل الأولياء في الخلوات!!! يقول: ومن كراماته ما أخبرني به بعض الثقاة من أهل طرابلس -وأظنه الحاج محمد الدبوس - قال المخبر: كان في طرابلس رجل من الشباب قليل الحياء معجبًا بذكره، فكان يمازح الشيخ مزاحًا باردًا، فإذا رآه يضع ذلك الشاب يده على ذكره ويقول له: هل عندك مثل هذا؟! أي: أن الشاب يقول للشيخ: ما عندك مثل هذا، فكان الشيخ يضحك من ذلك، فلما تكرر هذا الأمر مرة بعد أخرى من ذلك الشاب لقيه مرة، فضربه الشيخ عليه بيده وقال له: اذهب.
فذهب كأنه امرأة لم يتحرك له شيء! وهذا كله سحر.
وهناك شيخ عندهم اسمه العمري، من كراماته -كما يقول عنه النبهاني - ما أخبرني به إبراهيم الحاج المذكور قال: دخلت في هذا النهار إلى الحمام مع شيخنا في كلام قبيح كثير.
ومن كراماتهم أيضًا ما حكاه حشيش أنه مر عليه يومًا فجرى في خاطره الإنكار عليه -يعني نور ا
[ ١٧ / ١١ ]
الأسئلة
[ ١٧ / ١٢ ]
حكم القول بأن العمل شرط كمال في الإيمان
السؤال
يقول بعض الدعاة في تعريف الإيمان: إنه قول وعمل واعتقاد، وجعل العمل في الإيمان شرط كمال لا شرط صحة، ونسب القول بأن العمل شرط صحة إلى المعتزلة.
الجواب
لاشك في أن هذا القول قول غير صحيح وقول غير سديد؛ فالإيمان كما هو معلوم قول وعمل، يزيد وينقص.
ومعنى (قول) أي: قول القلب وهو تصديقه، وقول اللسان، وأما العمل فهو عمل القلب، كالخشية والخوف والإرادة والتوكل على الله ﷿، وعمل الجوارح.
والقول بأن العمل عمومًا شرط كمال قول باطل، وقد تحدثت في دورة علمية في متن العقيدة الطحاوية عن الإيمان، وفصلت القول في مسألة العمل ومنزلته وأهميته، وذلك بسبب أن كثيرًا من الناس يخلط في موضوع منزلة العمل ومكانته، ونقلت كلام السلف في هذا.
وكثير ممن ينتسب إلى منهج أهل السنة يخلط خلطًا كبيرًا، ويقول: إن العمل شرط كمال، وأكثر هؤلاء متناقضون، فبعضهم يقول: العمل شرط كمال، فإذا قلت له: هل محبة الله شرط كمال، بمعنى أنه لو تركها لا يكون كافرًا؟ لم يقل بذلك؛ لأن محبة الله معروف عنها أنها من أصل الإيمان، وهكذا الخوف من الله من أصل الإيمان، وهكذا الأعمال عمومًا التي هي جنس الأعمال هي من أصل الإيمان، وليس من كماله الواجب.
[ ١٧ / ١٣ ]
كتاب المستطرف في الميزان
السؤال
ما رأيك في كتاب المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي؟
الجواب
الكتاب هو كتاب أدب وسمر، وفيه كثير من الأحاديث الموضوعة والضعيفة، وفيه خلط كثير، وهو كتاب سمر وأخبار، وقد ينقل أخبارًا فيها مبالغات وفيها أخطاء، فلا يعتمد عليه.
[ ١٧ / ١٤ ]
معنى قول المترجمين في العابد (فيه تصوف)
السؤال
عند قراءتي لبعض كتب التراجم أجد في ترجمة بعض الناس قول المؤلف في هذا الإنسان: فيه تصوف.
فما هو مقصود ذلك؛ فهذا يشكل علي عند ترجمة بعض السلف؟
الجواب
التصوف هو دين هندي نقل إلى المسلمين عن طريق الزنادقة، ولكن صار كثير ممن يتكلم في قضايا أعمال القلوب والسلوك والخوف من الله ﷿ يسمى صوفيًا من باب التجوز في العبارة، فقد يطلق على بعضهم عبارة: (فيه تصوف) أي: عنده عناية واهتمام بالسلوك.
وهذه الكلمة (فيه تصوف) ليست كلمة دقيقة؛ لاحتمال أن يكون فيه تصوف من التصوف الذي جاءت به الزنادقة، واحتمال أن يكون فيه تصوف بعض أهل البدع.
وبعض الذين يترجمون للأعلام قد ينسبون شخصًا من أهل السنة إلى التصوف؛ لأنه عابد ومهتم بالعبادات وعنده زهد وورع وتقوى، فينسبون هكذا من باب التجوز، وإلا فإن أصل التصوف هو ما سبق أن أشرت إليه.
ولهذا إذا تكلم بعض من يتكلم عن أعمال القلوب فإنه قد يذكر شيئًا من الكلام عن التصوف ويمدحه في بعض الأحيان، وغالبًا لا يقصد التصوف الذي نقله الزنادقة الذين سبق أن نقلت شيئًا من أخبارهم.
[ ١٧ / ١٥ ]
الغزالي وكتابه الإحياء
السؤال
هل أبو حامد الغزالي يعتبر من أئمة الصوفية؟ وما رأيك في كتاب (إحياء علوم الدين)؟
الجواب
أبو حامد الغزالي لاشك في أنه من أئمة الصوفية، أبو حامد الغزالي كان متقلبًا، فقد مرت عليه فترة كان فيها على مذهب الباطنية، ثم ألف كتابًا فضحهم فيه، ومرت عليه فترة كان فيها على طريقة أهل الكلام.
فله مراحل متعددة، ومن مراحله أنه اشتغل بالتصوف زمنًا، وألف كتاب (معارج القدس في أحوال النفس)، وله أيضًا كتب أخرى منها (إحياء علوم الدين).
فهو على طريقة الصوفية، ولم يؤلف كتابًا ينقص كلامه السابق، وإن كان هو في نفسه قد تاب في آخر حياته، فقد ذكر عبد الغفور في كتابه (سياق تاريخ نيسابور) أن أبا حامد الغزالي توفي وصحيح البخاري على صدره، يعني: أنه رجع إلى السنة، لكنه بعد رجوعه لم يؤلف كتابًا ينكر فيه ما سبق أن ذكره في كتبه السابقة.
وأما (إحياء علوم الدين) فهو كتاب من أجل كتب التربية، لكن فيه آفتان: الآفة الأولى: كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة في هذا الكتاب.
والآفة الثانية: ما خالطه من شوائب التصوف، وبعض شوائب الكلام.
فإذا كان الإنسان بصيرًا وعنده القدرة على أن ينتقي ويستفيد فهو من أفضل الكتب، وإذا كان الإنسان ليس عنده قدرة على أن يستنبط وأن يأخذ وأن يميز بين الصحيح والباطل، فإنه لا يقرأ هذا الكتاب، وإنما يقرأ مختصره، وهو (مختصر منهاج القاصدين) لـ ابن قدامة ﵀، فقد اختصر (إحياء علوم الدين) ابن الجوزي في كتاب سماه (منهاج القاصدين)، ثم اختصره ابن قدامة المقدسي في كتاب (مختصر منهاج القاصدين).
والعجيب أن هذا الكتاب مع أنه كان له دور في نهضة المسلمين في الفترة التي عاش فيها أبو حامد الغزالي إلا أنه لا يوجد فيه باب من أبواب الجهاد.
فلا يوجد فيه باب في الكلام عن الجهاد في سبيل الله وفضل المجاهدين، وحث المسلمين على الجهاد، مع أنه ألف في فترة عصيبة كانت فيها أغلب بلاد الشام تحت وطأة الصليبيين.
وهذا يدلك على أن الصوفية ما كانوا يشجعون الناس على الجهاد في سبيل الله، بل في بلاد الجمهوريات الإسلامية عندما دخل الشيوعيون كانوا ربما قتلوا بعض الصوفية وهو يصيح على قبر أوليائهم فيقول: يا نقشبندي! أغثني.
ولو أنه أخذ سيفًا لاستطاع أن يتخلص من هؤلاء الفجرة الجبناء، لكن الدين الذي ابتدعوه والمنهج الذي اتخذوه أوصلهم إلى هذه النتيجة المأساوية.
[ ١٧ / ١٦ ]
بيان اعتقاد أهل السنة في منزلة العمل من الإيمان
السؤال
ما هو اعتقاد أهل السنة في الأعمال، فهل هي شرط صحة في الإيمان أو شرط كمال؟
الجواب
العمل شرط صحة في الإيمان، فيزول الإيمان بزوال العمل، ولا إيمان لمن لا عمل له، ولا ينفع الإيمان بدون عمل، ولا يصح ولا يقبل عند الله ﷿، ولا يقبل حتى في الدنيا، فالعمل شرط أساسي في الإيمان يزول الإيمان بزواله، وما هي الفائدة من إنسان ينتسب إلى الإسلام وهو لا يعمل شيئًا من الأعمال؟! وتصور هذا النموذج في زمن الرسول ﷺ في رجل الله صدق ما أخبر به الرسول ﷺ، لكنه لا يعمل شيئًا، فلا يصلي، ولا يصوم، ولا يزكي، ولا يجاهد، ولا يحج، ولا يوالي المؤمنين، ولا يتبرأ من الكافرين، ولا يعمل شيئًا من الأعمال، فهل هذا النموذج ينفع في زمن الرسول ﷺ؟! إنه لا ينفع في أحكام الدنيا ولا في الأخرى، فلا داعي لأن يتعب الإنسان نفسه بأن يقرر أن العمل شرط كمال، وإن كان بعض الناس قد يقولها وهو لا يفهم معناها.
والحق أن العمل شرط أساسي في الإيمان.
[ ١٧ / ١٧ ]
حكم القائل بخلق القرآن
السؤال
هل يكفر كل من قال بخلق القرآن؟
الجواب
إذا أقيمت عليه الحجة وعرف الحق وعاند فإنه يكفر، أما إذا لم تقم عليه الحجة ولم يعرف الحق وبقيت الشبهة في ذهنه فإنه لا يكفر إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
[ ١٧ / ١٨ ]
مدى ثبوت مناظرة الحيدة
السؤال
هل المناظرة التي في كتاب (الحيدة) صحيحة؟
الجواب
تكلم في إسنادها، ويبدو أن في إسنادها ضعفًا، وإن كانت مناظرة مشهورة، وفي بعض نسخها بعض الملاحظات الشرعية على بعض الفقرات.
[ ١٧ / ١٩ ]
النبهانيان في الميزان
السؤال
تنتشر كتيبات للنبهاني عند بعض الشباب، فما نصيحتكم؟
الجواب
النبهاني اثنان: أحدهما: يوسف بن إسماعيل النبهاني، وهو القبوري القديم، وله كتاب اسمه (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق)، وذاك قبوري مشرك هالك، فإنه صرح بالشرك على نيته في هذا الكتاب.
وهناك رجل آخر يوافقه في السنة، وهو النبهاني الذي أسس حزب التحرير في الأردن، ولاشك في أن هذا أيضًا عليه ملحوظات أخرى.
لكن هذا غير ذاك، فصاحب حزب التحرير عليه ملحوظات، فإن عنده بعض عقائد أهل الكلام، مثل عدم قبوله لخبر الآحاد، والاتجاه العقلاني عنده واضح، وكذلك مخالفته لمنهج الأنبياء في طريقة الدعوة إلى الله ﷾.
[ ١٧ / ٢٠ ]
الموقف من المخدوعين بالصوفية
السؤال
ماذا تقول في الذين كانوا مخدوعين بالصوفية، أي: كانوا يعملون بأعمال الصوفية من غير علم؟
الجواب
هؤلاء يجب عليهم أن يتعلموا، وهؤلاء هم موطن الدعوة إلى الله ﷾، فإننا نحن -الدعاة إلى الله ﷿- كما أننا ندعوا أصحاب الشهوات ندعوا -أيضًا- أصحاب الشبهات.
فالدعوة إلى الله ﷿ موجهة للفساق ولأهل البدعة، موجهة للذين كان انحرافهم عن الحق بسبب الشهوات مثل الزنا والفواحش والربا ونحو ذلك، وكذلك موجهة لأصحاب الأفكار الباطلة والعقائد الفاسدة، وما زال الإمام أحمد ﵀ برجل من أهل الإرجاء حتى رده إلى السنة، وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي أن يدعو هؤلاء كما ينبغي أن يدعو أولئك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٧ / ٢١ ]
شرح العبودية [٧]
القدر من أركان الإيمان، لا يتم إيمان عبد إلا به، وقد ظهرت فرق تنتسب إلى الإسلام ضلوا في هذا الباب العظيم، فأنكروا منه ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، كالقدرية والجبرية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم.
[ ١٨ / ١ ]
مراتب القدر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد.
فإن آخر ما كان الكلام عنه هو ما قاله الشيخ عبد القادر الجيلاني، وهو أنه قال: إن كثيرًا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا، فإني انفتحت لي فيه روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعًا للقدر، لا من يكون موافقًا للقدر.
وقد سبق أن أشرنا إلى أن القدر له أربع مراتب:
[ ١٨ / ٢ ]
مرتبة العلم
المرتبة الأولى: إثبات علم الله ﷾ الشامل والمحيط بكل شيء ﷾، كما قال الله ﷿: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] فكل شيء من الماضي والمستقبل يعلمه الله ﷾ قبل أن يوجد، والله ﷿ يعلم ما يحصل لهذا الشيء، ويعلم مصيره، ومن ذلك أفعال العباد، فهو ﷾ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قد علم بعلمه الشامل المحيط بكل شيء أنه سيخلق بعض العباد، وأنه سيخلق الإنس، وأن هؤلاء الإنس سيقومون بأعمال متعددة، وأنهم سيموتون، وعلم ﷾ ما سيحصل لهم في الحشر، وما سيحصل لهم بعد الحشر، وعلم ﷾ منازلهم جميعًا من الجنة أو النار قبل أن يخلقهم، وهذا لشمول علمه ﷾، فهو ﷾ لا يغيب عنه شيء، فإذا آمن الإنسان بهذه المرتبة من مراتب القدر فإنه يكون قد حقق أكثر القدر.
[ ١٨ / ٣ ]
مرتبة الكتابة
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة.
وذلك أن الله ﷾ قد كتب ما علمه من أحوال المكلفين، ومن أحوال الأشياء التي خلقها ﷾، فهو ﷾ قبل أن يخلق الخلق كتب ما علمه من شأن الخلق، ومن أحوالهم، ومن أوضاعهم جميعًا، إلى أن يصل أحدهم إما إلى الجنة، وذلك بسبب طاعته عن اختيار، وإما إلى النار، وذلك بسبب عصيانه عن اختيار، فكتب مقادير كل شيء، كما جاء في الأحاديث عن النبي ﷺ: (أن الله ﷾ كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وأنها عنده في اللوح المحفوظ).
[ ١٨ / ٤ ]
مرتبة المشيئة والإرادة
المرتبة الثالثة: إثبات مشيئة الله ﷾ العامة.
وهي التي تدل على أن الله ﷾ خالق لكل شيء، فهو ﷾ يشاء ويريد ﷾، ولا يمكن أبدًا أن يحصل في كون الله ﷿ وفي مخلوقات الله شيء لم يرده الله ﷾.
وهنا تحدثنا عن نوعين من الإرادة: الإرادة الأولى: هي الإرادة الكونية، وقلنا: إن معنى الإرادة الكونية: أن الله ﷾ أراد أن يخلق كل شيء، ولا يمكن أن يوجد في كون الله ﷿ وفي مخلوقات الله شيء لم يرده الله ﷿، وبناءً على هذا المعنى للإرادة فإن الكفر مما أراده الله، والمعاصي مما أراد الله ﷾، وكذلك الإيمان مما أراده الله، وكذلك الأعمال الصالحة مما أراد الله ﷾، وكذلك وجود الأنبياء والصالحين والطيبين من الناس والعبّاد والزهّاد والمجاهدين ونحو ذلك، كل ذلك مما أراد الله ﷾ أن يوجد في هذه الأرض، كما أن إبليس والكفار وأعداء الدين مما أراد الله ﷿ أن يخلق وأن يوجد في هذا الكون، وبناءً على هذا فإن الإرادة الكونية -كما سبق أن أشرت- هي بمعنى الخلق؛ فالله ﷿ خالق لكل شيء، ولو كانت هذه المخلوقات ليست طيبة، ولو كانت هذه المخلوقات لا يحبها، فالله ﷿ يخلق أشياء وهو لا يحبها، فيخلقها وهو يكرهها ويبغضها، فقد خلق إبليس مع أنه يبغضه، وخلق الكفار مع أنه يبغضهم، وخلق كثيرًا من الدواب المؤذية مع أنه يبغضها.
إذًا: ما هي الحكمة عندما يخلق الله ﷿ أشياء وهو يبغضها؟ إن الحكمة من ذلك هي الابتلاء، كما قال الله ﷿: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] فخلق الله ﷿ هذه الأشياء التي هي في ظاهرها متعارضة، وهي في الحقيقة مخلوقة ليبتلي بها العباد وينظر إلى أي شيء ينقادون، وهل يتبعون الرسل أم لا يتبعون.
كما أنه ﷾ أراد إرادة أخرى، وهذا يدعونا إلى الحديث عن الإرادة الثانية، وهي الإرادة الشرعية، والإرادة الشرعية موافقة لمعنى محبة الله ﷿ ورضاه، فهذه الإرادة هي التي أمر بها بالأوامر الشرعية، وهي التي نهى بها عن المناهي والمحرمات، وحينئذ يعرف الإنسان أن الله ﷿ له إرادتان: إرادة بمعنى الخلق، وإرادة بمعنى الشرع والأمر.
وحينئذ عندما يقرأ الإنسان قول الله ﷿: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] يعلم أن المعنى: لا يريده ولا يحبه، والرضا قدر زائد على الإرادة، فهو شبه مستقل عن صفة الإرادة، لكن قد يقول قائل: إذا كان لا يرضاه فلماذا يريده كونًا؟
و
الجواب
ليبتلي الله ﷿ العباد.
[ ١٨ / ٥ ]
مرتبة الخلق
المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر: مرتبة خلق أفعال العباد.
كما أخبر الله ﷾ عندما قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] فهو ﷾ خلق الإنسان وخلق عمله، كما أن قوله ﷾: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] يدخل فيه أعمالنا التي نفعلها، فنحن لا يمكننا أن نعمل أعمالًا إلا وقد خلقها الله ﷿ لنا؛ لأننا نحن مخلوقان، وما ينتج عن المخلوق فهو مخلوق بطبعه.
وبهذه الأربع المراتب يفهم الإنسان القدر، وحينئذ فإذا سألك سائل، هل المعاصي الموجودة في الحياة من قدر الله؟ نقول: نعم هي من قدر الله.
فإن قال: كيف تكون من قدر الله؟ تقول: لأنه علمها أولًا، وهذه مرتبة العلم، ولأنه كتبها، وهذه مرتبة الكتابة، ولأنه أرادها، وهذه مرتبة الإرادة، وهي إما من أفعال العباد فهي مخلوقة قطعًا، وإما من أفعال غيرهم، وهي مخلوقة كذلك قطعًا، فهي من قدر الله.
[ ١٨ / ٦ ]
موقف المكلف من القدر
وقد يقول قائل: نحن نسمع أنه يجب التسليم للقدر! ونقول: القدر نوعان: نوع داخل تحت مقدور الإنسان فعله أو تركه، فهذا الذي هو داخل تحت مقدور الإنسان لا يجوز له أن يرضى به، وإنما يجب عليه أن يتبع الأوامر والنواهي الشرعية.
ونوع آخر غير داخل تحت مقدور العبد، مثل المصائب التي تحصل عليه، فيجب أن يرضى.
وأضرب على هذا بأمثلة حتى نستطيع أن نميز بين القدر الذي يمكن للإنسان أن يرضى به، والقدر الذي لا يمكن له أن يرضى به، فعندما خلقنا الله ﷿ خلقنا بأشكال معينة، خلق الطويل وخلق القصير، وخلق الأبيض وخلق الأسود، وخلق العربي وخلق العجمي، فهذه أمور ليست داخلة تحت مقدور العبد، فيرضى بها، وكذلك المصائب التي تقع على الإنسان، فلنفترض أن إنسانًا ابتلي بمصيبة فأتاه سرطان مثلًا، فإنه يصبر ويرضى بما قسمه الله له، ولا يعني هذا أنه لا يتداوى، ولكن يرضى بما قسمه الله ﷿ له، ويكون هذا الرضا من العبادات، فالمصائب والأشياء التي ليست داخلة تحت مقدور العبد هي الأشياء التي يرضى بها.
لكن هناك أشياء لا يصح له أن يرضى بها، ومثال ذلك في إنسان يريد أن يعصي بمعصية، ويقول: المعاصي خلقها الله، وما دام أن الله خلقها فأنا أرضى بها وأفعلها! نقول: لا، حتى لو خلقها الله، فالله ﷿ خلقها ونهاك عن أن ترتكبها، فإن قال: إذًا لماذا خلقها؟ نقول: للابتلاء، حتى ينظر هل تطيع أو تعصي.
وحينئذ لا يجوز لك أن ترتكب هذه المعصية وتقول: إنني أرضى بالقضاء والقدر! فهذا كلام باطل، ولهذا يقول السلف الصالح رضوان الله عليهم: يجوز للإنسان أن يحتج بالقدر على المصائب التي تقع على الإنسان بغير اختياره؛ إذ لا شك في أن الإنسان لا يختار المصيبة لنفسه، كحادث سيارة تنقطع فيه يد إنسان، فهو في حالة انقطاع يده لا بد من أن يرضى، ولو تسخّط لكان آثمًا.
وهناك الذنوب والمعاصي، فالذنوب والمعاصي لا يجوز أن تحتج بالقدر عليها، لأنك تستطيع أن تبتعد عن الذنب وأن تتركه، لأنه داخلة تحت اختيارك، فالفعل والترك داخلان تحت اختيارك، فلا يمكن لإنسان أبدًا أن يزعم أنه غير مختار عندما يريد أن يفعل الزنا، أو عندما يريد أن يأكل الربا، أو عندما يغتاب وينم، بدليل أنه يستطيع الترك، كما أننا نجد في الواقع أشخاصًا كانوا يعصون الله ﷿ ثم تابوا وأصبحوا صالحين يعبدون الله ﷾، وهذا يدل على أن ذلك تحت قدرة الإنسان، فالإنسان بإمكانه أن يفعل الطاعة وبإمكانه أن يفعل المعصية، لكن المصائب تأتي أقدارًا، ولا يمكن للإنسان إذا قدر الله عليه بمصيبة أن يبتعد عنها، ومن ثم نقول: الاحتجاج بالقدر على المصائب جائز، فيصح للإنسان أن يحتج بالقدر على المصائب عندما تقع عليه، لكن الذنوب والمعاصي لا يجوز أن يحتج الإنسان بالقدر عليها.
[ ١٨ / ٧ ]
ضلال أهل البدع في باب القدر
وأهل البدع والضلالة انحرفوا في هذا الباب العظيم من أبواب العلم، وهو الإيمان بالقضاء والقدر، وصاروا فرقًا وطوائف متعددة، وصاروا على مناهج مختلفة، فنجد أن المرتبة الأولى -وهي مرتبة العلم- أنكرها أوائل القدرية، فأوائلهم أنكروا علم الله ﷿ بالأشياء، وقالوا: إن الأشياء لا يمكن أن يعلمها الله ﷿ قبل أن تقع! وإنما يعلمها الله ﷾ بعد أن تقع فنفوا علم الله ﷿ بالأشياء قبل حصولها، وشبهوا علم الله ﷾ بعلم المخلوق، وهؤلاء كفّرهم السلف الصالح رضوان الله عليهم، وانقرضت هذه الطائفة التي كانت تنفي علم الله ﷾ بالأشياء قبل وقوعها.
ومرتبة الكتابة انحرفت فيها القدرية المعتزلة، فالقدرية -الذين هم المعتزلة- نفوا أن يكون الله ﷿ كتب هذه الأشياء، فإنهم أثبتوا أن الله ﷿ يعلم ما سيحصل للعباد قبل أن يفعلوه، لكنهم يقولون: لم يكتبه! والصحيح أنه تعالى كتب ذلك، بدليل الأحاديث الواردة في ذلك.
أما الإرادة فإنه لم توجد طائفة تنفي إرادة الله ﷾ بالكلية، وإنما وجدت طائفة خلطت في فهمها لإرادة الله ﷿، فنحن أهل السنة والجماعة نقول: إن لله ﷿ إرادتين: الإرادة الكونية التي هي بمعنى الخلق، فهذه يوجد بسببها بعض الأشياء التي لا يرضاها الله ﷿ ولا يحبها، ويوجد فيها أشياء يحبها ويرضاها.
وهناك إرادة شرعية، وهي بمعنى ما يحبه الله ﷿، ولهذا أمر تعالى بالأوامر ونهى عن جملة من المنهيات، فنحن نؤمن بالإرادتين، أما المعتزلة فإنهم أنكروا الإرادة الأولى، وقالوا إن الله ﷿ لا يمكن أن يريد المعاصي.
وأما الأشاعرة فإنهم عكسوا، فنفوا الإرادة الشرعية، وأثبتوا الإرادة الكونية.
[ ١٨ / ٨ ]
آثار الاعتقاد الباطل في باب القدر
إن آثار هذه العقائد واضحة، فالذين نفوا الإرادة الكونية نفوا القدر بالكلية، فأصبحوا مكذبين بالقدر، ونحن نعلم أن القدر ركن من أركان الإيمان؛ فإن جبريل لما جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن الإيمان قال له: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)، وقد قال الله ﷾: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فهؤلاء مكذبون بالقدر، ولهذا جاء في بعض الآثار التي صححها بعض العلماء أن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة) يعني: الذين يكذبون بالقدر في هذه الأمة يشبهون المجوس، فإن عقيدة المجوس هي أنهم ينكرون أن يكون لله ﷾ كتابة وإرادة لشئون العباد، وإنما يعتقدون أن العباد هم الذين يحدثون أفعالهم، ولهذا قالوا في عقائدهم بأن عندهم إلهين: الإله الأول: النور، والإله الثاني: الظلمة، ويعتقدون أن النور هو الإله الحق، وهو قديم، والظلمة هو الباطل، وهو قديم أيضًا، وأن كليهما يفعلان بغير إرادة الله ﷿.
والكلام في هذا يطول، لكن الذي يهمنا أن المعتزلة -وهم القدرية- كذبوا بالقدر، وقالوا إن الله لم يكتب أعمال العباد، ولم يردها ﷾.
أما الأشاعرة والصوفية فإنهم -كما سبق أن أشرنا- على العكس تمامًا، فلما جاءوا إلى الإرادة قالوا: إن الله ﷿ هو خالق كل شيء ﷾، وبناءً على هذا فيجب علينا أن نهتم بهذا الموضوع، وهو أن الله خالق كل شيء.
فأثر هذا عليهم إلى درجة أنهم أصبحوا يحتجون بالقدر على المعاصي التي يقومون بها.
والسبب هو عدم الكامل في فهم إرادة الله ﷿ الكونية، وإرادته الشرعية، فلمّا جهلوا هذا المعنى ولم يفهموه على صورته الصحيحة وقعوا في هذه المشكلة.
وقد سبق أن قرأنا في هذا الكتاب أن شيخ الإسلام ﵀ يقول: إن الصوفية الذين غاية مقصودهم من التعبد هو شهود الإرادة الكونية يعظّمون كل مخلوقات الله ﷿، حتى ولو كان بعضها مما نهى عنه ﷾.
[ ١٨ / ٩ ]
اختلاف طوائف التصوف واختلاف الحكم عليها
الصوفية ليسوا على درجة واحدة، وهذه قضية من القضايا التي ينبغي أن يفهما الإنسان، فالصوفية ليسوا على درجة واحدة، وليسوا طائفة واحدة، بل الصوفية طوائف، فبعضهم على عقيدة ابن عربي -كما ستأتي الإشارة إليه- في التصوف، وهذا كفر مبين، والعياذ بالله، وبعضهم عنده بدع غليظة لكنه لم يصل إلى درجة الكفر، وإنما هو ضال ومنحرف عن السنة، وبعضهم أقل شأنًا، فعنده بعض البدع العملية مثل بعض الأذكار البدعية، وبعض الأوراد البدعية التي فيها توسل بجاه الرسول ﷺ، أو يكون فيها عدد معين من الدعاء لم يرد في السنة، مثل أن يقال ألف مرة، أو نحو ذلك، وكل هذا من البدع المحدثة، والنبي ﷺ يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
وهناك طائفة من الصوفية إنما هم عبّاد وأتقياء اعتنوا بجانب أعمال القلوب، لكن عندهم شيء من الجهل، وشيء من عدم معرفة الأحكام الشرعية، ولم يعتنوا بالتعلم، وإنما عظّموا جانب أعمال القلوب أكثر من جانب العلم الشرعي، فحصل عندهم بعض الأخطاء وبعض المزالق، ولهذا فإنك حين تقرأ في كتب التراجم قد تجد عالمًا يقال عنه: فلان بن فلان الصوفي.
فلا يعني هذا أنه كافر عندنا، ولا يعني أنه ضال مبتدع، لا، بل قد يكون هذا الإنسان عابدًا، لكن وصف بهذا الوصف من قبل شخص ترجم له، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتخذ موقفًا واحدًا تجاه هذه الفئة بحيث يحكم عليها بحكم واحد، بل كل إنسان له حكم خاص، وكل فئة لها حكم خاص، وكل رأي له حكم خاص؛ فهذه الطائفة -كما قلت- مجموعات مختلفة، فإذا حكمت عليها بحكم واحد أخطأت، فإذا حكمت عليهم بأنهم مبتدعة كلهم فقد أخطأت من ناحيتين: الناحية الأولى: أنه قد ينسب أشخاص إليهم وهم ليسوا مبتدعة، فتكون قد أخطأت في حق هؤلاء الأشخاص المساكين.
الناحية الثانية: أنه قد يوجد أشخاص ينتسبون إلى الصوفية وهم كفار، مثل ابن عربي، وابن سبعين، وأمثال هؤلاء الضالين، فتكون قد أخطأت عندما أدخلت هؤلاء في الإسلام وهم في الحقيقة كفار، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون لديه سعة أفق في التعامل مع الأحكام، فلا يصح أن يطلق الإنسان الأحكام جزافًا بغير بينة وبغير إدراك وبغير معرفة، ولهذا كان السلف -رضوان الله عليهم- يسمون الآراء المخالفة للسنة مقالات؛ لأن كل شخص مسئول عن مقالته التي قالها، وقد يوجد مجموعة أشخاص يتفقون على سلسلة عقدية معينة، فهؤلاء يسمون فرقة ويسمى رأيهم مذهبًا، لكن لا يصح أن يحكم الإنسان هكذا جزافًا، وإنما الواجب أن يتثبت الإنسان وأن يعلم.
[ ١٨ / ١٠ ]
كمال أهل السنة والجماعة في جميع مسائل الدين
نحن -أهل السنة والجماعة- أرحم الخلق بالخلق، ولهذا يعذر أهل السنة المخطئ، ويعذرون الجاهل، ويعذرون الغافل، ويرحمون الخلق، وهم أرحم الناس بالناس، وهم -كما قال عنهم السلف رضوان الله عليهم- نقاوة المسلمين، فأهل السنة هم أنقاهم وأصفاهم اعتقادًا وقلبًا وإيمانًا، فهذه قضية ينبغي أن تدرك على صورتها الصحيحة.
فأهل السنة مكتملون، فتجد أنهم يعتنون بطلب العلم الشرعي، فهم لا يعبدون الله على جهل، وإنما يعتنون بطلب العلم الشرعي، ويتفقهون، ويكتبون، ويحفظون، ويستفتون أهل الذكر وأهل العلم، ويطلبون الدليل، ويعتمدون على القرآن وعلى السنة، وتجد أن أهل السنة -أيضًا- يعتنون بأعمال القلوب، فهم يعتنون بمحبة الله، وبالخوف من الله، وبالتوكل على الله، وبالإنابة إليه، فليس عندهم جفاف في عواطفهم، بل هم أرق الناس في تعبدهم لله ﷿، تجد الرجل منهم إذا وقف في الصف يبكي من خشية الله، واقرءوا سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، وهم الجيل الأول من أجيال أهل السنة، واقرءوا سير العلماء السابقين، فمع أنهم طلبوا العلم واشتغلوا به لم يشغلهم ذلك عن أعمال القلوب وأهميتها، لكن هذه الأعمال -التي هي أعمال القلوب- ما كانوا يبتدعون فيها، وإنما كانوا يتبعون السنة في طريقتهم، فإذا أرادوا أن يكتسبوا محبة الله بحثوا في العلم عن كيفية اكتساب محبة الله ﷿، فإذا عرفوها نفذوها عمليًا، ولهذا تجد أن أهل السنة دعاة إلى الله ﷿، فهم يشتغلون بطلب العلم، ويشتغلون بتصفية النفوس وترقيقها، والاهتمام بها، ويشتغلون أيضًا بالدعوة إلى الله والحركة الدءوبة في نصرة الدين والعمل له والبذل من أجله، وهم -أيضًا- في نفس الوقت أهل صدقة وبر.
[ ١٨ / ١١ ]
أفضل العبادات
سبق أن أشرت في بداية الكلام على العبادة أن العلماء ﵏ اختلفوا في أفضل العبادات، فبعضهم قالوا: أفضل العبادات هي أشقها.
يعني: أكثرها مشقة، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ لـ عائشة: (أجرك على قدر نصبك) وبعضهم قال: إن أفضل العبادات هي العبادة التي يكون فيها نفع متعد إلى الناس، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ: (خير الناس أنفعهم للناس)، وبعض العلماء قال: إن أفضل العبادات هي الجهاد في سبيل الله؛ لأن الجهاد فيه تضحية عظيمة جدًا، وهي أن يبذل الإنسان نفسه -وهي أغلى ما يملكه الإنسان- في سبيل الله ﷿، كما قيل: يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود والصحيح هو أن أفضل العبادات: العمل على مرضاة الله ﷿ في كل وقت بما يناسبه، فإذا كان الوقت وقت صلاة فأفضل العبادات جمع الهم للصلاة، وإذا كان الوقت وقت إكرام ضيف فأفضل العبادات أن تكرم هذا الضيف بالابتسامة والاحتفاء والاجتهاد في إكرامه بقدر ما تستطيع، وإذا كان الوقت وقت درس علمي فينبغي عليك أن تجتهد في الاستحضار في الفهم وفي الكتابة وفي التدوين وفي الحفظ، وإذا كان الوقت وقت بر الوالدين فإنه يجب عليك أن تجتهد في برهما، وإذا كان الوقت وقت دعوة إلى الله ﷿ فإنه يجب أن تكون قويًا جدًا في نشاطك وعملك وبذلك في الدعوة إلى الله ﷿، فتكون بهذه الطريقة شخصية كاملة، لكن إذا خلط الإنسان، كأن تذكر أثناء الدرس أنه ما ذكر الله ﷿ بعد صلاة العشاء، فألقى الدرس وبدأ يذكره وقال: إن أفضل العمل الذكر، وبدأ يتذكر الأحاديث والآيات الواردة في فضل الذكر ونسي الدرس؛ فهذا خطأ، وكذلك لو أن شخصًا تذكر وهو في الصلاة دعوة مثلًا، فقال: إن فلانًا ما مررت به، وهو قريب من الالتزام، فبالإمكان أن يلتزم، فبدأ يفكر أثناء الصلاة: كيف يمر به؟ ومتى يمر به؟ حتى انتهى من صلاته ولم يحفظ منها شيئًا، فهذا خطأ، وبعض الناس قد يتعلق بموضوع مثل موضوع الجهاد في سبيل الله مثلًا فتجد أنه في فترة ما عنده تكون قدرة على الجهاد، فتجد أنه يشتغل بترداد هذه الفكرة فقط، وقد يهمل قراءة القرآن، وقد يهمل التسبيح، وقد يهمل طلب العلم، وقد يهمل الدعوة إلى الله ﷿ ونصح المسلمين، فتجد أنه مشغول بفكرة واحدة معينة هي التي سيطرت على ذهنه، وقد يكون مفرطًا في كثير من الأعمال الصالحة بسبب أنه سيطرت عليه فكرة واحدة، وهي التي صارت محور حياته جميعًا.
والواجب: أن يكون الإنسان عاملًا على مرضاة الله ﷿ بما يناسب، فأفضل الأعمال هو العمل الصالح في وقته.
تلك هي خلاصة الكلام على موضوع الإيمان بالقدر، والفرق المنحرفة فيه.
[ ١٨ / ١٢ ]
مسألة خلق أفعال العباد والاعتقاد الحق فيها
المرتبة الأخيرة: مرتبة خلق أفعال العباد.
ومسألة (خلق أفعال العباد) أعدل الأقوال وأفضل الأقوال فيها هو قول أهل السنة، فإن قول أهل السنة الذي هو الحق وما عداه باطل: هو أن الله ﷿ خلق أفعال العباد، ومن ضمن ما خلق من أفعال العباد إرادات العباد، فخلق إرادات للعباد يميزون بها بين الصالح والفاسد، وبين الضار والنافع، وبناءً على هذا التمييز يكون الاختيار، فالله ﷿ خلق أفعال العباد، وفي ذات الوقت الذي خلق فيه أفعال العباد لم يجبرهم على عمل معين، وإنما خلق لهم إرادة يختارون بها، فهل اختيار الإنسان بهذه الإرادة معناه أن الإنسان بنفسه يخلق؟! لا؛ لأن الإرادة التي يختار بها مخلوقة، فمن خلقها؟ إنه الله ﷾، وبناءً على هذا فهو مخلوق لله ﷿، وأفعاله مخلوقة لله ﷿، لكنه في نفس الوقت ليس مجبرًا على فعلها.
[ ١٨ / ١٣ ]
ضلال القدرية والجبرية في مسألة خلق أفعال العباد
وهذه المسألة ضلت فيها الطائفتان المنحرفتان في القدر: القدرية، والجبرية.
فالقدرية قالوا: إنه إذا كان الله ﷿ هو الذي خلق أفعال العباد فمعنى هذا أننا مجبورون على أفعالنا! وبناءً على هذا قالوا: نحن نعرف أننا غير مجبورين، فبناءً على هذا لم يخلق الله تعالى أفعالنا! فإن قيل لهم: من خلقها إذًا؟! قالوا: نحن نخلق أفعالنا بأنفسنا.
فأثبتوا خالقًا مع الله ﷿، وليس بخالق واحد، بل بعدد الخلق المكلفين من الجن والإنس.
أما الجبرية فإنهم قالوا: إنه ما دام أن النصوص الشرعية دلت على أن الله خلق أفعال العباد؛ فلا شك في أنهم مجبورون على أفعالهم؛ لأن الله خلق أفعالهم! وهذا كلام باطل أيضًا؛ فإننا نشعر في الواقع أنا لسنا مجبورين، فأنت لو شئت لصليت، ولو شئت لتركت الصلاة، وهذا مما يشعر به الإنسان، فالجبرية خالفت واقع الإنسان وحقيقة الإنسان، والمعتزلة أثبت خالقًا مع الله ﷾، فكفرت بربوبيته، والعياذ بالله.
ولهذا ينبغي أن يفهم الإنسان القول الحق، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو أن الله خلق أفعال العباد، وفي نفس الوقت الذي خلق فيه أفعال العباد لم يجبرهم على فعل معين، وإنما خلق لهم إرادات، فهذه الإرادات يختارون بها الأعمال، ولهذا نجد أن الناس بعضهم صالح باختيار منه، وبعضهم ملحد باختيار منه، ونجد في نفس الوقت أشخاصًا كانوا صالحين وصاروا ملحدين، ونجد أشخاصًا كانوا منحرفين ثم صاروا صالحين، وهذا يدل على أن التنقل عن اختيار، فأنت عندما تصلي لا تجد أحدًا يأخذك جبرًا وقصرًا وأنت لا تريد أن تصلي، كما أن الذي يشرب الخمر لا يجد أحدًا يأخذه بيده غصبًا وجبرًا ثم يدخله من أجل أن يشرب الخمر، بل كل أفعالنا عن اختيار، لكن هل معنى أن أفعالنا عن اختيار أننا نحن نخلق هذه الأفعال؟!
الجواب
لا نخلقها، فنحن في الأصل مخلوقون لله ﷿.
فنحن نكذّب القدرية المعتزلة الذين قالوا بأن العبد يخلق فعل نفسه، فنقول: الذي خلقنا وخلق أفعالنا هو الله ﷾، ونكذّب الجبرية الذين قالوا: إن الله ﷿ جبر الخلق على أفعال معينة، ونقول: الواقع يدل على أن العبد يختار، كما أن الأوامر الشرعية تدل على هذا؛ لأنه لو كان العبد مجبورًا فما فائدة القرآن والسنة؟! ولهذا يقول العلماء: أن القدرية كذّبت بالقدر، والجبرية كذّبت بالشرع.
فالقدرية كذب بعضهم بعلم الله، وهؤلاء انقرضوا، وبعضهم كذّب بالكتابة وجعل العبد خالقًا لفعل نفسه، وهؤلاء هم القدرية المعتزلة، وما زالت القدرية موجودة في عقيدة الرافضة، وفي عقيدة الإباضية.
وتجد بعض الكُتّاب اليوم لهم مصنفات يتكلمون فيها عن الإنسان الحر أو حرية الإرادة الإنسانية، ويقصدون بحرية الإرادة الإنسانية أن الإنسان هو الذي ينشئ فعله من غير أن يكون مكتوبًا عليه، والمشكلة عند هؤلاء هي أنهم لم يعلموا أن الله ﷿ علمه لا يحده حد، فلا يمكن أن يحد علم الله ﷾ حد.
وبعض الناس قد يقول: إذا كان الله ﷿ كتب علينا هذه الأشياء؛ فنحن مساكين مجبورون! فنقول: لست مجبورًا.
فإن قال: كيف كتب الله علينا هذه الأشياء؟! قلنا: الله ﷿ علمه ليس كعلمك أنت، فعلم الله ﷿ واسع، فإنه قبل أن يخلقك، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة علم ﷾ أنه سيخلق إنسانًا اسمه فلان، وسيلتقي مع فلان وفلان وفلان، وسيجتمعون في مسجد اسمه كذا، وسيدرسون كذا، وسيكون كذا، لقد علم هذا قبل أن يخلقنا بآلاف السنين، وهو عالم؛ لأن علمه ليس محدودًا كعلمي وعلمك، بل علمه ﷾ واسع، فهو يعلم الماضي ويعلم المستقبل، ونحن لا نعلم المستقبل، ولا ندري ماذا سيحصل غدًا، لكن الله يعلم ماذا سيحصل غدًا، فعلمه الشامل ﷾ كتبه في اللوح المحفوظ، فليس هناك جبر للعبد حتى نقول: إن العبد لا يريد أن يشرب الخمر، لكن الله كتب عليه شرب الخمر! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، فكأن الله جبره على ذلك، فهذا خطأ في فهم الإنسان وتصوره لعلم الله ﷿ بأنه مثل علم الإنسان، فأنت لا تعلم ما سيحصل غدًا، لكن يمكنك أن تأخذ شخصًا وتقول له: غدًا تعمل كذا وتعمل كذا! وبهذه الطريقة تكون قد أجبرته، لكن الله ﷿ ما أجبرنا مع أنه علم ما سنختار، ومثال ذلك في شيء أجده أما يمكنني أخذه ويمكنني تركه، فهل أنا مجبور على فعل معين فيه؟! إن عندي إرادة في نفسي، فلو شئت لأخذته الآن ولو شئت لتركته، ولا أحد من البشر ما يمكن أن أفعله بعد ذلك من الأخذ والترك، لكن الله ﷾ يعلم، فكتب ﷾ أنني سآخذه، أو كتب أنني لن آخذه بناءً على علمه ﷾، وعلمه ﷾ شامل، فينبغي أن تفهم هذه الحقيقة الشرعية.
[ ١٨ / ١٤ ]
المصائب والمعايب وحكم الاحتجاج بالقدر فيهما
وبعد أن شرح الشيخ كلام الشيخ عبد القادر الجيلاني أشار إلى مجموعة من الآيات التي تبين بعض الأحكام الشرعية، وهي أن للإنسان أن يحتج بالقدر على المصائب، لكنه لا يحتج به على المعايب، يقول في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠]: [ولو هدوا لعلموا أن القدر أمرنا أن نرضى به ونصبر على موجبه في المصائب التي تصيبنا كالفقر والمرض والخوف].
ثم بدأ يذكر بعض الآيات والأحاديث التي تدل على أن الإنسان إذا أصيب بمرض أو أصيب بفقر أو أصيب بمصيبة كان ذلك من قدر الله ﷿، وأنه لا بد من أن يصبر عليه ويرضى به.
يقول: [قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] يعني: من يؤمن بقدر الله ﷿ في هذا الأمر يهد قلبه.
قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]] فقوله تعالى: «إِلَّا فِي كِتَابٍ» يعني: مكتوبة.
وهذا يدل على المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٢ - ٢٣].
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟)] فموسى يلوم آدم ﵉ فعلى أي شيء يلومه؟ على أنه كان سببًا في إخراجه من الجنة، فهل لامه على أكل الشجرة؟ إنه لم يلمه على أكل الشجرة، وإنما لامه على المصيبة المترتبة على المعصية.
قال ﷺ: (فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، فهل وجدت ذلك مكتوبًا عليّ قبل أن أخلق؟ قال: نعم).
يعني: ما دام أنه مكتوب عليّ فلماذا تلومني؟! ولهذا جاء في بعض الألفاظ: (فلماذا تلومني على شيء قد كتبه الله عليَّ قبل أن أخلق بخمسين ألف سنة).
قال النبي ﷺ: (فحج آدم وموسى) يعني: أن آدم غلب موسى في الحجة؛ لأنه احتج بما هو حجة صحيحة، وهو أن هذا أمر كتبه الله عليه، فكيف تلومني عليه وقد كتبه الله عليّ؟! فلا يصح أن يلام الإنسان على شيء كتب عليه.
فآدم ﵇ لم يحتج بالقدر على الذنب، وبعض الناس يقول: مكتوب عليّ أن أعصي الله ﷿.
وهذا احتجاج غير صحيح، فآدم ﵇ لم يقل: يا موسى! إن المعصية التي فعلتها مكتوبة عليّ.
وإنما احتج بالمصيبة، أما أن المذنب يحتج بالقدر فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، ولو كان هذا عذرًا لكان عذرًا لأبليس، فيقول يا رب! أنت كتبت عليَّ أن أعصيك، وإلا فإني لا أريد أن أعصيك.
وهذا لا يصح أن يكون حجة لإبليس، ولا يصح أن يكون حجة لأي إنسان.
فالاحتجاج بالقدر على الذنوب لا شك في أنه باطل، وإذا جئت إلى الإنسان الذي يحتج بالقدر فآذيته بأي نوع من الإيذاء فإنه لا يمكن أن يصبر على هذا الإيذاء، وإنما يكافئ الإيذاء بمثله، فقد جيء برجل إلى عمر بن الخطاب -كما يذكر أهل السير والأخبار- وقد سرق، فقال له: كيف تقطع يدي على شيء كتبه الله عليّ؟! يعني السرقة، فقال: وإن الله كتب على يدك أن تقطع، كما أنه كتب أن تسرق.
يعني: أنت كنت مخيرًا بين السرقة وتركها، فاخترت السرقة، وقد علمنا باختيارك للسرقة أن الله كتبها عليك، فنحن نقطع يدك بما أمر الله ﷿ به، وكل ذلك من قدر الله ﷿.
يقول: [ولو كان هذا عذرًا لكان عذرًا لإبليس وقوم نوح وقوم عاد وكل كافر، ولا موسى لام آدم أيضًا لأجل الذنب] يعني: ما قال له: لماذا أكلت من الشجرة؟! وإنما لامه من أجل المصيبة، فإن آدم قد تاب إلى الله فاجتباه وهداه، ولكن لامه لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة، وهي الإخراج من الجنة، إذ كان بالإمكان أن نكون في الجنة، فشعر موسى ﵇ بأن الخروج إلى هذه الدنيا والعيش فيها مصيبة فلامه، فاحتج عليه آدم بالقدر، وهو أن هذا شيء مكتوب عليه أصلًا، فتنزل أنت إلى هذه الأرض وأنزل أنا إلى هذه الأرض، ولهذا قال له: فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فأجابه آدم: إن هذا كان مكتوبًا عليَّ قبل أن أخلق.
فكان العمل والمصيبة المترتبة عليه مقدرًا، وما قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضا بالله ربًا.
وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر الله ويتوب من المعايب ويصبر على المصائب، والمعايب: هي الذنوب، والمصائب: ما يحصل للإنسان من البلاء، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ
[ ١٨ / ١٥ ]
آثار الاحتجاج بالقدر على عذر العصاة
يقول: [وكذلك ذنوب العباد يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته].
يعني: لا يقل الإنسان: إن الكفار معذورون؛ لأن هذا المكتوب عليهم مقدر عليهم، ولا يقل: إن دعاة الفسق والفجور والانحراف معذورون؛ لأن ذلك مكتوب عليهم، وبناء على هذا نترك جهاد المنافقين، أو نترك الدعوة إلى الله ﷿، ونحن نعلم أن هناك كفارًا يدعون لكفرهم ويقاتلون من أجله، وأن هناك منافقين يدعون إلى النفاق والفجور والانحراف والضلال بكل صوره وألوانه، وأن هناك فسّاقًا ينشرون الفسق بأعمالهم وأقوالهم في الناس، فلو كنا جبرية على مذهب هؤلاء لعذرنا الكفار، وعذرنا المنافقين، وعذرنا الفسّاق الذين يدعون إلى فسقهم، وهذا لا شك في أن له آثارًا خطيرة جدًا على الدعوة إلى الله ﷾، ولهذا فإن الصوفية الذين صاروا جبرية، وعظّموا الإرادة الكونية، ورأوا أن مخلوقات الله ﷿ الموجودة يجب أن تعظّم لأنها مخلوقات لله ﷿؛ رتبوا على هذا الإهمال في الدعوة والتكاسل، لكنك عندما تجد أهل السنة يؤمنون بالأمر والنهي، ويؤمنون بالإرادة الكونية من جهة، وبالإرادة الشرعية من جهة أخرى؛ تجد أنهم ينشطون في الدعوة إلى الله ﷿ وفي مواجهة أهل الفساد، فهم يواجهون الكفار بالجهاد في سبيل الله، أو بما يناسب في مرحلتهم تلك، ويواجهون المنافقين بكشف خططهم وبيان عوارهم للناس، حتى لا يأخذوا آراءهم وأفكارهم التي يدسون فيها السم في الدسم، وكذلك يوضحون آراء أهل الشهوات، ويمنعون أهل الشهوات من شهواتهم، كما قال الشيخ: يجب على العبد فيها أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته، ويجاهد في سبيل الله الكفار والمنافقين، ويوالى أولياء الله، ويعادي أعداء الله، ويحب في الله، ويبغض في الله الخ.
[ ١٨ / ١٦ ]
التمييز بين أهل الحق والباطل دليل فساد القول بعذر العصاة
ثم ساق آية طويلة في البراءة من المشركين في سورة الممتحنة، وساق آية أخرى في سورة المجادلة في موضوع البراءة من المشركين، ثم ساق مجموعة من الآيات معناها واحد، وهو التمييز بين الصنفين: المسلمين من جهة، والمشركين والفاسقين والعصاة من جهة أخرى، وهذا التمييز يدل على أن الجهاد والصراع بين الحق والباطل، واعتبار الحق حقًا، واعتبار الباطل باطلًا مقصود في الشريعة، وأن هذا هدف من أهداف هذا الدين الذي جاء به الرسول ﷺ عن الله.
فمن الآيات التي ساقها قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٨]، ولو كنا على مذهب الجبرية لما كان فرق؛ لأنا كلنا مجبورون.
وقال تعالى: «أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» أي: هل يستوي هؤلاء وهؤلاء ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر:٢٩] يعني: هل يستوي المسلم والمشرك؟! أي: من يعبد إلهًا واحدًا وهو الله ﷾، ومن يعبد آلهة متعددة لا يستويان، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:٧٥ - ٧٦] فلا يستوي هو ومن ينفق ويبذل ويجاهد في سبيل الله.
وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠].
ثم قال: [ونظائر ذلك فيما يفرق الله فيه بين أهل الحق وأهل الباطل، وأهل الطاعة وأهل المعصية، وأهل البر وأهل الفجور، وأهل الهدى وأهل الضلال، وأهل الغي وأهل الرشاد، وأهل الصدق وأهل الكذب].
[ ١٨ / ١٧ ]
الأسئلة
[ ١٨ / ١٨ ]
بيان ما لا يدخل تحت إرادة الإنسان من الأقدار
السؤال
يذكر أن الإنسان له أن يحتج بالقدر غير الداخل تحت إرادته، فما معنى هذه العبارة؟ وما هو المقصود بالاحتجاج؟
الجواب
المقصود بالقدر الذي ليس تحت إرادته: المصائب التي تقع عليه، والاحتجاج بالقدر: هو الاعتذار بالقدر، هذا هو المقصود في هذا الموضوع.
[ ١٨ / ١٩ ]
نظرة في الدعوة إلى فقه التيسير
السؤال
ما هو رأيكم فيما يدعو إليه البعض من أنصاف العلماء في هذه الأيام من فقه التيسير، وبحسب زعمهم يكون هذا الفقه متكيفًا مع المتغيرات التي تعيشها الحياة الحديثة من التطور والتقدم في جميع الميادين العلمية والإعلامية، فكان من نتاج ذلك أنهم أباحوا للمرأة التمثيل وذلك بضوابط شرعية كما يزعمون فنرجو توضيح هذه المسألة؟
الجواب
لا شك في أن الانحراف يقع عند كثير من الناس لعدة أسباب، فقد يقع الإنسان في الانحراف بسبب اتباع الهوى، أو بسبب الجهل، أو بسبب التعصب، أو بسبب الشعور بالانهزامية أمام المجتمعات الأخرى؛ فأمثال هؤلاء يشعرون بأنهم منهزمون أمام العالم المتطور، وأمام العالم المتحضر، وقد ابتلينا في هذه الأزمان بطائفتين انهزمتا أمام العالم الغربي المتطور المتحضر: فطائفة تركت الدين، وقالت: إن الأصلح للناس حتى يصلوا إلى التطور، ويصلوا إلى التحضر، وتنمو حياتهم، ويكونوا على مستوى راق ومتحضر هو أن يشابهوا العالم الغربي في حركاته وسكناته وتصرفاته، ويأخذوا ما عنده من حق وباطل، وصحيح وفاسد، وإن العالم الغربي ما صار متحضرًا إلا عندما ترك الدين وأعرض عنه، وبناء على هذا تقول هذه الطائفة: لا بد من ترك هذا الدين، ويصفون هذا الدين بأنه يقيد حريات الأشخاص، أو يقولون: إن هذه خرافات وخزعبلات وأساطير، ونحو ذلك من العبارات التي يعبرون بها، وهذه الطائفة هم العلمانيون ممن ينتسب إلى المسلمين.
وهناك طائفة ثانية ليسوا من العلمانين، ولا يريدون ترك الدين، وإنما هم دعاة إلى الدين، فهذه الطائفة الثانية المنهزمة أمام الحياة المعاصرة طائفة أصحابها يدعون إلى الله ﷿، وربما صبروا في دعوتهم، واجتهدوا في الإصلاح، لكن رأوا أنه لابد من أن نعايش العالم، وأن التغيير الجذري للحياة غير ممكن، فهم يقولون: إن العالم الغربي اليوم هو المسيطر على الأرض كلها سياسيًا، وإعلاميًا، واقتصاديًا ومن كل النواحي تقريبًا، وبناء على هذا يقولون: الخير لدعوتنا حتى يكون لها رواج عند الناس هو أن نحاول أن نقرِّب بين الدين وبين متطلبات العصر والواقع الذي نعيش فيه.
فنشأ عند هؤلاء ما يسمى بفقه التيسير، فيقول أصحاب هذا الفقه: نحن في عصر الإعلام، والتقنية الإعلامية فيه تقنية فائقة جدًا، ولها وضع خاص جدًا، فنحن -الدعاة إلى الله ﷿- إذا قلنا: إن ظهور المرأة على شاشات الإعلام لا يجوز، والتمثيليات التي تظهر فيها نساء لا تجوز، والموسيقى لا تجوز، فماذا يبقى في الإعلام؟! ثم يأتي مثل هؤلاء المنتسبين إلى العلم والدعوة فيقولون: لماذا لا نسهِّل على الناس ونيسر على الناس؟! فالموسيقى جائزة، والدليل على هذا إفتاء الإمام ابن حزم ﵀ بجواز الاستماع إلى الغناء؛ فأحلوا الموسيقى.
أما بالنسبة للمرأة فهناك أقوال لأهل العلم يفتون فيها بكشف الوجه واليدين، فيجوز -إذًا- للمرأة أن تكشف وجهها ويديها في الشارع، وعند غير محارمها، لأن الحجاب المقصود به تغطية الرأس وبقية البدن، وما دام أن هذا هو الحجاب الشرعي فلا يمنع أن تظهر المرأة في الإعلام وهي مغطية شعرها وتكون كاشفة وجهها، لكن بشرط أن تبتعد عن الفتنة، وحينئذ يتورطون في عدة إشكالات يقعون فيها: الإشكال الأول: أين تتعلم هؤلاء الممثلات الإسلاميات الجدد؟! فليس هناك إلا المعاهد القديمة التي فيها الممثلات السيئات.
الإشكال الثاني: أن التمثيل يحتاج فيه إلى الضحك في بعض الأحيان، وإلى بكاء في بعض الأحيان، وإلى ملاطفة في بعض الأحيان، فهل يجوز للمرأة في الإعلام الإسلامي الجديد أن تضحك وتأتي بما يسمى بالنكتة اليوم؟! إذًا: دعوتم إلى الفتنة بطريقة غير مباشرة.
فإن قالوا: لكن التمثيليات الدرامية -أي: الجادة- لا بد من أن يكون فيها عنصر المرأة، وإغفال دور المرأة خطأ.
قلنا: التمثيليات الكوميدية التي فيها ضحك ونكت لا تجوز على قولكم، فعلى أي أساس كانت هذه حرامًا وهذه حلالًا؟! فمثل هؤلاء الذين يدعون إلى فقه التيسير سيجرهم فقه التيسير إلى مخالفات شرعية وتبديل لكثير من الأحكام الشرعية.
ومن ذلك أننا في العالم الإسلامي عندنا أقليات غير مسلمة حيث يوجد نصارى، ويوجد بوذيون، ويوجد أصحاب عقائد أخرى، ومن المعلوم في الحكم الشرعي الصحيح أن هؤلاء يكونون تحت حماية المسلمين، لكن بشروط: أولًا: يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون، وهذا هو الموجود في كتب الفقه، وهو الموجود في حياة المسلمين قديمًا.
ثانيًا: لا يدعون إلى مذاهبهم وآرائهم وأفكارهم، بحيث ينصّرون أحدًا من المسلمين، أو يهودونه، أو يجعلونه بوذيًا أو نحو ذلك.
فقالوا: إذا عملنا بهذا الأسلوب ضيقنا على الناس، وفقه التيسير يقتضي أن نترك لهم نفسًا، فنترك لهم حرية للدعوة، ونتنازل عن المبلغ المالي الذي سماه الله ﷾ الجزية، وهكذا، ثم تأتي عدة مسائل أخرى يتورطون فيها، وحينئذ يلغون الأحكام الفقهية الشرعية الأساسية كلها بحجة التنازل للواقع المعاصر الذي يجب أن نعيش فيه.
وهذه مشكلة، ونحن نقول: إن الدعوة إلى الل
[ ١٨ / ٢٠ ]
حكم قول: (اللهم شفع في نبيك محمدًا ﷺ)
السؤال
هل يصح أن أقول: اللهم شفِّع فيَّ نبيك محمدًا ﷺ؟
الجواب
نعم يصح؛ لأن هذا طلب من الله ﷾، لكن لا يصح أن يقول الإنسان: يا رسول الله! اشفع لي! أو: يا رسول الله! أغثني في الموقف! أو نحو ذلك من الأقوال.
وكذلك قول: اللهم شفّع فيَّ عبادك الصالحين الشهداء، أو الذين يعملون الصالحات.
فلماذا تدعو بهذه الطريقة؟! قل: اللهم اجعلني من الصالحين، واجعلني من الشهداء، وإذا سأل الإنسان فيسأل الله ﷿ الفردوس الأعلى، وهذا الدعاء جائز، إلا أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو إلا بالشيء العظيم.
[ ١٨ / ٢١ ]
الرد على احتجاج العصاة بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء
السؤال
هناك من يحتج على المعاصي بأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء؟
الجواب
وما الذي أدراك أن قلبك على المعصية؟! فكيف عرفت؟! هل الله ﷿ أخبرك فقال: أنا قلبت قلبك على المعصية؟! فليس عنده بينة ولا برهان، وإنما هو استلذاذ للمعاصي ومحاولة إضفاء الصبغة الشرعية عليها.
[ ١٨ / ٢٢ ]
حكم إقامة الموالد
السؤال
ما حكم الموالد التي لا يكون فيها الغناء والرقص، بل ذكر لله وترديد لسيرة النبي ﷺ؟ وما حجتنا عليهم إذا قلنا: إنها بدعة؟
الجواب
نقول: هؤلاء الذين يعملون المولد يعملونه كل سنة؟ فإذا كانوا يعملونه كل سنة فمعنى هذا أنهم اتخذوا هذا المولد عيدًا؛ لأن العيد هو الذي يعاود الناس في كل فترة، فالاحتفال بمولد الرسول ﷺ واتخاذه عيدًا لا يجوز؛ لأنا نحن -المسلمين- ليس عندنا إلا عيدان فقط، العيد الأول: عيد الفطر، والعيد الثاني: عيد الأضحى، وهما اللذان نحتفل بهما كل سنة، فهذا الذي يحتفل بالمولد في السنة اتخذ عيدًا ثالثًا، واتخاذ عيد ثالث بدعة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فإذا اتخذ الإنسان عيدًا ثالثًا يعاوده كل فترة، ويحتفل به -مثل المولد، أو ليلة الإسراء والمعراج أو نحو ذلك- فهذا من البدع والضلالات المنحرفة، ولو لم يخالطه غناء ورقص، فمجرد اتخاذه عيدًا بدعة في ذاتها، فإذا خالطه غناء ورقص زادت المعصية.
[ ١٨ / ٢٣ ]
بيان وجه شبه القدرية بالمجوس
السؤال
سمعت أن وجه الشبه بين المجوس والقدرية هو أن المجوس أثبتوا خالقين، وقول القدرية بأن العبد يخلق أفعاله أثبتوا به أكثر من خالق، فكل عبد يكون خالقًا، ذكر هذا بعض أهل العلم، فما تعليقكم؟
الجواب
هذا كلام صحيح، وقد سبق أن أشرت إلى أن المجوس يرون أن آلهتهم هي: النور والظلمة، ويرون أن إله النور قديم ويخلق، وإله الظلمة قديم ويخلق، وإله النور هو الذي يخلق الخير، وإله الظلمة هو الذي يخلق الشر! فجعلوا أكثر من خالق مع الله ﷾، مع اعترافهم بالله ﷿، فهم مثل المعتزلة والقدرية من هذا الوجه.
[ ١٨ / ٢٤ ]
شرح العبودية [٨]
العبودية معنى عظيم، وكلمة كبيرة، ومصطلح رفيع المستوى، وشرف عظيم، وقد هدى الله أهل السنة فسلكوا فيها المسلك الرباني على ضوء الكتاب والسنة، وضلت فيها طائفة الصوفية، فأدخلوا فيها ما ليس منها، وأخرجوا منها ما هو منها، فضلوا عن صراط الله المستقيم.
[ ١٩ / ١ ]
تقسيم العبودية إلى اختيارية واضطرارية وما يرادف هذين القسمين
سبق أن تكلمنا عن أقسام العبودية، وقلنا: إنها تنقسم إلى قسمين: قسم اضطراري، وقسم آخر اختياري، وهناك استخدامات أخرى مقاربة لمعنى هذين القسمين، فالعبودية الاضطرارية قد يعبّر عنها بتوحيد الربوبية، وقد يعبّر عنها بالإرادة القدرية الكونية.
والعبودية الاختيارية قد يعبّر عنها بتوحيد الإلهية، وقد يعبّر عنها بالإرادة الشرعية الدينية، فهذه التعبيرات متقاربة في المعنى.
فإذا جئنا إلى العبودية الاضطرارية نجد أنها هي نفسها معنى إثبات أن الله ﷿ هو الخالق وحده، والرازق وحده، والمحيي وحده، وجميع المخلوقات مذعنة لله ﷿ وذليلة له، وهذه هي إرادته العامة الشاملة، وهي ترادف معنى الخلق والإيجاد والرزق والتدبير.
وإذا جئنا إلى العبودية الاختيارية نجد أن معناها هو أن يذل الإنسان ويخضع لله ﷿ عن اختيار ورغبة، وهذا هو توحيد الإلهية، فتوحيد الإلهية هو توحيد الله ﷿ بأفعال العباد، وهو معنى الإرادة الدينية الشرعية، فإن الإرادة الدينية الشرعية هي ما أمر الله ﷾ به من الأوامر، وما نهى عنه من المنهيات، فهذه هي الإرادة الدينية الشرعية.
ويمكن أن نذكر بعض الفروق بين الإرادتين، وبين التوحيدين، وبين العبوديتين، وهذه الفروق متشابهة، سواء أكانت بين توحيد الربوبية والإلهية، أم بين العبودية الاضطرارية والعبودية الاختيارية، أم بين الإرادة الكونية والشرعية.
وقد يقول قائل: إذا كانت هذه الكلمات الثلاث الأولى بمعنى متقارب، والكلمات الثلاث الثانية بمعنى متقارب، فلماذا أطلقت بهذه الطريقة؟!
و
الجواب
أن الذين قالوا: العبودية اضطرارية واختيارية نظروا إلى العبد نفسه، فوجدوا أن حالات التعبد التي تحصل للعبد على نوعين: حالة اضطرارية تحصل للمسلم والكافر، والبر والفاجر.
وحالة اختيارية: وهي أن يختار الإنسان أن يذل لله ﷿ رغبة منه بدون أن يكون هناك إلزام قهري خارج عن إرادته.
وهذه من ناحية العبودية وتقسيمها، فإذا نظروا إلى الموضوع من ناحية التوحيد وجدوا أن العبد إما أن يوحد الله ﷿ في خلقه له، وهذا أمر يشعر به، أو يوحده في عبادته له، وهذا ما يختاره من التعبد.
وإذا نظروا إلى الموضوع من جهة الله ﷿ وجدوا أن الله ﷾ مريد، فنظروا في إرادته فوجدوا أن إرادته على نوعين: إرادة عامة لا يمكن أبدًا أن يحصل خلافها، وسموا هذه الإرادة الإرادة الكونية القدرية، وهي التي لا يمكن أن يخرج عن مراد الله ﷿ فيها شيء.
وإرادة أخرى هي عبارة عن أوامر ونواه، فيحب الله ﷿ من العباد أن يفعلوا الأوامر ويحب أن يتركوا النواهي، لكن لم يلزمهم فيها.
[ ١٩ / ٢ ]
الفروق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية
والفروق بين الإرادتين: هو أن الإرادة الكونية قد يحبها الله ﷾ وقد لا يحبها، لأن مخلوقات الله ﷿ التي خلقها ليست نوعًا واحدًا، فمنها مخلوقات يحبها الله ﷿، مثل الصالحين، والرسل، والإيمان، والتقوى، وبر الوالدين، ونحو ذلك من الأعمال الطيبة الصالحة، وهناك أنواع أخرى خلقها الله ﷿ وأرادها في الكون وهو لا يحبها ﷾، مثل خلق إبليس، ومثل خلق الفساد والكفر والانحراف بكل صوره وألوانه.
فالإرادة الكونية قد يحبها الله ﷾ ويرضاها، وقد لا يحبها ولا يرضاها.
أما الإرادة الشرعية فهو تعالى يحبها، ويرضاها؛ لأنها هي أوامره ونواهيه، فهو يحب من ائتمر بها، ويحب ذلك الذي يترك المنهيات، هذا الفرق الأول.
الفرق الثاني: أن الإرادة الكونية ليست مقصودة لذاتها، وإنما خلق الله ﷿ مخلوقات كثيرة منها ما هو مقصود لذاته مثل الإيمان، والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصالحين ونحو ذلك، ومنها أمور خلقها الله ﷿ ابتلاء للخلق، مثل إبليس، ومثل الكفار والمشركين ونحو ذلك، وهذه المرادات التي أرادها الله ﷾ ليست شرًا محضًا من كل الوجوه، وإنما هي مقصودة لغيرها، فإن إبليس خلقه الله ﷿ لتظهر عبودية العابدين، وصبر الصابرين، وابتعاد الناس عنه، ونحو ذلك من العبوديات التي تحصل من أهل الإيمان والصلاح، وهكذا الكفار عندما خلقهم الله ﷿ خلقهم من أجل أن يظهر جهاد المؤمنين، ويظهر صلاحهم وتقواهم وصبرهم على كف أذاهم عن الناس ونحو ذلك، فهي مقصودة لغيرها.
أما الإرادة الشرعية فإنها مقصودة لذاتها، فإذا أمر الله ﷾ بالصلاة -مثلًا- فهو يقصد ويحب من العبد أن يأتي بالصلاة، وإذا أمر بالزكاة فهي مثلها، وكذلك الحج، وكذلك الصيام، وكذلك الجهاد في سبيل الله، وكذلك سائر المأمورات الشرعية.
الفرق الثالث: أن الإرادة الكونية التي أرادها الله ﷿ لا بد من حصولها ولا بد من وقوعها، لأنها هي معنى أن الله ﷿ يخلق الخلق، فإذا خلق الله شيئًا فلا يرده أحد، ولا بد من أن يقع ولا بد من أن يكون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فلا راد لقضائه ﷾، ولا دافع لمشيئته ﷾.
أما الإرادة الشرعية فإن العباد قد لا ينفذونها، مثل الأمر بالإسلام، فتجد أن الكفار لا ينفذونه، ومثل الأمر بعبادة الله ﷿، فنجد أن المنافقين لا يعترفون به، وهكذا.
فهذه الفروق الثلاثة هي التي تجمع الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، والذي يفهم هذا الفرق تنجلي عنه كثير من الإشكالات التي وقع فيها أهل البدع في قضايا القدر؛ فإن المعتزلة الذين نفوا قدر الله ﷾، وأنه كتب الأشياء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة غلّبوا الإرادة الشرعية، فلما غلّبوا الإرادة الشرعية كفروا بالإرادة الكونية، ولهذا رتبوا على هذا أن العبد هو الذي ينشئ فعل نفسه، وهو الذي يخلقه، وهو الذي يحدثه لنفسه، والله ﷿ لا يتصرف في أفعال العباد ولا في أعمالهم! فجاء الجبرية وعكسوا الأمر، فآمنوا بالإرادة الكونية، وأن الله خالق كل شيء ﷾، ومن مخلوقاته أفعال العباد، ولهذا عظّموا الإرادة الكونية على حساب الإرادة الشرعية، فقالوا بالجبر، وقالوا: إن الله ﷿ جبر العباد على أفعال معينة وعلى أقوال، وإن الله قسم الخلق إلى مسلمين وكفار، ولا يمكن للمسلم أن يصير كافرًا، ولا للكافر أن يصير مسلمًا، وأما أهل السنة فهم وسط بين هاتين الطائفتين، وهم أهل الحق، وهم أسعد الناس بالحق، حيث آمنوا بالإرادتين جميعًا، ولم يتصوروا وجود تعارض بين الإرادتين، فهم يقولون: إن الله ﷿ خالق الخلق، وهو ﷾ مقدر كل شيء وقد قدر الأشياء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولا يمكن لأحد أن يعمل عملًا لم يرده الله ﷿ إرادة كونية ولم يخلقه ﷾ وفي نفس الوقت يقولون: إن الله أمر بأوامر، وهذه الأوامر التي أمر بها للعبد فيها إرادة، فيستطيع أن يعملها وأن يقوم بها، وحينئذ جمعوا بين الإرادتين جميعًا، وكانوا أهل الحق وأسعد الناس به، وسيأتي شيء من التعليق على موضوع القدر في أكثر من مكان بإذن الله تعالى.
[ ١٩ / ٣ ]
بيان معنى شهود الحقيقة الكونية عند الصوفية
سبق أن قلنا: إن الشيخ في هذا الكتاب بعد أن قسم العبودية إلى قسمين: العبودية الاضطرارية، والعبودية الاختيارية؛ بيّن ضلالات فرقة من أشهر الفرق في هذا الموضوع، وهم الصوفية، فقال: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية.
وسبق أن عرّفنا بالصوفية، وأهم العقائد التي عند الصوفية، ونقدنا أهم هذه العقائد.
ومعنى شهود الحقيقة الكونية في اصطلاح الصوفية: رؤية الحق بالحق وصورة الشهود عندهم هو أن الإنسان يتعمّق في أمر من الأمور حتى ينكشف له ويصبح مثل رؤية العين، فهم يعظّمون الحقيقة الكونية، ويعظّمون توحيد الربوبية إلى درجة أن كان هاجسهم وأساس الدين عندهم، فهم يريدون أن يشهدوا كيفية خلق الله تعالى المخلوقات، وتقديره المقادير، وكيف أن الله ﷾ رزق العباد، وأنه هو النافع وحده، وهو الضار وحده، وهو المدبر لشئون الخلق جميعًا وحده، ويشتغلون بهذا الأمر ويقفون عنده.
وسبق أن قلنا: إن هذا الشهود لا يكفي في ثبوت الإسلام، فإن كفار قريش كانوا يعرفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، وكل أمم الأرض يعرفون أن الله ﷿ خالق، وهذا لا يكفي في النجاة من النار، ولا يكفي في ثبوت الإسلام للإنسان حتى يضاف إلى ذلك أن يشهد أن لا إله إلا الله ويقر بتوحيد الله ﷿ في أفعاله التي يقوم بها، ولهذا علّق الشيخ على فعل هؤلاء الصوفية فقال: [وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة، وهي الحقيقة الكونية التي يشترك فيها وفي شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وإبليس معترف بهذه الحقيقة] وهي أن الله خالق وأنه رازق ﷾ [وأهل النار]، ثم أثبت ذلك بقوله: [قال إبليس: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]] إلى آخر كلامه عن هذا الموضوع، ثم قال: [فمن وقف عند هذه الحقيقة] وهذا هو حال الصوفية [وعند شهودها] يعني رؤيتها [ولم يقم بما أمر به من الحقيقة الدينية التي هي عبادته المتعلقة بإلهيته] يعني: لم يقم بتوحيد الإلهية [وطاعة أمره وأمر رسوله كان من جنس إبليس وأهل النار] فأهل النار جميعًا يشهدون الحقيقة الكونية، ويعرفون أن الله هو الخالق الرازق، وكذلك إبليس يعرف ذلك، وحينئذ لا فائدة من شهود الصوفية لهذه الحقيقة.
ثم بيّن ما يترتب على شهود الحقيقة الكونية عند الصوفية، وهو سقوط التكاليف، فإن لشهود الصوفية الحقيقة الكونية عندهم مبدأ ومنتهى، فالمبدأ عن طريق الخلوة والأوراد، والمنتهى هو الكشف وسقوط التكاليف، ولهذا يقول الشيخ هنا: [ومن ظن أن الخضر وغيره سقط عنه الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك كان قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله] ثم بعد ذلك شرع في قضية أخرى مهمة، فبيّن أهمية إدراك الفرق بين العبودية الاضطرارية والعبودية الاختيارية، وهذا الفرق سبق أن أشار إليه، لكن جمعه في هذه الفقرة، وهي أن الإنسان إذا أفنى عمره ونفسه في إدراك العبودية الاضطرارية؛ فإن هذا لا ينفعه حتى يضاف إليه الإقرار والالتزام بالعبودية الاختيارية وهي مقتضى توحيد الإلهية، يقول: [وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين الحقائق الدينية الداخلة في عبادة الله ودينه وأمره الشرعي حتى يحبها ويرضاها ويوالي أهلها ويكرمهم بجنته، وبين الحقائق الكونية التي يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس اللعين والكافرين برب العالمين، ومن اكتفى بها في بعض الأمور دون بعض، أو في مقام أو حال نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص من الحقائق الدينية].
إذًا: الحقائق الدينية هي الأساس، وهي -كما قلت- توحيد الإلهية؛ وسبق أن أشرنا إلى أن توحيد الإلهية هو الحكمة من خلق الجن والإنس، وهو دين الرسل الذي بعثوا به، وهو منهاج دعوتهم، وهو الذي لا يقبل الله ﷿ دينًا سواه، وهو معنى الإسلام ومعنى الإيمان، فإن الإسلام معناه الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك، والاستسلام هو توحيد الإلهية، وكذلك الإيمان فإنه قول وعمل، وهو توحيد الإلهية، كما سبق أن أشرنا إلى هذا الموضوع في تعريف توحيد العبادة.
[ ١٩ / ٤ ]
جبرية الصوفية
ثم بيّن ما ترتب على مشاهدة الحقيقة الكونية، وهو القول بسقوط التكاليف، والقول بالجبر، وأن العباد مجبورون على أفعالهم لا اختيار لهم، فعندهم أن أحسن عمل يقوم به الكافر هو الكفر؛ لأن هذا مقتضى خلق الله له، فالله خلقه ليقوم بهذا العمل، وأفضل عمل يقوم به النصراني هو نصرانيته، وأفضل عمل يقوم به اليهودي هو يهودتيته، وهكذا المسلم والدرزي والنصيري، وكل شخص أفضل عمل يقوم به هو ما يقوم به في حياته، وهؤلاء هم جبرية الصوفية؛ إذ الجبرية طائفتان: جبرية الصوفية، وجبرية المتكلمين.
وجبرية الصوفية هم الذين أشار إليهم الشيخ هنا؛ لأنهم أتعبوا أنفسهم في إثبات أن الله هو الرازق المحيي المميت، وظنوا أن هذا هو أعلى غايات التعبد، فقالوا: إن ثمرة هذه الشهود هو مقتضى خلق الله ﷿، فإذا خلق الله يهوديًا فأحسن عمل يقوم به هو اليهودية؛ لأن هذا تنفيذ لخلق الله! هكذا يتصورون.
ولهذا تجتمع عقيدة الجبرية مع عقيدة أهل الاتحاد والحلول ووحدة الوجود، وقد سبق أن نقلنا عن ابن عربي وغيره أنه يقول: إن الدين -سواء أكان في كنيسة أم في معبد وثني هندوسي أم في كعبة مصل- يدين به كله؛ لأنه يرى أن هذه الأعمال على تناقضها واختلافها أعمال مقدسة وجليلة وكريمة؛ لأنها تنفيذ لخلق الله ﷿، وخلق الله ﷿ شهوده والاهتمام به هو الأساس، فإذا شاهد خلق الله ﷿ وعظّمه ظن أن كل ثمرة تنتج عن هذه الخلق فهي محبوبة لله، فهو يعظّم إبليس مثلًا، ويرى أن إبليس من كرام الخلق، ويعظّم جميع القاذورات والأوساخ التي في عقائد الناس، ويعظّم ديانة الهنود الذين يعبدون البقر، وهكذا، والسبب في هذا هو أنه ظن أن التعبد الذي خلق الله ﷿ الخلق من أجله هو تعظيم خلق الله ﷿ الموجود، فخلق الله الموجود فيه أشياء متناقضة، فيه شيء يحبه الله وفيه شيء يبغضه الله.
فهم عظّموا الإرادة الكونية، فلما عظّموا الإرادة الكونية على حساب الإرادة الشرعية قالوا: كل مخلوقات الله محبوبة له؛ إذ كيف يخلق شيئًا لا يحبه؟! ولو كان يكرهه لما خلقه! هكذا يتصورون، وما عرفوا أن الله ﷿ خلق مخلوقات يكرهها ﷾ وأراد أن يبتلي بها العباد لينظر كيف يعملون وكيف يصنعون، وهذه الحكمة لم تتنبه لها كلتا الطائفتين الضالتين في هذه المسألة، فلم يتنبه لها الجبرية الذين عظّموا الإرادة الكونية، ولم يتنبه لها -أيضًا- القدرية الذين ألغوا خلق الله ﷿، فلما وجد مثل هؤلاء الصوفية الذين عظّموا الخلق وجدت المعتزلة العقلانية التي ألغت الخلق كله، وقالت: هذا كله من تصرفات العباد، وما هو من خلق الله ﷿! فانظر إلى الخصومة التي وقعت بين هاتين الطائفتين، وكلتاهما ضالتان وأهل الحق هم أهل السنة الذين أثبتوا خلق الله ﷿، وأن الله خلق أشياء يحبها، وخلق أشياء لا يحبها لحكمة وهو الحكيم ﷾، وهناك أوامر أَمَرَ الله ﷿ بها وجعل من خلقه ما يصرف عن هذه الأوامر -مثل إبليس والنفس الأمارة بالسوء- حتى يبتلي العباد، وهذه المسألة لم تفهمها تلك الطوائف جميعًا.
[ ١٩ / ٥ ]
الشيخ عبد القادر الجيلاني وعبارته في القدر
يقول رحمه الله تعالى: [وهذا مقام عظيم فيه غلط الغالطون، وكثر فيه الاشتباه على السالكين، حتى زل فيه من أكابر الشيوخ المدعين التحقيق والتوحيد والعرفان من لا يحصيهم إلا الله الذي يعلم السر والإعلان] وإلى هذا أشار الشيخ عبد القادر ﵀ فيما ذُكر عنه، فقد قال: إن كثيرًا من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا إلا أنا، فإني انفتحت لي فيه روزنة -والروزنة هي الكوة أو النافذة- فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والرجل من يكون منازعًا للقدر لا من يكون موافقًا للقدر.
اهـ.
ثم شرح الشيخ كلامه بعد ذلك.
وهنا أحب أن أشير إلى أمرين: الأمر الأول: الكلام على الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى، فإن الكلام فيه كثر عند كثير من الناس بحق وبباطل، والناس فيه على طرفين ووسط، فمنهم من عظّمه ونسب إليه كثيرًا من العقائد الباطلة والفاسدة، ومنهم من تكلم عليه وشتمه بغير حق، والحق وسط بين هذين الرأيين، وستأتي الإشارة إليه بإذن الله.
الأمر الثاني: هو شرح عبارة الشيخ عبد القادر بيان معناها، فإن بعض الناس قد لا يفهم معنى عبارة الشيخ ﵀.
[ ١٩ / ٦ ]
التعريف بالشيخ عبد القادر الجيلاني
أما الشيخ عبد القادر فهو أبو محمد عبد القادر الجيلاني، ولد في جيلان أو في كيلان، ولهذا ينسب تارة فيقال عنه: عبد القادر الجيلاني، وتارة يقال عنه عبد القادر الكيلاني، وتارة يقال عنه عبد القادر الجيلي.
وقد ولد في القرن الخامس في سنة أربعمائة وإحدى وسبعين، وتوفي في سنة خمسمائة وستين، وعبد القادر الجيلاني حنبلي المذهب، تلقى العلم على أبي الخطاب الكلوذاني صاحب (التمهيد في أصول الفقه) وصاحب (رءوس المسائل في الفقه) وهو حنبلي مشهور، وكذلك أخذ الفقه أيضًا عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي المشهور صاحب كتاب (الكنوز) وهو كتاب كبير في الفقه كما هو معلوم، وصاحب (الواضح في أصول الفقه) وهو مخطوط، ويحقق الآن في جامعة أم القرى، وكذلك تلقى طريقته في العبادة وفي أعمال القلوب عن شيخ له اسمه حمّاد بن مسلم الدبّاس، وستأتي الإشارة إلى حمّاد في وقت آخر، وعبد القادر الجيلاني صنف كتابًا مطبوعًا اسمه (الغنية لطالبي الحق ﷿) وله كتاب أيضًا اسمه (مفاتيح الغيب) أو (فتوح الغيب)، هذه الكتب التي صنفها بيده ﵀، وأما بقية الكتب التي تنسب إليه فهي عبارة عن كتب يصنفها الصوفية وينسبونها إلى الشيخ.
[ ١٩ / ٧ ]
عقيدة الشيخ عبد القادر السلفية وما أخذ عليه في منهج التصوف
وعقيدة الشيخ عبد القادر في الأسماء والصفات، وفي الإيمان، وفي القدر، وفي اليوم الآخر، وفي النبوات ونحو ذلك هي عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم، وهو موافق لعقيدة السلف في هذا الأمر، والذي يطلع على كتابه (الغنية) يعرف هذا؛ فإن من يقرأ في الغنية يجد أنه يذم علم الكلام ويثبت الصفات، ويذم تأويل المتكلمين للاستواء ولغير ذلك من الصفات الإلهية، ونجد -أيضًا- أنه دائمًا ينص على وجوب الاعتماد على الكتاب والسنة، وكتاب (الغنية) فيه قسم خاص بالكلام على العقائد، وقد وضح فيه عقيدته في أهم هذه المسائل جميعًا، فهو يقول: إن الإيمان قول وعمل، وقول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان ونحو ذلك من مقالاته، وهو في التوحيد وأقسامه الثلاثة موافق للسنة، ولم يكن على رأي أهل الكلام في أي عقيدة من هذه العقائد، لكن الذي وقع فيه الشيخ عبد القادر هو أنه خالف السنة في بعض الأمور العملية في التعبد، فهو أول من جاء بفكرة الطرق الصوفية، وهو أن يجعل له تلاميذ معينين يقومون بالدراسة عليه، ويأخذون طريقته في التعبد، ويلتزمون طريقته في التعبد ويتواطئون عليها، فيعلم السابق منهم اللاحق، وهو -كذلك- كان -كما ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء- يقوم بما تسميه الصوفية: (الخلوة) حيث كان يختلي بنفسه كثيرًا، وكان ربما ذهب إلى الصحراء وبقي في المكان الخالي وقتًا كثيرًا، وهذه الخلوة بهذه الطريقة لا شك في أنها مخالفة لسنة الرسول ﷺ، فإن الرسول ﷺ كان يجتمع بالناس ويجاهد معهم، ويعيش معهم ويختلط بهم، ولا يختلي للتعبد إلا في حالات، مثل الاعتكاف، والاعتكاف ليس ميدانه الصحراء أو الكهوف والمغارات أو الأماكن البعيدة، وإنما مكانه المساجد كما هو معلوم، فحصل عنده شيء من الأخطاء في موضوع السلوك وفي موضوع التعبد.
وفي هذا يمكن أن نشير إلى تنبيه مهم جدًا، وهو أن منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم منهج كامل، فهو منهج في الاعتقاد، وفي نفس الوقت منهج في طريقة التعبد والسلوك إلى الله ﷾، وهو كذلك منهج في الدعوة إلى الله ﷾، وهو منهج في الحرب والسياسة، وهو منهج في التغيير وإنكار المنكر، ونحو ذلك، وهو منهج في طلب العلم وكيفية التعلم، وهو منهج في الاستدلال بالنصوص، وهو منهج في التفقه، ولهذا ينبغي أن يدرس منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم بهذه الشمولية؛ لأن بعض الناس يتصور أن منهج السلف ومنهج أهل السنة والجماعة خاص بمسائل العقائد المشهورة مثل الصفات، أو قضايا الإيمان، أو اليوم الآخر والغيبيات ونحو ذلك، وهذا غير صحيح، فمنهج السلف منهج كامل في ميادين متعددة، وقد يكون الإنسان في بعض الأحيان موافقًا للسنة في مجال العقائد النظرية، لكنه قد يكون مخالفًا للسنة في أبواب أخرى وهذه قضية لا بد من أن يهتم بها الإنسان، فقد يكون الإنسان في بعض الأحيان موافقًا للسلف في العقائد، فهو يثبت الصفات، وعقيدته في القدر مثل عقيدة السلف، وفي بقية المسائل الاعتقادية مثل عقيدة السلف، لكنه يخلط في الدعوة إلى الله ﷿، فتجد أنه قد يوالي الظالمين مثلًا، أو يداهن الطواغيت، أو يتنازل عن كثير من قضايا دعوته الأساسية، وربما يصل إلى حد أنه يغير بعض المفاهيم الشرعية بسبب طلبه لمكانة عند أحد ونحو ذلك، فهذا المنهج مخالف لمنهج السلف رضوان الله عليهم حتى لو كان الرجل نفسه موافقًا لعقيدة السلف في موضوع الأسماء والصفات وفي موضوع العقائد النظرية المعروفة.
فالشيخ عبد القادر وقع في بعض الأخطاء، وهذه الأخطاء التي وقع فيها لا شك في أنها لا تبعده عن السنة، لكنه مخطئ في ذلك.
وأما ما ينسبه إليه الصوفية من كثير من العقائد الفاسدة والباطلة فلا شك في أنه ليس عليه في ذلك شيء، وليس عليه وزر، فإن النصارى نسبوا إلى عيسى ﵇ أمورًا كثيرة جدًا وهو منها براء، وكذلك اليهود نسبوا إلى إبراهيم، وكذلك الباطنية نسبوا إلى الرسول ﷺ وإلى الدين أمورًا كثيرة وهي باطلة، فليس كل أمر ينسب إلى عالم من العلماء يكون عليه وزره فيما نسب إليه من هؤلاء الضالين، وإنما الضالون يتحملون وزر ذلك يوم القيامة.
والشيخ عبد القادر الجيلاني له تلاميذ كثر، منهم أبو محمد أحمد بن عبد الله بن قدامة المقدسي صاحب المغني، ومنهم أيضًا أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي صاحب (عمدة الأحكام) الكتاب الذي يدرس، وهو حنبلي مشهور على طريقة الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
[ ١٩ / ٨ ]
خلوة الجيلاني وتقريرها عند الصوفية
إذا جئنا إلى الخلوة نجد أن الصوفية يستدلون بقول الله ﷾: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة:٥١]، فقالوا: إن الله ﷿ جعل موسى يخلو معه أربعين يومًا، وبناء على هذا فنحن نطالب الناس بأن يخلوا مع الله ﷿ أربعين يومًا، وهذا أتم أنواع الخلوة.
ويستدلون -أيضًا- بأن الرسول ﷺ كان قبل البعثة يخلو ويتحنث في غار حراء الأيام ذوات العدد كما قالت عائشة ﵂ فيما رواه البخاري.
لكن هذه الاستدلالات استدلالات باطلة، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة له ضمن مجموع الرسائل والمسائل، وهذا كتاب مهم جدًا، أعني الرسائل والمسائل، فله رسالة اسمها العبادات الشرعية والفرق بينها وبين العبادات البدعية، يقول فيها ﵀: [وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه بغار حراء قبل الوحي، وهذا خطأ؛ فإن ما فعله ﷺ قبل النبوة إن كان قد شرعه بعد النبوة فنحن مأمورون باتباعه فيه، وإلا فلا]، فما فعله الرسول قبل النبوة لا نحتج به؛ لأنه بعد النبوة إن أمرنا به اتبعناه فيه وإن لم يأمرنا به دل هذا على أن ما فعله قبل النبوة هو باجتهاد منه وليس بوحي جاءه من السماء.
قال: [وهو من حين نبأه الله تعالى لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء ولا خلفاؤه الراشدون، وقد أقام صلوات الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكة في عمرة القضاء وعام الفتح فأقام بها قريبًا من عشرين ليلة، وأتاها في حجة الوداع وأقام بها أربع ليال، وغار حراء قريب منه، ولم يقصده، وذلك أن هذا كانوا يأتونه في الجاهلية، ويقال: إن عبد المطلب سن لهم إتيانه؛ لأنه لم تكن لهم هذه العبادات الشرعية التي جاء بها بعد النبوة صلوات الله عليه، كالصلاة والاعتكاف في المساجد، فهذه تغني عن إتيان حراء، بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي، فإنه لم يكن يقرأ، بل قال له الملك ﵇ اقرأ، قال صلوات الله عليه وسلامه: فقلت: لست بقارئ، ولا كانوا يعرفون هذه الصلاة، ولهذا لما صلاها النبي ﷺ نهاه عنها من نهاه من المشركين، كـ أبي جهل، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:٩ - ١٤] إلى آخر السورة].
هذا يدل على أن استدلالهم بتحنث النبي ﷺ في غار حراء ليس استدلالًا مستقيمًا، وأما استدلالهم بكون موسى ﵇ واعده الله ﷿ أربعين يومًا فهو استدلال باطل، وهنا أشير إلى بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية الذين يرون أن طريق الدعوة أول ما يتم يتم بهذه الخلوة أو الخروج، أو نحو ذلك من الأعمال التي يقومون بها، وقد يحددون لها كيفية معينة خاصة، فإما أن تكون ثلاثة أيام، أو تكون أسبوعًا، أو تكون أربعين يومًا، وقد يحتجون عليها بهذه الآية، واحتجاجهم باطل، وطريقتهم ليست طريقة سنية.
يقول شيخ الإسلام ﵀: [وطائفة] يعني من هذه الصوفية [يجعلون الخلوة أربعين يومًا، ويعظّمون أمر الأربعينية، ويحتجون فيها بأن الله تعالى واعد موسى ﵇ ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، وقد روي أن موسى ﵇ صامها، وصام المسيح -أيضًا- أربعين لله تعالى، وخوطب بعدها، فيقولون: يحصل بعدها الخطاب والتزيل] أي: يتصورون أنه إذا جلس أحدهم هذه الأربعين يومًا يحصل له كشوفات، أو يحصل له بركات أو المنتسبون إلى الدعوة اليوم يقولون: إنه في الغالب يلتزم، وهذا -أيضًا- غلط فإن هذا ليس من شريعة محمد ﷺ، بل شرعة لموسى ﵇، كما شرع له السبت، والمسلمون لا يسبتون، وإنما عيدهم يوم الجمعة، وقد حرّم في شرعه أشياء لم تحرم في شرع محمد ﷺ، فهذا تمسك بشرع منسوخ، وذاك تمسك بما كان قبل النبوة، وقد جرب أن من سلك هذه العبادات البدعية أتته الشياطين، وحصل له تنزّل شيطاني وخطاب شيطاني، وبعضهم يطير به شيطانه، وأعرف من هؤلاء عددًا طلبوا أن يحصل لهم من جنس ما حصل للأنبياء من التنزل حتى أن أحد الصوفية يقال له: ابن سبعين جلس في غار حراء شهرًا ينتظر جبريل حتى يأتي بالنبوة، هكذا يتصورون، وهذا من الجهل ومن سوء الفهم لأحكام الله ﷿، وقد يكون من سوء العقيدة في كثير من الأحيان.
وهناك بدعة عند الطريقة القادرية يسمونها الركعات القادرية، وهذه الركعات القادرية عندهم هي عبارة عن ست ركعات يصلونها بعد صلاة المغرب، ويقولون: إنها تعدل عبادة اثنتي عشرة سنة.
ويستدلون عليها بحديث، وهو قوله: (م
[ ١٩ / ٩ ]
معنى عبارة الشيخ الجيلاني في القدر
أما عن معنى كلام الشيخ عبد القادر الجيلاني، فإنه يقول: (إن الكثير من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا، فإنه انفتحت لي فيه روزنة).
يعني: فتح الله ﷿ لي فيه طريقًا في العلم، فما هو هذا الطريق في العلم؟ يقول: (فنازعت أقدار الحق) يعني الله (بالحق) يعني بالدين (للحق) يعني: للعقيدة الصحيحة.
أي: نازعت أقدار الله ﷿ التي قدرها، أي: تعاطيتها أو تعاملت معها، كما قال الله ﷿: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور:٢٣] وليس المعنى أنهم يتخاصمون، فهم في الجنة.
يقول: (فنازعت أقدار الحق) يعني: تعاطيت أقدار الله ﷿، وفهمتها فهمًا صحيحًا (فنازعت أقدار الحق بالحق للحق) وحينئذ يكون معنى كلامه أن الله ﷿ قدر مقادير كثيرة في الكون منها الخير ومنها الشر، ومنها الصحيح ومنها الفاسد، ومنها الإيمان ومنها الكفر، ومنها الطيب ومنها الخبيث، ومنها الحق ومنها الباطل، فيقول: أنا أخذت بالقدر، وهو الحق والإيمان، والصدق والإسلام، فنازعت الأقدار مثل الكفر والضلال والانحراف بالحق، وهو الإسلام والإيمان ونحو ذلك، وكلها قدر، فالإسلام قدر الله ﷿ وخلقه، وكذلك الكفر قدر، وكذلك الحق قدر، والباطل قدر، فيقول: أنا أخذت إرشاد الله ﷿، فأخذت الإيمان -وهو من قدر الله- فنازعت به قدر الله ﷿، وهذا ما أراده الله ﷿، فالله ﷿ خلق هذه المخلوقات حتى يرى من يختار الخير عن طواعية ورغبة ويجتهد فيه وينازع القدر الباطل الذي خلقه الله ﷿ للابتلاء كما هو معلوم.
يقول: [والرجل] يعني: الرجل الحقيقي [من يكون منازعًا للقدر، لا من يكون موافقًا للقدر] فقوله: [من يكون منازعًا للقدر] يعني القدر الباطل، مثل الشر بأنواعه وصوره، ومثل الباطل، ومثل الانحراف، ومثل أي أمر من الأمور السيئة.
والمشكلة هي أن كثيرًا من الجبرية في حقيقة حياتهم العملية ينازعون القدر بالقدر، فإذا جاء البرد -وهو من قدر الله- فإن الإنسان يستخدم قدر الله وهو -الدف- لرد قدر الله ﷿، وهو البرد، وحين تكون حروب وفتن في البلدان يخرج منها أناس يبحثون عن الأمن، والحرب قدر؛ لأنهم يبحثون عن الأمور التي توافقهم، ولهذا تجد أن الإنسان مفطور على أخذ بعض أقدار الله ﷿ لينازع بها بعض أقدار الله المؤلمة، فهناك أقدار مؤلمة، مثل الحرب، ومثل المرض، ومثل الأذى بكل أنواعه، ونحو ذلك، وهذه لا يصح للإنسان أن يرضى بها، فإذا مرض لا يصح له أن يرضى، وإنما يداوي مرضه بالعلاج، وإذا جاءه الشيطان فإنه يعالجه بالقرآن فيدفعه عن نفسه.
إذًا: نحن نأخذ من قدر الله ﷿ ما نرد به قدر الله ﷾، نأخذ الإرادة الشرعية فنرد بها بعض الإرادة الكونية.
والله ﷿ خلق الخلق السيء للابتلاء، لكن الصوفية الذين تعلقوا بالإرادة الكونية وقالوا: إن العبرة هي بالإرادة الكونية حتى في الأقدار الطبيعية لا يردون تلك الأقدار، فتجد أحدهم يصبر على البرد، فعندما يأتيه برد لا يتغطى منه، وإذا جاءته الشمس يصبر عليها ويظن أن هذا تعبد؛ لأنه يقول هذا خلق الله، وعندما يأتيه حجر ساقط من سقف فإنه يصبر حتى يقع على رأسه، فتسيل دماؤه ويفرح بهذا، ويظن أنه بهذا قد حقق جهة من العبودية؛ لأن التعبد عنده هو شهود الخلق، وثمرة شهود الخلق هي التعامل مع المخلوقات بهذه الطريقة، وهي الصبر عليها وعدم مدافعتها.
وهذا لا شك في أنه اعتقاد فاسد وباطل، وتكفي هذه الإشارة لشرح كلام الشيخ عبد القادر.
نسأل الله ﷿ أن ينفعنا وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح.
[ ١٩ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ١٩ / ١١ ]
الخلوة في منهج بعض الجماعات العصرية وأصل مأخذها
السؤال
بعض الجماعات تطالب أتباعها بالخلوة لمدة ثلاثة أيام أو أربعين يومًا، فهل هذا من الأعمال الصوفية؟
الجواب
نعم، فقد أخذوا هذه الطرق من الصوفية، لكن بعضهم قد يدخل على ذلك تحسينات وتعديلات، لكن أصلها مأخوذ من هذه الطرق الصوفية.
[ ١٩ / ١٢ ]
أنواع الجبرية
السؤال
كم أنواع الجبرية، وما معنى شهودهم؟
الجواب
سيأتي الكلام على أنواع الجبرية وعلى عقيدة الجبرية مفصلًا إن شاء الله تعالى.
[ ١٩ / ١٣ ]
شرط استحقاق وصف السلفي
السؤال
هل من يخالف السلف في منهج واحد يطلق عليه سلفي أم لا، كمن يخالف السلف في منهج الدعوة أو السلوك؟
الجواب
الذي يخالف منهج السلف إما أن تكون مخالفته مخالفة جزئية، وإما أن تكون مخالفته مخالفة كلية، فإذا خالف السلف مخالفة كلية في باب من الأبواب فلا يكون سلفيًا، ولا يكون صاحب سنة في هذا الباب، وإن كان صاحب سنة في أبواب أخرى، ولهذا يوالى على ما عنده من الاعتقاد ويعادى على ما عنده من الانحراف.
أما إذا كانت هناك أخطاء جزئية فلا يقال إنه خرج من السلفية بمجرد أنه أخطأ بعض الأخطاء، فكلنا ذو خطأ، ولا يعصم الإنسان من الخطأ، وهذه الأخطاء تحصل من الناس، ولا ينبغي على الإنسان أن يعادي أشخاصًا بسبب خطأ واحد، وإلا لم يبق لنا أحد حتى نحن سنتفرق وسنكون على طريقة الخوارج، فأنت فيك خطأ، وهذا فيه خطأ، وقد يبتدع الإنسان بدعة في بعض الأحيان، والثلاثة الذين جاءوا إلى الرسول ﷺ وطلبوا الرهبانية هل عاملهم النبي ﷺ معاملة المبتدعة؟! لا، بل وجههم ونصحهم، لكن مخالفة السلف في قواعد أساسية لا شك في أنها تنتهي إلى آراء وتصبح لها فرقة، وحينئذ يجب أن ينكر على فاعل ذلك ويجب أن ينصح بقدر المستطاع.
[ ١٩ / ١٤ ]
بيان المقصود عند نقد العلماء
السؤال
ذكرت في حلقة ماضية عن الشيخ أبي حامد الغزالي أنه صوفي، مع أنه علّامة في الأصول وفقيه ومجتهد، فلو بيّنت هذا الأمر حتى لا يساء به الظن بالكلية؟
الجواب
إن من نذكره في هذه الدروس لا ينبغي أن يساء به الظن، فقد يكون الإنسان عالمًا في مجال ومخطئًا في مجال آخر، وينبغي أن يكون عندنا توازن في الفهم، فإذا ذكرنا شخصًا ونقدنا ما عنده من الخطأ فإنه لا يعني هذا أن هذا الإنسان لا يوجد عنده جوانب من الخير، وجوانب من الصلاح، وجوانب من الإيمان والتقوى، فقد يوجد عنده جوانب من الإيمان، لكننا ننقده من هذه الزاوية لبيان خطأ هذه الزاوية، حتى لا يضل الإنسان، لكن لا يعني هذا أننا نحكم عليه بأنه لا يستفاد منه، أو بأنه يرمى هو وكتبه في البحر! فهذا غير صحيح.
فنحن إذا نقدنا أحدًا فإن الهدف هو توضيح الخطأ حتى لا يقع الإنسان فيه، وليس الهدف هو إسقاط العلماء أو الكلام عليهم؛ فإن لحوم العلماء مسمومة كما نعلم، وإن كان من تمسك ببدعة فإنه يرد عليه ولا ينسب إلى أهل العلم.
فلا بد من فهم الهدف من إيرادنا لبعض الأسماء ونقدها، وهو أن يبتعد الإنسان عن الخطأ الذي وقعوا فيه والانحراف الذي انحرفوا فيه.
[ ١٩ / ١٥ ]
معنى قول الجيلاني: (لا من يكون موافقًا للقدر)
السؤال
ما معنى قول الشيخ عبد القادر (والرجل من يكون منازعًا للقدر، لا من يكون موافقًا للقدر)؟
الجواب
يعني: لا يكون موافقًا للقدر السيئ، فالله ﷿ خلق الكفر، فلو أن إنسانًا قال أنا أريد أن أوافق هذا القدر فإنا نقول له: أخطأت في فهم موافقة القدر.
[ ١٩ / ١٦ ]
حقيقة الروحانية عند الصوفية
السؤال
أفضتم في الكلام على الصوفية ولكنكم -أيضًا- في بحر مهاجمتكم لها لم تتطرقوا إلى ما فيها من جوانب روحانية، ومن الإنصاف عند ذكر شيء أن تذكروا ما له وما عليه؟
الجواب
سبق أن أشرت إلى أن الصوفية منهج فاسد دخل على الإسلام من أديان الهند، والصوفية عندهم عقائد ضالة ومنحرفة وخطيرة على الإسلام والمسلمين، وأما الجوانب الروحانية فنحن لا نأخذها من الصوفية، وإنما نأخذها من القرآن والسنة، فإن القرآن والسنة مليئان بأعمال القلوب، وبالتقوى وبالإنابة، والخشية، والخوف، والمحبة، والرجاء، ونحو ذلك من الأعمال القلبية، وهنا أحب أن أشير إلى مسألة مهمة جدًا، وهي أن بعض الناس يتصور أن طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم هي طريقة في المسائل النظرية فقط، ونحن نقول: لا، بل السلف الصالح رضوان الله عليهم أخبارهم مليئة بالخشية والخوف من الله ﷿ والتوكل على الله والإنابة والبكاء من خشية الله، وقد وصلوا إلى الدرجات العلى في الأنس بالله ﷿، لكن بمنهج مستقيم، وهو منهج النصوص الشرعية، فروحانية الصوفية لا تنفع، لأنها روحانية نتجت عن أعمال بدعية، وخلوات بدعية، وأذكار بدعية، فهي روحانية فاسدة؛ إذ المبني على الفاسد فاسد، لكن هناك روحانية أخرى عند السلف الصالح رضوان الله عليهم تنشأ عن أعمال موافقة للأدلة الشرعية، وموافقة لطريقة الرسول ﷺ في الذكر، وطريقة النبي ﷺ في التعبد ونحو ذلك، فهذه الروحانية هي النافعة، والروحانية التي نطالب بها هي التي كانت عند السلف رضوان الله عليهم المأخوذة من النصوص الشرعية، فأنت إذا قرأت القرآن تجد أنه مليء بالحث على الإيمان وعلى الخشية ووصف المؤمنين بالخشية، بل إن ما يذكر من أخبار أهل الجنة وأخبار أهل النار المقصود به توريث الخشية في النفس، ولهذا كانت قراءة القرآن من أعظم الطرق التي تلد الروحانية، لكن بشرط أن تكون قراءة تدبر وتأمل أما الخلوات الصوفية فهي -وإن ولدت روحانية- لا تنفع؛ لأنها مبنية على فاسد.
[ ١٩ / ١٧ ]
بيان من يدخل في مسمى أهل السنة والجماعة
السؤال
هل مسمى أهل السنة والجماعة يدخل فيه بعض من الطوائف الضالة كالأشعرية والماتريدية ونحوها؟ وهل من الممكن استبدال هذا المسمى بمسمى السلفية؟
الجواب
السلفية، وأهل السنة والجماعة، والإسلام، والإيمان، والتقوى جميعًا بمعنى واحد، والعبرة في هذه الأسماء هي موافقة القرآن وموافقة السنة وموافقة هدي الرسول ﷺ، وهذا هو الميزان، فإذا انتسبت طائفة من الطوائف أو شخص من الأشخاص أو ملة من الملل انتسبت انتسابًا إلى السلفية، أو إلى أهل السنة، أو إلى الإيمان، أو إلى الإسلام، أو إلى التقوى، وهي مخالفة لنصوص القرآن، ومخالفة لأحاديث الرسول ﷺ، ومخالفة لهدي الرسول ﷺ فهذه النسبة لا تنفع؛ لأن العبرة الحقيقية ليست بالانتساب، وإنما هي بالعمل والموافقة الحقيقية للشرع.
أما الأشعرية والماتريدية فالأصل أنهم لا يدخلون في أهل السنة والجماعة؛ لمخالفتهم للسنة والجماعة في أبواب كثيرة في العقيدة، حتى لو قالوا: نحن من أهل السنة لكن بعض الإخوان يقول: نلغي اسم أهل السنة والجماعة ونستخدم (السلفية) حتى لا نتورط في دخول الأشعرية في اسم أهل السنة وأقول: هناك طائفة من طوائف الشيعة اسمها السلفية، فهل نلغي اسم السلفية مثلًا؟! والباطنية يقولون: نحن مسلمون، فهل نلغي اسم الإسلام مثلًا؟ وهناك طوائف ضالة منحرفة كثيرة تنتسب إلى الإيمان، وتنتسب إلى التقوى، وتنتسب إلى الإسلام، فهل نلغي هذه الأسماء لوجود طوائف تنتسب إليها؟!
و
الجواب
لا، ولكن نميز عندما نأتي باسم من الأسماء، فنقول: أهل السنة والجماعة هم الموافقون للقرآن، وهو موجود، والموافقون لأحاديث الرسول ﷺ وهي موجودة، والموافقون لهدي الرسول ﷺ وهو موجود، فنعرض كل طائفة أو فكرة أو قول أو عقيدة على ما عندنا من القرآن ومن أحاديث الرسول ومن هدي الرسول ﷺ، فإن كانت موافقة لقول الرسول ﷺ وللآيات القرآنية فهي من السنة، وإن كانت مخالفة فهي مردودة، هذا هو القول العدل في هذه المسألة.
[ ١٩ / ١٨ ]
الآثار المترتبة على القول بخلق القرآن
السؤال
هل هناك ضرر في القول بخلق القرآن، أم أن القول بأن القرآن مخلوق هو خلاف عقيدة السلف فقط، وليس هناك إلزامات يلتزمها من قال بخلق القرآن؟
الجواب
هناك التزامات كثيرة يلتزمها من قال بخلق القرآن، فالقرآن كلام الله، فإذا قالوا: إن القرآن مخلوق فمعنى هذا أن كلام الله مخلوق، فإذا كان كلام الله مخلوقًا فكيف يكون الله ﷿ إله العالمين ورب الناس أجمعين؟! بل يكون مخلوقًا تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، فالموضوع متعلق بالله ﷿، وليس مقتصرًا على مخالفة لفظية لعقيدة السلف، بل هي مخالفة حقيقية والقرآن مليء بالآيات التي تبين أن القرآن كلام الله، فهل هذه الآيات حق أم باطل؟! فالذي يقول: إن القرآن مخلوق يخالف هذه الآيات، ومخالفة هذه الآيات ليست بالهينة، فالله ﷿ حين يأمر الله الإنسان بالصلاة فيخالفها، هل تعد المخالفة يسيرة؟! وكذلك مخالفة الزكاة، وكل أمر من أوامر الشرع مخالفته ليست يسيرة، ومخالفة النصوص الشرعية ليست يسيرة، فالله ﷿ أخبر أن القرآن كلامه ﷾، كما في قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فالقرآن هو كلام الله ﷾، فيأتي هذا ويقول: إنه مخلوق! فإذا قال: كلام الله مخلوق وقع في الشرك؛ لأن كلام الله ﷿ صفة من صفاته، فلا يصح أن يقول: إنه مخلوق.
وأقول: إن الذي يقول: إن القرآن مخلوق مخالف لكثير من الآيات القرآنية، ومخالف لصفات رب العالمين، وأعظم ما ينبغي أن يعظّمه الإنسان هو رب العالمين، فليس المخالفة فقط كائنة للسلف، والسلف ما اعتقدوا هذه العقائد إلا بناء على وجود أدلة عليها في القرآن والسنة، وهذه الأدلة إذا خالفها الإنسان وقع في الضلال، وما المشكلة بيننا وبين الكفار؟! هل هي أننا مسلمون وهم كفار فقط؟! لا، بل المشكلة أنهم خالفوا كلام الله ﷿ الذي خلق الناس وخلقهم، ومخالفة كلام الله ليست يسيرة، فقد أوصلتهم إلى الخلود في جهنم.
إذًا: ينبغي أن يفهم وجه محاربتنا مثل هذه الطوائف الضالة المنحرفة، وأنه ليس المقصود أن نتعصب لطائفة معينة، ولكون هؤلاء خالفوهم نغضب عليهم ونتكلم عليهم! لا، بل لأنه يترتب على ذلك مصائب عملية، فكل فرقة عندها آراء وعندها ضلالات يترتب عليها مصائب كثيرة جدًا في المجتمع، منها مصائب عملية في الواقع، ومنها مصائب علمية في العقائد.
ولك أن تتصور التمييز بين البشر في العقيدة، فالمسلم والكافر في الشكل العام سواء، لكن أين هذا وأين ذاك؟ هذا في أعلى عليين في الجنة، وذاك في أسفل سافلين في قعر جهنم، مع أن الأشكال واحدة، فما تغيرت إلا العقيدة التي في النفوس، وهكذا موضوع خلق القرآن وغيره من الموضوعات الأخرى.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
[ ١٩ / ١٩ ]
شرح العبودية [٩]
مما يترتب على شهود الحقيقة الكونية دون الدينية عند الصوفية إهمال توحيد الألوهية، وإسقاط التكاليف عن العباد إذا بلغوا درجة معينة في العبودية.
وترتب على ذلك القول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بما لا يدع لهم فيه حجة، إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس.
[ ٢٠ / ١ ]
موجز لما سبق أخذه من كتاب العبودية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وقدوتنا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة حتى أتاه اليقين من ربه.
أما بعد: فقبل أن نبدأ في الكلام على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الكتاب أحب أن ألخِّص ما سبق أن قرأناه من هذا الكتاب.
فقد بدأ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بتعريف العبادة، وذكر أمثلتها ومنزلتها ومكانتها، ثم بعد أن عرّف العبادة وذكر منزلتها ومكانتها وأنها تشمل الدين بأكمله، ذكر تعريفها الشرعي، وبعد أن ذكر تعريفها الشرعي ومعناه قسّم العبودية إلى قسمين: الأول: العبودية الاضطرارية: وهذه العبودية الاضطرارية هي بمعنى ربوبية الله ﷾ وخلقه وأمره ﷾.
الثاني: العبودية الاختيارية وهي بمعنى: إلاهية الله ﷾ وعبادته بإرادة العبد واختياره ورغبته.
ثم ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن العبودية الأولى يقر بها المشركون ويعترفون بها، ويثبتون أن الله ﷿ خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومدبر جميع شئونهم، وقال في أثناء ذلك: إن إثبات هذه العبودية وحدها لا يكفي في الإسلام، بل لا بد من أن ينضاف إلى إثبات العبودية الاضطرارية عبودية الاختيار، وهي أن يعبد المرء الله ﷾ بقلبه ولسانه وجوارحه.
ثم بعد ذلك ذكر شيخ الإسلام ﵀ طائفة وهم أهل التصوف، ووصفهم بأنهم الذين يشهدون الحقيقة الكونية، والحقيقة الكونية هي العبودية الجبرية أو العبودية الاضطرارية، فهؤلاء شهدوا هذه الحقيقة وعظّموها، وجعلوا مدار الدين عليها، وترتب على شهودهم هذا زلات وأخطاء كثيرة.
ثم بعد ذلك بدأ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يتحدث عن أصناف هؤلاء وأنواعهم، ويرد على كل نوع من هذه الأنواع.
هذه خلاصة ما سبقت قراءته بشيء من التفصيل.
[ ٢٠ / ٢ ]
الأمور المترتبة على شهود الحقيقة الكونية عند الصوفية
[ ٢٠ / ٣ ]
إهمال توحيد الألوهية
وقد سبق أن أشرت إلى أن الذين يشهدون الحقيقة الكونية ترتب على فعلهم عدة أمور منها: إهمال الحقيقة الشرعية، وإهمال توحيد الإلهية، وهو إفراد الله ﷿ بالعبادة وحده لا شريك له، وهذا التوحيد هو أساس دعوة الرسل، وهو الذي من أجله خلق الله ﷿ الجن والإنس، وهو دين العالمين، وهو الدين المشترك بين الأنبياء رضوان الله عليهم أجمعين.
وتوحيد الإلهية يمكن أن يسمى بعدة أسماء، فيمكن أن يسمى توحيد الإلهية، ويمكن أن يسمى توحيد العبادة، ويمكن أن يسمى ملة إبراهيم؛ فملة إبراهيم هي توحيد الإلهية، ولكن الحقيقة والمعنى والمضمون واحد.
فأقول: ترتب على اشتغال الصوفية بشهود الحقيقة الكونية وشهود الربوبية أمور، منها: أولًا: إهمال توحيد الإلهية، وقد سبق أن أشرت في دروس سابقة إلى آثار هذا الإهمال، مما أدى إلى تغيير مفهوم التوحيد عند أهل التصوف، وترتب على ذلك تغيير مفهوم الشرك، فأصبح الشرك عندهم هو القدح في الربوبية فقط، وأما تعظيم جانب الربوبية واعتقاد أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ولو انضاف إلى ذلك الشرك في الإلهية فلا يضر عندهم، ولا يرونه من الشرك، ولهذا اختلف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مع هؤلاء الصوفية ومع الأشاعرة في مفهوم الشرك؛ فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعتبر أن الطواف حول القبور شرك؛ لأنه صرف لنوع من أنواع العبادة لغير الله، وهي عبادة الطواف، وأن الاستغاثة بغير الله شرك فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأن الذبح للقبور شرك، وأن القوانين الوضعية التي يحل فيها الحرام ويحرم فيها الحلال شرك، لكن هؤلاء لا يعتبرون ذلك من الشرك؛ لأن هذه الأنواع والأمثلة التي ذكرتها ليس فيها قدح في الربوبية عندهم، وأحسنهم من يعتبر هذه من الأخطاء من الذنوب والمعاصي.
فالأمر الأول الذي ترتب على شهود هؤلاء للحقيقة الكونية: إهمال الحقيقة الشرعية أو الدينية، وهو ما أدى إلى الخلاف في مفهوم التوحيد وفي مفهوم الشرك، وترتب على ذلك الصراع الفكري الذي يعيشه المسلمون الآن في الكلام على القبور والطواف حولها، والكلام على الاستغاثة بغير الله، وطلب الشفاعة من الرسول ﷺ، وسن القوانين الوضعية وتحكيمها في حياة الناس، ونحو ذلك من الانحرافات الكبرى التي نعتبرها نحن -أهل السنة والجماعة- من الشرك، ونجد أن هؤلاء الصوفية والأشاعرة لا يعتبرون ذلك من الشرك، وهذا الأمر سببه الأساسي هو الإغراق في شهود الحقيقة الكونية واعتبارها الدين بأكمله.
[ ٢٠ / ٤ ]
الاحتجاج بالقدر وإسقاط التكاليف
الأثر الثاني: الاحتجاج بالقدر، وقد سبق أن أشرت إلى أن هؤلاء عظّموا الحقيقة الكونية وفنوا فيها، والفناء سيأتي له تفصيل إن شاء الله، لكن معناه بشكل عام هو: غياب الذهن في طلب شيء معين.
فهم طلبوا معرفة أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ففنوا في هذا الأمر، فاعتبروا أن كل مخلوقات الله ﷿ معظّمة ومقدّسة ولها منزلة ولها مكانة، ونحن نعلم أن الله ﷿ خلق أشياء وهو يكرهها ويبغضها، فخلق الكفر، وخلق الذنوب والمعاصي، وخلق إبليس، وخلق الكفار، وخلق أهل الإجرام، وخلق أشياء كثيرة جدًا وهو يبغضها، والحكمة من ذلك: الابتلاء، لكن هؤلاء لما فنوا في مخلوقات الله ﷿ اعتبروا كل المخلوقات معظّمة، وبناء على هذا أسقطوا التكاليف عن الناس جميعًا، واعتبروا كل الناس ممدوحين وأنهم على حق، وهؤلاء الذين شهدوا الحقيقة الكونية ليسوا على درجة واحدة، وإنما هم على درجات متعددة أشار إليها شيخ الإسلام ﵀ في هذه الرسالة، وسنعرض لكل طائفة من هذه الطوائف التي فنت في الحقيقة الكونية وما ترتب على فنائها في الحقيقة الكونية، وشهودها لهذه الحقيقة من آثار خطيرة في المعتقد.
[ ٢٠ / ٥ ]
اعتقاد وحدة الوجود
فنبدأ أولًا: بطائفة الحلول والاتحاد، أو ما يسمى: بأهل وحدة الوجود، وخلاصة مذهب أهل الحلول والاتحاد وأهل وحدة الوجود: أنه لا يوجد فرق بين الخالق والمخلوق، فليس هناك فرق عندهم بين الخالق والمخلوق؛ فالخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق، وكل شيء موجود في هذا الكون هو خالق ومخلوق في نفس الوقت، سواء أكان ممدوحًا أو مذمومًا، ويمثل هذا المذهب ابن عربي الطائي، وابن سبعين، والعفيف التلمساني ونحوهم من الزنادقة المشركين، وهذه هي حقيقة مذهب هؤلاء، ولهذا وجد في أشعارهم وفي أقوالهم ما يدل على ذلك، فتجد أحدهم يقول: ما في الجبّة إلا الله، يعني الجبة التي يلبسها، أي أنه هو الله، ويقول ابن عربي: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف؟! إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف؟ وكذلك يقول في صفة الكلام: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه يعني أن كل الكلام الموجود في الدنيا من حق وباطل، وصحيح وفاسد، وكلام الرجال والنساء، والغيبة والنميمة، وذكر الله ﷿، ونهيق الحمير، ونباح الكلاب، وزقزقة العصافير، كل ذلك عنده هو كلام الله ﷿.
وليس كل الصوفية على هذا المذهب، ولكن القائلين بوحدة الوجود أحرجوا، فقيل لهم: كيف نجمع بين التعدد الموجود مع قولكم: إن هذه الوحدة كلها إله واحد؟! فقد أتيتم بما هو أشنع من رأي النصارى؛ فإن النصارى يقولون: الأب والابن وروح القدس إله واحد، فقال لهم الناس: كيف يكون الثلاثة واحدًا؟! فأنتم أتيتم بما هو أدهى! فقالوا: لا، فهذا الكون مثل البحر، والبحر -مثلًا- هو الله ﷿، وهذه المخلوقات مثل الأمواج، وهذا تخريج كبيرهم الذي علمهم السحر وهو العفيف التلمساني، وهو أخطرهم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀، وأشدهم فهمًا للفلسفة وإدراكًا لها، فهو يشبه الله تعالى بالبحر والمخلوقات بالموج فالموجة الأولى لا تخرج من البحر، بل هي البحر نفسه، وهذا أمر ظاهر الفساد، فإذا كانت الموجة هي البحر فكيف بالموجة الثانية، ولا شك في أن هذه العقيدة أفسد من كل عقيدة فاسدة، بل إنهم قالوا بأن فرعون من أكبر الموحدين، والسبب في أن فرعون من أكبر الموحدين هو أنه قال: أنا ربكم الأعلى، وصدق -هكذا يقولون- في أنه هو ربهم الأعلى، لكن فرعون لما رأى نفسه ملكًا ورأى حوله الجنود اعتقد أن الإله نوعان: أعلى وأسفل، فأضاف نفسه إلى الإله الأعلى فقط.
وابن عربي هذا كفّره العلماء؛ لأن هذه العقيدة هي أكفر عقيدة وجدت على أهل الأرض، فـ شيخ الإسلام ﵀ في مواطن يقول: لم يأت أحد بمثل العقيدة التي جاء بها هؤلاء، ولهذا استحلوا المحارم، فعندهم لو أن رجلًا نكح ابنته فلا شيء عليه؛ لأن الرب ينكح الرب! هكذا يعتقدون وهكذا يرددون.
وابن عربي الطائي هذا يحسن الظن به آلاف مؤلفة من الناس، والسبب في إحسانهم الظن به هو أن كتابه (الفتوحات المكية) مليء بالمواعظ ومليء بالإرشاد ومليء بالتوجيه ومليء بالكلام الجميل، وكان صاحب عاطفة جياشة وأسلوب حسن، وهو شاعر متميز، لكنه كان على الشرك.
ولا شك في أن عقيدة هؤلاء لا تحتاج إلى ردود تفصيلة؛ لأن فيها إبطالًا لرسائل الأنبياء، بل فيها إبطال لكل الأديان، ولهذا فإن هذه العقيدة -كما يقول أهل العلم- يكفي في نقدها أن تتصورها، فإذا تصورتها وضح نقدها، ولو اشتغلت في نقدها وأطلت لأخذ ذلك منك جهدًا كبيرًا، فيكفي أن تعلم أنه يقول: إنك أنت الله، وأنت تعرف نفسك.
[ ٢٠ / ٦ ]
الردود على طائفة الحلولية الاتحادية
إذًا: هؤلاء لا شك في أنهم أكفر من اليهود والنصارى كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وله كتب في الرد على هؤلاء أكبرها رسالته المسماة: (بغية المرتاد) وهي رسالة عظيمة كتبها في الإسكندرية عندما أخرج من القاهرة إلى الإسكندرية، وكانت الإسكندرية في تلك الفترة يكثر فيها المشتغلون بالفلسفة الإشراقية، وهي فلسفة التصوف.
فرد عليهم بهذا الكتاب، وهو كتاب مطبوع موجود، وقد يسمى: (السبعينية)؛ لأنه في الرد على ابن سبعين، وهو من أئمة هؤلاء.
ومن كتبه رحمه الله تعالى كتاب اسمه (حقيقة مذهب الاتحاديين) وهو مطبوع في مكانين: في مجموع الفتاوى التي جمعها ابن قاسم في المجلد الثاني، وطبع أيضًا في مجموعة الرسائل والمسائل التي جمعها الشيخ محمد رشيد رضا، وطبعت قديمًا في مطبعة المنار، ثم طبعت بعد ذلك في دار الكتب العلمية وغيرها من الدور البيروتية.
وله من الكتب -أيضًا- كتاب اسمه (الرد الأقوم على فصوص الحكم)، وقد أفرد في الرد على هذا الكتاب لـ ابن عربي، وله كتاب اسمه: (الحجج العقلية والنقلية في رد بدع الجهمية والصوفية) وهو -أيضًا- مطبوع في المجلد الثاني من مجموع الفتاوى.
وله -أيضًا- رسالة خاصة إلى إمام من أئمتهم المعاصرين له يسمى نصر المنبجي، وهي -أيضًا- مطبوعة، وفي المجلد الثاني من مجموع الفتاوى.
وقد رد عليهم أيضًا ملا علي قاري الحنفي، فله كتاب كبير بعنوان: (رد الفصوص) يعني: رد فصوص الحكم لـ ابن عربي.
كما أن ممن رد عليهم برهان الدين البقاعي، فله كتاب سماه: (تنبيه الغبي في تكفير ابن عربي)، وهو كتاب موجود ومشهور حققه الأستاذ عبد الرحمن الوكيل، وقد كان عبد الرحمن الوكيل في بداية أمره صوفيًا على عقيدة هؤلاء، ثم بعد ذلك رجع إلى السنة.
[ ٢٠ / ٧ ]
تناقض الحلولية ومخالفتهم لدين الأنبياء
إذًا: الطائفة الكبيرة التي ضلت بسبب شهود الحقيقة الكونية هم أهل الاتحاد والحلول، وقد سبقت الإشارة إليهم، والرد عليهم واضح جدًا، فإن الإنسان إذا نظر في عقيدتهم وجد أنها مخالفة لدين الأنبياء جميعًا، فإن الله ﷿ يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، وغير ذلك آيات كثيرة جدًا تفصل بين الناس، وتجعل منهم أهل الجنة وأهل النار، فإذا كان كل شيء هو الله فالجنة هي الله، والنار هي الله أيضًا، وهم متناقضون تناقضًا كبيرًا جدًا، فالعجيب أنهم يكفرون النصارى، فلما سئلوا: لماذا تكفرون النصارى؟ قالوا: لأن الواجب أن يعمموا في الإلهية، وهم خصصوها بثلاث، فالتخصيص هذا في حد ذاته كفر.
فيقال لهم: كيف تكفرون الله، إذ النصارى هم الله، ودينهم هو الله، وكل شيء هو الله؟! فهم ضالون منحرفون متناقضون لا شك في ذلك، ولهذا قد يصبر أحدهم على القتل ويظن أن قاتله هو الله، كما صبر ابن الفارض على ذلك؛ فإن ابن الفارض قتل، والسهروردي قتل، وهو من الفلاسفة المشهورين، وقتل غيرهما، وصبروا على القتل وهم يعتقدون أن هذا هو مقتضى شهود الحقيقة الكونية.
[ ٢٠ / ٨ ]
مقتطفات من كلام شيخ الإسلام على شاهدي الحقيقة الكونية
[ ٢٠ / ٩ ]
تسوية أصحاب الحقيقة الكونية بين الأجناس المختلفة
وقد سبق أن أشرت إلى أن الصوفية ليسوا طائفة واحدة، وإنما هم طوائف، وهذه الطائفة التي ذكرتها هي ممن يشهد الحقيقة الكونية، وقد أطال الكلام عليها ﵀، ويمكن أن نقرأ مقتطفات من كلامه فيها، يقول: [فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية] يعني: من شهد الربوبية دون الإلهية، [سوى بين هذه الأجناس المختلفة] أي: والحال أن الله تعالى يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، ويقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢].
يقول: الذي يشهد الحقيقة الكونية يسوي بينها؛ لأنها كلها مخلوقة لله ﷿ ليس بينها فرق، فالجميع مخلوق لله، وقد سبق أن أشرنا إلى أنه لو كان الشيء مخلوقًا لله فلا يعني ذلك أن الله لا يبغضه، ولا يعني أن الله لا ينهانا عنه، فقد يخلقه وينهانا عنه، وقد يخلقه وهو مبغض له، والحكمة في هذا الابتلاء، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢].
[ ٢٠ / ١٠ ]
تسوية أصحاب الحقيقة الكونية بين الله وبين كل موجود
يقول: [حتى تئول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين الله والأصنام]، فكيف تئول به هذه التسوية حتى يسوي بين الله والأصنام؟! لأنه يعتقد أن الأصنام مخلوقة لله ﷿، وبناء على هذا يعتقد أن عبادتها صحيحة، فهو سوى بين الله وبين الأصنام في العبادة.
وليس المقصود أنه سوى بين الله والأصنام في كل شيء؛ لأنه يشهد الحقيقة الكونية التي هي خلق الله، والأصنام يعتبرها من خلق الله، لكن سوى بين الله وبين الأصنام في العبادة، فهؤلاء لما أهملوا الحقيقة الدينية حصل عندهم الشرك، فلما حصل عندهم الشرك بدءوا يدافعون عن الشرك، فإذا عبدوا القبور مثلًا، أو عبدوا الأصنام، أو عبدوا أي شيء من دون الله قالوا: نحن لسنا كفارًا؛ لأننا نعتقد أن الموجد والخالق والرازق هو الله، فهم عندما قالوا بهذا القول سووا بين الله وبين الأصنام في الحقيقة الدينية الشرعية، أي: في الإلهية.
ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا يشهدون الحقيقة الكونية، ويقرون بأن الخالق هو الله تعالى إذا سئلوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم يعرفون أن الله هو خالق السموات والأرض، وهو مدبر كل شيء، وما عبدوا الأصنام لأنهم يعتقدون أن هذه الأصنام خالقة ورازقة ومحيية ومميتة ومدبرة، بل عبدوها لأنهم يعتقدون أنها وسائط، كما قال تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
ولهذا أثبت الله ﷿ في القرآن لكفار قريش وغيرهم من كفار العرب أنهم يشهدون الحقيقة الكونية، والدليل على هذا قول الله ﷾: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فهم يؤمنون بالله إيمان الربوبية كما قال جماعة من المفسرين، ويشركون بالله في الإلهية، فهل نفعهم الإيمان بالربوبية؟! ما نفعهم.
وهكذا فهؤلاء المتصوفة لما عظموا الحقيقة الكونية والربوبية شابهوا المشركين، وسيأتي معنا نص شيخ الإسلام ﵀ على مشابهتهم للمشركين.
إذًا: معنى قول شيخ الإسلام ﵀: [حتى تئول به هذه التسوية إلى أن يسوي بين الله وبين الأصنام] يعني: التسوية في الحقيقة الدينية، وأما الحقيقة الكونية فهي التي أوصلته إلى هذه التسوية، يقول: [بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود] يعني: في العبودية، حيث إن هذه المخلوقات كلها لله ﷾.
إذًا: المقصود بالتسوية تسوية العبادة، وليست تسوية الخلق والرزق، يقول: [وجعلوا ما يستحقه من العبادة والطاعة حقًا لكل موجود؛ إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، وهذا أعظم الكفر والإلحاد برب العالمين، وهؤلاء يصل بهم الكفر إلى أنهم لا يشهدون أنهم عباد الله] يعني: عندما يتجاوزون كثيرًا وأكثر يصل بهم الحال إلى أنهم يعتقدون أنه ليس إلا المخلوقات فقط، وهي التي خلقت نفسها، فهي الإله، وهي المألوه في نفس الوقت.
ثم قال: [لا بمعنى أنهم معبودون، ولا بمعنى أنهم عابدون؛ إذ يشهدون أنفسهم هي الحق، وهذا هو دين ومذهب وحدة الوجود، كما صرح بذلك طواغيتهم كـ ابن عربي صاحب الفصوص] أي: فصوص الحكم كما سبق أن أشرت إلى ذلك.
وهناك كتاب آخر بنفس الاسم اسمه (فصوص الحكم) للفارابي، والفارابي هو الفيلسوف الملحد المشهور والموسيقار المشهور الفارابي، له كتاب اسمه: (خصوص الحكم) في الفلسفة.
وقد سبق أن ذكرت أن ابن سبعين بقي في غار حراء ينتظر الوحي شهرًا؛ لأنه يعتقد أنه يمكن أن يحصل له التنبؤ، والعجيب أنه يحتاج إلى النبوة مع أنه يعتقد أنه هو الله، فانظروا إلى التناقض، فكيف تذهب وتجلس في غار حراء شهرًا تنتظر النبوة وأنت الله كما تزعم، والجبل الذي بجوارك هو الله أيضًا، وتطلب من الله وأنت الله، فكيف يطلب الله منك؟! فأفسد دين مر على أهل الأرض هو دين هؤلاء.
[ ٢٠ / ١١ ]
مشابهة أصحاب وحدة الوجود لليهود في هدم الدين
وهذا يسوقنا إلى التنبيه على مسألة، وهي أنه في بعض الأحيان نجد بعض المناهج المضلة والفاسدة، وقد نضحك منها، مثل هذا الاعتقاد الفاسد، لكن لتعلم أن هؤلاء ليس مقصودهم تقرير عقائد معينة، بل هدف هؤلاء تحطيم هذا الدين فقط.
وهذا من خطط اليهود العالمية، وهذا ينبغي أن نفقهه، فنستفيد من أحداث كثيرة تمر على العالم، فاليهود من خططهم ليصيروا شعب الله المختار، ويهيمنوا على الدنيا، ويكون لهم كل التأثير، من خططهم في تحقيق ذلك تحطيم الأديان، ويعتقدون أن تحطيم الأديان دين، فهم أرادوا تحطيم النصرانية وحكموها بالفعل، ويعتقدون أن ذلك دين، وحاولوا تحطيم الإسلام، وهم يعتقدون ذلك دينًا؛ لأنهم يعتقدون أن اليهود فيهم صفة خاصة هي أنهم أهل حقد وحسد، فعندما جاء هذا الدين، وجاء به نبي عربي من ولد إسماعيل غضبوا، وكأنهم يريدون أن يحجروا على الله ﷿ أنه لا يضع النبوة إلا فيهم.
فلما غضبوا حسدوه، فلما حسدوه لم يتبعوه، وفيهم من الإدراك الشيء الكثير، فهم يعرفون أن أي دين يأتي من عند الله ﷿ فهو ناجح مائة في المائة، وإذا أخذه قوم وآمنوا به سيكون لهم السيطرة وسيكون لهم النصر والظفر في الدنيا كلها، وحينئذ سيكونون مهزومين ضعفاء محتقرين، وليس عندهم الاستعداد لأن يلتزموا بدين الله ﷿، فما هو الحل؟ الحل هو تحطيم الأديان كلها حتى الدين الحق، فقالوا: حطموا الأديان واجعلوها كلها باطلة، واشغلوا الناس بالشهوات والملذات، وأفسدوا الناس بكل ألوان الفساد.
ويعتقدون أن ذلك من الدين، وقد يستغرب الإنسان ويقول: هل توجد أمة من أمم الأرض لها دين محترم وتفسد أديان الآخرين وتظن أن هذا من دينها؟
و
الجواب
نعم، وهذا هو حال اليهود.
[ ٢٠ / ١٢ ]
ظهور بولس وتحريفه لدين النصارى
وكان أول من أثر في دين النصارى هم اليهود، فظهر منهم رجل اسمه بولس شاول، فـ بولس شاول كان رجلًا مُضْطهِدًا للنصارى؛ لأن النصارى كانوا في زمن الدولة الرومانية مضطهدين، وكانوا أعدادًا معينة في بلاد الشام، وكان اليهود يتعاونون مع الرومان الوثنيين ضد النصارى، وعيسى ﵇ بعث إلى اليهود كما يروون في الإنجيل أنه يقول: (إنما بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة).
والحقائق الشرعية تثبت أن عيسى ﵇ بعث إلى اليهود من أجل أن يصحح معتقداتهم بعد موسى ﵇، فآمن به طائفة سميت النصارى، وكفرت به البقية، وهم: بقية اليهود، وكانوا يتعاونون مع الرومان الوثنين ضد هؤلاء، وبالفعل تعاونوا معهم تعاونًا قويًا جدًا، وطاردوهم، واضطهدوهم، فصاروا مشردين، وكان من أبلغ من يطارد النصارى بولس شاول اليهودي، ثم فكر في أسلوب آخر غير أسلوب المواجهة المادية فقال: أفسدهم عن طريق العقائد.
وهذه هي خطة اليهود، فجاء إلى النصارى وقال لهم: عندما أتيت إلى مدينة كذا -وذكر اسم مدينة- جاءني نور من السماء، وعندما جاء النور من السماء فزعت، فإذا هو يسوع، فقال: يا بولس! لماذا تطارد أتباعي؟! ثم وضع يده على قلبي فآمنت.
ثم قال: يا بولس! كرس بالإنجيل، يعني: ادع إلى الإنجيل.
فجاءهم بولس وأسلم.
فتخيل كم تكون عظمة فرحة النصارى المساكين عندما يؤمن بدينهم من كان يضطهدهم، سيفرحون فرحًا عظيمًا جدًا، وهذا الذي حصل، حيث فرحوا إلا طائفة يسيرة منهم عرفوا خطط اليهود، وحذروا البقية الباقية، لكن ما كان للتحذير فائدة عند هؤلاء، فبدأ يأتي بآراء وبدأ يقرر قواعد دين النصارى، وبدأ يقول: أريد أن أكتب الإنجيل.
وبدأ يزاحم الإنجيل، مع أن الأناجيل كتبت بعد رفع عيسى بزمن طويل، فبدأ يأتي برسائل سميت فيما بعد: (رسائل بولس).
وهكذا بدأ يخترع لهم دينًا آخر ويحرف الدين من داخله، فلما آمن قسطنطين -وهو رئيس الدولة الرومانية- بالنصرانية وكان وثنيًا واجه دينين للنصرانية: الدين الأول: الدين المحرف الذي جاء به بولس، واتبعه عدد كبير من النصارى ممن اغتروا بـ بولس، وبقيت طائفة يسيرة أتباع لرجل موحد نصراني اسمه: آريوس، فلما أسلم قسطنطين أراد أن يجعل مذهب الدولة الرسمي الرومانية المذهب النصراني، فوجد مذهبين: أحدهما إما التوحيد الخالص الذي يمثله آريوس، والآخر مذهب بولس شاول.
ثم كانت الخلاصة أن أقاموا مجمعًا سموه: (مجمع نيقية) في عام ثلاثمائة وخمسة وعشرين ميلادية تقريبًا، وفيه أعلن عند الرومان أن المذهب النصراني على طريقة بولس شاول هو المذهب الرسمي للدولة، ومن تلك الفترة صار هو المذهب الرسمي وهو مذهب محرف ضال.
إذًا: استطاع اليهود أن يضربوا دين النصارى من الجذور، ولهذا نلحظ الآن النصارى في أوروبا وفي أمريكا وفي غيرها مثل الخواتم في أيدي اليهود يعبثون بهم كيفما يشاءون، وانظر إلى موضوع من الموضوعات الأخلاقية، وهو المحافظة على العرض، فالمحافظة على العرض من الأمور المشتركة بين الأنبياء، فالأنبياء لهم دين اتفقوا فيه جميعًا، وهناك أشياء تشريعية اختلفوا فيها، ومن التشريع المشترك حفظ العرض، والمحافظة على الأهل والبعد عن الفواحش، كالزنا واللواط، فذلك محرم في كل الشرائع عند كل الأنبياء بدون استثناء، وما جاء أحد منهم بحل الزنا أو اللواط أو نحو ذلك.
وانظر اليوم إلى العالم الغربي الذي أصبح ذنبًا لليهود، لقد أصبح متفسخًا إلى أبعد حد؛ لأن الذي شرع له الزنا، وشرع له الفواحش هم اليهود، فأراد اليهود أن يعملوا في دين الإسلام مثل ما عمل بولس في دين النصرانية.
[ ٢٠ / ١٣ ]
الفكر اليهودي ومحاولة هدم الإسلام
وإذا كان دين النصارى واجه واحدًا وهو بولس؛ فهذا الدين واجه عشرات من بولس، فظهر ابن سبأ ودعا إلى عقائد ضالة صار عليها طائفة اسمها السبئية، ثم صار عليها بعد ذلك طوائف كالشيعة، وظهر مثل هؤلاء ودعوا إلى هذه العقائد الضالة.
فـ ابن عربي وابن سبعين وغيرهما وهؤلاء ليس المقصود أن عندهم شبهة ولم يفهموا الحقيقة، لا، بل المقصود أكبر من هذا، فهم زنادقة يريدون إفساد الإسلام؛ لأنه لا يمكن أن يكون الإنسان عنده شبهة ويقول بهذه العقيدة الغريبة التي ما قال بها أئمة الكفر في تاريخ الأرض كله.
فنعرف من هذا أن هؤلاء الزنادقة يريدون هدم الإسلام من الداخل.
[ ٢٠ / ١٤ ]
شاهدو الحقيقة الكونية ضالون عن الحقيقة الكونية والدينية
يقول الشيخ: [ويشهدون أنهم العابدون والمعبودون، وهذا ليس بشهود للحقيقة لا الكونية ولا الدينية] يعني: هؤلاء زنادقة حتى في شهود الحقيقة الكونية، وإن كان ذلك هو الشيء الذي تذرعوا به، لكن -في الحقيقة- ليس هذا هو الهدف، فليس الهدف أنهم شهدوا الحقيقة الكونية فأوصلهم هذا الشهود بطريقة عفوية إلى هذه العقائد الضالة.
[بل هو ضلال وعمى عن شهود الحقيقة الكونية، حيث جعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق، وجعلوا وجود كل وصف مذموم وممدوح نعتًا للخالق والمخلوق؛ إذ وجود هذا هو وجود هذا عنده].
[ ٢٠ / ١٥ ]
بيان موقف أهل الإيمان
قال: [وأما المؤمنون بالله ورسوله عوامهم وخواصهم الذين هم أهل القرآن كما قال النبي ﷺ: (إن لله أهلين من الناس.
قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: أهل القرآن أهل الله وخاصته)، فهؤلاء يعلمون أن الله رب كل شيء، ومليكه، وخالقه، وأن الخالق سبحانه مباين للمخلوق ليس هو حالًا فيه ولا متحدًا به، ولا وجوده وجوده، والنصارى إنما كفرهم الله إذ قالوا بالحلول واتحاد الرب بالمسيح خاصة، فكيف من جعل ذلك عامًا في كل مخلوق؟! ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]].
هؤلاء لا يفرقون بين الطاعة والمعصية، ولا يفرقون بين الكفر والإيمان، ولا يفرقون بين أي عقيدة وأي عقيدة أخرى.
[ويعلمون مع ذلك أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله، ونهى عن معصيته ومعصية رسوله، وأنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر، وأن على الخلق أن يعبدوه فيطيعوا أمره ويستعينوا به على كل ذلك كما قال في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، معناها: نعبدك وحدك لا شريك لك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] معناها: نستعين بك وحدك لا شريك لك.
ومن عبادته وطاعته: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان، والجهاد في سبيله لأهل الكفر والنفاق، فيجتهدون في إقامة دينه مستعينين به، مزيلين بذلك ما قدر من السيئات].
[ ٢٠ / ١٦ ]
دفع القدر بالقدر فطرة وشرع
إن الذين يحتجون بالقضاء والقدر ويقولون: الله خلق الفساد، وخلق المعاصي، وخلق الكفار، وخلق المنافقين، فلماذا تشغلوننا بمحاربة هؤلاء وبمواجهتهم وبمقاتلهم، وبالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، وبالحسبة عليهم؟! لماذا تشغلوننا بذلك مع أن الله قدر ذلك وكتبه؟! نقول لهم: نعم قدره الله وكتبه، لكن قدر وكتب أن نرد هذا المقدر المكتوب.
وهذا القدر المقصود به: الابتلاء، فإن الله ﷿ قدر ذلك ليختبرك أنت؛ ولهذا قام النبي ﷺ بالجهاد مع أنه يعرف أن كفر كفار قريش هو من قدر الله ﷿، وكذلك قام الصحابة من بعده، وقاموا بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، وقام أئمة الدين بالدعوة إلى الله ﷿، وإصلاح النفس، وإصلاح المجتمع.
وهناك فرق كبير بين إنسان يعتقد أنَّه ليس في الإمكان أحسن مما كان، فيعتقد أنه هذا الوضع وضع طبيعي، وأن الأخطاء موجودة منذ زمن، وكذلك المنكرات، وبين شخص يتعامل مع الواقع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فبعض الناس إذا قيل له: انتشر التبرج، فلا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن وبالكلام الطيب، قال: يا أخي! في الزمن الماضي كان هناك تبرج وسفور يوم كان الجهاد في سبيل الله قائمًا.
ونقول: صحيح أنه كان هناك تبرج وسفور، لكن هل معنى هذا أن يقره الإنسان؟! بل يدفعه بقدر ما يستطيع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والكلمة الطيبة.
وبهذا ينتشر الخير، وينتشر الصلاح على قدر نشاط أهله وعلى قدر بذلهم وجهدهم وقناعتهم بأن إيصال الحق إلى الناس أمر ضروري جدًا، وأنه من قدر الله الواجب علينا.
وأما المعاصي والمنكرات فقد خلقها الله ﷾، لكن أمرنا بدفعها، وهكذا ركب الله ﷿ هذا الكون وجعله مدافعة، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، فأهل الحق يدفعون أهل الباطل، والمؤمنون يدفعون الكفار، وأهل الدعوة والإخلاص يدفعون أهل النفاق، وهكذا يكونون في مجاهدة، والجميع من قدر الله ﷿، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة، ورد الباطل من القدر الواجب الذي يعاقب عليه الإنسان إذا لم يقم به.
يقول: [فيجتهدون في إقامة دينه مستعينين به مزيلين بذلك ما قدر من السيئات، دافعين ما قد يخاف من آثار ذلك، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل ويدفع به الجوع المستقبل]، فلو أن إنسانًا جاءه الجوع فقال: لا أريد أن آكل، لأن الجوع قدر الله، أو جاءه البرد فقال: لا أريد أن أستتر من هذا البرد؛ لأنه قدر الله، أو جاءه الحر فقال: لا أريد أن آتي في مكان مبرد؛ لأن الحر قدر الله لكان سفيهًا، فالحر والجوع والبرد من قدر الله، كما أن الذنوب والمعاصي من قدر الله، فلماذا الذنوب والمعاصي نرضى بها ولا نرضى بالحر والجوع؟! فلو كان عند الإنسان توحيد خالص لآلمته هذه الذنوب والمعاصي كما يؤلمه الجوع، والجميع من قدر الله ﷾.
يقول: [وكذلك إذا آن أوان البرد دفعه باللباس، وكذلك كل مطلب يُدفع به مكروه، كما قالوا للنبي ﷺ: (يا رسول الله! أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقىً نسترقي بها، وتقىً نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: هي من قدر الله)] وهذا الحديث في إسناده ضعف، لكن المعنى صحيح وثابت في نصوص أخرى، [وفي الحديث: (إن الدعاء والبلاء ليلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض)] هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند، وابن ماجة في سننه، وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة في المجلد الأول.
يقول: [فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله، وكل ذلك من العبادة، وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية -وهي: ربوبيته تعالى لكل شيء- ويجعلون ذلك مانعًا من اتباع أمره الديني والشرعي على مراتب في الضلال] ثم بدأ يذكر مراتب هؤلاء.
ونلحظ هنا أنه ذكر مراتب الضالين في شهود الحقيقة الكونية، وأخرج أهل الاتحاد والحلول وذكرهم قبل ذلك؛ لأن فساد مذهب أهل الحلول والاتحاد واضح جدًا، لكن هؤلاء فسادهم أقل من أولئك، وكل له مرتبته ودرجته.
[ ٢٠ / ١٧ ]
الأسئلة
[ ٢٠ / ١٨ ]
حكم القول بأن الله لم يخل منه مكان
السؤال
يقول الشاعر: سبحان من لم يخل منه مكان.
فهل هذا الكلام موافق لمذهب أهل السنة والجماعة؟
الجواب
يحكم عليه بحسب قصده، فإن كان قصده أنه تعالى لم يخل منه مكان بعلمه وقدرته ﷾ فلا شك في أنه صحيح، وإن كان يقصد ذاته فلا شك أنه باطل، وهذا هو مذهب أهل الحلول.
[ ٢٠ / ١٩ ]
قاعدة: كل مادة مخلوقة وكل مخلوق مادة
السؤال
هناك مقولة أو قاعدة، وهي: (كل مادة مخلوقة، وكل مخلوق مادة) فما معنى (مادة)؟
الجواب
إذا كان المقصود بالمادة أن لها جرمًا، وأنها كانت بعد أن لم تكن؛ فالقاعدة عادية ليس فيها شيء جديد.
[ ٢٠ / ٢٠ ]
مدى صحة القول بكتابة القدر على الجبين
السؤال
هل صحيح أن القدر مكتوب على الجبين؟
الجواب
المعروف أن القدر مكتوب في اللوح المحفوظ، ثم ينسخ في كتب الملائكة، أما كون القدر مكتوبًا على الجبين فلا أعلم في هذا شيئًا.
[ ٢٠ / ٢١ ]
الزنا مقدر مخلوق
السؤال
هناك شخص يقول: هل قدر الله الزنا؟! وهل معنى (قدر) أنه خلق الزنا؟ فما الجواب على مثل هؤلاء؟
الجواب
نعم قدر الله ﷿ الزنا وخلق الزنا، لكن هناك قدر مكروه يكرهه الله ﷿، وهناك قدر يحبه الله، فهذا من القدر الذي كرهه الله ﷿ ونهانا عنه ليبتلينا أينا أحسن عملًا.
[ ٢٠ / ٢٢ ]
احتجاج آدم وموسى
السؤال
لو قال موسى لآدم: لماذا أكلت من الشجرة؟ فهل بهذا القول يحج موسى آدم؟!
الجواب
لا يتصور أن موسى يقول: لماذا أكلت من الشجرة؟ لأنه لو اعتبر أن الذنب عذر لكان ذلك خطأ، لكنه لامه على أنه كان السبب في إخراجهم من الجنة.
[ ٢٠ / ٢٣ ]
ابن عربي في ميزان الشريعة
السؤال
نود منكم أن تذكروا لنا عن ابن عربي ترجمة مختصرة عن عقيدته، حيث إني سمعت رجلًا يقول: ابن عربي ﵁ من العباد ومن الزهاد، وآخر يمدح الرجل؟
الجواب
سبق أن أشرت إلى بعض عقائد ابن عربي، وكتب ابن عربي موجودة، وأوضح كتاب بين فيه عقيدته ومذهبه هو كتاب (فصوص الحكم) وهو كتاب مطبوع وموجود، وله أيضًا كتاب شرحه الكاشاني، والكاشاني من علماء الصوفية له كتاب اسمه (معجم مصطلحات الصوفية)، ترجم له فيه، ولعل أوضح من ترجم له وساق أقوال العلماء فيه رجل صوفي -أيضًا- يقال له: تقي الدين الفاسي، وله كتاب اسمه (العقد الثمين في تاريخ بلد الله الأمين)، ترجم لـ محي الدين بن عربي هذا، وساق أقوال العلماء فيه، وبدأ برأي شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ونقل أغلب كتاب (حقيقة مذهب الاتحاديين) تقريبًا إن لم يكن نقله بالنص كاملًا، ثم نقل نصوصًا كثيرة عن الحافظ ابن حجر ﵀، وعن الذهبي، وعن عدد كبير من أهل العلم، وجميعهم يبين عقيدته الفاسدة التي كان عليها.
[ ٢٠ / ٢٤ ]
الطائفة النصرانية الموحدة
السؤال
هل الطائفة الموحدة التي من النصارى موجودة إلى الآن؟
الجواب
لا أعلم أنها موجودة، وقد كان يمثلهم قديمًا آريوس، وقد صاروا قلة وانقرضوا، ولو كانوا موجودين فإنه لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا حتى يؤمنوا بمحمد ﷺ، ولو كانوا موحدين على دين عيسى؛ لأن دين الرسول ﷺ ناسخ لغيره من الأديان، ولهذا ينزل عيسى في آخر الزمان ويحكم بشريعة محمد ﷺ، والنبي ﷺ يقول: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار).
ولهذا يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ويقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، فلا يقبل منه شيء حتى ولو كان موحدًا على دين المسيح عيسى بن مريم الذي نزل من السماء.
[ ٢٠ / ٢٥ ]
وجوب تغيير كل منكر
السؤال
هل الواجب علينا تغيير كل منكر صغيرًا كان أم كبيرًا؟
الجواب
يجب علينا أن نغير كل منكر، لكن على قدر استطاعتنا؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فعلى قد استطاعتنا نقوم بتغيير المنكرات.
[ ٢٠ / ٢٦ ]
ما يجب بذله تجاه المنكرات
السؤال
هل نستطيع إزالة المنكرات كلها؟
الجواب
لا يلزم أن نقدر على ذلك، ولا نترك قدرة في وسعنا.
[ ٢٠ / ٢٧ ]
بيان معنى الاتحاد الخاص عند النصارى
السؤال
ما معنى قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الاتحاد الخاص وهو قول يعقوبية النصارى، وهو أخبث الأقوال، وهم السودان والقبط، يقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كما اختلط اللبن بالماء، وهو قول من وافق هؤلاء من غالبية المنتسبين إلى الإسلام؟
الجواب
دين النصارى أساسه أن الإله هو الأب والابن وروح القدس، ثم اختلفوا في معنى هذا الكلام، فبعضهم قال: إن الأب والابن والروح القدس عبارة عن صفات، مثل: أن تكون طويلًا، وأبيض، وسمينًا -مثلًا- أو نحيفًا، فهذه ثلاث صفات وأنت واحد.
فبعضهم قال: إن الأب والابن وروح القدس عبارة عن ثلاث صفات في إله واحد، وهذا قول أكثر النصارى، وهو قول اليعقوبية خاصة، ويقصد بالسودان نصارى السودان، وبالقبط النصارى الموجودين في مصر، فقولهم هو أن اللاهوت -ويقصدون به الله ﷾-، والناسوت -ويقصدون به الجسد الإنساني، وهو عيسى ﵇- اختلطا هذا الاختلاط مثل اختلاط الماء مع اللبن، فهل تستطيع أن تفرق بين الماء واللبن؟! فلو أخذت نصف كأس ماء ووضعت عليه نصف كأس لبن ومزجتهما سيخرج لك شيء ثالث ليس بماء ولا لبن، فلا تستطيع أن تقول: إنه ماء مائة في المائة، ولا تستطيع أن تقول: إنه لبن مائة في المائة، فهم يرون أن الله اختلط بالمسيح عيسى ابن مريم اختلاطًا لا يمكن معه التفريق بينهما.
ولا شك في أن هذا القول من أخبث الأقوال.
[ ٢٠ / ٢٨ ]
التفريق بين ابن عربي وابن العربي
السؤال
نرجو التنبيه على مسألة التفريق بين ابن عربي وابن العربي؟
الجواب
بعض المترجمين قد يقول: ابن العربي ويقصد صاحب الوحدة والحلول والاتحاد، وهذا غير صحيح، وليس هذا هو الفارق الوحيد بينهما، فهذا له كتب وله اسم خاص، وهذا له كتب وله اسم خاص، فهذا محي الدين بن عربي الطائي من طيء، وذاك رجل معافري يكنى: أبا بكر، مالكي المذهب، وكان في زمن غير الزمن الذي كان فيه ذاك.
[ ٢٠ / ٢٩ ]
الفرق بين الحلول والاتحاد
السؤال
ما معنى الحلول والاتحاد؟ وهل هناك فرق بين هذين الاسمين؟
الجواب
نعم هناك فرق بين هذين الاسمين، فالحلول لا يقتضي الامتزاج من كل وجه، والاتحاد يقتضي الامتزاج من كل وجه، ويمكن أن نمثل على هذا بمثال: فأنت إذا أتيت بكأس فارغ ثم وضعت فيه ماء فإن الماء حل في هذا الكأس، أي: دخل فيه، والكأس غير الماء، ويمكن أن تفرق بينهما.
لكن الاتحاد معناه الامتزاج، مثل ما سبق أن مثلت بالماء واللبن.
فالاتحاد أقوى في الامتزاج من الحلول، فأهل الحلول يقولون: إن الله ﷿ موجود في حياة الناس، لكنه غير ممتزج بها، أما أهل الاتحاد فيقولون: إن الله ﷿ ممتزج في الأشخاص، مثل الصبغة التي يصبغ بها الشيء بحيث يكون الجميع متفقًا في صبغة واحدة.
[ ٢٠ / ٣٠ ]
التفضيل بين العبادات والذوات
السؤال
ذكرت أن أفضل العبادات هو ما كان مطلوبًا في وقته، وقلت: إن هذا هو الصحيح، ألا ترى أن هذا القول لم يحدد أفضل العبادات على الإطلاق؟
الجواب
التفضيل على الإطلاق غير وارد، ولهذا ذكر ابن القيم ﵀ قاعدة نفيسة جدًا في كتابه (بدائع الفوائد)، وقال فيها: إن التفضيل المطلق من كل وجه يندر في الأشياء.
فالأشخاص قد يكون أحدهم فاضل من جهة ومفضولًا من جهة أخرى، وضرب على هذا أمثلة، فقال: هل الأفضل عائشة ﵂ أم خديجة؟ وكلتاهما زوجتا النبي ﷺ، ويحبهما رسول الله ﷺ محبة شديدة.
نقول: الأفضل باعتبار السابقة للإسلام ومناصرة النبي ﷺ في بداية دعوته خديجة، والأفضل باعتبار العلم، وباعتبار نشر العلم بين الناس، وقربها من الرسول ﷺ عائشة ﵂، ولهذا فإن التفريق بين الأشياء يمكن أن يكون باعتبارات مختلفة، ومثل هذا التفضيل بين الملائكة وصالحي البشر، فيمكن أن يقال: إن الملائكة أفضل باعتبار، وصالحو البشر أفضل باعتبار آخر.
فالملائكة أفضل باعتبار كثرة التعبد، صالحو البشر أفضل باعتبار أنهم ابتلوا بالشهوات والشيطان، فدفعوا في الوقت الذي لم يبتل فيه الملائكة بهذا.
[ ٢٠ / ٣١ ]
حكم قيادة المرأة للسيارة
السؤال
ما حكم قيادة المرأة للسيارة؟ وما حكم الدعوة إليها؟
الجواب
قيادة المرأة للسيارة أمرها محسوم ولله الحمد، ففيها فتوى قديمة من المشايخ، ورأي الشيخ عبد العزيز بن باز وغيره من المشايخ -مثل الشيخ محمد بن عثيمين، وأعضاء هيئة كبار العلماء- واضح في المسألة، وهو أنه لا يجوز أن تقود المرأة السيارة؛ لما يترتب على هذا من الفتن، فليس محل التحريم في قيادة المرأة للسيارة أنه لا يجوز أنها تمسك بآل القيادة وتشغل السيارة، لكن لما يترتب على قيادتها من فتن ومصائب.
وإذا كانت المشكلات موجودة الآن في حياة كثير من الناس بدون قيادة للمرأة للسيارة فكيف إذا قادت؟! فإذا قادت قيل: لا بد من كشف الوجه، وهذا مخالفة شرعية، ثم إن حقيقة ذلك دعوة لخروج المرأة، لكن بطريقة هادئة، فبعض الناس لا يريد أن يدعو إلى الفساد دفعة واحدة، لكنه يدعو إليه بشكل متدرج، فيقول: نريد قيادة المرأة للسيارة، وقد يورد ضوابط شديدة جدًا، بحيث لا تقود إلا من الساعة السابعة في الصباح إلى السابعة في الليل، ولا تخرج عن الخطوط الطويلة، ولا تقود إلا من كان عمرها أربعين سنة، وهذه ضوابط ليست بالهينة، ثم تستمر سنتين أو ثلاث سنوات ثم ينقض ضابط، ثم ينقض الذي بعده، ثم ينقص الذي بعده، ثم نصبح مثل المجتمعات الفاسدة التي نعرفها في حياة المسلمين اليوم.
ولا شك في أن هذا لا يرضاه المسلم ولا يحبه، ويكفي أن أهل العلم الذين يعرفون مصالح الناس ويقدرونها، ويعرفون حاجة الناس، ويوازنون بين المصالح والمفاسد وهم أهل الحل والعقد في أي مجتمع من المجتمعات يكفي أنهم أفتوا في هذا الأمر.
أما أهل الفساد، وأهل الانحراف فلا يلتفت إليهم، وأقول: إنه ينبغي علينا أن نقنع الناس بأن الفساد شر عليهم جميعًا، على الصالح والطالح، والله ﷿ يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، وهؤلاء المفسدون الذين يريدون خرق السفينة إذا تركهم الناس سيهلك أهل السفينة جميعًا.
ومع الأسف أننا نحن -الدعاة والمصلحين- قد يوجد لنا في بعض الأحيان بنات أو أخوات أو أمهات غير مقتنعات بالحجاب، حيث تأخذ الواحدة منهن الحجاب بشكل تقليدي، ولهذا لو وجدت فرصة ربما كشفت عن وجهها، وكثير من الفتيات تعيش بهذا الأسلوب مع الأسف الشديد، فلو كان هناك فرصة لأن تقود سيارة لقادتها وهي راغبة؛ بسبب أن مثل هؤلاء الفتيات لم يتربين تربية صحيحة في البيوت على أهمية الحجاب وأنه دين، فالحجاب دين مثل كون الصلاة دينًا، والصيام دينًا، والحج دينًا، والزكاة دينًا، فمن من النساء اليوم تعتقد أن الحجاب مثل الصلاة والصيام؟! فكثير من النساء عندهن أن الحجاب مثل غترتك أيها الرجل! وهذه مسألة خطيرة إذا لم تفهم الفتاة -سواء أكانت زوجة أم أختًا أم أمًا أم قريبة- أن الحجاب دين يجب الالتزام به، وأن خروجها من بيتها من أكبر المصائب.
وهنا شيء أريد أن أنبه إليه، وهو أن أكثر ما يسعى إليه المفسدون أن يوجدوا صراعًا بين الرجل والمرأة، وهذا الذي تربى عليه الغرب، فالغرب تربوا على وجود صراعات دائمة بين الرجل والمرأة والفقير والغني، والحاكم والمحكوم، والضعيف والقوي، فالحياة عندهم مبنية على الصراع.
ولهذا قد يبدأ المفسدون بهذه القضية، فتجد الدندنة على موضوع أن الرجل هضم المرأة ولم يعطها حقوقها، وأن الرجل تعدى على حقوق المرأة، وقد يوجد هناك تعد من بعض الرجال لا يوافق الشرع، لكن هؤلاء أهل الفساد يلبسون الشرع أخطاء الناس، فقد توجد فتاة يظلمها أبوها فيزوجها رجلًا كبيرًا جدًا في السن حتى يتزوج هو بنت هذا الرجل، وهذا ظلم.
لكن بعض المفسدين يلبس هذا الظلم هذا الدين، فيجعل هذا من ظلم الدين للمرأة والعياذ بالله، وهذه القضية قضية واضحة ومحسومة، ولله الحمد.
[ ٢٠ / ٣٢ ]
شرح العبودية [١٠]
المنحرفون في باب القدر ليسوا على مرتبة واحدة في الضلال والانحراف، فمنهم من نفى القدر وأنكره، وهم القدرية والمعتزلة، ومنهم من نفى اختيار العبد في الفعل تمامًا، وهم الجبرية، ويدخل تحتهم طوائف من الصوفية وهم من يسمون بغلاة الحقيقة الكونية الذين يحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة.
[ ٢١ / ١ ]
قراءة في كتاب حلية طالب العلم
[ ٢١ / ٢ ]
أهمية الآداب والأخلاق في حياة المسلم
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، إنك أنت العليم الحكيم.
أيها الإخوة الكرام! سنبدأ -إن شاء الله- في هذا الدرس أولًا بقراءة شيء من كتاب (حلية طالب العلم) للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد، ثم بعد ذلك نبدأ بقراءة كلام شيخ الإسلام ﵀ وشرحه حسب القدرة والمستطاع.
وهذا الكتاب -وهو حلية طالب العلم- موضوعه الآداب والأخلاق، والآداب والأخلاق لهما أهمية كبرى في ميزان الشريعة، حيث إن العبد يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ، وقد مدح الله ﷾ رسوله ﷺ بالأخلاق فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فالأخلاق الكريمة والآداب الفاضلة مهمة جدًا لكل المسلمين ولطلاب العلم على وجه الخصوص، فطلاب العلم بحاجة إلى الأدب وبحاجة إلى الأخلاق، وينبغي لطالب العلم أن يفهم أنه كما ينبغي عليه أن يتعلم الأحكام الشرعية والعقائد الصحيحة ينبغي عليه - أيضًا - أن يتعلم الآداب، وأن يتعلم الأخلاق الكريمة، فلا فائدة من علم بلا أدب، والأدب له أهمية كبرى، وقد كان السلف رضوان الله عليهم يبدءون بتدريس الأدب قبل العلم، والأدب من الإيمان، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان بضع وستون -وفي لفظ: بضع وسبعون- شعبة، فأعلاها: قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، والحياء لا شك في أنه من أعظم الآداب والأخلاق الكريمة، وقد قال الصحابة رضوان الله عليهم: (تعلمنا الإيمان قبل القرآن) أي: تعلمنا الأدب والأخلاق والعمل الصالح والتقوى والإخلاص لله ﷿ قبل العلم، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا، وهذه قضية مهمة، وهي أنه ينبغي على طالب العلم أولًا أن يبدأ بالآداب والأخلاق والإيمان والتقوى والإخلاص لله ﷾ قبل أن يبدأ بالمعلومات المجردة، فإن العلم له ثمرة وله مقصود، وهذا المقصود هو العمل، فإذا كان العلم لا يوصل صاحبه إلى العمل والأخلاق الكريمة والآداب الفاضلة فإنه لا خير فيه ولا نفع، فليس العلم معلومات مجردة يتلقاها الإنسان ويحفظها ويذاكرها مع أقرانه ليبرز فضله ويتميز على الآخرين، وإنما العلم أكبر من ذلك بكثير، فالعلم ينبغي على الإنسان أن يدرك أنه يهذب الأخلاق والطباع، ويربي النفس، وينمي الإيمان في القلب، وتنمو به شجرة التقوى في قلب الإنسان، فتثمر الأعمال الصالحة، واليقين، والصبر، والتوكل على الله ﷾، والإنابة إليه، والخشية، والخوف من الله ﷾، والمحبة له ولأوليائه، والبغض لأعدائه، فكل هذه الأعمال الإيمانية الكريمة التي هي ثقيلة في ميزان العبد يوم القيامة هي ثمرة العلم الذي يتعلمه، فإذا عرف الإنسان وإذا عرف طالب العلم أن العلم ليس مجرد حشد المعلومات وحفظها، وإنما هو العمل، والصبر، والأدب، والأخلاق العالية، والتصرف الحكيم، إذا عرف هذا الأمر فإنه سيهتم بالأدب وسيهتم بالإيمان، كما أنه سيهتم بالعلم، وحفظ الأدلة، وترتيب المسائل وفقهها.
[ ٢١ / ٣ ]
أهمية الأدب والأخلاق في حياة طالب العلم
ومن الأمور التي يندى لها الجبين وجود طائفة من المشتغلين بالعلم الشرعي في الظاهر، فيشتغلون في العلم الشرعي بجمع المعلومات والاهتمام بالكتب ومعرفة أسمائها ومعرفة مصنفيها، وتكوين المكتبات في البيوت والحرص عليها، وحضور حلق العلم، والجلوس بين أهل العلم وطلابه، ثم يوجد من هؤلاء من يفتقد كثيرًا من الآداب الشرعية التي ينبغي أن يهتم بها، وقد ألف السلف الصالح رضوان الله عليهم كتبًا خاصة في آداب طالب العلم، فـ البخاري ﵀ عندما ألف الصحيح أفرد كتابًا سماه (كتاب الأدب)، وأفرد كتابًا خاصًا سماه (كتاب العلم) أيضًا، وذكر في كتاب العلم الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها طالب العلم، وكذلك الخطيب البغدادي ﵀ ألف كتابًا سماه (الجامع في آداب الراوي والسامع)، وأبو سعد السمعاني ألف كتابًا سماه (أدب الإملاء والاستملاء)، وألف كذلك ابن مفلح الحنبلي ﵀ كتابًا سماه (الآداب الشرعية) وكذلك ألف شمس الدين المرادي منظومة في الآداب وشرحت في كتاب عظيم في مجلدين، وهكذا اهتم السلف الصالح رضوان الله عليهم بهذا الموضوع، حتى قال بعضهم: من قعد به حسبه نهض به أدبه.
يعني: قد يكون الإنسان من قبيلة ليست مشهورة بحسب، أو قد لا يكون له قبيلة، أو قد يكون إنسانًا ضعيف الحسب والنسب، لكن يرتفع به أدبه، وعندما سأل عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين في زمانه الزهري ﵀ عن أهل العلم والأدب في كل قطر فإذا هم الموالي، فتعجب عبد الملك بن مروان أن يكون الموالي هم أهل الأدب والعلم، فـ عطاء بن أبي رباح كان عبدًا مولى أسود قبيح المنظر، لكن كان يزدحم عليه الناس في مكة لأدبه وعلمه، فالقضية ليست قضية مناصب وليست قضية أشكال، وليست قضية أحساب وأنساب، بل القضية أكبر من ذلك، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، ولهذا قال الأول: ما وهب الله لامرئ هبة أفضل من عقله ومن أدبه هما حياة الفتى فإن فقدا ففقد الحياة أحسن به فإذا فقد الإنسان العقل والأدب ففقد الحياة خير له وأفضل.
وجاء في الحديث عن النبي ﷺ: (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه)، يعني: الذي يبحث عن الخير يعطه، (ومن يتوق الشر يوقه)، فالذي يتوقى الشر ويحرص على البعد عنه سيوقيه الله ﷾، والذي يحرص ويتحرى الخير فإنه سيعطاه بإذن الله تعالى.
وهذا الكتاب هو كتاب جمع فيه الشيخ بكر أبو زيد مجموعة من الآداب والأخلاق الكريمة، ذكر فيها آداب الطالب في نفسه، وأدبه مع أستاذه وشيخه، وأدبه في حياته العلمية، وهو كتاب نافع ومختصر ولطيف.
[ ٢١ / ٤ ]
من أقوال السلف في الأدب وفضله
وقبل أن نبدأ في قراءة المقدمة لا بأس أن أشير إلى بعض كلام السلف رضوان الله عليهم في فضل الأدب.
يقول أبو زكريا العنبري ﵀: علم بلا أدب كنار بلا حطب، وأدب بلا علم كروح بلا جسد.
وقال مخلد بن الحسين بن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث.
ويقول ابن سيرين ﵀: كانوا يتعلمون الهدي -يعني الآداب والأخلاق والأعمال الكريمة- قبل أن يتعلموا العلم.
فالعلم بعد الهدي وبعد الأخلاق.
وقال مالك بن أنس لفتى من قريش: يا ابن أخي! تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم.
ويقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة.
فللأدب أهمية كبرى في حياة السلف رضوان الله عليهم، وسنتناول الفصل الأول من الكتاب في درس قادم بإذن الله تعالى.
[ ٢١ / ٥ ]
موجز لما سبق شرحه من كتاب العبودية
[ ٢١ / ٦ ]
حقيقة العبودية
أما كتاب العبودية فقد انتهينا فيه إلى موضوع مراتب الضالين في الحقيقة الكونية، وقد سبق أن عرَّفنا أولًا بالعبودية، وقلنا: إن العبودية والعبادة في اللغة هي الذل والخضوع، ولهذا يقول العرب: طريق معبد أي: مذلل ذللته الأقدام بالسير عليه.
والعبودية في الشرع: هي الذل والخضوع لله ﷾، لكن في الاصطلاح الشرعي يضاف إلى الذل والخضوع المحبة، فلا عبودية بدون محبة؛ لأنه قد يذل الإنسان ويخضع لطاغوت متجبر وهو كاره له، فلا يقال: إنه عابد له.
وأما المحبة وحدها فليست هي حقيقة العبودية؛ لأنه قد يحب الإنسان من لا يذل ويخضع له، كمحبته لزوجته أو لأولاده أو لقبيلته ووطنه أو نحو ذلك من أحوال محبة الإنسان العادية والطبيعية.
فحقيقة العبودية وحقيقة العبادة الشرعية هي الذل والخضوع مع المحبة، فإذا اجتمع الذل والخضوع مع المحبة حصلت حقيقة العبادة، وقد سبق أن شرحناها بالتفصيل، ونقدنا بعض الطوائف في تعريف العبودية وشرحنا ذلك مفصلًا.
[ ٢١ / ٧ ]
أقسام العبودية
ثم بينا أن العبودية تنقسم إلى قسمين: عبودية اختيارية، وعبودية جبرية قهرية.
فأما العبودية الاختيارية فهي العبودية التي تنبع من اختيار الإنسان.
وأما العبودية الجبرية والقهرية فهي ذل الإنسان وخضوعه لله ﷿ الذل المطلق والخضوع المطلق.
وقد سبق أن بينا أن العبودية الاختيارية هي مقتضى توحيد الإلهية، والعبودية الجبرية القهرية هي مقتضى توحيد الربوبية، وبينا الفرق بين توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية بشكل مفصل.
[ ٢١ / ٨ ]
المنحرفون في باب العبودية والآثار المترتبة على هذا الانحراف
وبينا أن المنحرفين في موضوع العبودية هم طوائف، فبينا انحراف المرجئة، وهم أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية، وبينا سببه، وبينا الآثار المترتبة على هذا الانحراف، كما أننا بينا انحراف طائفة أخرى في هذا الموضوع، وهي الصوفية، وقلنا: إن الصوفية انحرفت في مبدأ العبودية وفي المنتهى، في الوسيلة وفي الغاية، فأما المبدأ فإنها انحرفت في مسألة كيفية السلوك إلى الله ﷾، حيث اختطت الصوفية منهجًا بدعيًا في السلوك إلى الله ﷿ عن طريق الخلوات، وعن طريق الأذكار والأوراد البدعية التي تكون بترديد الاسم المفرد (الله) أو الاسم المضمر مثل: (هو، هو، هو، هو) وهكذا حتى يصل الإنسان إلى الكشف، فهم في مبدأ العبودية انحرفوا، وفي طريق السلوك إلى الله ﷿ انحرفوا، وكذلك انحرفوا في النتيجة، وانحرافهم في النتيجة هو أنهم تصوروا أن النهاية والغاية التي يصل إليها السالك هو أن يعرف أن الله هو خالق هذا الكون، ويشهد خلقه ﷾، ومعنى الشهود هو رؤية الخلق أعيانًا، ومعنى رؤية الخلق أعيانًا عندهم أن يشعر الإنسان شعورًا لا يخالطه شك بأنه لا يوجد ذرة من ذرات هذا الكون إلا والله ﷿ وراءها، وهذا الكلام حق، لكنهم وقفوا عنده، فظنوا أن المطلوب من العباد هو هذا الاعتقاد فقط، وأنه إذا اعتقد الإنسان أنه لا يوجد شيء في هذا الكون إلا والله وراءه فقد وصل إلى نهاية العبودية، وهذا خطأ؛ لأن كفار قريش كانوا يعلمون أن الله هو الخالق الرازق، وما نفعهم هذا العلم، ويؤمنون بذلك، وما نفعهم هذا الإيمان، كما قال الله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم يعرفون أن الله هو الخالق الرازق، وما نفعهم ذلك؛ لأنهم جعلوا في أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم وسائط بينهم وبين الله ﷿ يعبدون غير الله ﷿ بها، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فأثبت لهم الإيمان في الأولى، وهي توحيد الربوبية وإثبات الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، ونفى عنهم توحيد الإلهية الذي هو الغاية القصوى من خلق الخلق ومن بعثة الرسل، كما قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وكل رسول يرسله الله ﷾ إلى قومه يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].
إذًا: النهاية التي عند الصوفية غير النهاية التي عندنا، فنهاية التعبد عندهم هي إثبات توحيد الربوبية، ونهاية العبودية عندنا هي إفراد الله ﷿ بالعبادة خالصة له.
وسبق أن بينت الآثار العظيمة المترتبة على هذا الأمر، وقلت: إن الخلاف في الواقع المعاصر بين دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وبين الصوفية في زماننا ليس خلافًا همجيًا، وليس خلافًا صوريًا، وإنما هو خلاف حقيقي، والذين قالوا: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الخوارج أو من التكفيريين، أو أنه يكفر المسلمين بالذنوب أو نحو ذلك ما قالوه اعتباطًا، بل قالوه بناء على عقيدة فاسدة موجودة عندهم، فنسبوا الشيخ - مع أنه على السنة المحضة الواضحة - إلى عقيدة التكفير وعقيدة الخوارج لينفروا الناس منه، وهذا سبق أن بيناه بشكل مفصل، ولما تكلمنا عن الصوفية قلنا: إنهم غلوا في توحيد الربوبية، وذلك أنهم غلوا في الإرادة الكونية التي هي موافقة للخلق.
[ ٢١ / ٩ ]
المنحرفون في باب القدر ومراتبهم
في هذا الدرس -إن شاء الله- سنبدأ بالكلام على مراتب الضالين في موضوع الإرادة الكونية، فالضالون في موضوع القدر - وهو الإرادة الكونية - ليسوا على مرتبة واحدة وليسوا على طريقة واحدة، وهذا مما ينبغي أن يعرفه طالب العلم، فإن طالب العلم ينبغي ألا يحاكم الناس جميعًا إلى رأي واحد، فلا نقول مثلًا: إن الصوفية كفار، ولا نقول: إن الصوفية من أهل السنة.
فكلا هذين الطريقين باطل، لكن الصحيح أن نقول: إن الصوفية درجات وأنواع، وكل نوع له حكم خاص، فينبغي أن يفهم هذا طالب العلم، ولهذا نلحظ أن السلف كانوا يسمون الفرق الضالة أصحاب المقالات، أي أنهم يحاكمون كل صاحب مقالة إلى مقالته، ولو رجعنا إلى كتب المقالات السابقة لوجدنا أنهم يقولون: مقالة فلان كذا، ومقالة فلان كذا، ومقالة فلان كذا، وقد يكون الثلاثة هؤلاء جميعًا من طائفة واحدة، ومع هذا يفصلون المقالات؛ لأن كل مقالة لها حكم خاص بحسب مناقضتها للقرآن والسنة، وبحسب قربها من القرآن أو السنة أو بعدها عن القرآن والسنة أيضًا.
فالضالون في موضوع القدر وفي موضوع الإرادة والحقيقة الكونية على مراتب، ويجمع هذه المراتب جميعًا وصف الجبرية، وقد سبق أن أشرنا إلى عقيدة الجبرية، وقلنا: إن المنحرفين في القدر طائفتان: الطائفة الأولى: المعتزلة.
والطائفة الثانية: الجبرية.
[ ٢١ / ١٠ ]
المعتزلة القدرية
أما المعتزلة فهم القدرية، حيث نفوا القدر، وقالوا: إن الله ﷿ لم يكتب شيئًا عن العباد، وإنما الأمر مستحدث، والعبد يفعل الفعل وهو غير مكتوب عليه سابقًا، ويقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه ويحذف فعل نفسه، وينفون أن يكون الله ﷿ كتب مقادير العباد قبل أن يخلق الناس، ويقولون: إن العبد هو الذي ينشئ فعل نفسه، ولهذا يعاقب عليه أو يثاب عليه، وأما أن يكتب عليه العمل ثم يعاقب ويثاب فهذا مستحيل في أذهانهم وفكرهم، فقابلتهم طائفة أخرى على الضد والعكس -وهم الجبرية- فقالوا: العبد مثل الريشة في مهب الريح، فلا شيء له من الأفعال، وأفعاله كلها مخلوقة لله ﷾، وهو غير مسئول عن أي عمل من الأعمال.
والحق وسط، وهو أن يقال: إن الله ﷾ كتب مقادير العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وإن العبد قبل أن يولد ويخرج من بطن أمه إلى هذه الدنيا مكتوب عليه أنه شقي أو سعيد، وهذا أمر مقرر في القرآن والسنة بشكل واضح، وكذلك نؤمن بأن العبد له إرادة وله اختيار، والمكتوب هو ما علمه الله ﷾ مما سيفعله العبد قبل أن يفعله، فإن الله يعلم ما سيفعله العبد قبل أن يفعل الفعل، فكتب الله ﷿ ما علم من فعل العبد واختياره قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم العبد إذا جاء وقت الفعل سيختار، فإذا اختار لن يختار إلا ما علمه الله سابقًا، لكن هل علم الله السابق لاختيار العبد جبر له؟! ليس جبرًا، وإنما هو علم؛ لأن الله ﷿ علمه ليس كعلم الآدميين، فعلمه ليس كعلمي وعلمك، وإنما هو - ﷾ - يعلم كل شيء، وعلمه محيط بكل شيء، فالمكتوب هو علم الله ﷾ بما سيختاره العبد، وأفعال العبد مرتبطة بإرادته، فإن حقيقة الفعل تكون بإرادة من الإنسان مع القدرة على العمل، فإذا وجد الهم من العبد نفسه والقدرة نتج الفعل مباشرة، فالفعل نتيجة للإرادة ونتيجة للقدرة، وهذه الإرادة والقدرة خلقها الله ﷾، فإن الإنسان لا يقدر على شيء، والله ﷿ يخلق فيه القدرة والإرادة، فهو ﷾ خالق لفعل العبد على الحقيقة، ونحن - أهل السنة - نؤمن بأمرين: كتابة الله ﷿ لشقاوة الإنسان وسعادته قبل أن يولد، والأمر الثاني: إرادة العبد واختياره، وهو أمر يشعر به الإنسان في حياته.
أما أهل البدع فإن بعضهم ضل في الأمر الأول، وبعضهم ضل في الأمر الثاني.
[ ٢١ / ١١ ]
الجبرية وأنواعها
وقد سبق أن أشرت إلى أن الجبرية على نوعين: جبرية أهل الكلام، وجبرية الصوفية، فأما جبرية أهل الكلام فهم على نوعين أيضًا: الأول: الجهمية، وهم الغلاة الذين يجعلون فعل العبد الاختياري والاضطراري واحدًا، وهم أتباع جهم بن صفوان، وهؤلاء كفرهم السلف رضوان الله عليهم لمخالفتهم لصريح القرآن وتكذيبهم له.
النوع الثاني: الجبرية المتوسطة، وهم الأشاعرة، فإن الأشاعرة قالوا بعقيدة الكسب، وحقيقة عقيدة الكسب هي الجبر، فإنهم يسمون العبد كاسبًا لفعله مجرد اسم، وأما ثمرة الفعل فهي ليست للعبد، وأما الصوفية فإنهم جبرية أيضًا، وسبق أن أشرت أن هؤلاء جميعًا ليسوا على مرتبة واحدة، وليسوا على طريقة واحدة، ويمكن أن نقرأ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لنتبين طريقة هؤلاء، وسنقرأ عن فرقتين من فرق الجبرية.
[ ٢١ / ١٢ ]
غلاة شهود الحقيقة الكونية وضلالهم في التكليف
يقول الشيخ: [وهؤلاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية - هي ربوبيته تعالى لكل شيء - ويجعلون ذلك مانعًا من اتباع أمره الديني الشرعي على مراتب الضلال: فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقًا عامًا].
يعني أنهم يقولون: إن العبد مجبور على فعل نفسه بشكل مطلق وبشكل عام، وكل العباد مجبورون على أفعالهم.
[فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة].
فأي عبد يزني فإنه يقول: هذا مقدر علي! أو يفعل الفواحش يقول: هذا مقدر علي! أو يأكل الربا، ويشرب الخمر، ويطوف حول القبور، ويعمل أي عمل من الأعمال المخالفة للشرع إذا حاسبه أحد وقال له: اتق الله! قال: هذا مقدر علي قبل أن أخلق! ونقول: صحيح أنه مقدر عليك، لكن أنت لديك اختيار، وستأتي شيء من تنبيهات شيخ الإسلام في الرد على هؤلاء.
يقول: [وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى].
لأن اليهود والنصارى يؤمنون بالأمر والنهي، وحقيقة قول هؤلاء إبطال الدين كله، بحيث لا يبقى عند الإنسان دين؛ لأن عندهم أن اليهودي معذور؛ لأن هذا قدر الله له، والنصراني معذور؛ لأن هذا قدر الله له، والبوذي معذور، والعلماني الملحد معذور، وكل أمم الأرض معذورة، ومن ثم سيدخلون هؤلاء بهذا الخليط العقائدي الفاسد في الجنة حسب فهمهم، وهذا لا شك في أنه شر من قول اليهود والنصارى، فاليهود والنصارى يميزون بين الناس، فيقولون: هؤلاء من أهل الجنة وهؤلاء ليسوا من أهل الجنة، ولا يقولون: كل الناس معذورون.
يقول: [وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨].
وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠]].
وهذه الطائفة سماهم شيخ الإسلام ﵀ في غير هذا الكتاب: القدرية المشركية أو الشركية، وهم الجبرية الذين كانوا على طريقة المشركين الذين يقولون بأن العبد مجبور على فعل نفسه، وإن ملل الأرض كلها معذورة.
[ ٢١ / ١٣ ]
الرد على غلاة شاهدي الحقيقة الكونية
قال: [وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضًا، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض؛ فإنه لا يمكنه أن يقر كل آدمي على ما يفعل].
أي: لا يمكن أن يقر كل الناس على ما يفعلون، فلو نظرنا في الحياة لوجدنا أن هؤلاء يحاربون أولئك، وأن هذا يغتصب مال غيره، وهذا رجل قوي يقتل ضعيفًا، فكل هؤلاء معذورون، وما هو معنى العدل حينئذٍ؟ وماذا يعني اسم الله ﷿ العدل؟! إنه لا يمكن أن يكون هؤلاء جميعًا على حق، فأولئك يعبدون صنمًا، وأولئك يعبدون نملًا وبقرًا، وأولئك يعبدون الشمس، وأولئك يعبدون الله، فهل كل هؤلاء على حق؟! لا، فهذا لا يمكن من الناحية النظرية، ومن الناحية العملية لا يمكن أن يقر كل الناس على ما يفعلون، فهناك ظالم ومظلوم، وهناك أمم ظالمة تأكل أممًا أصغر منها، فالأمم التي أصغر منها مظلومة، وهناك أشخاص أقويا يعتدون على الضعفاء، ولا يمكن أن يقر الناس على هذا ويقال: إن هذا هو مقتضى القدر وإنهم معذورون، وإلا فما هو معنى الظلم في قاموس هؤلاء؟! فلا شك في أنهم سيحتارون، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إنهم متناقضون.
وتناقضهم واضح وظاهر.
يقول: [فلا بد إذا ظلمه ظالم].
يعني: هذا الرجل الذي يؤمن بهذه العقيدة إذا ظلمه ظالم.
[أو ظلم الناس ظالم، وسعى في الأرض بالفساد، وأخذ يسفك دماء الناس ويستحل الفروج ويهلك الحرث والنسل ونحو ذلك من أنواع الضرر التي لا قوام للناس بها أن يدفع هذا القدر].
ولا يقول: إنه حق؛ لأن الله قدره.
[وأن يعاقب الظالم بما يكف عدوانه وعدوان أمثاله].
وما هو معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، فلماذا إذا قتل شخص شخصًا يقاد به؟! وهل يصح أن نقول: إن الله كتب عليه أن يموت وأن هذا يقتله، فنعذره على قول هؤلاء؟! إن هذا قول باطل لا تستقيم به إنسانية أبدًا، وإنما قدر الله ﷿ يدفع بقدر الله.
يقول: [فيقال له: إن كان القدر حجة فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك].
فإذا اعتدى عليك أحد ونهب مالك فارض، وإذا اعتدى أحد على أهلك فارض، وإذا قُتلت ظلمًا وبهتانًا وعدوانًا مع أن الحق معك فارض؛ لأن هذا القدر، ولا يمكن أن يقر على هذا.
قال: [وإن لم يكن حجة بطل أصل قولك].
ثم يقول شيخ الإسلام: [وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية].
يعني: بالربوبية العامة، وأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت.
[لا يطردون هذا القول].
يعني: لا يلتزمونه في كل أمورهم، وإنما هم يتبعون آراءهم وأهواءهم، ففي أشياء يقولون: هذا من قدر الله، وفي أشياء لا يقولون: هذا من قدر الله.
فهؤلاء يتبعون أهواءهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣].
يقول: [كما قال فيهم بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواه تمذهب به].
يعني: إذا طلبت منه الطاعة يقول: الله ما كتبها علي، وأنا حر أفعل ما أشاء وأترك ما أشاء، وعند المعصية يقول: أنا مجبور على هذه المعصية! فانظر إلى التناقض في مثل هؤلاء.
فهذه هي الطائفة الأولى من طوائف الجبرية، وهم الجبرية المطلقة، وهؤلاء أقل كفرًا من أهل وحدة الوجود الذين سبق الحديث عنهم.
[ ٢١ / ١٤ ]
المفرقون بين العامة والخاصة في التكليف
يقول: [ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة، ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه فعلًا وأثبت له صنعًا، أما من شهد أفعاله مخلوقة أو أنه مجبور على ذلك وأن الله هو المتصرف فيه كما يحرك سائر المتحركات؛ فإنه يرتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد].
هذه الطائفة الثانية يفرقون بين صنفين من الناس: صنف غير معذورين، ويسمونهم العامة، ويقولون: هؤلاء يلزمهم الأمر والنهي، فإذا أمر الله بأمر لزمهم أن يفعلوه، وإذا نهاهم عن نهي لزمهم أن يتركوه، وهؤلاء يسمونهم العامة، أو أصحاب الشريعة.
وصنف آخر عندهم يسمونهم الخاصة الذين شهدوا الحقائق الغيبية والأسرار المخفية، وهؤلاء الخاصة تسقط عنهم التكاليف، فلا يلزمهم أمر ولا يلزمهم ترك النهي، وهذه الطائفة الخاصة يقولون: عنهم إنهم تسقط عنهم التكاليف بشكل عام، فلا يلزمهم أي شيء، فلا تلزمهم صلاة ولا صيام ولا قراءة قرآن ولا جهاد في سبيل الله، ولا يلزمهم شيء من أعمال الإسلام مطلقًا، وأما الطائفة الأولى العامة فتلزمهم، وهؤلاء أقل من أولئك الذين يقولون: كل الناس - عامتهم وخاصتهم - مجبورون.
فهؤلاء يقولون: هناك طائفة وصلت إلى مرحلة الجبر، وهي أن الله ﷿ أسقط عنها كل شيء، فكل ما يفعله الواحد منها من أفعال فهو من فعل الله ﷿، وكل ما يقوله من أقوال فهي من قول الله ﷾، وحينئذ تسقط عنه كل التكاليف.
وقد سبق أن أشرنا في الكلام عن الصوفية أن الصوفية عندهم ما يسمى بالحقيقة والشريعة، فعندهم أصحاب الشريعة هم العامة، وأصحاب الحقيقة هم الخاصة، وهؤلاء هم الذين تسقط عنهم التكاليف، وهؤلاء لا شك في أنهم كفار، أي الذين يقولون بأن هناك طائفة من الناس - ولو قل عددها - تسقط عنهم التكاليف، فهذا كفر بالله رب العالمين؛ لأنه تكذيب لقوله ﷾: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فلم يستثن الله أحدًا، وعندما ذكر الله ﷿ الأنبياء قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وهم أعلى من وصل في مرتبة العبودية، قال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]، وحينئذ يقال: إن كلام من قال بهذا القول من الصوفية كفر يخرج عن الإسلام، وهذه هي إحدى نواقض الإسلام التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في نواقض الإسلام، فإنه قال: من اعتقد أن هناك طائفة غير مخاطبة بالأمر والنهي، أو يسقط عنها شيء من أحكام الشرع فقد كفر.
[ ٢١ / ١٥ ]
شَبَهُ العلمانيين بهذه الطائفة
ومثل هؤلاء من يعتقد أن الشريعة غير صالحة في هذا الزمان، ويقول: إن الشريعة نشأت في مجتمع بدوي، فالمجتمع البدوي الذي نشأت فيه الشريعة أول مرة كانت المواصلات فيه هي الحمار والجمل والبغل ونحو ذلك، وكانت الاتصالات عن طريق الأشخاص الذين يذهبون هنا وهناك، أما نحن الآن ففي زمن التطور، وفي زمن الثورة الصناعية التي لم يشهد التاريخ لها مثيلًا، وفي زمن الكمبيوتر والإنترنت، وفي زمن الإعلام العالمي الضخم، وفي زمنٍ المواصلات فيه هي الطائرة، والأسلحة ليست هي السكين والسيف والدرع، وإنما هي الدبابات والصواريخ عابرات القارات، فنحن في زمن آخر متغير، وما دمنا في زمن متغير وفي حياة متغيرة، فلا بد من أن نخترع لأنفسنا منهجًا متغيرًا، هذا المنهج لا دخل للشريعة فيه.
فهؤلاء يشبهون أولئك، فأولئك أسقطوا التكاليف عن طائفة من أتباعهم، وهم الذين وصلوا إلى الحقيقة - كما يتصورون - من خلال الأعمال التعبدية الفاسدة التي يقومون بها، مثل الأذكار البدعية والخلوات التي يقومون بها.
وهؤلاء ظنوا أن الشريعة لا يمكن أن تواكب العصر، وحينئذ نكتفي بالتاريخ المجيد والفترة الذهبية لهذه الشريعة، لكننا الآن نحن في زمن آخر لا حاجة لنا فيه إلى هذه الشريعة، وهذا كفر ولا شك فيه، ولا يخالف فيه أحد من أتباع الأديان جميعًا.
ولهذا ينبغي أن يدرك الإنسان الربط بين عقائد الفرق الضالة مثل الصوفية وغيرهم وبين عقائد المعاصرين اليوم، وهم دعاة العلمنة والتغريب في حياة المسلمين.
[ ٢١ / ١٦ ]
قولهم بأن من شهد الإرادة سقط عنه التكليف
يقول الشيخ: [وقد يقولون - يعني هؤلاء الذين يسقطون التكاليف عن طائفة دون طائفة - من شهد الإرادة سقط عنه التكليف].
يعني: من كان من أتباعه، أما العامة أمثالكم فالتكليف لازم عليهم.
[ويزعم أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف لشهوده الإرادة].
والخضر تعتبر قصصه وأخباره في الفكر الصوفي خرافة من الخرافات، فهم يعتقدون أن الخضر ما زال حيًا إلى الآن، وأنه يلتقي بأئمتهم، ويلتقي بزهادهم وأوليائهم الكبار، وأنهم يتلقون عنه التوجيهات من العلم اللدني الذي عند الخضر، وهذا من خرافاتهم، فالخضر مات ﵇ ورضي الله عنه، كما يدل عليه قول النبي ﷺ: (ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة).
[فهؤلاء يفرقون بين العامة والخاصة الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فشهدوا أن الله خالق أفعال العباد، وأنه مريد ومدبر لجميع الكائنات، وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علمًا وبين من يراه شهودًا، فلا يسقطون التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط، ولكن يسقطونه عمن يشهده، فلا يرى لنفسه فعلًا أصلًا، وهؤلاء لا يجعلون الجبر وإثبات القدر مانعًا من التكليف على هذا الوجه، وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والوحيد].
أي: هؤلاء ليسوا مثل الأوائل الذين جعلوا الجبر مانعًا من التكليف عمومًا، ولكن هؤلاء خصوه بطائفة دون طائفة.
[ ٢١ / ١٧ ]
سبب ضلال من ضل في التكليف
يقول: [وسبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه، كما ضاق نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك].
ففي بعض الأحيان يكون أساس شبهة فرقتين متناقضتين واحدًا، فقد تجد فرقتين متناقضتين أخذت كل واحدة منها شطرًا ومكانًا آخر، وتجد أن المنبع والمنبت واحد عند الجميع، وهذا ما حصل عند القدرية وعند الجبرية، فالقدرية نفوا كتابة الله ﷿ لمقادير العباد، والجبرية أثبتوها إلى درجة إبطال الأمر والنهي، وجعلوا العباد مجبورين، والأساس واحد، وهو أن هؤلاء وهؤلاء لم يفهموا كيف أن الله ﷿ يقدر على العبد الشقاوة ثم يأمره بتحصيل السعادة شرعًا، فيقولون: لا يمكن أن يقدر الله ﷿ على عبد شيئًا ثم يأمره بخلافه، وحينئذ جاءت المعتزلة فقالت: ما دام أنه لا يمكن أن يقدر الله ﷿ على العبد شيئًا ثم يأمره بخلافه فمعنى هذا أنه ما قدر شيئًا، وإنما أمره بتحقيق السعادة، والعبد هو الذي يخرج عن نطاق هذا الأمر ويقع في المعصية.
وجاءت الجبرية فقالوا: لا، بل العبد ليس له فعل، وإنما الله ﷿ هو الذي قدر عليه، وأساس منبت الشبهة واحد كما أشار إليه الشيخ، وهذا يحصل عند كثير من الفرق الضالة.
ففي مسألة الإيمان تجد أن الخوارج والمرجئة مذاهبهم متعارضة ومتناقضة، وأساس شبهتهم واحدة، فالخوارج يكفرون من ترك جزءًا يسيرًا من العمل، كمن ترك صلة الرحم مثلًا، ومن ترك صلة الرحم كافر عند الخوارج، وعند المرجئة أنه لو ترك جميع الأعمال فليس بكافر، فانظر إلى الفرق، وأساس الشبهة واحدة عند هؤلاء وعند هؤلاء، وهي أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فلما تقرر عند الخوارج أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص قالوا: إذا ذهب جزؤه ذهب كله، والعمل جزء منه، فقالوا بعقيدتهم الفاسدة، وجاءت المرجئة فقالوا: ما دام أنه لا يزيد ولا ينقص فالعمل لا يدخل فيه مطلقًا، وإنما حقيقته التصديق فقط، وحينئذ وصلوا إلى العقائد التي توصلوا إليها، فبعض الأحيان يكون أساس الشبهة واحدًا ثم كل طائفة تتجه إلى طرف غير الطرف الذي تتجه إليه الطائفة الأخرى.
[ ٢١ / ١٨ ]
المعتزلة والجبرية بين الأمر والنهي والقضاء والقدر
يقول: [ثم المعتزلة أثبتت الأمر والنهي الشرعيين دون القضاء والقدر اللذين هما إرادة الله العامة وخلقه لأفعال العباد].
وذلك لئلا يحصل التناقض بين أمره للعباد بخلاف ما قدره عليهم.
[وهؤلاء - يعني الجبرية - أثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر والنهي في حق من شهد القدر، إذ لم يمكنهم نفي ذلك مطلقًا، وقول هؤلاء شر من قول المعتزلة].
يعني: أن قول الجبرية المطلقة شر من قول المعتزلة.
[ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد، وهؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية].
يعني أن قول الجبرية شر من قول المعتزلة، فإن أساس خلق الله ﷿ للناس في الأرض هو الأمر النهي، وبعثة الرسل مبنية على الأمر والنهي، والجنة والنار مبنيتان على الأمر والنهي، ولا شك في أن العقائد الصحيحة جزء من الأمر والنهي، لكن إذا كانت الموازنة بين فرقتين ضالتين ففرقة المعتزلة أقل ضلالًا من فرقة الجبرية، وإن كان الجميع ضالًا ومنحرفًا؛ لأن المعتزلة عظمت الشريعة فيما تظن، لكن بإبطال العقيدة، وأولئك عكسوا، فعظموا عقيدة القضاء والقدر بإبطال الأمر والنهي.
وهؤلاء الجبرية من هذا الصنف الثاني الذين قسموا الناس إلى عامة وخاصة، وجعلوا الجبر مخصوصًا بالخاصة فقط، وأما العامة فليست بمجبورة، وإنما هي مطلقة في الأمر والنهي، هؤلاء يجعلون الأمر والنهي للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية، فعندهم أن الذي يجري عليه الأمر والنهي هو المعاقب المسكين من الذين لا يشهدون الحقيقة الكونية، لكن الأشخاص المتميزين الذين أكرمهم الله ﷿ بسقوط التكاليف عنهم هم أولئك الذين شهدوا الحقيقة الكونية، فجعلوا الأمر والنهي الذي هو عماد الدين عقوبة للعامة، وهذا من أعظم فساد العقائد الذي يوجد عند هؤلاء.
يقول: [ولهذا يسقطون عمن وصل إلى شهود هذه الحقيقة الأمر والنهي].
فيكرمونه إذا أسقطوا عنه الأمر والنهي، ويعاقبونه بجريان الأمر والنهي.
[ ٢١ / ١٩ ]
حجة القائلين بسقوط التكليف
يقول: [وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]].
فإنهم فسروا (اليقين) بالعلم، فظنوا أن اليقين هو العلم، فكأنهم فهموا أن الآية معناها: واعبد ربك حتى يأتيك العلم، والعلم يحصل عن طريق الكشوفات التي تحصل له، وعن طريق الأوراد، فإذا وصل إلى العلم قالوا: إن الله ﷿ أمر بالعبادة إلى غاية محددة، فقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، و(حتى) من معانيها الغاية، وفهموا (اليقين) بأنه العلم، فقالوا: اعبد الله حتى يأتيك العلم.
ومتى يأتيك العلم؟ يأتيك العلم إذا توصلت إليه عن طريق الأوراد التي توصلك إلى الكشوفات فتصير من الخاصة، وحينئذ تسقط عنك العبادة هكذا فهموا، وهو فهم ضال منحرف، وإنما المقصود باليقين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] هو الموت ولهذا قال النبي ﷺ عن عثمان بن مظعون: (أما هذا فقد جاءه اليقين من ربه) يعني: جاءه الموت، فسمى الموت اليقين، فمعنى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] اعبد الله ﷿ حتى تموت، ولهذا فإن الأنبياء وصلوا غاية العلم وما سقطت عنهم التكاليف، فلما عرض على هؤلاء الضالين هذا القول - وهو أن الأنبياء وصلوا إلى غاية فما سقطت عنهم التكاليف - قال: الأولياء أفضل من الأنبياء! حتى قال بعضهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي فعندهم أن النبوة أقل من الولاية، والولاية أعظم منها، هكذا يتصورون.
[ ٢١ / ٢٠ ]
حكم القول بسقوط التكليف
يقول الشيخ: [فجعلوا اليقين هو معرفة هذه الحقيقة، وقول هؤلاء كفر صريح، وإن وقع فيه بالتقليد طوائف لم يعلموا أنه كفر].
وهذا يدل على أنه قد يقع الإنسان في الكفر في بعض الأحيان وهو لا يعلم أنه كفر.
يقول: [فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازمان لكل عبد ما دام عقله حاضرًا إلى أن يموت، لا يسقطان عنه لا بشهوده القدر ولا بغير ذلك، فمن لم يعرف ذلك عُرِّفه وبين له، فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فإنه يقتل كفرًا].
إذًا: الأمر والنهي لا يسقط في الحال العادي، وإنما يسقط إذا كان الإنسان مجنونًا، أو إذا كان صغيرًا، أو إذا كان له عذر من الأعذار الشرعية المعروفة، أما السقوط العام بهذه الطريقة فهو كفر صريح، وهو - كما قلت - مثل مقالة من يقول: إن الشريعة لا تصلح في هذا الزمان، فنحن في زمان متطور والشريعة لا تصلح فيه، وكلاهما كافر وعلى عقيدة واحدة حقيقتها إلغاء لدين الأنبياء، وإلغاء للإسلام، فما دام أنه لا يصلح في هذا الزمان فقد انتهى الإسلام، وليس هناك داع لانتسابنا إليه، لكن هؤلاء - ليضحكوا على الناس - ينتسبون إلى الإسلام اسمًا، ثم يأتون بهذه المقالات التي هي نسف للإسلام كله، فتجد أحدهم قد يسمى باسم المسلمين، فيكون اسمه عبد لله، ومع هذا تجد أنه يقول بمثل هذه المقالات؛ لأنه أخذ الدين وراثة، ولم يأخذ هذا الدين عن قناعة وعن فهم لحقائقه الشرعية.
قال: [وقد كثرت مثل هذه المقالات في المتأخرين، وأما المتقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم، وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله].
وذلك لأن الله أمر بالشريعة عمومًا، وهكذا كان الرسول ﷺ وأصحابه.
[ومعاداة له، وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله، ومضادة له في حكمه، وإن كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك ويعتقد أن هذا الذي هو عليه طريق الرسل وطريق أولياء الله المحققين، فهو في ذلك في منزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها، لما حصل له من الأحوال القلبية، أو أن الخمر حلال له].
وعند كل الطوائف - حتى المرجئة - أن من استحل المحرمات فهو كافر، فهؤلاء العلمانيون الذين يرون أن الإسلام لا يصلح للتطبيق في هذا الزمان، وكذلك الحداثيون الذين يريدون هدم القديم بما فيه الأديان، هؤلاء كفار حتى عند المرجئة لا عند أهل السنة فقط، كفار عند أقل طائفة من طوائف المسلمين الذين حصروا الأيمان في مجرد التصديق فقط، فهم يكفرون هؤلاء العلمانيين ويكفرون هؤلاء الذين يسقطون التكاليف عن العباد بهذه الطريقة.
قال: [لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر، أو أن الفاحشة حلال له لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب، ونحو ذلك].
[ ٢١ / ٢١ ]
الأسئلة
[ ٢١ / ٢٢ ]
حكم الاستغاثة بغير الله والرد على من يقول إنها ليست شركًا
السؤال
بعض الإخوة يقول: إن من استغاث بغير الله من الأموات لا يكفر، ولا يرى أن في ذلك شركًا، ويحتج بقوله ﷺ: (لا أخاف على أمتي الشرك) ويحتج بقوله ﷺ: (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب)، ورتب على هذا أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا، فما قولكم؟
الجواب
هذا القول باطل لأن من الحقائق الشرعية أن الدعاء - وأهمه الاستغاثة في حالة الكرب وفي حالة الحاجة - من العبادة، فإذا صرف لغير الله فهو شرك بإجماع المسلمين، وليس في هذا خلاف أبدًا عند المسلمين، وقد بين الشرع كفر كفار قريش بأنهم يدعون غير الله ﷿، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، ويقول الله ﷾: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر:٣٨] إلى آخر الآية، وهذا المقصود منه الدعاء، فلا شك في أن من استغاث بغير الله فهو مشرك.
وأما قوله ﷺ: (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم) فيحمل على عدة معان: المعنى الأول: أن يتفق أهل الجزيرة كلهم على عبادة الشيطان، وهذا مستحيل.
الأمر الثاني: أن تكون العبادة عبادة للشيطان نفسه، أي أن الشيطان يئس أن يعبد هو ذاته، فلا يمكن أن يكون في جزيرة العرب كلها من يعبد الشيطان في ذاته، وبناء على هذا فلا يكون في هذا الحديث أي إشكال على القاعدة الشرعية أن صرف العبادة لغير الله ﷿ يكون شركًا أكبر.
[ ٢١ / ٢٣ ]
الجمع بين إخباره ﷺ بموت كل نفس بعد مائة سنة والخبر عن حياة الدجال
السؤال
كيف نجمع بين الحديث: (ما من نفس منفوسة) وعيش الدجال؟
الجواب
الصحيح أن الدجال يموت ثم يأتي مرة أخرى في آخر الزمان؛ لقوله ﷺ: (ما من نفس منفوسة).
[ ٢١ / ٢٤ ]
حكم قيادة المرأة للسيارة
السؤال
ما حكم قيادة المرأة للسيارة؟
الجواب
معروف أن قيادة المرأة للسيارة من أعظم الفتن التي لو حصلت لأحلت في حياة المسلمين ألوان الفساد والانحرافات، فكشف الوجه لم يعد خلافًا فقهيًا، وإنما أصبح مسألة يريد أعداء الإسلام من دعاة تحرير المرأة أن يلجوا إلى إفساد المجتمع من خلالها، والقائلون بأن كشف الوجه واليدين جائز ما قالوا: إنه يستحب أن تكشف وجهها، والذين يلتزمون الآن كشف الوجه واليدين كأنه مستحب عندهم، فلم يعد الموضوع دائرًا بين أن يرى المرء الشيء جائزًا فيفعله متى شاء ويتركه أحيانًا، وبين أن يلتزم الإنسان الجائز طول عمره، فلماذا يلتزمون الجائز بهذه الطريقة؟! فإذا كان كشف الوجه واليدين جائزًا على قول من يقول به؛ فلماذا يلتزمونه بهذه الطريقة، بحيث أن المرأة لا تكاد تغطي وجهها أبدًا، وتحتج بأن هناك من يفتي بأنه يجوز كشف الوجه؟! فهؤلاء في قلوبهم فتنة، وهم لا يقصدون فتوى من يقول بجواز كشف الوجه، ولا يريدون هذا الأمر، وإنما يحتجون بها من أجل أن يدفعوا الشناعة عن أنفسهم، وإلا فإن القائلين بأن كشف الوجه جائز يقولون بأنه عند الفتنة لا بد من أن تغطي، ولا يوجد أحد أبدًا من علماء المسلمين يقول: إنه يجوز كشف الوجه بحيث ينشر صورةً على مجلة، ومع الأسف أن بعض المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية أصبح يأتي بمجلات نسائية تكون فيها صورة لامرأة كاشفة لوجهها في المجلة، فمن قال من أهل العلم: إنه يجوز كشف المرأة لوجهها ثم تصبح صورة دائمة للنظر فيها؟! فهذا لا شك في أنه خطأ، وإذا كان الوجه يجوز كشفه فما هو الذي يميز الإنسان عن غيره؟! وفي أي شيء يكون الحسن؟! أيحرم على المرأة أن تكشف ساعدها وذراعيها ويحل لها أن تكشف وجهها؟! إن الحسن لا يتميز إلا بكشف الوجه، وإلا فبقية الأعضاء متشابهة عند الناس، لكن الوجه هو الذي يميز، ولهذا فإن قضية وجوب ستر الوجه أمر إجماعي متفق عليه، والذي يقول بجواز كشف الوجه قوله شذوذ ولا يجوز أن يقال به أبدًا، حتى إن الحجاب -وهو تغطية الوجه- كان موجودًا عند أهل الجاهلية، يقول النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه لما رأتنا فاتقتنا باليد يعني: وضعت اليد بيننا وبينه.
فكيف يتميز النساء بعضهن عن بعض؟ وكيف تُعرف المرأة البيضاء من السمراء من السوداء مثلًا؟ وكيف تعرف المرأة واسعة العيون من ضيقة العيون؟ وكيف تعرف المرأة الجميلة من القبيحة؟ إن ذلك كله لا يعرف إلا بكشف الوجه، وهذا أمر معروف، لكن هؤلاء لا يريدون لهذه الأمة السلامة، بل يريدون لها أن تتبع سنن اليهود والنصارى في الاجتهاد في نشر الفاحشة ونشر الفساد في حياة الناس، ولا أظن أن أحدًا من المسلمين اليوم يجهل أن هناك من يخطط لنساء المسلمين، لكن القضية المهمة التي ينبغي أن نهتم بها جميعًا هي قضية ما قدمناه نحن -الدعاة إلى الله ﷿- لأسرنا أولًا، فالمتزوج منا ماذا قدم لزوجته من العلم والهداية؟ وماذا قدم لأخته؟ وماذا قدم لأمه من الدعوة إلى الله ﷿ والإصلاح والتوجيه؟ ولماذا الإهمال كائن عندنا - نحن الدعاة - في أسرنا؟! فهذه هي القضية هي التي تحتاج إلى بحث، وأما أعداء الإسلام فسيعملون وسيجتهدون، ولن يردهم إلا التزام الناس بدين الله ﷿ والدعوة إلى الله ﷾، ومجرد الكلام عنهم ومعرفة خططهم صحيح أنه طيب، وأنه من استبانة سبيل المجرمين لكن لا يكفي هذا وحده، فلا بد من العمل الدءوب لنصرة هذا الدين، ومن الاجتهاد الدائم لتوجيه الناس لرب العالمين.
أسأل الله ﷿ أن ينفعنا وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٢١ / ٢٥ ]
شرح العبودية [١١]
الجبرية من الصوفية ونحوهم من الفرق الضالة التي انحرفت عن مسار الاعتقاد الصحيح لسلف الأمة، وقد شابهوا المشركين في خصلتين من الخصال وهما: الاحتجاج بالقدر، والابتداع، وهذا جهل أصاب عقولهم، وسفه أصاب ألبابهم، فبئس المشبَّه والمشبَّه به.
[ ٢٢ / ١ ]
الشريعة ونظرة العلمانيين وبعض طوائف الجبرية إليها
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فقد سبق الكلام عن الطائفة الثانية من طوائف الضلال في القضاء والقدر من الجبرية، وقلنا: إن الطائفة الثانية قسمت الناس إلى عامة وخاصة، وقالوا: إن الخاصة هم الذين تسقط عنهم التكاليف، وذلك أن الإنسان إذا اجتهد في العبادة -كما يظنون- وتعمق فيها وصل إلى التحقيق واليقين، ويفسرون اليقين بأنه العلم الذي يسقط عنهم به التكاليف العبادية، ويقولون: إن هذه العبادات العملية ليس المقصود منها الفعل في نفسه، وإنما المقصود منها الوصول إلى هذه الدرجة العظيمة، وهي سقوط الأعمال، فإذا قيل لهم: إن الرسل الكرام لم تسقط عنهم هذه الأعمال، أجاب بعضهم بأن الرسل لم يبلغوا درجة الولاية، والولاية درجة أعلى من درجة النبوة والرسالة، ويجيب بعضهم بأنهم كانوا يتعاملون مع الناس حسب إمكاناتهم وعقولهم، ولهذا قد يعملون العمل وهم غير مكلفين به أصلًا، وإنما يعملون هذا العمل من أجل توجيه العامة ونصيحتهم، ويقول: إنهم رسل أرسلوا للناس كافة، وأما أهل التحقيق ونحوهم فهؤلاء تسقط عنهم التكاليف.
وقد سبق أن قلنا: إن هذا القول كفر يخرج عن الإسلام، وإن من نواقض الإسلام التي أشار إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب اعتقاد أن بعض الناس تسقط عنهم التكاليف، وقلنا أيضًا: إن بعض العلمانيين في هذا العصر يشبه هؤلاء، فإنهم قالوا: إن الشريعة لا تصلح لأن تطبق في هذا الزمان الذي تقدم كثيرًا واختلف عن زمان الرسالة، وإنه ينبغي علينا أن نشرع قوانين تليق بالحياة، وأما هذه الشريعة فبعضهم قد يتجرأ عليها ويقول: البائدة القديمة.
وبعضهم قد يستحي ويخشى الشناعة وغضبة الناس فيقول: هذه الشريعة تبقى تراثًا، وتبقى شيئًا جميلًا في تاريخنا، لكن العصر الحاضر لا يصلح أن تطبق فيه الشريعة، ولا بد من أن نأتي بتشريعات أخرى.
ثم يأخذون تشريعات الغربيين وزبالة أفكارهم ليطبقوها في الواقع، ثم إذا حصلت لهم معاناة ومشكلات - سواءً كانت سياسية أم اقتصادية أم غير ذلك - قالوا: لماذا أنتم تغضبون من هذه المشكلات؟! انظروا إلى العالم المتحضر، فالعالم المتحضر اليوم فيه مشكلات، وفيه أخطاء! وحينئذ يظنون أن هذا يعذرهم، ويظنون أنهم مازالوا في طريق الخير والسعادة وهم في الحقيقة قد ضلوا ضلالًا بعيدًا.
[ ٢٢ / ٢ ]
وجوه الشبه بين المشركين والجبرية من الصوفية ونحوهم
ووقف الحديث عند تشبيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لهؤلاء بالمشركين، فإنه -﵀- قال: [فلا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسل يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله، وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله، فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين؛ لأنهم إما أن يبتدعوا، وإما أن يحتجوا بالقدر، وإما أن يجمعوا بين الأمرين، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]].
وطريقة شيخ الإسلام ابن تيمية هذه -وهي تشبيه هؤلاء وأعمال هؤلاء بالمشركين - طريقة كررها كثيرًا، ومن الأماكن التي شرح فيها هذا التشبيه كتابه العظيم (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) فإنه في هذا الكتاب بين بعض خصال المشركين ومشابهة الفرق الضالة لها.
وخصال المشركين من أعظم من جمعها في كتاب واحد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فإن له رسالة اسمها: (مسائل الجاهلية) أو (المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ الجاهلية) أو أهل الجاهلية، وهذا الكتاب جمع فيه مسائل كثيرة من صفات الجاهلية، وبين مخالفة الرسول ﷺ لها جميعًا، وقد شرح هذه المسائل الشيخ محمود شكري الألوسي، وشرحها كذلك في رسالة ماجستير الشيخ يوسف السعيد في مجلدين، ويعتبر هذا الشرح الأخير من أفضل الشروح التي شرحت بها هذه الرسالة، فإنه يأخذ المسألة من مسائل الجاهلية ثم يذكر وجودها عند المشركين إما من أخبار القرآن بذلك أو من إخبار الرسول ﷺ، أو وجودها في أشعارهم أو في أقوالهم المأثورة، وأمثالهم المشهورة، ثم بعد أن يقرر وجود هذه الخصلة عندهم يبدأ يذكر من شابه المشركين في هذه الخصلة من الفرق المنتسبة إلى الإسلام، ثم بعد ذلك ينظر إلى الواقع المعاصر ويحاول أن يربط بين هذه الخصلة والواقع المعاصر الذي نعيش فيه، وقد بذل جهدًا ممتازًا في شرحه لهذا الكتاب، وهو من أفضل الشروح.
فالشيخ هنا شبه هذه الطائفة بخصلتين من خصال الجاهلية، الخصلة الأولى: الابتداع.
والخصلة الثانية: الاحتجاج بالقدر.
فأما الابتداع فإنه الإحداث، ونسبة هذا الإحداث إلى الله ﷿ أو إلى الرسول ﷺ، وهذه واضحة في الآية، فالمشركون إذا فعلوا فاحشة ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨]، وهذه بدعة؛ لأنهم أحدثوا الفاحشة ثم نسبوها إلى الله ﷾، وهذه النسبة هي الابتداع في أكمل صوره وأوضحها، فرد الله ﷿ عليهم فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]، ولهذا فإن من وقع في البدعة فقد شابه المشركين في هذه الخصلة وهي خصلة الابتداع، فأول من ابتدع هم هؤلاء المشركون.
[ ٢٢ / ٣ ]
الشبه في الاحتجاج بالقدر
يقول الشيخ: [وكما قال تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]].
فاحتجوا بالقدر، يعني: كأنهم يقولون: إن هذا الشرك هو قدر الله فينا، وحينئذ فنحن ملزمون به.
فالمشركون جبرية، وهذا الاحتجاج احتجاج فاسد، فإنهم - كما سبق أن أشرنا - لا يقولون بهذا الاحتجاج في أمورهم الدنيوية، فهم لا يجلسون في بيوتهم ويقولون: يرزقنا الله ﷿، وهم - أيضًا - لا يصبرون على من يؤذيهم ويقولون: هذا قدر الله، وإنما يدفعون قدر الله ﷿ بقدر الله، فإذا هجمت قبيلة على أخرى دافعتها وهاجمتها ولم تستسلم، مع أن القبيلة التي هجمت على الأولى هجمت بقدر الله، فلماذا لا يستسلمون ويسلمون أنفسهم وأموالهم ونساءهم لهذه القبيلة التي هجمت بقدر الله؟! إذًا: هؤلاء المحتجون بالقدر هم - في الحقيقة - يحتجون بأهوائهم وأغراضهم الشخصية كما ستأتي الإشارة إليه.
[ ٢٢ / ٤ ]
الشبه في الابتداع
يقول: [وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوه من الدين الذي فيه تحليل الحرام وعبادة الله بما لم يشرع الله في مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٣٨]].
فأهل الجاهلية كانوا يخرجون بعض الأنعام من الغنم والبقر والإبل، ويجعلون هذه الأنعام لله ﷾ مثل النذر، فينذرون هذه الإبل لأصنامهم، ويمنعون أحدًا من الشرب منها أو الأكل منها البتة، ثم ينسبون ذلك إلى الله ﷿، وكأنهم يقولون: إن الله ﷿ أمرنا بأن نخرج من أنعامنا ومن مواشينا وحرثنا هذا الشيء ونجعله حجرًا على هذه الأصنام.
وهي بدعة مثل نسبتهم الأمر بالفاحشة إلى لله ﷾، وحينئذ فالابتداع وتحليل الحرام وتحريم الحلال من صفات المشركين، فهؤلاء حرموا الانتفاع بهذه المواشي وبهذه الأنعام وبهذا الحرث، وجعلوها محجورة لا يستفيد منها أحد، وإنما هي لآلهتهم التي لا تأكل ولا تشرب ولا تستفيد منها شيئًا، واعتقدوا أنها حرام لا يجوز لأحد أن يستفيد منها، فهؤلاء حرموا ما أحل الله ﷾، ثم نسبوا هذا التحريم إلى الله ﷿، وهذا هو حقيقة البدعة، فإن البدعة هي تشريع ما لم يشرعه الله ﷿، وهي تحريم ما أحل الله ﷿، وتحليل ما حرم الله ﷾، فالبدعة اختراع وإنشاء وتشريع ما لم يشرعه الله ﷾، وقد تكون بدعة كبرى تخرج عن الإسلام، وقد تكون بدعة أقل من ذلك.
يقول: [وكذلك في سورة الأعراف في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧] إلى قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨].
إلى قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٢٩] إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣١ - ٣٢] إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]].
فبين أن القول على الله ﷿ بغير علم من خصال المشركين، وهكذا هؤلاء الذين ابتدعوا هذه البدعة وهي أن الإنسان مجبور على فعله، وأن الناس ينقسمون إلى خاصة وعامة، وأن العامة ملزمون بأحكام الشرع، والخاصة تسقط عنهم التكاليف، هؤلاء ابتدعوا كما ابتدع هؤلاء المشركين، وفي نفس الوقت احتجوا بالقدر كما احتج به المشركون، وهي مشابهة للمشركين واضحة.
ثم يقول الشيخ: [وهؤلاء قد يسمون ما أحدثوه من البدع حقيقة].
وقد سبق أن بينا أن من بدع الصوفية ما يسمونه بالحقيقة والشريعة، فالشريعة عندهم عقيدة العامة ومنهج العامة، والحقيقة هي منهج الخاصة ممن سقط عنهم التكليف.
قال: [كما يسمون ما يشهدون من القدر حقيقة].
وقد سبق أن بينا أنها الحقيقة الكونية العامة.
قال: [وطريق الحقيقة عندهم هو الرياضة والسلوك الذي لا يتقيد صاحبه بأمر الشارع ونهيه].
وقد سبق أن بينت طريقتهم في الوصول إلى هذه الحقائق وإلى الكشوفات وإلى الأذواق التي يدعونها عن طريق الخلوات والأذكار البدعية، والجلسات غير المشروعة التي يقول الغزالي عن أهميتها: ولا ينبغي للمريد أن يشتغل في خلوته لا بقراءة القرآن، ولا بحفظ الحديث، ولا بالعلم، ولا بأي شيء، وإنما يشتغل بورده فقط: وورده - كما سبق - إما تكرير الاسم المفرد (الله الله الله) أو تكرير الاسم المضمر، مثل: (هو هو هو)، وهكذا.
يقول: [ولكن بما يراه هو ويذوقه ويجده في قلبه الضال الغافل عن الله ونحو ذلك].
وسيأتي -إن شاء الله- أنهم يجعلون أذواقهم وكشوفاتهم مقدمة على النصوص الشرعية.
يقول: [وهؤلاء لا يحتجون بالقدر مطلقًا].
يعني: لا يحتجون بالقدر على كل الناس، وإنما يجعلون القدر خاصًا لأهل الحقيقة الذين وصلوا إليها، لكن بقية المسلمين أصحاب الشريعة لا يحتج بالقدر عليهم، وإنما يرون أن القدر شرف يوصل إليه عن طريق الرياضة والأعمال البدعية التي سبق أن أشرنا إليها.
قال ﵀: [بل عمدتهم اتباع آرائهم وأهوائهم، وزعمهم ما يرونه وما يهوونه حقيقة، ويأمرون باتباعها دون اتباع أمر الله ورسو
[ ٢٢ / ٥ ]
موقف الصوفية وأهل الكلام من نصوص الكتاب والسنة
يقول شيخ الإسلام ﵀: [ثم الكتاب والسنة إما أن يحرفوا القول فيهما عن مواضعه، وإما أن يعرضوا عنه بالكلية، فلا يتدبرونه، ولا يعقلونه، بل يقولون: نفوض معناه إلى الله مع اعتقادهم نقيض مدلوله].
هنا ربط الشيخ بين بدع الصوفية وبين بدع أهل الكلام في تعاملهم مع القرآن والسنة، فإن الصوفية عندما يعترض عليهم بالقرآن والسنة فيما يقومون به من أعمال وما يصلون إليه من كشوفات وأذواق يقولون: هذه الأذواق وهذه الكشوفات مقدمة على القرآن والسنة.
وقد نص على ذلك الغزالي في إحياء علوم الدين، وقال: إذا عارض الكشف الكتاب أو السنة فإنه يؤول بما يوافق الكشف! وكأن الكشف عندهم أصدق من القرآن والسنة، ولو أنهم قالوا: إن الكشف يؤول بما يوافق الكتاب والسنة لقلنا: حتى هذا ففيه إضعاف لمقدار الكتاب والسنة.
[ ٢٢ / ٦ ]
ضرورة معرفة منهج التلقي لدى الطوائف والجماعات المنحرفة
ولهذا كان من القضايا المهمة التي ينبغي على طالب العلم أن يتفقدها دائمًا عند النظر في أي طائفة، أو أي أمة من الناس، أو أي مجموعة من المجموعات أن ينظر إلى مصدر التلقي عندهم، فمثل هؤلاء الصوفية مصدر التلقي عندهم الكشوفات التي يصلون إليها، وأهل الكلام مصدر التلقي عندهم العقليات، والعلمانيون اليوم مصدر التلقي عندهم هو الغرب وما يحدثه من تشريعات، وهكذا تجد أن كثيرًا من الطوائف لها مصادر تتلقى منها غير الوحي وغير النصوص الشرعية، وحينئذٍ تستطيع أن تعرف ما سيفرزه هذا التلقي من بدع وأهواء أخرى غير هذه البدعة الأساسية التي هي بدعة الانحراف في التلقي.
ثم يقول في المقارنة: [ثم الكتاب والسنة إما أن يحرفوا القول فيهما عن مواضعه وهو ما يسمى بالتأويل، وإما أن يعرضوا عنه بالكلية فلا يتدبرونه ولا يعقلونه].
وهذا ما نص عليه الرازي في كتابه: (أساس التقديس)، فإنه لما افترض وجود التعارض بين العقل والنقل قال: يقدم العقل، والنقل إما أن يؤول.
كما ذكره الشيخ: إما أن يحرف القول فيه عن مواضعه كما يقول الرازي، أو يترك ويفوض أمره إلى الله ﷿، ويرون أن أهم شيء هو أن نعتقد مقتضى العقل، ولا شك أن هذا من الضلال، والعياذ بالله.
[ ٢٢ / ٧ ]
عقليات المتكلمين
يقول: [وإذا حقق على هؤلاء ما يزعمونه من العقليات المخالفة للكتاب والسنة وجدت جهليات واعتقادات فاسدة].
مثل التركيب عندهم، فالتركيب شبهة من الشبه التي نفوا بها صفات الله ﷿، فإنهم يقولون: إذا أثبتنا صفات الله ﷿ فإنه يلزم أن يكون الله مركبًا من هذه الصفات، والتركيب دليل على النقص، وحينئذ ننفي الصفات! وهذه بدعة المعتزلة، ثم أخذها الأشاعرة والماتريدية عنهم.
وهذا كلام باطل، فإن الله ﷿ الذي بين عظمته ومقداره ﷾ بين أن له صفات كثيرة، مثل اليدين، والوجه، والكلام، ونحو ذلك من الصفات، وكل صفة هي من صفات الله ﷿، ولا يصح أن يقال: إن هذا تركيب يدل على النقص.
وإنه يقال لهم: هل تؤمنون بأن الله موجود؟! فيقولون: نعم.
يقال لهم: وحي؟ فيقولون: نعم.
فنقول: هذا تركيب، حيث كان حيًا وموجودًا، فيقولون: هذا ليس بتركيب، فنقول أيضًا: كونه ﷾ له كلام وعينان ليس تركيبًا.
فهؤلاء أهل اعتباط وأهل تقول فقط.
[ ٢٢ / ٨ ]
أهواء وخرافات الصوفية
ثم يقول: [وكذلك أولئك إذا حقق عليهم -يعني: الصوفية- ما يزعمونه من حقائق أولياء الله المخالفة للكتاب والسنة وجدت من الأهواء التي يتبعها أعداء الله لا أولياؤه].
وهذا حاصل بالفعل، ويكفي أن تعلم أن الصوفية اليوم أوجدوا لرجل واحد ثلاثة قبور في العالم، وهو الحسين بن علي بن أبي طالب، حيث يعبده طائفة من الصوفية والرافضة في كربلاء، ويعبده طائفة من الصوفية والرافضة أيضًا في دمشق، ويعبده كذلك طائفة من الصوفية في مصر.
بل إنك تجد من المسلمين اليوم -ممن كثرت علاقته بالتصوف- من قلبه مهيأ لأدنى خرافة، وأهم شيء أن ينسب هذا الأمر إلى الله، أو ينسبه إلى الرسول، أو ينسبه إلى الولاية، أو ينسبه إلى الدين بشكل عام، فعنده استعداد نفسي لأن يقبل الخرافة، والمنهج: لا تحقق، ولا تسأل، ولا تناقش، ولا تفهم.
ويحكى: أن رجلين أرادا أن يتاجرا، فلم يكن عندهما مال، فاتفقا على أن يدفنا حمارًا، وأن يضعا له مزارًا، وأن يكون هناك صندوق للنذور، ويعظموا هذا في الناس، ويجعلوا له مواعيد للزيارة، فدعوا الناس إليه، فأقبل الناس من كل مكان، وقالوا: هذا قبر سيدي فلان.
ويكفي أن تقول: (قبر سيدي فلان) فيجتمع عليك الناس، ثم تذكر لهم من الكرامات أن امرأة عقيمًا جاءت إليه فطافت به واستغاثت به فولدت، وأن رجلًا مرض ابنه حتى إذا كاد أن يهلك جاء إليه وقال: (يا سيدي فلان) فشفي، ثم اذكر من الخرافات ما يعجب الناس، وحينئذ سيجتمعون حولك، وبالفعل اجتمع الناس وبدءوا يطوفون ويبكون، وهم لا يدرون من هو الميت المدفون، واشتغلوا بالطواف عند قبره وبالنذور، والنذور التي يضعها مثل هؤلاء المغفلين لا يدرون عنها أين تذهب، فيضعون النذور قائلين: اللهم تقبل، أو: يا فلان! هذا نذري، وهذا ما أملك، فما عندي إلا مائة ريال.
ثم يضعها ويمشي، وما يدري أن اللص سيأخذها من بعده.
[ ٢٢ / ٩ ]
ضرورة معرفة أمراض الأمة وأهميتها في العلاج
ولهذا ينبغي علينا جميعًا أن نعرف أمراض المسلمين، وهذه قضية مهمة جدًا، فينبغي على الدعاة أن يفهموها، فأي وصفة طبية لمرض من الأمراض لا تكون أبدًا إلا بعد التشخيص الصحيح للحالة، فعندما يكون عند الإنسان تشخيص صحيح لمرض المسلمين، وعندما يدرك الإنسان الداء الذي فتك بحياة المسلمين، والذي جعل حياة المسلمين تشبه إلى حد كبير حياة الغربيين، عندما يكون عنده معرفة وتوصيف لحالة المسلمين يستطيع حينئذ أن يشرح العلاج النافع لهم بأوضح ما يكون، لكن إذا كان لا يدري كيف يمكن أن يعالج فإنه لا يستطيع أن يقدم شيئًا.
فإذا جاءك مريض ومعه حصاة في الكلى وأنت تظن أن فيه مرضًا في القلب فماذا ستعمل؟ ستعطيه من علاجات مرض القلب ما يفتك به ويهلكه، ولأجل هذا كان لا بد من أن يدرك الإنسان أمراض المسلمين، وأمراض المسلمين متعددة ومزمنة، ويجمعها البعد عن دين الله ﷿، وتَقَبُلُ الخرافات، وفي نفس الوقت ضعف الاهتمام بقضايا التدين، وهذا الضعف الديني الكبير الذي هيمن على حياة المسلمين كان فرصة مناسبة لوجود من يقول لهم: إن الطريق الصحيح هو أن نتجه إلى الغرب الذي كان في ضعف كما كنا في ضعف ثم أصبح في حضارة عظيمة، فنريد أن نصبح في حضارة عظيمة ونقلدهم، وحينئذ نصل إلى ما وصلوا إليه.
وهذه مشكلة عند بعض الناس، وقد يصدق مثل هذه المقالات بعض الطيبين الذين يشعرون بحاجة الأمة إلى الإنقاذ.
والحقيقة هي أن الأمة محتاجة إلى العلم الصحيح المبني على كتاب الله ﷿ وسنة رسوله العلم الذي ينظر إلى الجيل الأول وكيف كانت حياته، ثم يتعامل مع مشكلات الأمة بنفس المنهج الذي تعامل به رسول الله ﷺ وأصحابه، وإلا فإنه سيكثر التخبط في حياتنا وفي مجتمعاتنا، والعياذ بالله.
وهذه الصورة التي نتحدث عنها عند الصوفية وغيرهم هي من صور الأمراض الموجودة التي تحتاج إلى علاج، وهذه الأمراض لا يمكن أبدًا أن نوافق القائلين في أنها بادت وانتهت وذهبت، فذلك ليس صحيحًا أبدًا، فلم تبد ولم تذهب ولم تنته، وإنما هي موجودة اليوم في حياتنا عند طائفة كبيرة، وقد تكون في بعض البلدان مستخفية؛ لأن الرأي العام لا يوافقها، وتكون في بعض البلدان الأخرى ظاهرة؛ إذ يوافقها الرأي العام في تلك البلدان، لكنها موجودة في حياة المسلمين.
وإذا نظرت إلى جانب واحد فقط، كالقنوات الفضائية التي توجد عند أغلب المسلمين، فإن الدين في هذه القنوات يصور على أنه هو التصوف، فترى الابتهلات الدينية على الموسيقى، والاهتمام بالقبور، وعمل التقارير الإخبارية أو الإعلامية عن قبر السيدة زينب أو الست نفيسة، أو القبر الفلاني، أو المولد الفلاني كمولد السيد البدوي مثلًا، أو نحو ذلك، والاهتمام بنقل أخباره، حتى تتوجه عواطف كثير من المسلمين الدينية نحو هذه الخرافات الضالة والمنحرفة، وهذه أمور لو كان إنسان لا يراها في مدينته التي يعيش فيها سيتأثر بها، وسيظن أن هذا هو الدين الصحيح، وحينئذ يكون مهيأ لقبول أي خرافة وأي فكرة غريبة لا توافق منهج الله ﷾، ولا توافق سنة الرسول الله ﷺ.
[ ٢٢ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ٢٢ / ١١ ]
تعريف بالفخر الرازي
السؤال
من هو الرازي الذي ذكرته؟
الجواب
الرازي هو فخر الدين محمد بن عمر الرازي، وهو من علماء الكلام المتقدمين، توفي في القرن السابع، وله كتب كثيرة، منها: كتاب (أساس التقديس)، وكتاب (المباحث المشرقية)، وكتاب (الأربعين في أصول الدين)، وهو يعتبر عمدة عند الدارسين فيما يسمونه بالفلسفة الإسلامية، ويعتبرونه من أكبر الفلاسفة المسلمين، ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواطن كثيرة من كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل).
[ ٢٢ / ١٢ ]
حكم تحريك كتب العلم بالأرجل
السؤال
هل يجوز أن يركض طالب العالم كتابه بقدمه ركضة يسيرة ليتسع المكان، وليس قصده امتهان العلم؟
الجواب
لا يجوز ذلك، فبإمكانه أن يرفعه بيده، وينبغي أن نتعلم احترام كتب العلم، ولا نتساهل بها إلى هذه الدرجة، حتى ولو كان الركض يسيرًا.
[ ٢٢ / ١٣ ]
الاحتجاج على الجبرية بأن الله قدر التعذيب في النار للعصاة
السؤال
ألا يصلح أن يكون جوابًا على الجبرية الذين يقولون: إن الله قدر علينا المعصية، أن يقال لهم: إذًا: فقد قدر الله عليكم العذاب في النار إن شاء جزاء ما قمتم به؟
الجواب
يمكن أن يكون هذا جوابًا.
[ ٢٢ / ١٤ ]
كفارة الجماع في نهار رمضان
السؤال
امرأة تقول: إن زوجها جامعها في نهار رمضان، فما هي الكفارة الواجبة عليها وعلى زوجها، مع العلم أنها وزوجها لا يستطيعان صوم شهرين متتابعين؟
الجواب
أولًا: الواجب عليهما التوبة إلى الله ﷿، فإن الجماع في نهار رمضان من أعظم المفطرات، وهو أعظم من الفطر عن طريق الأكل والشرب، وذلك لترتب الكفارة المغلظة عليه، ثم الكفارة تحرير رقبة، وهذا غير متيسر الآن، فعليهما صيام شهرين متابعين، فإن لم يستطيعا فعليهما إطعام ستين مسكينًا، وعدم الاستطاعة ضابطه: هو أن يترتب على الصيام مرض، أو يترتب عليه أي نوع من أنواع الأذى.
[ ٢٢ / ١٥ ]
نظرة في الاحتجاج بأقوال شيخ الإسلام
السؤال
يقول بعض الإخوة: إنكم متعصبون لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وكأنه لم يكن هناك علماء غيرهم، فكل أقوالكم: قال شيخ الإسلام كذا وكذا، ثم يذكرون أن أقوال شيخ الإسلام فيها شيء من التشدد في كثير من المسائل، فكيف نرد على مثل هؤلاء؟
الجواب
لا شك في أن من الخطأ عندنا نحن -طلاب العلم- أن يكون مصدرنا الأساسي والأخير هو كلام ابن تيمية فقط، وإنما ابن تيمية عالم من علماء المسلمين المحققين يؤخذ من كلامه ويترك، فيترك إذا كان مخالفًا للسنة ويؤخذ إذا كان موافقًا لها، وإذا كان كلام شيخ الإسلام ﵀ موافقًا للسنة فإنه يكون مطلوبًا وحسنًا، ولا ينبغي علينا أن نكتفي دائمًا -خاصة مع المخالف- بذكر كلام شيخ الإسلام أو نحوه، فإن المخالف إذا كان لا يقر بفضل شيخ الإسلام ولا يقر بفضل ابن القيم فينبغي ألا يقال له: قال شيخ الإسلام.
لأنه يقول: ومن شيخ الإسلام هذا الذي تذكره؟! وربما يقول: هو عدو الإسلام؛ لأنه يوجد أشخاص يكفرون ابن تيمية، فالصحيح في طريقة دعوة مثل هؤلاء ومناقشتهم وتوجيههم هو أنه لا يقال لهم: (قال شيخ الإسلام)، بل ينظر إلى كلام شيخ الإسلام، فـ شيخ الإسلام عالم يستدل بالنصوص، فينظر إلى الدليل الذي استدل به ووجه دلالته، فإن كان الدليل ووجه الدلالة قويًا في الاستدلال يحتج عليه بالدليل الذي هو قول الله أو قول الرسول ﷺ، ويستفاد من الوجه الذي ذكره شيخ الإسلام في بيان الحق لهذا الإنسان، لكن إذا كان استدلال شيخ الإسلام ليس قويًا فهناك أئمة عندهم استدلالات أخرى قوية، فينبغي فعلًا ألا يُتعصب لكلام شيخ الإسلام، وألا يظن أن الحق دائمًا معه في كل لحظة.
لكن مسائل العقيدة الإجماعية هي مسائل متفق عليها بين شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء السابقين، ونحن عندنا مصدر في الاستدلال هذا المصدر هو القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح المعتبر، فهذه من مصادر الاستدلال التي اتفق عليها أهل الإسلام جميعًا، فأنت عندما تستدل لا تستدل بقول ابن تيمية، بل تستدل بما استدل به ابن تيمية ﵀، وحينئذ تكون طريقك في التعلم صحيحة، وليس معنى هذا أن كلام ابن تيمية نفسه الذي تكلم به لا بد أن يكون دليلًا.
فالطريقة الصحيحة أن تقول: قال تعالى كذا، قال رسول الله كذا، وأجمع العلماء.
وتثبت إجماعهم هذا.
فينبغي على طالب العلم أن يوسع قراءاته، فلا يكتفي بالتركيز على علم واحد يكون دائم الترديد حوله، لكن في حالة كون طلاب العلم متفقين على فضل هذا العالم لا بأس أن يقول أحدهم: قال شيخ الإسلام كذا أو كذا؛ لأن له منزلة وفضل.
[ ٢٢ / ١٦ ]
شرح العبودية [١٢]
الصوفية وأهل الكلام المذموم كالجهمية والمعتزلة وضعوا لأنفسهم قواعد، ثم حاكموا النصوص إليها، فما وافق قواعدهم أخذوا به، وما خالفها ردوه إما بالتأويل أو التحريف أو التكذيب، وهذا هو سبب ردهم للعقائد الصحيحة واعتقادهم ما يخالف الكتاب والسنة من الأهواء والبدع.
[ ٢٣ / ١ ]
العلاقة بين جبرية الصوفية والمتكلمين
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: فقد سبق الحديث عن طائفتين من طوائف الجبرية، وهم من الضالين في الحقيقة الكونية، وبينا سبب ضلال الطائفة الثانية، وهي التي قسمت الناس إلى عوام وخواص، وأن العوام ملزمون بالأحكام الشرعية العامة، والخواص تسقط عنهم التكاليف إذا وصلوا إلى نهاية المطاف وهي الكشوفات والحقائق كما يقولون.
ثم ربط الشيخ بين هذه الطائفة من الصوفية وبين أهل الكلام المذموم، ووجه الربط بين الصوفية وبين أهل الكلام: هو أن الصوفية يقعدون قواعد يسمونها حقائق وكشوفات لا تقبل الجدل ولا النقاش، ثم يحاكمون النصوص الشرعية إلى هذه القواعد، وأهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية كذلك يقعدون قواعد يسمونها عقليات، ثم يحاكمون النصوص الشرعية إلى هذه القواعد العقلية، ولهذا عبث الصوفية بكثير من النصوص الشرعية بهذه الطريقة الفاسدة، وكذلك أهل الكلام عبثوا بكثير من النصوص الشرعية بناء على هذه الطريقة الفاسدة أيضًا، فتجد أن الصوفية -مثلًا- يفسرون الآيات الواردة في القضايا السلوكية بتفسير منحرف، وكذلك تجد أولئك يفسرون الآيات الواردة في إثبات الصفات لله ﷿ بتفسير منحرف، فإذا لم يستطيعوا تفسيرها فإنهم يتركونها ويقولون: (نمرها كما جاءت)، ويقصدون بذلك إلغاء المعنى التي تضمنته، وطي بساط معناها، والاعتماد على ما أصلوه وقعدوه من الحقائق عند الصوفية، أو من العقليات عند أهل الكلام.
[ ٢٣ / ٢ ]
تشابه الصوفية والمتكلمين في تأويل النصوص
وسبق أن تحدثنا عن تأويل الصوفية لقوله ﷾: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وأنهم فسروه تفسيرًا بعيدًا كل البعد عن منهج السنة، حيث قالوا: إن معناه: اعبد الله ﷿ حتى يسقط عنك التكليف، فإذا عبدت الله ﷿ سنين طويلة، ثم وصلت إلى الكشوفات سقط عنك التكليف، وهذا فهم باطل لكتاب الله ﷿؛ فإن المقصود باليقين الموت، فقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، يعني: حتى يأتيك الموت.
ولهذا فإن أفضل الناس عبادة هم الرسل الكرام، ولم يسقط عنهم التكليف، والرسول ﷺ الذي ربى أصحابه على يديه وعبدوا الله ﷿ في حياته لم يصل أحد منهم إلى هذا اليقين الذي زعموه، فلم يقل رسول الله ﷺ لـ أبي بكر: سقط عنك التكليف، فلا تعمل شيئًا، ولم يقل لـ عمر ولا لـ عثمان ولا لـ علي بن أبي طالب ذلك، وهؤلاء هم أفضل الصحابة على الإطلاق.
فإذًا: كان رسول الله ﷺ قد مات ولم يسقط عن أحد من أصحابه التكليف الذي ظنوه اليقين في الآية، فكيف يأتي هؤلاء بهذه البدعة المنكرة المخالفة لأصول الشريعة من أساسها؟! وهكذا أهل الكلام في مسائل العقليات يؤولون النصوص ويلعبون بها، فمثلًا: إذا استدل عليهم مثبت الصفات من أهل السنة بقوله ﷾: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قالوا: معناها: (استولى)، مع أن (استوى) إذا جاءت معداة بـ (على) فإنه لا يكون معناها: الاستيلاء، وإنما يكون معناها: الارتفاع والعلو، كما يليق بجلاله ﷾، ثم إنهم يحارون مع بعض الآيات الأخرى، مثل قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فهل المعنى: ثم استولى على العرش؟! أي: قبل أن يستولي عليه كان العرش خارجًا عن ملكه؟! إذًا: هذا تأويل باطل للنصوص الشرعية.
وهكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ العلاقة الفكرية بين الصوفية وبين أهل الكلام، وأن الجميع يتفقون في عدم الأخذ من النصوص الشرعية أخذًا مستقيمًا.
يقول الشيخ: [وأصل كل ضلال من ضل إنما هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله، وتقديم اتباع الهوى على اتباع أمر الله ﷿].
[ ٢٣ / ٣ ]
تأويل الباطنية للبقرة
لا شك أن من يتبع هواه يقدمه على النصوص الشرعية، كما هو حال الصوفية فيما ذكرنا، وكما هو حال المتكلمين فيما أسلفنا، وكذلك الباطنية عندما يقولون في قوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، قالوا: هي عائشة! فهذا اتباع للهوى.
والقضية عندهم قبل أن ينظروا إلى الآية هي أنهم كرهوا عائشة ﵂ لسبب أو لآخر، لأنه ثبت أن أصل دينهم مأخوذ من اليهود عن طريق عبد الله بن سبأ الذي أراد أن يعمل في الإسلام ما عمله بولس شاول في المسيحية والنصرانية، لكنه ما استطاع، فأتى بعقائد بدعية شركية، وهذه العقائد التي جاء بها عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام هي نفسها العقائد التي يدندن حولها الباطنية اليوم، وهي نفسها العقائد التي يدندن حولها الرافضة في هذا الزمان.
إذًا: القضية هي أنهم كرهوا عائشة ﵂ لأي سبب من الأسباب، فلما كرهوا عائشة بدءوا يتلمسون النصوص الشرعية ويلعبون بها، كما يلعب الأطفال بالكرة والعياذ بالله، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، هذه قصة واضحة في بني إسرائيل في زمن موسى ﵇، حيث يبين لقومه أن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة، والبقر معروف، فقالوا: المقصود بها عائشة.
فكيف يذبح بنو إسرائيل الذين في زمن موسى عائشة وهي لم تولد بعد؟! فالمهم عندهم هو اللعب بالنصوص، وليس المهم هو القناعة، وهذه هي طريقة أهل البدع، سواء أكانوا من الغلاة الزنادقة الذين يخرجون عن الإسلام، أم من أهل البدع الذين شأنهم أقل بحيث إنهم ما زالوا في دائرة الإسلام ولم يخرجوا عن الإسلام، مثل الأشاعرة فيما يؤولونه مثلًا.
[ ٢٣ / ٤ ]
تأويل المالكي لإقرار المشركين بالربوبية
وهنا مثال آخر: فمن الحقائق القرآنية المقررة في كتاب الله ﷿ أن كفار قريش يقرون بالربوبية، كما هو نص الآية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨]، فهذا نص واضح في أن كفار قريش يقرون بالربوبية كما دلت عليه هذه الآية، فجاء من يسمى بالسيد محمد علوي المالكي فقال: إن كفار قريش ما كانوا يقرون بالربوبية، فلما اعترض عليه بهذه الآية، قال: كفار قريش كانوا يكذبون!
و
الجواب
هل الله ﷿ لا يعرف أنهم يكذبون؟! ولماذا لم يقل: قالوا هذا القول وهم كذبة؟! فالمهم هو اللعب بالنصوص، وهذا أحرجه نص فأراد أن يخرجه في أي واد من الأودية، فالمهم ألا يُحرج في عقيدته التي يدندن حولها ويدافع عنها.
وهكذا عامة أهل البدع، وهذه طريقتهم، لا يقيمون وزنًا للنصوص الشرعية؛ لأنها ليست هي المنطلق التي بنيت عليه العقائد عندهم، وإنما المنطلق: الأهواء، ثم بعد ذلك إذا أحرجوا بالنصوص يختلفون في كيفية تخريجها واللعب بها، فبعضهم يردها مطلقًا، وبعضهم يفسرها تفسيرًا أعوج، وبعضهم يحاول أن يجتهد في محاولة تحريفها وإخراجها بأي مخرج من المخارج.
إذًا: ليس الهدف الأساسي هو العمل بالنصوص، وليس المنطلق الأساسي أن العقيدة تكون مبنية على ما أخبرنا الله به في كتابه وأخبرنا به رسوله ﷺ، وإنما هي عقيدة وراثية مأخوذة عن أجيال سابقة، فإذا أحرج دافع عنها كما هو الحال عند هؤلاء، وهكذا عباد القبور الذين يطوفون حولها، ويذبحون لها، وينذرون لها، ويستغيثون بها عندما يستدل عليهم بقول الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٣٨]، يقولون: المقصود بالدعاء هنا العبادة، يعني: لا ما تعبدوهم وتصلوا لهم! مع أن الآية في الدعاء، والدعاء يشمل الاستغاثة، فيشمل قولهم: (مدد يا عبد القادر)، (مدد يا عيدروس)، مدد يا ست زينب)، يشمل هذا كله، وليس هناك مبرر لأن تحذف الآية هذا الحذف وأن تلغي منها نصف الدلالة تقريبًا.
إذًا: اللعب بالنصوص بهذا الأسلوب هو طريقة أهل البدع، والسبب في ذلك هو تقديم أهوائهم وقياساتهم العقلية على النصوص الشرعية.
[ ٢٣ / ٥ ]
الذوق والوجد عند المتبعين والمبتدعين
يقول شيخ الإسلام ﵀: [فإن الذوق والوجد ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه العبد ويهواه، فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته وهواه].
الذوق المراد به أن العبد من خلال التعبد يصل إلى أذاوق ورغبات معينة، وهذه الرغبات ليست عقائد، ولا قضايا يقينية، وليست أمورًا متفقًا عليها لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها كما هو حال القرآن الكريم، وإنما هي أذواق بحسب هوى الإنسان ورغبته، وبحسب شهوته النفسية في تلك الفترة التي جاءه فيها هذا الذوق.
يقول: [فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بينه النبي ﷺ بقوله في الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار).
وقال ﷺ في الحديث الصحيح: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا)].
فكل هذا الذوق لا يبنى عليه عقائد، وإنما هي أذواق إيمانية جاءت للإنسان من جراء العمل الصالح الذي قام به.
وهذا ذوق أهل التوحيد، وهو أن يجد نشوة في نفسه من العبادة فيفرح بها وتستقر بها نفسه، وهذا من نعمة الله ﷿ وكرمه وجوده، ومن خيره وبركته التي أعطاها لهذا العبد الصالح، وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسب حاله ووضعه وحياته التي يعيش فيها.
[ ٢٣ / ٦ ]
رقص الصوفية وصياحهم في مواجهة الهدي النبوي
ولهذا فإن الصوفية صوروا الإسلام بصورة بعيدة كل البعد عن جيل الرسول ﷺ وطريقته، فتجد أن الصوفية يطبلون، ويرقصون، ويصيحون، ويسقطون على وجوههم، فهل كان الصحابة يعملون هذا العمل؟! وهل عند الصوفية دليل على أن الصحابة كانوا يعملون هذا العمل؟! وما الذي جعل النبي ﷺ يترك هذا العمل؟! لو كان هذا العمل فيه خير لجمع الرسول ﷺ أصحابه الذين قاتلوا في بدر، وأعطى كل واحد منهم طبلًا وعودًا، وبدءوا يغنون ويرقصون ويزمرون ويلعبون، والرسول ﷺ سيكون أول من يفعل ذلك منهم.
ثم ذاك يقول: جاءني الوجد، وذاك يقول: جاءني الكشف! هل كان الصحابة رضوان الله عليهم عندما يقاتلون الروم يأتون إلى القبور ويتبركون بها؟! وهل كانت مقبرة البقيع في زمن عمر بن الخطاب بعد موت النبي ﷺ بفترة هل كانت مثل المقابر التي هي في غالب العالم الإسلامي اليوم؟! تأتي فتنظر إلى مقبرة فتظن أنها حي من الأحياء السكنية لكثرة القباب والبيوت الموجودة فيها، ولا تتصور أبدًا أن هذه مقبرة، فإذا لم يقل لك أحد من أهل البلاد: هذه مقبرة فإنك تظن أنها حي سكني، وأن الناس يسكنون فيها.
بل في بعض المقابر أناس يعيشون فيها، ويقولون: نسكن هنا لتأتينا نفحات الصالحين والأولياء الذين في هذه المقابر.
وما كان هذا عمل الصحابة رضوان الله عليهم.
فهل سكن أحد من الصحابة في البقيع؟! وهل بنوا عليها بنيانًا؟ ما ظهرت هذه الأمور إلا بعد أن ظهرت البدع والخرافات في أزمان متأخرة، فالصوفية غيروا معالم الإسلام العامة.
[ ٢٣ / ٧ ]
توقف الصوفية عن الجهاد
ولا يعرف أن للصوفية دعوة جهادية قاتلت أعداء الله ﷿ في زمن من الأزمان.
وقد يقول قائل: إنه من خلال التاريخ نجد أن هناك دعوات صوفية قاتلت الاستعمار في الأوقات المتأخرة، مثل المهدية مثلًا.
وأقول: هذا ليس لكون الصوفية لديها منهج جهادي، بل يجاهدون لمسألة سياسية، كما يوجد -مثلًا- أشخاص من أهل السنة، وينتسبون إلى السنة، ويتركون الجهاد في سبيل الله في زمن من الأزمان وهو منهجهم، فالصوفية الأصل عندهم ترك الجهاد، وإنما يجاهدون لحاجة من الحاجات السياسية.
إذًا: الصوفية خالفت معالم الرسالة وطريقة الرسول ﷺ في حياته التي كان يعيشها عندما كان في المدينة في تلك الفترة.
[ ٢٣ / ٨ ]
تعلق أهل الأهواء بأهوائهم
يقول شيخ الإسلام ﵀: [قيل لـ سفيان بن عيينة: ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟! فقال: أنسيت قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣] أو نحو هذا الكلام].
يقول: هذه فتنة، وهي أن الإنسان يتعلق بهواه كما أشرب أهل العجل العجل بكفرهم، أو نحو هذا من الكلام.
قال: [فعباد الأصنام يحبون آلهتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]].
يعني: أشد محبة لله من محبة المشركين لأصنامهم، فالمشركون يحبون أصنامهم، ومحبتهم لأصنامهم محدودة، ومحبة المؤمنين لله ﷿ أكثر من محبة هؤلاء لأصنامهم، فأثبت في الآية أن المشركين يحبون أصنامهم، وذلك بسبب هذا الابتلاء، وهو أنهم أشربوا في قلوبهم هذه البدع.
[وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]، وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣] يعني: ما ترغبه، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣].
ولهذا يميل هؤلاء ويغرمون بسماع الشعر والأصوات والآلات الموسيقية التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان، بل يشترك فيها محب الرحمن، ومحب الأوثان، ومحب الصلبان، ومحب الأوطان، ومحب الإخوان، ومحب المردان، ومحب النسوان، وهؤلاء هم الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة].
وهذا مشاهد، فالحضرات عند الصوفية فيها رقص، وصياح، وعويل، وبكاء، وترديد الأشعار التي تكون في المحبة وفي العشق وفي الغرام وفي الهجران، كقوله: بنا وبنتم فما ابتلت جوانحنا شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا ويحاولون أن يأتوا بالأبيات التي يكون فيها نوع من البعد والأسى والحرقة، وهذا شغل المغنين.
فالمغنون يغنون بأن الهجران مؤلم، وأنهم يلقون التعب لعدم اللقاء بالمحبوب ونحو ذلك، ويغنون على هذه الطريقة.
لكن بعض الصوفية يحاول أن يجعل المقصود بذلك الله ﷾، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذا لا يعني أننا لا نثبت المحبة لله ﷿، بل المؤمن يحب الله ﷾، وهذا ما سبق أن بينه الشيخ حيث قال: إن لأهل السنة ذوقًا ووجدًا ومحبة خاصة تكون مرتبة على الإيمان بالله، كما في الحديث: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا).
فالرضا من أعمال القلب الإيمانية يورث هذا الذوق الرفيع عند الإنسان والمحبة الصادقة لله ﷿، وكذلك يقول النبي ﷺ: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وهذا غاية التوحيد، وهو أن يكون الله ﷿ ورسوله هو المحبوب إليه، ولهذا لا يقدم كلام أحد على كلامه، ولا تفسره حسب هواك.
والتوحيد والإيمان والتقوى توصل الإنسان إلى هذا الذوق الصحيح، لكن الرقص والطبل والغناء الذي عليه عامة الصوفية في عامة البلاد الإسلامية هو الذي يورث هذه الوجدانيات العامة التي ليست محددة لجهة معينة، فمحب النسوان ومحب المردان كل منهما يتكلم في الهوى والحب، ومحب الأوطان -كما ذكر الشيخ- ومحب الصلبان كل منهما يتكلم في الهوى والحب، وهؤلاء يتكلمون في الهوى والحب، فهؤلاء هواهم عام ليس محددًا ولا موجهًا، ولهذا يميل هؤلاء.
[ ٢٣ / ٩ ]
المخالف لما بعث الله به رسوله لا يكون متبعًا للدين
قال شيخ الإسلام ﵀: [فالمخالف لما بعث الله به رسوله من عبادته وحده وطاعته وطاعة رسوله لا يكون متبعًا لدين شرعه الله أبدًا].
فالمخالف لا يمكن أن يكون متبعًا لدين شرعه الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية:١٨] هذا نوع، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨] وهذا في المقابل، ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٩]، بل يكون متبعًا لهواه بغير هدى من الله، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].
فلا يمكن أن يجتمع محبة الله مع محبة غيره في قلب عبد، والمقصود بالمحبة: المحبة العبادية التي تدل على التعظيم كما سبق أن بينا.
قال: [وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها حقيقة يقدمونها على ما شرعه الله، وتارة يحتجون بالقدر الكوني على الشريعة، كما أخبر الله به عن المشركين كما تقدم، وقد سبق أن شرحنا كلامه هذا فيما سبق.
وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام على الطائفة الثانية من مراتب الضالين في الحقيقة الكونية.
[ ٢٣ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ٢٣ / ١١ ]
الرد على المحتج ببشارة الرسول لأصحابه بالجنة على سقوط التكليف
السؤال
كيف نرد على من يقول: إن الرسول ﷺ لم يقل لأحد من الصحابة: إنه سقط عنه التكليف، لكن قد بشرهم بالجنة؟!
الجواب
لما بشرهم الرسول بالجنة لم يتركوا العمل؛ لأنهم لم يفهموا من بشارة الرسول ﷺ بالجنة أنه سقط عنهم العمل، وفي قصة حاطب أن النبي ﷺ قال: (وما أدراك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شتم فقد غفرت لكم)، فليس المقصود بقوله: (اعملوا ما شئتم) فيما سيأتي، وإنما المقصود أن هذا العبد بلغ من التوحيد والإيمان ما لو عمل من المعاصي غير الكفر لكانت هذه المعاصي لا تزن شيئًا مع أعماله الصالحة، ولهذا فإن من قال لهم رسول الله هذا القول -مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - ما تركوا الصلاة، ولا تركوا الصيام، ولا تركوا الحج، وما فهموا أن كلام الرسول عندما بشرهم بالجنة: اتركوا هذه الأعمال، أو: إنها ليست واجبة عليكم، أو: إن التكليف سقط، فلم يفهموا هذا، وإنما فهموا أنهم بعملهم الصالح سيصلون إلى الجنة بإذن الله تعالى.
[ ٢٣ / ١٢ ]
حكم الإشارة باليد عند ذكر الصفات
السؤال
هل يجوز للمتكلم عن أسماء الله وصفاته أن يحرك يديه للإشارة إلى موضع الصفات، مثل أن يقول: إن لله عينين ويشير إلى عينيه؟ وهل ورد أن السلف كانوا إذا تكلموا في الأسماء والصفات قبضوا أيديهم حتى لا يمثلوا كلامهم، وإذا حكي الحديث الذي ورد عن النبي ﷺ: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقبلها كيف يشاء) فما حكم من حرك إصبعه يقلبها عند الكلام؟
الجواب
إذا كان يقصد التشبيه أثناء التحريك أو نحو ذلك فلا شك في أنه مبتدع وضال، وإن كان لا يقصد التشبيه فقد ورد أن النبي ﷺ كان يحرك يديه عندما يقول: إن لله عينين ويشير إلى عينيه.
[ ٢٣ / ١٣ ]
الموقف الشرعي من المالكي
السؤال
ما موقفنا من المدعو محمد علوي المالكي؟
الجواب
محمد علوي المالكي قضيته معروفة سابقًا، ألف كتابًا سماه (مفاهيم يجب أن تصحح)، وقبله كتاب اسمه (الذخائر المحمدية)، وقد رد عليه هيئة كبار العلماء في المملكة، وبينوا أن ما في هذه الكتب عقائد كفرية تخرج الإنسان من الإسلام إلى الكفر، وبُلَِّغ ذلك، ونهي عن هذه العقائد الكفرية، وكان من هؤلاء المشايخ الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله تعالى رئيس مجلس القضاء الأعلى قبل الشيخ صالح اللحيدان حفظه الله، ومنهم -أيضًا- الشيخ سليمان العبيد، وكان رئيسًا لشئون الحرمين، وغيرهم من المشايخ الذين اجتمعوا -ومنهم الشيخ ابن باز - وقرءوا كتب المالكي وقرروا أن المالكي عنده عقائد كفرية تخرج عن الإسلام؛ لأنه يبيح الاستغاثة بغير الله، والتبرك، والطواف حول القبور، والنذر لها، لاسيما الرسول ﷺ، ونقل في كتبه قواعد من القواعد التي هي من عقائد القبوريين، كما نقل أشعارًا وأقرها وسكت عنها.
فيها استغاثة بالرسول ﷺ، وطلب المدد منه، فلا شك أن هذا الرجل لا يستفاد منه البتة.
[ ٢٣ / ١٤ ]
ترك الصلاة كفر بالنص وليس تركًا لجزء العمل
السؤال
من خلال تعريفكم للإيمان، والتفريق بين تعريف أهل السنة وتعريف الخوارج اتضح أن من ترك الصلاة ليس بكافر؛ لأنه ترك جزءًا من العمل، ولكن له أعمال أخرى، مثل الصوم، وصلة الرحم وغيرها من الأعمال؟
الجواب
ليس المقصود هذا، فتارك جزء العمل عند أهل السنة هو الذي يترك بعض الأعمال الواجبة التي لم يترتب عليها تكفير في النصوص الشرعية، لكن ترك الصلاة ترتب عليه تكفير في النصوص الشرعية، فلو أتى بعامة الواجبات وترك الصلاة فليس بمسلم؛ لأن تارك الصلاة نص النبي ﷺ على كفره بشكل واضح، وأجمع على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، كما نقل شقيق بن عبد الله وغيره أنه ما كان الصحابة رضوان الله عليهم يرون من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة.
وصل الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٢٣ / ١٥ ]
شرح العبودية [١٣]
هناك طوائف من الفرق الصوفية الضالة ينكرون الأسباب، ويجعلون الإنسان خالقًا لفعله، وبذلك ضلوا؛ لأنهم صادموا بين الأسباب ومسبباتها، وعقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بالأسباب مع اعتقاد أنها ليست هي الفاعلة في الحقيقة، بل الفاعل هو الله، فالأسباب مخلوقة مثل المسببات، ولا يمكن أن تحصل المسببات إلا بتعاطي الأسباب، وهذا من خلق الله وتقديره.
[ ٢٤ / ١ ]
طائفة الصوفية المتعبدة بترك الأسباب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فقد سبق الحديث عن الطائفة الثانية من طوائف الضالين في الحقيقة الكونية، وهي الطائفة التي قسمت الناس إلى عامة وخاصة، فأما العامة فهم ملزمون بأحكام الشرائع، وأما الخاصة فهم الذين سقط عنهم التكليف -كما يظنون- بسبب التعبد الذي تعبدوه.
أما الطائفة الثالثة فهم أقل غلوًا من الطائفة السابقة، فهم لا يرون أن التكاليف تسقط بالكلية عن كل الناس، بل إنهم يتميزون بأنهم يعملون الفرائض المشهورة، ويجتنبون المحرمات المشهورة، لكن فهموا أن القدر يقتضي سقوط الأسباب والتعامل معها، وفهموا أنهم يتركون الأمور بطبيعتها، وانحرفوا في فهمهم للأسباب كما سيأتي بيانه -إن شاء الله- في كلام الشيخ.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هؤلاء -يعني: من الضالين- طائفة هم أعلاهم عندهم قدرًا] يعني: لمكانتهم، وهم الذين أضافوا إلى التصوف اشتغالهم بعلم الكلام النظري العقلي الجدلي.
[وهم مستمسكون بما اختاروا بهواهم من الدين في أداء الفرائض المشهورة واجتناب المحرمات المشهورة، لكن يضلون بترك ما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة، ظانين أن العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك، مثل: من يجعل التوكل منهم أو الدعاء ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة، بناء على أن من شهد القدر علم أن ما قدر سيكون].
[ ٢٤ / ٢ ]
سبب ضلال المتعبدين بترك الأسباب
والسبب في ضلال هذا الشخص أو في ضلال هذه الطائفة هو أنهم ظنوا أن الإيمان بالقدر -ومنه الإيمان بخلق الله ﷿- يقتضي ألا يُنسب إلى أحد تأثير بأي وجه من الوجوه، وقد سبق أن بينا أن مراتب القدر أربعة: المرتبة الأولى: العلم الشامل المحيط بكل شيء.
المرتبة الثانية: كتابة الله ﷿ لهذه المقادير.
المرتبة الثالثة: المشيئة النافذة.
المرتبة الرابعة: خلق أفعال العباد.
فهؤلاء عظموا مرتبة خلق الله ﷿ للأشياء إلى درجة أنهم جردوا المخلوق من قدرته ومن تأثيره، فهؤلاء جبرية، لكن مع هذا لم يكونوا من الغلاة الذين اعتقدوا بأن الجبر وعدم نسبة الفعل إلى العبد يقتضي سقوط التكاليف عنه، فالغلاة سبق الحديث عنهم، لكن هؤلاء أقل غلوًا، فهم يقومون بالأعمال الواجبة المشهورة، ويتركون الأعمال المحرمة المشهورة، لكن في نفس الوقت يعتقدون أن الأسباب ليس لها تأثير، وبناء على هذا فهم لا يتعاطون الأسباب، فهؤلاء انحرفوا من جهتين: الجهة الأولى: من الجهة النظرية؛ حيث تصوروا أن الأسباب لا تأثير لها البتة.
والجهة الثانية: أن هذه العقيدة الفاسدة أثرت على سلوكهم، لكن ليس تأثيرًا تامًا كما هو الحال عند الجبرية الذين أسقطوا التكاليف كلها.
فالفرق بينهما: هو أن الغلاة الذين سبق الحديث عنهم يسقطون التكاليف عمومًا، ويقولون: العبد مجبور، والله ﷿ هو الذي خلق هذه الأفعال جميعًا، فليس للعبد مسئولية، وبناء على هذا فعندهم أن الكافر معذور، والمبتدع معذور، والفاسق معذور، والمجرم الذي يقتل الناس بغير حق معذور؛ لأن هذا هو الشيء الذي جبرهم الله عليه! فهؤلاء ضالون، حيث أسقطوا التكاليف عن البشر جميعًا.
وجاءت طائفة أخرى فخففت الغلو وقالت: التكليف يسقط عن طائفة دون أخرى، فالعامة لا يسقط عنهم التكليف، والخاصة يسقط عنهم التكليف.
وجاءت طائفة ثالثة فقالوا: التكليف لا يسقط، فالواجبات المشهورة نؤديها، والمحرمات المشهورة نتركها، لكنهم يعتقدون العقيدة الفاسدة التي أدت بالطائفة الأولى إلى ما توصلت إليه من سقوط التكاليف، وهي أنه ليس هناك تأثير للأسباب.
[ ٢٤ / ٣ ]
عقيدة أهل السنة في الأسباب والمسببات
وأما نحن فنعتقد عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي أن الله ﷿ خلق الخلق، ومما خلق الأسباب الموجودة في هذا الخلق، وهو ﷾ يدبر مخلوقاته بعضها ببعض، فالأسباب وهي من مخلوقات الله ﷿ يدبر بها بعض مخلوقاته الأخرى.
ونضرب مثالًا على ذلك: فقد خلق الله ﷿ المطر وخلق النبات، والنبات لا يحصل إلا بالمطر، فأنت عندما ترى الأرض هامدة ليس فيها نبات فينزل عليها ﷾ المطر فينبت الزرع، تعرف أن الذي أنبت الزرع هو هذا المطر النازل من السماء، والمطر مخلوق لله، وهو السبب في إنبات الزرع، فهل الذي أنبت الزرع هو المطر؟! لا، بل هو الله ﷿، لكن المطر سبب، أي: أن الله ﷿ جعل فيه خاصية معينة سببت الإنبات، وهذه الخاصية من خلق الله ﷾.
وهكذا بقية حياة الإنسان، حيث جعل الله ﷿ هناك أسبابًا ومسببات، فالأسباب خلقها الله ﷿ كما خلق المسببات، لكن لا يمكن أن تحصل المسببات إلا بتعاطي الأسباب، وهذا من خلق الله ﷿ وتقديره.
[ ٢٤ / ٤ ]
آثار تعطيل الأخذ بالأسباب
ولما جاءت مثل هذه الطوائف التي أنكرت الأسباب كانت هي السبب في تأخر المسلمين زمنًا طويلًا جدًا عن الاكتشافات المعاصرة، فهل نظن أن الغربيين أذكى عقولًا، وأزكى نفوسًا، وأكبر تصورًا من المسلمين؟! بل هم أقل شأنًا منهم في الذكاء وفي الفهم وفي التصور.
فالرجل الغربي ثلث عقله يضيع في المخدرات، وجزء آخر يضيع في الشذوذ الجنسي والأهواء والشهوات، ولا يفكر إلا بنسبة يسيرة من عقله، لكنه فكر بنسبة يسيرة من عقله تفكيرًا سليمًا، من ناحية أنه استفاد من الماديات المعاصرة، وفهم معنى الأسباب.
ولما وجدت هذه الطوائف -مثل الصوفية ومثل الجهمية- وعمت مناهجها في حياة المسلمين، وصارت هي المهيمنة والمسيطرة، وصارت دول الإسلام قبل ظهور العالم الغربي تتبنى مثل هذه العقائد وتنشرها في الناس، لم يتعاط الناس هذه الأسباب، فماذا سيحصل في أمة ترى أن ترك الأسباب هو التوحيد؟! فهل تتصور أن مثل هذه الأمة سينشأ فيها علماء عباقرة يستطيعون أن يكشفوا الأحداث التي من حولهم ويستطيعون أن يخترعوا وأن يطوروا المخترعات؟! هذا بعيد؛ لأن من التوحيد ترك هذا الشيء، وهكذا عمل التصوف، ونخر في جسم الأمة الإسلامية إلى هذه الدرجة.
فالدولة العثمانية قبل ظهور العالم الغربي -أي: قبل الحرب الكونية السابقة، الحرب العالمية الأولى والثانية- كانت تتبنى التصوف، وتتبنى العقيدة الماتريدية، وهي نفسها عقيدة الأشاعرة، والتصوف والماتريدية يجتمعان في إهمال الأسباب، ولهذا بقي العثمانيون سنين طويلة لا يتعاطون الأسباب في المخترعات المعاصرة، في الوقت الذي كان العالم الغربي فيه يتعامل مع الأسباب بشكل جدي، وليس منهج التصوف ومنهج الماتريدية هو منهج الإسلام، وإنما منهج الإسلام هو الاستفادة من الأسباب الموجودة في الأرض، واعتقاد أنها من مخلوقات الله ﷿، ولا يعني كوننا نستفيد من هذه الأسباب أن ننسب لها الخلق، فالخلق لله ﷿، وهذه الأسباب مخلوقة، لكن نعتقد أن هذا الكون مركب من أسباب ومسببات، والأسباب والمسببات هذه جميعًا من خلق الله ﷿، فإذا تعاطينا السبب واستفدنا منه فلا يعني هذا أننا نسبنا إلى السبب الخلق والتأثير بأي وجه من الوجوه، فأنا أعتقد أن السبب مخلوق، فكيف أنسب له الخلق؟! فلا يمكن أن أنسب إليه الخلق، لكن أعتقد أن الله ﷾ أمرني باتخاذ السبب والاستفادة منه، ولهذا يقول في قضايا الجهاد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠]، فما هو معنى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]؟! يعني: نموا أنفسكم، وقووا أنفسكم، وتعاطوا الأسباب، واصنعوا السلاح، ورتبوا أنفسكم، ونظموا أنفسكم بشكل صحيح، بحيث تقاتلون العدو فتنجحون بإذن الله ﷿، لكن إذا ما تعاطينا الأسباب، فما اتخذنا القوة، وما تعاملنا معها بشكل صحيح، فلن نستطيع أبدًا أن نهزم عدونا، وسيدخل علينا العدو ويقتلنا، ونحن لا نتعاطى شيئًا من هذه الأسباب.
ولهذا كان للبدع تأثير عظيم جدًا في حياة الأمة لا يدركه إلا من يدقق، ولا شك في أن الدولة العثمانية كانت لها جهود عظيمة جدًا في حماية بيضة الإسلام العامة، وكان لها جهود عظيمة جدًا في نشر الإسلام، وتوضيح الحق للناس إلى درجة كبيرة، لكن عندما توجد بدعة من البدع في المجتمع المسلم وتنخر فيه تكون هي السبب في الهزيمة، فإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم -على فضلهم وعلى مكانتهم وعلى منزلتهم العظيمة- هزموا يوم أحد بمعصية واحدة فقط، فما بالنا بغيرهم؟! ولهذا يقول الله ﷿ عنهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، فيهزم الإنسان إذا فرط وإذا أخطأ، حتى ولو كان له فضل عظيم من جهة أخرى، وهذا يدعونا إلى الاجتهاد في البعد عن التفريط بكل صوره وأسبابه.
[ ٢٤ / ٥ ]
بيان الغلط العظيم في ترك الأخذ بالأسباب
يقول الشيخ عن هذه الطائفة: [وهذا غلط عظيم]، وهذا الكلام كان قبل أن تنشأ الحضارة الغربية، وقبل أن تظهر اليوم، فهو يسمي ترك الأسباب غلطًا عظيمًا، وهذا هو منهج السلف رضوان الله عليهم منذ زمن النبي ﷺ، وهو أن تعاطي الأسباب منهج رشيد.
ولهذا ظهر في المسلمين أشخاص يتبنون منهج الغرب، ويرون أنه لا نجاح للمسلمين ولا فلاح لهم ولا عز لهم إلا بتبني منهج الغرب تمامًا؛ لأنهم نظروا إلى الغرب فوجدوا أنهم على حضارة مادية عظيمة، ونظروا إلى المسلمين في تلك العصور بسبب ظهور هذه البدع فيهم فإذا هم على مستوى هزيل جدًا، فظنوا أن الإسلام هو السبب الذي جعل المسلمين على مستوى هزيل، وظنوا أن الإسلام هو السبب الذي أوصلهم إلى هذا المستوى، ولم يعرفوا أن المسلمين في تلك الفترة ما كانوا يمثلون الإسلام بصورته الصحيحة، ولا كانوا يمثلون الإسلام بصورته المثالية الحقة، وإنما كانوا على خطأ، فلما تصورا هذا التصور ارتموا في أحضان الغرب، وظنوا أن النجاة والفكاك من الانهزامية، والنجاة والفكاك من التأخر العلمي، والنجاة والفكاك من الضياع عند هؤلاء الغربيين، وما دروا أن القضية عكس ذلك.
يقول: [فإن الله قدر الأشياء بأسبابها كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابها].
ولهذا كانت هذه طائفة متناقضة: فهم يصلون، ويصومون، ويحجون، ويزكون، ويتركون الزنا، ويتركون شرب الخمر، ثم يتركون الأسباب، فيقال لهم: لماذا تصلون وتصومون وتحجون؟! فيجيبون بأن ذلك يدخلهم الجنة.
[ ٢٤ / ٦ ]