وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.
من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر، وقد تكرر ذكره في القرآن الكريم، ففي أول سورة البقرة قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، فمن صفات المتقين أنهم يوقنون باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر من البر، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فيؤمنون بالله واليوم الآخر، وتكرر في القرآن الكريم، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه بعد الدنيا، الدنيا هي اليوم الأول، ويوم القيامة هو اليوم الآخر، سمي يوم القيامة لقيام الناس من قبورهم لرب العالمين.
وهذا الركن من أركان الإيمان خالف فيه كثير من الكفرة، فالكفار الذين بعث إليهم النبي محمد ﷺ يكفرون باليوم الآخر، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، فالذي ينكر اليوم الآخر، وينكر البعث كافر بالله ﷿ الكفر المخرج من الملة؛ لأنه جاحد لركن من أركان الإيمان؛ ولأنه مكذب لله ولرسوله، بل لجميع الرسل، مكذب لما علم من الدين بالضرورة، وليس لهم حجة أو شبهة إلا أنهم يقولون: لا يمكن هذا؛ لأننا صرنا رفاتا وعظاما فمن يحيي العظام وهي رميم؟ ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]، ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]، إلى غير ذلك.
يستبعدون قدرة الله على أن يحيي العظام وهي رميم، وأن يعيدها
[ ٦٣ ]
وهي تراب، ويقولون: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥]، يتحدون الله فيقولون: إذا كان هناك بعث فآباؤنا ماتوا فأحيوهم ونحن ننظر إلى ذلك ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، الله - جلا وعلا – أخبر أنه لا يغير سنته سبحانه من أجل استعجال الكافرين، الله قضى بأنه لا يكون البعث إلا في وقته، فلا يعجله من أجل استعجال الكافرين، ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٦]، فالله قضى بأن البعث له معاد لا يتقدم، ولا يتأخر، والله - جل وعلا – لا يستفزه أحد، ولا يغير وعده وتوقيته ﷾ من أجلهم.
وكذلك يتحدون الرسول ﷺ يقولون: متى قيام الساعة؟ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣]، فقيام الساعة لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فلما سأل جبريل رسول الله ﷺ بحضرة أصحابه «قال: أخبرني عن الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، يعني: أنا وأنت سواء، لأننا لا نعلمها؛ لأن هذا لا يعلمه إلا الله ﷾، ثم ما هي فائدتهم إذا عرفوا وقت قيامها؟ ليس لهم فائدة في هذا، إنما الفائدة في الاستعداد والعمل، وأما متى تقوم الساعة فهذا ليس لهم فيه فائدة، وإلا لبينه الله لهم، ولكن هذا من باب المكابرة والعناد، وإلا فمعلوم أنه لو جاءك أحد، وقال: إنه مقبل عليك عدو إن لم تستعد للقائه وتحذر منه فسوف يقتلك ويأخذك. هل من الحكمة أنك تقول:
[ ٦٤ ]
متى يأتي هذا العدو؟ هذا ليس من الحكمة، ولا من العقل، الحكمة أن تستعد وتكون على أهبة الاستعداد متى ما جاء، كذلك قيام الساعة، الحكمة أنك تستعد، وأما وقت قيامها فهذا ليس لك فيه مصلحة من قريب أو بعيد ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، الرسول ﷺ لا يعلم هذا، ولا أحد يعلم هذا إلا الله - جل وعلا – لحكمة أخفاها عن جميع خلقه، لا يعلمها إلا هو.
كذلك من شبههم أنهم يقولون: هذه الأجسام صارت ترابا، نخرة ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١]، فكيف تعود فيها الحياة بعد أن كانت نخرة ورميما؟ ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]، ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، يستبعدون هذا، الله - جل وعلا – رد عليهم بردود، منها:
أن الذي بدأ خلقهم قادر على أن يعيدهم من باب أولى، الذي يقدر على البداية قادر على الإعادة من باب أولى، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، فالله ﷿ كل شيء عليه هين، ولكن هذا من باب ضرب المثل للعقول، فالعقول تدري أن الإعادة أسهل من البداءة، فلو يأتي شخص ويصنع جهازا مركبا من أدوات ومسامير ومن أشياء هائلة ودقيقة، ثم بعد ذلك ينتقض هذا الجهاز ويتشتت ويتقطع كل أداة على حدة، وكل مسمار على حدة، أليس الذي ركبه في الأول قادر على أن يركبه بسرعة مرة ثانية؟ الجواب: نعم؛ لأنه عرفه، وعرف مكان كل أداة ومكان كل مسمار، فالمهندس الذي ركبه في الأول سهل عليه أن يعيده وينظمه من جديد، هذا من ناحية العقل، الذي بدأ الشيء قادر
[ ٦٥ ]
على إعادته من باب أولى؛ ولهذا قال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ نسي أن الله خلقه من العدم، ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]، فالذي قدر على البداءة قادر على الإعادة من باب أولى، هذا في نظر العقول وإلا فالله - جل وعلا – لا يعجزه شيء، ولكن هذا من باب إفحام هؤلاء.
وكذلك الله - جل وعلا – احتج بأنه يحيي الأرض بعد موتها، فأنت تمر على الأرض هامدة ليس فيها شيء، جرداء بيضاء ليس فيها أي عود أو أي ورقة، فينزل عليها الغيث، ثم تربو وتنتفخ طبقتها، ثم تتفتق عن النبات، ثم بعد فترة وجيزة تصبح روضة خضراء فيها من أنواع النباتات والزهور والثمار، وكانت في الأول جرداء يابسة، من الذي أعادها وأحياها؟ الذي قدر على إحياء الأرض قادر على إحياء الأجسام: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]، الذي يحيي الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأموات بعد موتهم وإعادتهم كما كانوا. فهذا من أدلة البعث، إحياء الأرض بعد موتها بالنبات.
ثم هذه الحبة اليابسة إذا سقاها الله بالماء انفرجت عن عروق وعن ورق وعن سيقان، ثم في النهاية يكون لها سنابل وتثمر، وهي في الأول حبة يابسة أخرج الله منها هذا النبات العجيب، ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، فالنطفة مثل البذرة، نطفة من الماء يخلط فيها ماء الرجل وماء المرأة، ثم تتحول إلى علقة: أي إلى دم، ثم يتحول الدم إلى مضغة، أي قطعة لحم، ثم تتحول قطعة اللحم إلى أعضاء وعروق وسمع وبصر وحواس، ثم تنفخ فيه الروح، ثم يحيي:
[ ٦٦ ]
﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٧ – ٤٠] .
فالذي قدر على تحويل هذه النطفة من ماء الأمشاج – يعني: المختلط من ماء الذكر وماء الأنثى – إلى إنسان، هذا الذي خلق هذا الإنسان من هذا الماء وأنشأه قادر على إحيائه بعد موته، وإذا كانوا يقولون: إنه يضيع في الأرض ويتفتت. فالله - جل وعلا – يقول: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤]، فالتراب الذي تحول من هذا الإنسان يعاد لحما ودما وعظاما كما كان، هذا الرفات يعاد ويتكون كما كان، ولا يضيع منه شيء، حتى ولو فني كله وصار ترابا فهناك شيء لا يفنى، وهو عظمة يسيرة وهي عجب الذنب، لا يفنى ومنه يركب خلق الإنسان.
ثم أيضا لو لم يكن هناك بعث وحساب وجزاء للزم العبث في حق الله - جل وعلا -، وأنه يخلق الخلق للفناء فقط، وليس لحياتهم وأعمالهم نتيجة، خلقهم وأوجدهم واعتنى بهم، وهم يعملون، ومنهم من يعمل أعمالا صالحة، ويموت ولا ينال من جزائها شيئا، ومنهم من يعمل أعمالا قبيحة، ومعاصي، وكفرا، وإلحادا، ويموت ولا ينال من جزائه شيئا، هل ينتهي عند هذا؟ الجواب: لا، هذا فيه طعن في عدل الله - جل وعلا -: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]، الله لا يجعل المسلمين كالمجرمين كلهم يموتون ولا ينالون من جزاء أعمالهم شيئا، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾
[ ٦٧ ]
[ص: ٢٧، ٢٨]، فلا يكون فيه بعث وجزاء، لا جزاء للمحسن على إحسانه ولا للمسيء على إساءته، هذا من باب العبث أن الله يخلق خلقا ويتركه ولا يصير له نتيجة، ويعملون أعمالا سيئة أو صالحة ولا يكون لها ثمرة ولا نتيجة، هذا من العبث، ومن باب الطعن في عدالة الله - جل وعلا -:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]، تعالى الله عن ذلك أن يكون خلق هذا الخلق ويتركهم يموتون ولا يصير لأعمالهم نتيجة، ولا يتميز المؤمن من الكافر، بل ربما يكون الكافر منعما في هذه الدنيا وهو على المعاصي والكفر، ويكون المؤمن مضيقا عليه في هذه الدنيا ولا ينال من جزائه شيئا، هذا يلزم فيه الطعن في عدالة الله - جل وعلا -، ويلزم عليه أنه خلق الخلق عبثا لا نتيجة لأعمالهم، فهذا من الطعن في حكمة الله - جل وعلا -، وفي عدل الله ﷾، فهذا من أدلة البعث ذكرها الله في القرآن الكريم في مواضع متعددة، فالإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان الستة، تكرر ذكره في القرآن الكريم.
[ ٦٨ ]
الكلام على الإيمان بفتنة القبر ونعيمه
فأؤمن بفتنة القبر ونعيمه.
هذا أول ما يكون في اليوم الآخر، إذا وضع الميت في قبره، وانتُهي من دفنه، وتولى عنه مشيعوه، وأنه ليسمع قرع نعالهم، يأتيه ملكان فيقعدانه فتعاد روحه في جسده، ويحيى حياة برزخية ليست مثل حياته في الدنيا، حياة برزخية لا يعلمها إلا الله ﷾، فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ، لأنه مات على الإيمان فيبعث عليه، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
فإذا أجاب بهذه الإجابات نادى مناد: ««أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا من الجنة»»، ويوسع له في قبره مد بصره حتى يرى منزله في الجنة، ويأتيه من روحها وطيبها، ويصبح قبره روضة من رياض الجنة، ويقول: يا رب أقم الساعة حتى أعود إلى أهلي ومالي.
وأما المنافق الذي كان يعيش في الدنيا على الشك، يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ويقرأ القرآن، ويتعلم العلم، ولكن ليس في قلبه إيمان، إنما يعمل هذه الأشياء لمصالح دنيوية، ليعيش مع الناس، وهو لا يؤمن بها في قلبه، ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، فهذا لا يستطيع الجواب وإن كان في الدنيا يحفظ كل المتون، ويحفظ كل الأشعار والنحو والتفسير والحديث، ما دام ليس فيه إيمان لا يستطيع الإجابة في القبر في هذه اللحظة، كلما سئل
[ ٦٩ ]
قال: ها ها لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته – يعني: مثلما يقوله الناس من غير إيمان في قلبه، وإنما يقول ذلك مجاملة ومسايرة للناس – فيقال له: لا دريت ولا تليت. فيضرب بمرزبة من حديد، لو ضربت بها جبال الدنيا لذابت، ثم يضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه، ويصبح قبره حفرة من حفر النار، فيقول: يا رب لا تقم الساعة. لأنه علم أنه ما بعد القبر أشد منه، فيقول: يا رب لا تقم الساعة.
هذا ما يكون في القبر، والإيمان بعذاب القبر أو نعيمه حتم واجب؛ لأنه متواتر في القرآن والسنة بأدلته، فيجب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، من جحده متعمدا فهو كافر، أما إن كان مقلدا أو متأولا فهذا ضال، ولكن من أنكره بعد العلم به متعمدا فهو كافر، وقد أنكرته المعتزلة العقلانيين؛ لأنهم يعتمدون على عقولهم، ويقولون: لو فتحنا القبر وجدناه كما وضعناه ليس فيه جنة ولا نار. فنقول: أنتم في عالم الدنيا وهو في عالم الآخرة، ويأتيه العذاب أو النعيم وأنتم لا تشعرون بذلك؛ لأن هذا من أمور الآخرة التي لا يعلمها إلا الله ﷾، ولا تتسع العقول إلى إدراك ذلك، وإنما يعتمد على ما صح به النقل، وتواتر به الخبر فنؤمن به ولا نتدخل؛ لأن هذا من عالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ﷾.
أنت تشاهد الناس الآن بعضهم في سرور وبهجة وبعضهم في هم وغم، وهم كلهم يمشون ويأكلون ويشربون وأنت لا تدري عن هذا ولا
[ ٧٠ ]
عن هذا، لا تدري عن المسرور ولا عن المغتم؛ لأن هذه أمور باطنة لا يعلمها إلا الله سبحانه.
فقوله: «فأومن بفتنة القبر»، فتنة القبر يعني: الاختبار؛ لأنه يأتيه الفتانان، الملكان يسألانه ويختبرانه.
[ ٧١ ]
البعث والنشور
وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غرلا، تدنو منهم الشمس.
ثم بعد القبر: البعث، وهو: إعادة الأرواح إلى الأجساد، وقد أنكره المشركون والملاحدة، وقد مر بنا شيء من البراهين على ثبوته في القرآن الكريم، وهي أدلة عقلية مذكورة في القرآن، منها:
* أن القادر على البداءة قادر على الإعادة من باب أولى، هذا دليل عقلي ودليل سمعي أيضا، دليل عقلي سمعي.
* ومنها أن القادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على إحياء الأجسام بعد موتها.
* ومنها أن الله سبحانه منزه عن العبث ومنزه عن الظلم، فلا بد من إقامة العدل بين عباده، وهذا إنما يكون في الآخرة، ولا يكون في الدنيا.
والقيام من القبور، قال الله - جل وعلا – فيه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]، صعق يعني: مات، هذه نفخة الصعق، فيصعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، قيل: الملائكة، وقيل: الحور العين.
ثم يؤمر فينفخ النفخة الثانية، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين، تطير الأرواح إلى أجسادها في النفخة الثانية ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ تشقق الأرض عنهم: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ [ق: ٤٤]، يخرجون من القبور ويسيرون إلى المحشر كأنهم جراد منتشر، ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾
[ ٧٢ ]
يعني: من القبور ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٦، ٧]، يكسون الأرض من كثرتهم، ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي﴾ منقادين لا يتأخر أحد، لا الكافر ولا المسلم، لا يتأخر أحد منهم ولا يستطيع التأخر، وفي الآية الأخرى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣]، نصب: علم يذهبون إليه ويسرعون إليه، تسوقهم الملائكة ولا أحد يتخلف.
وذلك أن الله ﷾ إذا أراد بعث من في القبور أرسل عليها نوعا من المطر ينزل من السماء لا يمنع منه شيء، لا السقوف ولا غيرها، ينفذ إلى الأرض، ويدخل إلى الأجسام في القبور، فتنبت مثلما ينبت الحب، وتنبني الأجسام كما كانت، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]، ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١]، ينادي مناد فيقول: أيضا العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء. فيجتمع الإنسان من الأرض، يجتمع بدنه كما كان إلا أنه ليس فيه روح، حتى إنه لو مر عليه أحد يعرفه في الدنيا لقال: هذا فلان. ما تغير منه شيء.
ثم يؤمر إسرافيل فينفخ في الصور فتتطاير الأرواح؛ لأن الأرواح مجموعة في الصور، تتطاير كل روح إلى جسدها، ثم يحيون ويؤمرون بالمسير إلى المحشر، يقومون من قبورهم ويسيرون إلى المحشر، ثم يجتمعون في المحشر، فيقفون على أقدامهم في ضنك وضيق وحر شديد، وتدنو الشمس من رؤوسهم ويأخذهم العرق والزحام الشديد؛
[ ٧٣ ]
لأنه يجتمع الأولون والآخرون في صعيد واحد، فيجتمعون ويعرقون عرقا شديدا، ويختلفون في العرق، فمنهم من يلجمه العرق، ومنهم من يأخذه إلى نصفه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه إلى آخره. والوقوف يكون خمسين ألف سنة، شاخصة أبصارهم حافية أقدامهم، حفاة ليس عليهم نعال، عراة ليس عليهم ثياب، غرلا يعني: غير مختونين، ويقفون في هذا المحشر هذا الوقف الطويل يجمع الله ﷾ الأولين والآخرين.
وقد ذكر الله ﷾ في القرآن ثلاث نفخات:
النفخة الأولى: نفخة الفزع، في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] .
النفخة الثانية: نفخة الموت، في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] .
النفخة الثالثة: نفخة البعث في سورة الزمر أيضا: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] .
قوله: «تدنو منهم الشمس» حتى تكون بمقدار الميل، ولكن المؤمنون يكونون في ظلال، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١]، ما يحسون بها، ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، فالمؤمنون في راحة في هذا اليوم، ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]، على الكافرين خاصة، ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]، يعني: الصور، ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩، ١٠]، أما المؤمنون فيكون يسيرا عليهم، ويكونون في ظلال باردة.
[ ٧٤ ]
هذا الحشر أنهم يحشرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، صعيد واحد متساو ليس فيه ارتفاعات وانخفاضات ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٨]، يقومون في هذا الصعيد المستوي الذي ليس فيه انخفاضات ولا ارتفاعات.
[ ٧٥ ]
نصب الموازين
وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣]، وتنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله.
الموازين: موازين الأعمال، وقد ذكرها الله في القرآن ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] .
فالموازين ثابتة في القرآن، موازين حقيقية لها كفتان، توضع الحسنات في كفة، وتوضع السيئات في كفة، فإن رجحت حسناته فاز ونجا، وأفلح فلاحا لا شقاء بعده، وإن ثقلت سيئاته فقد خاب وخسر، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾، وفي قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ .
قال: «فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله»، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، فرح به ويريه الناس ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ يعني: في الدنيا، ظننت يعني: أيقنت أني ملاق حسابي، فاستعددت لذلك، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾
[ ٧٦ ]
[الحاقة: ٢١ - ٢٤]، الخالية يعني: الماضية في الدنيا.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، هذا يقول: يا ليتني ما رأيت هذا الكتاب، ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٧]، القاضية: يعني: الموت، ليتني مت ولم آت هنا ولم أبعث ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨]، في الدنيا ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩]، يعني: ليس له حجة على الله جل وعلا، ثم يقول الله - جل وعلا – للملائكة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠]، إلى آخر الآيات.
هذا حال من أحوال القيامة في هذه السورة، وهو متكرر في القرآن.
[ ٧٧ ]
الإيمان بالحوض وصفته
وأؤمن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا.
وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم.
كذلك مما يكون في اليوم الآخر حوض النبي ﷺ، وهو حوض طوله مسيرة شهر وعرضه شهر، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من يشرب منه شربة واحدة لا يظمأ بعدها أبدا، «ترد أمته عليه الحوض فيسقيهم ﷺ، ويرد عليه أناس فيمنعون، فيقول: يا رب أصحابي، فيقال له: لا تدري ماذا أحدثوا بعدك» .
فيمنعون – والعياذ بالله – من الورود إلى الحوض، وهم الذين يحدثون في الدين ويبتدعون في الدين، يمنعون من ورود الحوض.
قوله: «بعرصة القيامة»، العرصة: هي المكان الواسع.
ومما يكون في يوم القيامة: الحساب، يحاسب الله - جل وعلا – الخلائق يوم القيامة، فالكافر يحاسب حساب تقرير، ليس حساب موازنة بين الحسنات والسيئات؛ لأنه ليس له حسنات، وإنما يقرر بأعماله الكفرية.
[ ٧٨ ]
وأما المؤمنون فيحاسبون على أعمالهم؛ لأنه لهم حسنات ولهم سيئات، ومنهم من لا يحاسب، ويدخل الجنة بغير حساب؛ كما في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا وهو العرض ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٨، ٩]، ومنهم من يناقش الحساب، يحاسب حساب مناقشة.
قال ﵀: «وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم»، بعد هذه الأهوال كلها هناك الصراط منصوب على متن جهنم، والصراط: هو الطريق، وهو ما يسمى بالقنطرة، على متن جهنم؛ أي على وسط جهنم، يمر الخلائق كلهم على هذا الصراط، وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأحر من الجمر، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم تجري بهم أعمالهم فوق الصراط:
* فمنهم من يمر كالبرق الخاطف.
* ومنهم من يمر كالفرس الجواد.
* ومنهم من يمر كراكب الإبل.
* ومنهم من يعدو عدوا.
* ومنهم من يمشي مشيا.
* ومنهم من يزحف زحفا.
* ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم.
* وهذا مذكور في القرآن، قال تعالى:
[ ٧٩ ]
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ كل الناس يردون جهنم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢]، فإذا تجاوزوا الصراط أوقفوا للقصاص، يقتص لبعضهم من بعضهم، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.
[ ٨٠ ]
معنى الشفاعة
وأؤمن بشفاعة النبي ﷺ، وأنه أول شافع وأول مشفع.
قوله: «أؤمن بشفاعة النبي ﷺ»، «أؤمن» معناه: أصدق وأعتقد حصول شفاعة محمد ﷺ.
والشفاعة: مأخوذة من الشفع، وهو ما كان أكثر من واحد، فالواحد يقال له: وتر، والاثنان يقال لهما: شفع. قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]، فالشفع: هو ما كان أكثر من فرد، وأما الوتر: فهو الفرد. هذا في اللغة.
وأما في الاصطلاح، فالشفاعة: يراد بها الوساطة للمحتاج في قضاء حاجته عند من يملكها؛ لأن طالب الحاجة واحد، فإذا انضم إليه واسطة صار شفعا بعد أن كان واحدا؛ لذلك سميت الشفاعة، وبعضهم يقول: الشفاعة: هي طلب الخير للغير.
والشفاعة على قسمين:
* شفاعة عند الله.
* وشفاعة عند الخلق.
والشفاعة عند الخلق تنقسم إلى قسمين:
* شفاعة حسنة.
* وشفاعة سيئة.
قال تعالى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، فإذا كانت الشفاعة في تحصيل شيء مباح وشيء نافع فهي حسنة؛ كما لو شفعت بجاهك عند السلطان أو عند ولي الأمر في قضاء حاجة أخيك، فتشفع لإخوانك في
[ ٨١ ]
تحصيل مطالبهم المباحة ومصالحهم النافعة، فهذه شفاعة حسنة؛ لأنها من التعاون على البر والتقوى، «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، وقد قال ﷺ: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء»، فقوله: «اشفعوا تؤجروا» فيه بيان أن الشفاعة الحسنة فيها أجر؛ لما فيها من النفع للمحتاجين.
وأما الشفاعة السيئة: فهي الشفاعة في أمر محرم، كأن تشفع في إسقاط حد من حدود الله لمن وجب عليه أن لا يقام عليه الحد، فهذه شفاعة محرمة، وملعون من قام بها، لقوله ﷺ: «إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع»، ولما «أراد أسامة بن زيد ﵁ أن يشفع في امرأة وجب عليها حد السرقة، وشق ذلك على قومها، فطلبوا من أسامة أن يشفع عند رسول الله ﷺ في عدم قطع يدها، فشفع أسامة وكلم الرسول ﷺ فغضب عليه غضبا شديدا، وقال: أتشفع في حد من حدود الله، إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد ﷺ سرقت لقطعت يدها»، وفي الحديث: «لعن الله من آوى محدثا»، آواه يعني: حماه من إقامة الحكم الشرعي عليه، فالشفاعة السيئة هي ما كانت في شيء محرم.
[ ٨٢ ]
أما الشفاعة عند الله - جل وعلا – فهي ثابتة في القرآن وفي السنة، وذلك بأن الله يكرم بعض عباده بأن يدعو لأخيه بما يخلصه من العقاب يوم القيامة، تكريما للشافع ورحمة بالمشفوع، فهذه هي الشفاعة عند الله، وهي: أن يأذن الله - جل وعلا – لبعض أوليائه في أن يدعو الله بأن يتجاوز عمن استوجب العقوبة ويعفو عنه، وهذه ثابتة في القرآن، ولكن بشرطين:
الشرط الأول: أن تطلب الشفاعة من الله - جل وعلا – ويأذن الله بها، فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، بخلاف المخلوقين، فقد يشفع الشفعاء عندهم ولو لم يأذنوا، بل ربما يكرهون ذلك، أما الله - جل وعلا – فإنه لا يشفع عند أحد إلا بإذنه، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
الشرط الثاني: أن يكون المشفوع فيه من أهل الإيمان، ولكن عنده ما يوجب عليه العذاب لكبيرة من كبائر الذنوب ارتكبها، فهو من أهل الإيمان من أصحاب الجرائم التي دون الشرك، وأما المشرك فإن الله لا يرضى أن يشفع فيه، ولا تقبل فيه شفاعة، قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ يعني: الملائكة ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ارتضى الله قوله وعمله وهو المؤمن، أما الكافر فإن الله لا يرتضيه، فلا تنفعه الشفاعة، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] .
فإذا توفر الشرطان: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع فيه، فالشفاعة حق، وإذا اختل شرط فهي شفاعة مردودة، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، هذا الشرط الأول، ﴿وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، هذا الشرط
[ ٨٣ ]
الثاني، فهذه هي الشفاعة عند الله، تجوز بشرطين، فإذا توفر الشرطان فالشفاعة صحيحة ومقبولة عند الله جل وعلا، وإذا اختل شرط فهي مردودة ولا تقبل.
والناس انقسموا في أمر الشفاعة إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط:
الطرف الأول: الذي نفوا الشفاعة وهم الخوارج والمعتزلة، وقالوا: إن من استوجب النار لا بد أن يدخلها، بناء – عندهم – على أنه لا يستوجب النار إلا كافر؛ لأنهم يكفرون أصحاب الكبائر من هذه الأمة، فيقولون: لا تنفعهم الشفاعة، فمن استوجب النار لا بد أن يدخلها، ومن دخلها فإنه لا يخرج منها. هذا مذهبهم، فينفون الشفاعة التي ثبتت وتواترت بها الأدلة.
الطرف الثاني: الذين غلوا في إثبات الشفاعة، وهم القبوريون والخرافيون الذين يتعلقون بالأموات، ويطلبون منهم الشفاعة، ويدعونهم، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، وإذا قيل لهم: هذا شرك، قالوا: هذا طلب للشفاعة؛ كما قال المشركون الأولون: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فهم غلوا في إثبات الشفاعة حتى طلبوها من غير الله، طلبوها من الموتى والمقبورين، وطلبوها أيضا لمن لا يستحقها وهم أهل الشرك والكفر بالله ﷿.
الوسط: أهل السنة والجماعة توسطوا، كما هي عادتهم: الوسطية في كل الأمور – ولله الحمد – فلم ينفوا الشفاعة مطلقا كما نفتها الخوارج والمعتزلة، ولم يثبتوها مطلقا كما غلا في إثباتها القبوريون والخرافيون.
هذا مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة؛ فمما يجري
[ ٨٤ ]
في يوم القيامة: الشفاعة؛ ولهذا ساقها المصنف ﵀ في جملة ما يكون في اليوم الآخر، أنه يؤمن بكل ما يكون في اليوم الآخر، ومنه الشفاعة.
والشفاعة ستة أنواع:
منها ما هو خاص بالنبي ﷺ، ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره من الملائكة، والأولياء والصالحين، والأطفال الأفراط الذين يشفعون.
فأما الخاص بالنبي ﷺ فهو:
الشفاعة الأولى: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، وذلك حينما يتقدم الناس في الموقف، موقف الحشر، ويطلبون من الأنبياء أن يشفعوا لهم عند الله في أن يريحهم من الموقف؛ لأنه طال عليهم الوقوف، مع ما هم فيه من الحر والضيق وطول الوقوف، حيث يقفون خمسين ألف سنة، فيتقدمون ويطلبون من آدم ﵇ أبي البشرية أن يشفع لهم عند الله في أن يفصل بينهم ويريحهم من الموقف، فيعتذر آدم ﵇، ثم يطلبونها من نوح ﵇ أول الرسل، فيعتذر، فيطلبونها من إبراهيم ﵇ فيعتذر، ويطلبونها من موسى ﵇ فيعتذر، ويطلبونها من عيسى ﵇ فيعتذر، ثم يطلبونها من محمد ﷺ فيستعد لها، ويقول: «أنا لها، أنا لها»، بعد ما يطلبونها من أولي العزم كلهم ويعتذرون إلا نبينا محمدا ﷺ فإنه يقبل أن يشفع لهم عند الله، فيخر ساجدا تحت العرش، فيدعو ربه ﷿ ويحمده، ولا يزال كذلك حتى يقال له: «يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع» . فيشفع عند الله في أهل المحشر، في أن يفصل الله بينهم بحكمه، ويريحهم من الموقف،
[ ٨٥ ]
ويقبل الله شفاعته، فهذا هو المقام المحمود، الذي قال الله - جل وعلا – فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهو الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، إظهارا لفضله وشرفه ﷺ في هذا الموقف العظيم.
الشفاعة الثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوها، وتفتح لهم، فهو أول من يستفتح باب الجنة ﵊؛ ولهذا قال - جل وعلا -: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، لا تفتح لهم أول ما يأتون، بل عطف الفتح على مجيئهم؛ لأنه لا يفتح لهم إلا بعد الشفاعة، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أما الكفار – والعياذ بالله – فمن حين يصلون إلى النار تفتح لهم أبوابها، يدفعون إليها ويدعون إليها دعا – والعياذ بالله - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، إلى آخر الآيات، هذه الشفاعة الثانية للرسول ﷺ والخاصة به.
الشفاعة الثالثة: أنه يشفع ﷺ لأناس من أهل الجنة في رفعة منازلهم في الجنة.
الشفاعة الرابعة: شفاعته في عمه أبي طالب، الشفاعة لا تنفع الكفار، ولكن نظرا لأن أبا طالب حمى النبي ﷺ ودافع عنه، وصبر معه على الضيق، وأحسن إلى الرسول ﷺ، ولكنه لم يوفق للدخول في الإسلام، وعرض عليه النبي ﷺ الإسلام وحرص على أن يدخل في الإسلام، ولكنه أبى؛ لأنه يرى أنه دخوله في الإسلام فيه مسبة لدين آبائه، حيث أخذته الحمية الجاهلية لدين آبائه، وإلا فهو يعترف أن محمدا على الحق، وأن دينه هو الحق، ولكن منعته الحمية والأنفة؛ لأنه لو أسلم بزعمه لصار ذلك سبة على قومه.
[ ٨٦ ]
وهو القائل:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لرأيتني سمحا بذاك مبينا
فقد منعته الملامة وحذر المسبة على قومه، ولقد جاءه الرسول ﷺ وهو في سياق الموت، «وقال له: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، وكان عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ، فأعادا عليه، وقالا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: هو على ملة عبد المطلب. ومات على ذلك، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]»، ونزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] .
فالنبي ﷺ لا يشفع في إخراجه من النار؛ لأنه مخلد في النار، ولكن يشفع في أن يخفف عنه العذاب فقط، ويجعل في ضحضاح من نار، وفي أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، فلا يرى أن أحدا أشد منه عذابا، مع أنه أخف أهل النار عذابا.
فهذه الشفاعات خاصة بالنبي ﷺ.
الشفاعة الخامسة: مشتركة بين الرسول ﷺ وغيره من الملائكة
[ ٨٧ ]
والنبيين والأولياء والصالحين وأفراط المؤمنين، وهي الشفاعة في أهل الكبائر التي دون الشرك، يشفعون لهم ألا يدخلوا النار، وإن دخلوها يشفعون لهم أن يخرجوا منها، وهذه هي التي أنكرها الخوارج والمعتزلة، وقالوا: إن من استحق دخول النار فإنه لا بد أن يدخلها، ومن دخلها فإنه لا يخرج منها.
فقوله: «أؤمن» يعني: أصدق وأعتقد «بشفاعة النبي ﷺ» الخاصة به، وكذلك يؤمن بالشفاعة المشتركة؛ لأن هذا مذهب أهل السنة والجماعة.
«وأنه أول شافع» كما في الحديث، حديث الموقف، «وأول مشفع» فهناك شفعاء ولكن هو أول الشفعاء ﵊، وهو أول من يستجاب له من الشفعاء، وفي هذا رد على الذين يقولون: إن الشيخ ينكر الشفاعة.
[ ٨٨ ]
إنكار شفاعة النبي
ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] .
وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] .
ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال؛ كالخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أصحاب الكبائر، ويقولون: إنهم خالدون مخلدون في النار لا تنفعهم شفاعة الشافعين. أما أهل السنة فيثبتون الشفاعة، ولكن شفاعة النبي ﷺ وغيره من الشفعاء لا تكون إلا بشرطين، ذكرهما الله في القرآن:
الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، وليس كما يكون من ملوك الدنيا الذين يشفع عندهم الشفعاء ولو لم يأذنوا.
الشرط الثاني: أن يرضى عن المشفوع فيه، بأن يكون من أهل التوحيد، ومن أهل الإيمان، ولو كان عنده ذنوب يستوجب بها دخول النار، أو دخل بها النار، فهذا مؤمن تنفعه الشفاعة بإذن الله، أما الكافر فلا تنفعه الشفاعة، إلا ما استثني من شفاعة أبي طالب، وهذه خاصة.
[ ٨٩ ]
وقوله: «وهو لا يرضى إلا التوحيد»، لا يرضى عن المشرك، وإنما يرضى لأهل التوحيد، «ولا يأذن إلا لأهله»، ولا يأذن للشفعاء إلا في أهل التوحيد.
«وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب» . قال تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٠ - ٤٣]، من الأسباب التي أدخلتهم النار: أنهم لم يكونوا من المصلين، فدل على أن من ترك الصلاة متعمدا فهو كافر مخلد في النار، وفي هذا رد على الذين يقولون: إن ترك الصلاة كفر أصغر. بل هو كفر أكبر بدليل هذه الآية: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ يعني لا يصلون ولا يدفعون الزكاة، والصلاة والزكاة قرينتان في كتاب الله، فدل على أن ترك الصلاة كفر من وجهين:
الوجه الأول: أن الله ذكر ترك الصلاة مع هذه الأمور التي هي كفر بالإجماع: التكذيب بيوم الدين هذا كفر بالإجماع، منع الزكاة جحدا لوجوبها هذا كفر بالإجماع، الخوض في آيات الله ﷿ هذا من الكفر بالإجماع، فدل على أن ترك الصلاة كفر؛ لأنه قرن مع هذه الأشياء.
الوجه الثاني: قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، فدل على أن تارك الصلاة عمدا لا تقبل فيه الشفاعة، وهذا إنما يكون في الكافر، فلو كان مؤمنا لقبلت فيه الشفاعة.
[ ٩٠ ]
الإيمان بخلق الجنة والنار
وأؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان.
مما يكون يوم القيامة: الجنة والنار، الجنة التي أعدها الله للمتقين، والنار التي أعدت للكافرين، داران لا بد من ورودهما، وهما الداران الباقيتان، دار القرار: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، ليس فيها ارتحال ولا انتقال، بل أهلها يستقرون فيها أبد الآباد، فأهل الإيمان يكونون إلى الجنة التي أعدت للمتقين، وأهل النار يكونون إلى النار التي أعدت للكافرين.
والإيمان بالجنة والنار في ثلاث مسائل ذكرها هنا:
المسألة الأولى: أنهما مخلوقتان، قال تعالى في كل منهما ﴿أُعِدَّتْ﴾، أي: خلقت وهيئت، فهما مخلوقتان من جملة الخلق.
المسألة الثانية: أنهما موجودتان، قال ﵀: «وأنهما اليوم موجودتان» ردا على الذين يقولون: إنما توجدان يوم القيامة، أما الآن ليس هناك جنة ونار. وهذا باطل فإنهما الآن موجودتان، ودليل ذلك:
أولا: أن الله قال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فقوله: أعدت هذا فعل ماض يدل على أنهما قد خلقتا، لم يقل: تخلق أو تعد، بل قال: أعدت، هذه حكاية للماضي.
ثانيا: أن الرسول ﷺ أخبر أن ما يصيب الناس من شدة الحر، أو من شدة البرد أنه من جهنم، وجهنم لها نفسان:
* نفس في الصيف، وهذا أشد ما يجده الناس من الحر.
[ ٩١ ]
* ونفس في الشتاء، وهذا أشد ما يجده الناس من البرد.
فدل على أنهما موجودتان، وأن هذا الحر وهذا البرد من النار والعياذ بالله.
ثالثا: «أن الصحابة كانوا جالسين عند النبي ﷺ، فسمعوا وجبة، يعني: شيئا سقط، قال: أتدرون ما هذا؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها»، فهذا دليل على أن النار موجودة.
رابعا: - جل وعلا – ذكر أن الميت إذا وضع في قبره يفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من روحها وطيبها، وأن الكافر والمنافق يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من سمومها وحرها، فهذا دليل على أنهما موجودتان الآن.
المسألة الثالثة: أنهما لا يفنيان، ولا يبيدان أبد الآباد، النار تبقى، وأهلها يبقون، والجنة تبقى، وأهلها يبقون فيها إلى ما لا نهاية.
وفي هذا رد على الذين يقولون: إن الجنة والنار تفنيان ولا يبقى إلا الله؛ لأنهما لو بقيتا لشاركتا الله في البقاء. فنقول لهما: هناك فرق بين بقاء الخالق، وبقاء المخلوق، بقاء الخالق ذاتي، وأما بقاء المخلوق فهو بإبقاء الله - جل وعلا – له، ففرق بين هذا وهذا. ومنهم من يقول: إن الجنة تبقى، ولكن النار تفنى. وهذا أيضا قول خطأ، والصواب: أنهما باقيتان أبد الآباد.
[ ٩٢ ]
الإيمان بالرؤية لأهل الجنة
وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته.
هذه المسألة من مسائل يوم القيامة أيضا؛ لأن الشيخ لا زال ﵀ يعدد ما يكون يوم القيامة، ومن ذلك: «أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم»، إكراما لهم في الجنة، ولا يجدون أطيب من رؤيتهم لله ﷿ ولا ألذ من رؤيتهم لربهم ﷿.
وقد جاء هذا في القرآن، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله؛ كما في «صحيح مسلم»، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، المزيد: هو رؤيتهم لوجه الله ﷾؛ كما جاء في التفسير.
وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] ﴿نَاضِرَةٌ﴾ الأولى بالضاد، من النضرة وهي البهاء والحسن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالظاء المشالة، أي: ناظرة بأبصارها، ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ عداه بـ «إلى»، وإذا عدي النظر بـ «إلى» فمعناه المعاينة بالأبصار، فأبصار أهل الإيمان تنظر إلى ربها جل وعلا.
وكذلك قوله تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، أي: لا يرون الله يوم القيامة، فدل على أن المؤمنين يرون الله؛ لأنه إذا حجب عنها الكفار، دل على أن المؤمنين لا
[ ٩٣ ]
يحجبون عنها؛ كما قال الإمام الشافعي ﵀، وإلا لم يكن هناك فرق، لو كان الله لا يرى يوم القيامة لما خص الكفار، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] .
وأما الأحاديث فكثيرة جدا ومتواترة عن النبي ﷺ، وقد استقصاها الإمام العلامة ابن القيم في كتابه: «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح»؛ أي: استقصى الأحاديث الواردة في الرؤية، وأنها بلغت حد التواتر.
أما المعتزلة ومن سار في ركابهم فإنهم ينفون الرؤية كعادتهم؛ لأنهم لا يصدقون بالأحاديث، وإنما يتبعون عقولهم وأفكارهم، ويستدلون بالمتشابه من القرآن، مثل قوله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قالوا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ هذا نفي للرؤية فدل على أن الله لا يُرى.
والرد على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه لو كانت رؤية الله غير جائزة لما سألها موسى؛ لأن موسى نبي الله وكليم الله، لا يمكن أن يسأل شيئا لا يجوز، فدل هذا على أن رؤية الله جائزة، ولكنه لن يراه في هذه الدنيا؛ لأن المخلوقين لا يقوون على رؤية الله في هذه الدنيا؛ ولهذا ضرب الله له المثل: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ يعني: مغشيا عليه، فدل على أن موسى لا
[ ٩٤ ]
يطيق رؤية الله في هذه الدنيا، وكل مخلوق لا يطيق رؤية الله في هذه الدنيا لضعف المخلوقين في هذه الدار.
أما في الجنة، فالله يعطي المؤمنين قوة على أن يروا ربهم ﷾.
الوجه الثاني: أن الله - جل وعلا – لم يقل لموسى: إني لا أرى، بل قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: في هذه الدنيا، و«لن» لا تقتضي النفي مطلقا، وإنما تقتضي النفي المؤقت؛ ولهذا يقول ابن مالك في «الكافية الشافية»:
ومن رأى النفي ب (لن) مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا
فلن للنفي غير المؤبد؛ ولهذا قال الله - جل وعلا – في اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] يعني: الموت، وفي الآخرة يتمنون الموت، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ففي يوم القيامة يطلبون الموت مع أنهم في الدنيا لن يتمنوه، فدل على أن «لن» لمطلق النفي ولا تقتضي تأبيدا، وإنما هو نفي مؤقت، والله - جل وعلا – قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: في الدنيا، فليس لهم متمسك في هذه الآية.
الشبهة الثانية: تمسكوا بظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، قالوا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ يعني: لا تراه.
والجواب أن يقال: ليس معنى ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ أنها لا تراه، لكن معناه أنها لا تحيط به، والإدراك معناه: الإحاطة، والله لم يقل: لا
[ ٩٥ ]
تراه الأبصار، بل قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾، ونفي الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤية، فقد يرى الإنسان الشيء ولا يدركه كله، فأنت مثلا، ترى الشمس، ولكن هل تدركها كلها؟ فما كل ما يرى يدرك كله، فالآية ليس فيها نفي الرؤية، بل فيها نفي الإدراك. يعني: وإن رأته فهي لا تدركه؛ لأن الله - جل وعلا – أعظم من كل شيء، فلا يحاط به جل وعلا، فليس في الآية دليل على نفي الرؤية، وإنما فيها نفي الإدراك فقط.
فقوله: «يرون ربهم بأبصارهم» رد على من يقول: يرونه بقلوبهم؛ لأن الرؤية قد تكون قلبية، وتكون بصرية، وهم يقولون: يرونه بقلوبهم. لو كان بقلوبهم ما قال الرسول ﷺ: «كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب»، هل الشمس ترى بالقلب أو بالبصر؟ الجواب: بالبصر.
وقوله: «كما يرون القمر ليلة البدر» كما يرون البدر عند تمامه ليلة الخامس عشر؛ لأن القمر يتكامل ليلة الرابع عشر والخامس عشر: ولهذا تسمى ليالي الإبدار، يعني: تكامل القمر، فأنت تراه واضحا، وكل الناس يرونه ليلة البدر واضحا، كل أهل الأرض يرونه جليا، والشمس لا مرية أن الناس يرونها كل يوم. وقوله: «لا يضامون في رؤيته»، يعني: كل يراه بسهولة ويسر بدون زحام ولا خطر: لأن الناس ربما يتزاحمون على الشيء الواحد، ويحصل خطر أو موت أو دهس، ولكنهم يرون ربهم من غير مضارة ولا زحام، وهذا حتى في المخلوق،
[ ٩٦ ]
فالناس كلهم يرون القمر ولا يتزاحمون على رؤيته، ويرون الشمس ولا يتزاحمون على رؤيتها، فإذا كان هذا في المخلوق، ففي الخالق من باب أولى.
[ ٩٧ ]
الإيمان بأن النبي خاتم النبيين
وأؤمن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته.
لما ذكر ﵀ في مقدمة الرسالة بعض أصول الاعتقاد الذي سئل عنه، ذكر في هذا اعتقاده في النبي ﷺ؛ لأن أول أصول الاعتقاد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فشهادة أن لا إله إلا الله يدخل فيها كل ما يتعلق بالرب ﷾ من توحيده بأقسامه الثلاثة، وما يتعلق بأفعاله، وبكلامه وكل ما يتعلق بالرب ﷾ كله يدخل في شهادة أن لا إله إلا الله، ثم شهادة أن محمدا رسول الله، وهي الإقرار والاعتراف برسالة محمد ﵊، يعتقدها بقلبه، وينطق بلسانه، ويتبع ذلك باتباعه ﷺ وطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه وتصديق خبره.
كل هذا يدخل في شهادة أن محمدا رسول الله، يدخل فيها الإيمان بعموم رسالته إلى الجن والإنس – الثقلين – ويدخل فيها الإيمان بأنه خاتم النبيين، لا نبي بعده، كل هذا يدخل في شهادة أن محمدا رسول الله، فلا بد من الاعتراف بالقلب والنطق باللسان، فلا يكفي النطق باللسان دون اعتقاد القلب بأنه رسول الله، فالمنافقون يشهدون أنه رسول الله بألسنتهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وهم كاذبون في شهادتهم.
ثم لا يكفي أيضا الاعتقاد بالقلب بدون تلفظ ونطق وإفصاح باللسان، فإن المشركين يشهدون أنه رسول الله بقلوبهم، لكن لا يتلفظون بذلك، فقد أبوا استكبارا وعنادا وجحودا أن يتلفظوا
[ ٩٨ ]
برسالته ﷺ، مع أنهم يعترفون بها في قلوبهم، قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، واليهود والنصارى يعلمون أنه رسول الله، لكن منعهم الكبر والحسد أن ينطقوا بذلك، وأن يتبعوه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦، ١٤٧]، فلا بد من هذه الأمور في شهادة أنه رسول الله:
* النطق باللسان.
* والاعتقاد بالقلب.
* والمتابعة له ﷺ.
فلا يكفي أن يعترف بأنه رسول الله وينطق بذلك ولكن لا يتابعه، فلا يطيعه فيما أمر، ولا يجتنب ما نهى عنه، أو يكذبه فيما أخبر؛ ولهذا يقول الشيخ في عبارة جميلة له في «ثلاثة أصول»: «ومعنى أشهد أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله بما شرع»، فالعبد ما دام يشهد أنه رسول الله فلا بد أن يتقيد بما جاء به، ولا يخالفه بالبدع والمحدثات.
قوله: «خاتم النبيين» يعني: آخر الأنبياء، ليس بعده إلا قيام الساعة، ولهذا يسمى نبي الساعة، قال ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى»، فهو نبي الساعة، وبعثته
[ ٩٩ ]
من علامات الساعة، لا نبي بعده، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، قال ﷺ: «إنه سيكون بعدي كذابون ثلاثون، كل منهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي» .
فالذي لا يعتقد ختم الرسالة به ﷺ كافر، أي: الذي يقول: يجوز أنه يبعث نبي بعد الرسول. هذا كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين؛ كالقاديانية الذين يعتقدون نبوة غلام القادياني، وكذلك الذين اعتقدوا نبوة مسيلمة، ونبوة الأسود العنسي.
ومن ادعى النبوة بعد النبي ﷺ فهو مرتد بذلك عن الإسلام، فإن تابوا تاب الله عليهم، مثل: طليحة الأسدي الذي ادعى النبوة ثم تاب من ذلك فتاب الله عليه وقتل شهيدا ﵁، وسجاح التميمية التي ادعت النبوة ثم تابت فتاب الله عليها، أما من ادعى النبوة أو صدق من يدعيها فهو كافر مرتد عن دين الإسلام؛ لأنه لا نبي بعد الرسول ﷺ، ولا حاجة إلى النبي بعد الرسول، ولا حاجة إلى كتاب ينزل بعد القرآن؛ لأن الله أغنى العالم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، فرسالته عامة في الزمان والمكان، فهي عامة في الزمان إلى أن تقوم الساعة، وعامة في المكان لجميع أقطار الأرض، كلها عامة إلى أن تقوم الساعة وشاملة وكافية للخلق، وإنما تكون بعثة الرسل عند الحاجة، والعالم ليس بحاجة لبعثة رسول أو إلى نزول كتاب بعد محمد ﷺ وبعد القرآن.
[ ١٠٠ ]
وأما نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان – كما تواترت بذلك الأخبار – فهو حق، ولكنه ينزل على أنه تابع لهذا الرسول محمد ﷺ، يحكم بشريعة الإسلام، ويكون تابعا للنبي ﷺ، ويقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ولا يبقى إلا دين الإسلام، فبعد نزول المسيح لا يبقى إلا الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ، فهو مجدد لدين الإسلام وتابع للرسول ﷺ، فلا نبي بعد الرسول محمد ﷺ.
قوله: «والمرسلين»؛ لأن بعض الملاحدة يقول: الرسول يقول: «لا نبي بعدي» ولا يمنع أن يبعث رسول؛ لأنه قال: «لا نبي بعدي»، فالممنوع هو النبوة أما الرسالة فلا. يا سبحان الله! لا يكون الرسول إلا نبيا. فبينهما عموم وخصوص، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.
وقوله: «ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته»، لا بد أن يشهد بنبوته ويؤمن برسالته، أي: بأنه نبي رسول ﵊، والرسالة أعم من النبوة، فمن أبى أن يشهد أنه رسول الله فهو كافر، أو لم يعترف بأنه خاتم النبيين، وأجاز أن يبعث بعده رسول فهو كافر، وقال: إن رسالته خاصة بالعرب وليست عامة؛ كما يقوله بعض النصارى، الذين يؤمنون برسالته ولكن يقولون: إنه نبي للعرب خاصة.
وهذا كفر؛ لأنه لا بد من الإيمان بعموم رسالته ﷺ.
[ ١٠١ ]