شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [١٥]
تارك الصلاة عمدًا جاحدًا لها يكفر بالاتفاق، والخلاف فيمن تركها كسلًا وتهاونًا، وعامة السلف على كفر تارك الصلاة عمومًا.
أما ما يتعلق بأفعال العباد فيعتقد أهل السنة أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى فهو شاءها وقدرها، لكنه سبحانه أقدر العباد عليها -أي: الأفعال الاختيارية- خلافًا للقدرية وغيرهم، فإنهم يقولون: إن العبد يخلق فعله.
وهذا انحراف وضلال؛ لأنهم أثبتوا خالقين، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
[ ١٥ / ١ ]
حكم تارك الصلاة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واختلف أهل الحديث في ترك المسلم صلاة الفرض متعمدًا، فكفّره بذلك أحمد بن حنبل وجماعة من علماء السلف ﵏، وأخرجوه به من الإسلام؛ للخبر الصحيح: (بين العبد والشرك ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر).
وذهب الشافعي وأصحابه وجماعة من علماء السلف رحمة الله عليهم أجمعين إلى أنه لا يكفر ما دام معتقدًا لوجوبها، وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتد عن الإسلام، وتأولوا الخبر: من ترك الصلاة جاحدًا، كما أخبر سبحانه عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف:٣٧]، ولم يك تلبس بكفر فارقه، ولكن تركه جاحدًا له].
مسألة كفر تارك الصلاة على أنواع: النوع الأول: من ترك الصلاة كسلًا وتهاونًا، فهذا فيه نزاع وخلاف بين أهل العلم، فبعضهم قال بأنه يكفر؛ بناءً على ظاهر الحديث، ولأن الصحابة ﵃ شددوا على أمر الصلاة، حتى قالوا: ليس شيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، أو أنهم ما كانوا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، وهذا نقل لقول جميعهم في الجملة، وبعضهم قال: إن من تركها كسلًا يكون كفره كفر معصية، وإن استوجب القتل عند بعضهم فإنما استوجبه تعزيرًا، وبعضهم استثنى من تارك الصلاة كسلًا من داوم على تركها حتى وإن كان كسلًا، وقالوا: من داوم على تركها كسلًا دائمًا فإنه يكفر كفرًا مخرجًا من الملة، حتى وإن لم يجحد وجوبها.
فعند السلف قول قوي في أن من استمر وداوم على الإعراض عن الصلاة فإنه يكفر كفرًا مخرجًا من الملة، أما من تركها كسلًا، بمعنى: أنه يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا، فهذا هو الذي فيه الخلاف، وأما من تركها عمدًا فإن كان عن جحد لوجوبها فهذا كافر باتفاق الأئمة قديمًا وحديثًا، من تركها عمدًا جاحدًا لوجوبها فلا شك أنه يخرج من الملة؛ لأنه جحد معلومًا من الدين بالضرورة، وجحد ركنًا من أركان الإسلام، وحكمه حكم المعرض عن الدين بالكلية، أما من تركها عمدًا مع الإقرار بوجوبها فالقول الراجح أنه أيضًا يكفر كفرًا مخرجًا من الملة؛ لأنه تعمد، بمعنى: أنه داوم على تركها عمدًا، ويدخل فيمن تركها كسلًا على وجه الدوام؛ لأن المداومة على الترك لا تسمى كسلًا في الحقيقة، وإن كان ظاهرها الكسل، لكن المداومة على الترك تشبه العمد أو هو نوع من العمد.
فعلى هذا يتداخل القول الأول هذا مع القول الثاني فيمن تركها عمدًا غير جاحد لوجوبها، بمعنى أنه فرّط عن عمد ولم يكن مجرد تثاقل أو مجرد كسل أو تفريط أو نحو ذلك، إنما تعمد تركها مع تهيؤ الفرص له، ومع الاستعداد لوجود الأسباب الموجبة لإقامة الصلاة وغير ذلك.
فعلى هذا يكون الراجح من هذه الأقوال: أن من ترك الصلاة كسلًا باستمرار فهو نوع من العمد، بمعنى: أن من داوم على تركها لا يؤديها فالظاهر -وهو رأي جمهور السلف والذي تقتضيه النصوص- أنه يعتبر كافرًا كفرًا مخرجًا من الملة، أما من تركها كسلًا -بمعنى: أنه أحيانًا يفعل وأحيانًا يترك- فهذا هو محل الخلاف، ومع ذلك كثير من أئمة الدين يرجّحون أنه يكفر كفرًا مخرجًا من الملة، لكن يبقى الكلام محل نزاع، وليس هو الإجماع عند السلف ولا حتى قول الأكثر.
أما العمد والاستمرار على تركها عمدًا والجحد أيضًا فلا شك أنه باتفاق يكون مخرجًا من الملة.
وفي حال ترك الصلاة سنة أو سنتين أو أشهر طويلة يكون ارتد، وكونه صلى مرة أخرى هذا محل خلاف، هل مجرد إقامة الصلاة تعتبر دخولًا في الإسلام أو لابد أن ينطق بالشهادتين إلى آخره؟ هذا راجع إلى معنى كلام أهل العلم في تجديد الإسلام، وإلا فمن داوم على تركها فلابد أن يجدد إسلامه من جديد، بمعنى: أنه مرتد، لكن هل بعودته إلى الصلاة يعتبر رجع إلى الإسلام؟ هذه المسألة محل خلاف والله أعلم.
فالمهم أن المداومة هي الاستمرار على ترك الصلاة وقتًا طويلًا، أما من يصلي مثلًا غالبًا ويترك أحيانًا كسلًا، فهذا محل خلاف، والخلاف فيه قوي، وكثير من المحققين من أهل العلم قديمًا وحديثًا من الصحابة والتابعين وأئمة السلف إلى يومنا هذا من أئمة الدين نجد أن كثيرًا منهم يرجّحون أن من تركها ولو تهاونًا وكسلًا يعتبر مرتدًا خارجًا من الملة إذا كانت هذه ظاهرة عنده، بمعنى: أنه يترك أحيانًا ويصلي أحيانًا، فهذا متلاعب بالصلاة.
والمتهاون القول الراجح أنه مرتد.
وأما ترك الصلاة في المسجد دائمًا فهو كبيرة من كبائر الذنوب، يعني: إذا كان يصلي منفردًا في بيته ويترك الصلاة في الجماعة فهذا مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، ولا يعد خارجًا من الملة، وليس بكافر، لكنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وأما صلاة الجماعة بأهله فليست هي الجماعة المقصودة، وإنما المقصودة هي جماعة المسجد.
والمؤلف أحيانًا يرجّح، أما هنا فساق الأقوال وتركها؛ لأن المسأل
[ ١٥ / ٢ ]
عقيدة السلف أصحاب الحديث في أفعال العباد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه].
هذه المسألة راجعة إلى القول في مقادير العباد بما فيها أكساب العباد، وأكساب العباد جزء من مقاديره، والمقصود بأكساب العباد أفعالهم التي يفعلونها؛ فإنها تسمى أكسابًا؛ لأنهم يفعلونها بما أعطاهم الله ﷿ من القدرة والإرادة.
وهذه المسألة في الحقيقة من دقائق مسائل القدر التي خاض فيها المتكلمون خوضًا موّهوا فيه على كثير من الناس ولبّسوا فيه، وخرجوا عن قول السلف، وأدخلوا فيها مسألة الكسب، أي: أفعال العباد، فأهل السنة والجماعة يقولون: إن أفعال المكلفين المختارين الاختيارية هي مخلوقة لله ﷿، فالله ﷿ علم أفعال العباد وكتبها وشاءها وقدرها سبحانه في سابق علمه، ثم إنه هو الخالق لها، لكنه أقدرهم عليها، فعلى هذا يكون محل الخلاف هو أفعال العباد الاختيارية التي تحدث من طرف المكلفين، وعلى هذا تخرج أفعال العباد غير الاختيارية؛ لأنها بإجماع لا تكون إلا تحت إرادة الله الكونية، ولا تسمى أفعالًا لهم، لكنها تحدث فيهم، فحركة القلب وحركة الدم وجميع الحركات التي تسمى عند الناس اللاإرادية في الإنسان هذه داخلة في تقدير الله الكوني، وليست هي محل الخلاف، محل الخلاف هو أفعال العباد الاختيارية من المكلفين الذين عندهم تمييز وعقل، وإلا فأفعال الأطفال وأفعال المجانين وأفعال المخرّفين وأفعال غير المميزين لا تدخل في الخلاف، وإنما حصل الخلاف هنا في أفعال العباد المكلّفين الذين عندهم قدرة، وفيما يدخل تحت نطاق قدرتهم، هذا هو محل الخلاف، وهذا يسمى أكساب العباد أو كسب العباد، فأهل السنة والجماعة قالوا بالحق الذي تقتضيه النصوص، وردوا متشابه النصوص في هذه الأمور إلى المحكم، فأيقنوا بموجب قطعيات النصوص أن الله ﷿ هو المقدر لأفعال العباد الاختيارية، وأنه خالقها، وأنه سبحانه علمها وكتبها وشاءها ثم خلقها، وأن ذلك لا يتنافى مع إقدارهم عليها، فإن الله ﷿ أقدرهم على فعل هذه الأمور، ولأنه ﷿ هو علّام الغيوب وهو عليم بذات الصدور علم ما العباد فاعلون، وقدّر مقاديرهم.
والخلاف في هذا كثير، لكن أهم من خالفهم متكلمة الأشاعرة والماتريدية، خاصة الأشاعرة فإنهم قالوا: إن أفعال العباد قدرها الله ﷿ بناء على عزمهم على الفعل، فإن الله لم يُوجد عندهم القدرة على كسب الأفعال إلا حين الفعل، ولم يخلق لهم القدرة لا قبل ولا بعد الفعل، ولم يكن عندهم استعداد ولا مقدرة على الفعل لا قبل ولا بعد، فلذلك صار عندهم نوع من الجبر، والشيخ هنا لم يكن يقصد الرد على هذا الصنف، لكن أنا أشرت إليه؛ لأن الأشاعرة هم الذين يستعملون كلمة الكسب والأكساب؛ فإنهم يرون أن أفعال العباد ليست من مقدورهم مع أنا نعلم أن الله ﷿ جعل أفعال العباد من خلقه، لكنه جعلها من مقدور العباد، فقالوا: إنها ليست من مقدورهم، بمعنى: أنه لم توجد عندهم القدرة على الأفعال لا قبل الأفعال ولا بعدها، إنما القدرة يصنعها الله ﷿ ويخلقها أثناء عزم الإنسان على الفعل، ويسمون هذا الكسب، لكن الذين أشار إليهم الشيخ هنا هم القدرية الخالصة، والتي تمثلت بالمعتزلة الذين زعموا أن أفعال العباد ليست من خلق الله ﷿ ولا من تقديره، إنما قالوا: إن الله ﷿ أوجد عندهم عموم القدرة، لكن مفردات الأفعال ليست من خلق الله، فهم يزعمون أن الله ﷿ جعل القدرة الكامنة هي الخالقة للفعل، أي: أنه أعطى الإنسان قدرة كامنة فيه، وهذه القدرة هي المتسببة في الفعل، وكثير منهم لم يصرّحوا بأن الإنسان خالق أفعاله، لكن هذا من لوازم قولهم؛ لأنهم قالوا: مقادير أفعال العباد الاختيارية ليست من تقدير الله، ولم يقدرها الله ﷿، حتى إن بعضهم نفى العلم وقال بأن الله لم يعلمها حتى حدثت، لكن لما صودموا بقوة إنكار السلف قالوا: إنه علمها، فبقوا في الكتابة فبعضهم أنكر الكتابة وبعضهم تأولها وبعضهم أثبتها.
أيضًا ربما بعضهم أثبت المشيئة العامة لكنه نفى الخلق، وقال بأن الإنسان مقدر أفعاله، وأن الإنسان موجد أفعاله، فعلى هذا المعتزلة يرون أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله ﷿، ويزعمون أن ذلك لا يليق في حق الله ﷿؛ لأنهم عندهم شبهة وهي أنهم يقولون بأنه لا يليق بأن الله ﷿ يخلق أفعال العباد ثم يحاسبهم عليها، خاصة أفعال الشر، فإذًا: بزعمهم لابد أن يكون العباد هم الموجدون لأفعالهم وهم المقدرون لها، وهذا القول هو الذي انتهت إليه المعتزلة؛ ولذلك ألزموا بأن يقولوا بأن هناك خالقًا مع الله ﷿، فقيل لهم: إذا لم تكن أفعال العباد من تقدير الله ﷿ فلابد أن تكون من تقدير مقدر مع الله حتمًا، وأنه يحدث في ملك الله ما لا يشاؤه ولا يريده، فلذلك ألزموا بأن يقولوا بأن الإنسان خالق أفعاله، ومنهم من التزم ذلك أو صرّح بأن الإنسان خالق أفعاله، لكن جمهور المعتزلة يتورعون عن أن يقولوا بأن الإنسا
[ ١٥ / ٣ ]
عقيدة السلف أصحاب الحديث في مسألة الهداية والإضلال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه، ويضل من يشاء عنه، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه، قال الله ﷿: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة:١٣] الآية، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩] الآية.
﷾ خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فرقتين: فريقًا للنعيم فضلًا، وفريقًا للجحيم عدلًا، وجعل منهم غويًا ورشيدًا، وشقيًا وسعيدًا، وقريبًا من رحمته وبعيدًا، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]، قال ﷿: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٢٩ - ٣٠]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف:٣٧].
قال ابن عباس ﵄: هو ما سبق لهم من السعادة والشقاوة].
في هذا المقطع بعض المسائل تحتاج إلى وقفة: الأولى: مسألة الهداية والإضلال، وهذه مسألة في الحقيقة كثيرًا ما يخوض فيها الناس، وهي من الأمور التي انبثقت أو خرجت منها شبهات القدرية الأولى والقدرية الثانية، المعلوم من نصوص الشرع القاطعة وما أجمع عليه السلف وهو مقتضى العقل السليم والفطرة، أولًا بأن الله ﷿ له الحكم وله الأمر، وأنه لا راد لقضائه سبحانه، ولا معقّب لحكمه، وأنه يفعل في خلقه ما يشاء، فلو جعل جميع خلقه من الهداة لكان له ذلك ولا راد لقضائه ولا معقّب لحكمه، ولو جعلهم كلهم إلى غير هذا المصير لكان الله ﷿ له ذلك؛ لأن الله له الملك وله الأمر ويفعل في ملكه ما يشاء، هذه قاعدة مجملة إذا استشعرها الإنسان استراح من أن يخوض في دقائق الأمور، هذا أمر.
الأمر الآخر: أن مسألة الهداية والإضلال مبنية على علم الله السابق في ماذا سيفعل العباد، والله ﷿ حينما قدّر على طائفة من عباده الشقاوة قدرها لأنه عالم بأنهم سيسلكون طريق الشقاوة اختيارًا لا قسرًا؛ لأن الله ﷿ أعطاهم الاستعداد وأوجد عندهم القدرة وبيّن لهم الطريق، فليس لأحد حجة، فمن هنا كانت كتابة السعادة والهداية والضلال والسعادة والشقاوة مبنية على علم الله السابق عن العباد أنهم فاعلون، ثم بعد ذلك حينما جعل فريقًا للنعيم -نسأل الله أن يجعلنا جميعًا منهم- هذا فضل منه سبحانه، وحينما جعل فريقًا للجحيم هذا مقتضى عدله، وبعض الناس قد لا يفرّق بين العبارتين، أو لا يفهم ما معناها، وقد قلنا بأن الذين أنعم الله عليهم أنعم الله عليهم بفضله سبحانه ورحمته؛ لأن أعمال العباد مهما بلغت من الكمال لا تكافئ شيئًا من نعم الله ﷿، فلو أن إنسانًا كان أكثر المعمّرين عمرًا وقضى جميع عمره في أكمل عبادة يريدها الله ﷿، فإنه لا يبلغ بذلك مجازاة أو مكافأة نعمة الله عليه؛ بل إن عمله للصالحات هو بتوفيق الله.
إذًا: ليس هناك شيء يكافئ نعمة الله ﷿، وأي عمل يعمله الإنسان لا يكافئ نعمة الله، فنعمة الله ﷿ على العبد أولًا بوجوده، ثم بتوفيقه له، وتيسير الأمر له، وتهيئة الوسائل العقلية والجوارح والاستعدادات والنبوات والكتب والتوفيق والفطرة والعقل السليم، تهيئة هذه الأمور للعبد ليطيع الله بها، هذه نعمة من الله، ولو لم يهيئها الله للعبد فلا يمكن أن يعبد الله أو يوفق، ثم نعمة التوفيق هي بحد ذاتها نعمة لا يكافئها من العبد عمل أبدًا، فعلى هذا تكون هداية من هداه الله ﷿ والإنعام على من أنعم الله عليه، والحكم بالسعادة والجنة على طائفة من عباده هذا من فضل الله ﷿، ليس بعمل العبد.
المسألة الأخرى: كونه ﷿ كتب الشقاوة على طائفة من عباده هذا عدل منه، بمعنى: أنه كتبها عليهم بعملهم، ولم تكن الشقاوة مبنية إلا على علم الله عن هؤلاء العباد أنهم سيعصون ويكفرون، ومن هنا كتب الله عليهم الشقاوة.
وهذا راجع إلى معنى التوفيق والهداية، ومعنى عدم التوفيق الإضلال والشقاوة ومترتباتها، ونحن نعلم يقينًا بمقتضى النصوص والفطرة السليمة والعقل الذي يعقل به الإنسان أن الله ﷿ حينما خلق البشر ما تركهم سدى، ولا تركهم عبثًا، فأوجد عندهم الاستعداد الذاتي بمعرفة الخير وعمله، ومعرفة الشر وتركه، ثم أرسل الرسل وأنزل الكتب، وبيّن للعبد طريق الخير ويسّره لهم وأقدرهم عليه، ورغّبهم فيه وأمرهم به، ثم رتّب عليه الثواب، وهذه حوافز واضحات، ثم بعد ذلك أيضًا خلق الش
[ ١٥ / ٤ ]
عقيدة السلف أصحاب الحديث في الخير والشر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره، لا مرد لها ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله له لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله لم يقدروا، على ما ورد به خبر عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﵌، وقال الله ﷿: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧] الآية.
ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه، أنه لا يضاف إلى الله تعالى ما يتوهم منه نقص على الانفراد، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، وفي ذلك ورد قول رسول الله ﷺ في دعاء الاستفتاح: (تباركت وتعاليت، والشر ليس إليك)، ومعناه والله أعلم: والشر ليس مما يضاف إليك إفرادًا وقصدًا، حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر! ويا مقدر الشر، وإن كان هو الخالق والمقدر لها جميعًا، لذلك أضاف الخضر ﵇ إرادة العيب إلى نفسه، فقال فيما أخبر الله عنه في قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، ولما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله ﷿ فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، ولذلك قال مخبرًا عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه وإن كان الجميع منه ﷻ].
لعل مما يوضح هذا أن نقول: إن الله ﷿ خالق كل شيء، وهو مقدر كل شيء، وكل شيء بقدره، الخير والشر وكل شيء من خلقه، لكن لا تنسب إليه مفردات خلق الشر؛ لأن أصل خلق الخير والشر حكمة من الله ﷿، فما دام خلق الشر لحكمة فلا يضاف الشر إليه مباشرة، إنما إلى حكمته، فمن هنا يتبين معنى كلام الشيخ هنا، فالله ﷿ خلق الشر لحكمة، والله ﷿ يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، الفتنة التي يبتلي بها العباد يتبين من ينجح ومن لا ينجح في مثل هذا الابتلاء، فما دام خلق الشر ابتلاءً فالابتلاء جاء لحكمة من الله ﷿ للعباد، فعلى هذا يكون أصل جميع الخلق الخير والشر لحكمة، فمن هنا يلتغي إضافة مفردات الشر إلى الله ﷿؛ لأن خلق الشر راجع إلى حكمته سبحانه.
[ ١٥ / ٥ ]
عقيدة السلف أصحاب الحديث في مشيئة الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله ﷿ مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، لم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء ألا يعصى ما خلق إبليس، فَكُفْر الكافرين وإيمان المؤمنين بقضائه ﷾ وقدره وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية، قال الله ﷿: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧]].
[ ١٥ / ٦ ]
الأسئلة
[ ١٥ / ٧ ]
حقيقة التشاؤم من المرأة والدابة والمسكن
السؤال
ثبت في الصحيح قول الرسول ﷺ: (الطيرة شرك)، وجاء في حديث سهل بن سعد أن الرسول ﷺ قال: (إن كان الشؤم في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن)، رواه البخاري ومسلم، فهل التشاؤم من الطيرة؟ وكيف الجمع بين هذين الحديثين؟ وهل يقاس على الفرس اليوم وسائل النقل الحديثة؟
الجواب
هذا سؤال جيد ومهم وفيه نوع من التفصيل، لكن أجمل الجواب بما يلي: أولًا: الطيرة شرك، والطيرة المقصود بها التشاؤم من شيء لم يرد في الشرع بأنه مشئوم، والمقصود بالطيرة هنا: التشاؤم الذي يؤدي إلى ترك الشيء أو الإحجام عن العمل أو الترك لا مجرد الاشمئزاز، فمن الطبيعي أن نشمئز من ذكر الشيطان أو من عمل الشيطان أعاذنا الله من الشيطان ومن أعماله ومن الطبيعي أن نشمئز من الكفر وذكر الكفر ومن الكافرين والكفار، فالاشمئزاز والكراهية للشر وأهله هذا من الإيمان ليس من التشاؤم، إنما التشاؤم هو ما يؤدي إلى إحجام الإنسان عن فعل الأسباب أو عن الإقدام على الأشياء، سواء كان إحجامًا قلبيًا أو إحجامًا عمليًا، فإذا أدى أي شيء من الأعمال إلى أن يترك الإنسان بدون سبب شرعي وإنما لمجرد أن سمع كلمة أو رأى شيئًا لا يعجبه أو خطر له خاطر فأعرض عن العمل، فهذا يعتبر من باب التشاؤم، وهو نوع من الطيرة.
إذًا: فالطيرة هي التطير الذي يؤدي إلى ترك الشيء أو فعله من غير أمر شرعي.
وقوله: (شرك) هذا يدخل فيه جميع أنواع الشرك بما فيه الشرك الأكبر، فإذا كان التطير أدى إلى اعتقاد أن هذا الذي سبب ترك الفعل يضر من دون الله ﷿، كما يتشاءم المشركون بما يدور حول أصنامهم تشاؤمًا يؤدي إلى أن يعتقدوا أن هذا المتشائم منه يفعل من دون تقدير الله، فهذا شرك أكبر، لكن غالب صور التطير من الشرك الأصغر، وهو مجرد كراهية الشيء أدت إلى الإحجام خوفًا من أن تكون نتيجة الفعل غير حميدة أو نتيجة الإقدام غير حميدة، فهذا في الحقيقة نقص في الإيمان وشرك دون شرك، ويعتبر من كبائر الذنوب، وهو أغلب ما يقع عند الناس غير المشركين عند عموم المسلمين عن ضعف إيمان، وعن قلة فقه، وعن نوع من الجهل، فهذا شرك دون شرك، وهو الظاهر في عموم أكثر الطيرة التي تحدث عند الناس، ما عدا الذين يشركون أصلًا.
أما التشاؤم في هذه الأمور الثلاثة فقد ورد عن النبي ﷺ فلا يقاس عليها غيرها إلا ما كان في حكمها، ويظهر لي والله أعلم أن السيارة في حكم المركوب الحمار والجمل والفرس.
وأيضًا التطير لا يعني بدون سبب هنا، يعني: الخبر في أن الشؤم يكون في ثلاث لا يفتح بابًا للتشاؤم، إنما يعني: أن الإنسان إذا وجد أذى من أحد هذه الثلاث فليتخلص منه، ولا يجوز لأحد أن يعتقد ابتداءً أن المرأة مشئومة، هذا حرام، أو يعتقد ابتداءً أن الفرس مشئوم.
أو يعتقد ابتداء أن المسكن مشئوم، لكن هذه الأمور في الغالب أنها تدور عليها حياة الإنسان أو منافع الإنسان الضرورية، ومنافع الإنسان الضرورية أكثر ما تدور حول هذه الأمور الثلاثة، فمن هنا إذا وجد المسلم أذى كبيرًا من هذه الأمور فلا مانع أنه يتخلص منه، فهذا يعتبر نوعًا من الشؤم، لكنه والله أعلم شؤم لغوي لا الشؤم الذي ليس له مبرر أو ليس له مقدمات، فهذه الأمور الثلاثة: المرأة والدابة والسكن الغالب أنه يحدث التشاؤم في بعض حالات أو من بعض أفراد من هذه الأمور، فقد تحدث أمور تنكد على الإنسان فيعد هذا من المعنى العام للتشاؤم لا المعنى الخاص المقصود بالتطير، ففيما يظهر لي أن الشؤم في هذه الأمور لون والتطير لون آخر، وأعود وأقول: إن هذه الأمور الثلاثة إذا واجه الإنسان منها أشياء تبرر التخلص منها فقد يسمى هذا شؤمًا، لكن ليس تطيرًا، ومع ذلك ليست هذه قاعدة؛ لأن كثيرًا من الناس ما يواجه من عسر ومشاكل من هذه الأمور الثلاثة أحيانًا يكون بسبب ذنوبه، وأحيانًا بسبب تفريطه في الأوراد والأسباب الشرعية.
[ ١٥ / ٨ ]
الجمع بين حديث: (كلتا يديه يمين) وبين حديث: (يقبض السماوات بيمينه والأرض بشماله)
السؤال
ما هو الجمع بين قوله: (كلتا يديه يمين) وقوله: (يقبض السماوات بيمينه والأرض بشماله)؟
الجواب
هذه أجاب عليها أهل العلم بأن المقصود بالشمال اليد الأخرى وليس المقصود بالشمال المعنى المعهود، وإنما هو تعبير عن اليد الأخرى، فهو تجاوز في التعبير.
[ ١٥ / ٩ ]
الكلام في تعليق عمل الإنسان بالأسباب
السؤال
هل هناك قدر معلق إن عمل الإنسان بالسبب كان، وإن لم يعمل لم يكن؟
الجواب
أما معلق استئنافًا فلا، وأما معلق قدرًا فنعم، فقد يكون معلقًا قدرًا، بمعنى: أن الله ﷿ جعل تقديره السابق على ما سيفعله الإنسان، لكن التعليق لا يعني أن الله ﷿ بدا له شيء، أو أنه لا يعلم ما سيفعل العباد، فالتعليق هنا لا يعني إلا فيما يظهر للعباد، أما فيما كتبه الله ﷿ فليس هناك أمور تعلق، بمعنى: أن الله ﷿ جعل التخيير فيما يبدو للعباد، كحديث زيادة العمر لمن يصل رحمه، وكحديث: (إن الدعاء والقضاء يلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان، فيغلب الدعاء القضاء)، هذا فيما يتعلق بما يظهر للعباد، أما في تقدير الله السابق فلا شك أن الله ﷿ قدر ما يكون عليه العبد، قدره سابقًا، إنما لحكمته ﷿ قد يظهر للعباد بعض الأمور التي تعلق بأشياء معلقة فيما يتعلق بدائرة المعلوم، أما دائرة الغير فلا شك أن الله ﷿ قدر جميع المقادير، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٥ / ١٠ ]