شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [٤]
يعتقد السلف أهل الحديث ويشهدون أن الله سبحانه فوق سماواته، مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، بخلاف أهل البدع من المؤولة والمعطلة والمفوضة، فأهل الحديث يثبتون ما أثبته الله له من العلو والفوقية والاستواء وغير ذلك مما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ.
[ ٤ / ١ ]
عقيدة السلف أصحاب الحديث في استواء الله وعلوه على عرشه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قبل أن نبدأ بالقراءة أحب أن أنبه إلى أن هذا عنوان لمسألة جديدة وهي مسألة العلو والفوقية والاستواء، جمعها الشيخ الصابوني في موضع واحد، وذلك لاقتران هذه الأمور بعضها ببعض، فالاستواء يدل على العلو والفوقية، وكذلك العلو والفوقية تضمنت معنى الاستواء، بمعنى: أن أدلة الاستواء تدل على العلو والفوقية، وكذلك أدلة العلو والفوقية تؤيد أدلة الاستواء فهو هنا يقرر العلو والفوقية والاستواء لما بينهما من الاقتران، ولذلك الذين أولوا الاستواء اضطروا إلى تأويل الفوقية والعلو، وكذلك العكس أيضًا، فالذين أولوا العلو والفوقية اضطروا إلى تأويل الاستواء، وإن كانت مسألة الاستواء هي أول ما بدأ المعطلة فيها، بمعنى: أن تعطيل الاستواء كان قبل الكلام في العلو والفوقية، خاصة عند المتكلمين الذين ورثوا الجهمية والمعتزلة، فإنهم تجرءوا على تأويل الاستواء قبل جرأتهم على إنكار العلو والفوقية لله ﷿، أي: بذاته سبحانه، وكذلك الجهمية كانت الشرارة الأولى لإنكار العلو عندهم بدأت بإنكار الاستواء، فهي متلازمة؛ لأن من أثبت العلو والفوقية جاز أن يثبت في مبدئه الاستواء ما دام ثبت فيه النص، وكذلك العكس من أثبت الاستواء لله ﷿ كما يليق بجلاله لزمه بالضرورة إثبات العلو والفوقية لله تعالى بذاته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله سبحانه فوق سبع سماوات على عرشه كما نطق به كتابه في قوله ﷿ في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣]، وقوله في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]، وقوله في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩]، وقوله في سورة السجدة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وقوله في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]].
هنا قرر المصنف أدلة الاستواء أولًا؛ لأنها أدلة قاطعة في إثبات الاستواء لله ﷿ بذاته على ما يليق بجلاله، ثم إنها مستلزمة للدلالة على العلو، وكذلك سيبدأ الآن بعد قليل في المقطع التالي في إثبات أدلة العلو؛ لأنها عاضدة لأدلة الاستواء؛ فأدلة العلو تعضد أدلة الاستواء، بينما أدلة الاستواء تستلزم إثبات العلو.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأخبر الله سبحانه عن فرعون اللعين أنه قال لـ هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى ﵇ يذكر أن ربه في السماء، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧] يعني: في قوله: إن في السماء إلهًا.
وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته].
أيضًا في كلام فرعون الذي ذكره الله ﷿ وفي محاولته الرقي في السماء فيه دلالة على أن مسألة العلو مسألة فطرية، وأن فرعون نظرًا لأنه في الباطن مستيقن ببعض الأمور الفطرية بما فيها علو الله ﷿، ففرعون طلب من هامان أن يبني له صرحًا، فلو لم يكن عنده شيء من المعرفة الفطرية بأن الله في السماء مع ورود ذلك على لسان موسى لما كلّف نفسه وأخذ هذا الأمر بجد، لكن عنده نزعة فطرية للاعتراف بأنه إن كان هناك إله لموسى فإنه سيكون في السماء، هذه تدل عليها الآية، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى ويؤمنون به، ويصدقون الرب ﷻ في خبره، ويطلقون ما أطلقه ﷾ من استوائه على عرشه، ويمرونه على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله].
في هذه العبارات شيء من الترادف وشيء من الخلاف أيضًا؛ لأن هذه العبارات في الحقيقة عبارات موجزة في سطرين لكنها ترمز إلى قواعد، فقوله: (يثبتون من ذلك ما أثبته الله لنفسه)، يعني بذلك: أن الأصل في كل ما ورد عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ في أسماء الله وصفاته وأفعاله إثبات ما أثبته الله لنفسه، ليس للناس في ذلك دخل، وليس لعقول الناس تدخل في هذا الأمر، هذه القاعدة الأولى.
القاعدة الثانية: قال: (ويؤمنون به
[ ٤ / ٢ ]
أنواع العلم بأسماء الله وصفاته وبيان معناها وذكر الأدلة
قوله: (ويكلون علمه إلى الله) وعلم أسماء الله وصفاته على نوعين: النوع الأول: إثبات الحقائق كما يليق بجلال الله، فهذا لابد أن يعتقد ولا يفوّض.
النوع الثاني وهو الذي قصده الصابوني هنا في قوله: (ويكلون علمه): وهو الكيفيات، ليس المقصود بالعلم الحقيقة هنا، المقصود بالعلم هنا الكيفية، فالسلف يكلون حقيقة أسماء الله وصفاته وأفعاله إلى الله ﷿، والمراد كيفياتها، أما حقيقتها التي هي معانيها الثابتة فليست محل إشكال ولا توقف؛ لأن الله خاطبنا بها بلسان عربي مبين، والله ﷿ خاطبنا بها لنعتقدها له سبحانه، ولنعتقد له الكمال من خلالها.
فمن هنا لابد أن يفهم في هذه العبارة وما يشبهها على ألسنة السلف -وهي كثيرة- أن قولهم: (ويكلون علمه إلى الله) ليس المقصود تفويض الأمر بلا إثبات، وليس المقصود التوقف بلا إثبات، وليس المقصود التأويل، إنما المقصود الكيفيات، فالكيفيات لا يعلمها إلا الله ﷿، فتكون من باب الأمور الغيبية التي يوكل علمها إلى الله.
قال رحمه الله تعالى: [ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] كما أخبر الله تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون ذلك، ورضي منهم فأثنى عليهم به.
أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي حدثنا محمد بن داود بن سليمان الزاهد أخبرني علي بن محمد بن عبيد أبو الحسن الحافظ من أصله العتيق حدثنا أبو يحيى بن كبيسة الوراق حدثنا محمد بن الأشرس الوراق أبو كنانة حدثنا أبو المغيرة الحنفي حدثنا قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة ﵂ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
وحدثنا أبو الحسن بن إسحاق المدني حدثنا أحمد بن الخضر أبو الحسن الشافعي حدثنا شاذان حدثنا ابن مخلد بن يزيد القهستاني حدثنا جعفر بن ميمون قال: سئل مالك بن أنس عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالًا، وأَمر به أن يُخرج من مجلسه].
هذه الكلمات تمثل قواعد أيضًا عند السلف، ولا تزال هي القواعد التي يرد بها على المؤولة؛ لأنها محكمة من كل وجه، وهي عصارة فهم السلف لمقتضى النصوص، فهذا التقعيد للإثبات هو خلاصة مقتضى نصوص الشرع الواردة في الكتاب والسنة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وذكرت على عدة وجوه كلها متشابهة ومتقابلة، فالكلام الذي نسب إلى أم سلمة سواء ثبت عنها أو لم يثبت هو قواعد صحيحة ذهبية ميّزت منهج السلف عن غيرهم في هذا الأمر في صفة الاستواء وفي غيرها، فهذه قاعدة تقال في جميع الصفات، فيقال: الاستواء غير مجهول، ويقال: النزول غير مجهول، ويقال: المجيء غير مجهول، ويقال: الغضب لله ﷿ غير مجهول، وهو كما يليق بجلاله، وهكذا بقية الصفات، والكيف غير معقول فالاستواء أو غيره من الصفات يقال: إنه غير مجهول، بمعنى أنه عُلم بخبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ أولًا، وثانيًا: عُلم بأنه حقيقة لله ﷿ على ما يليق بجلاله، فهو غير مجهول لدى المخاطبين لا سيما أن المخاطب المؤمن إذا سمع كلام الله ﷿ في صفاته أو كلام رسول الله ﷺ في صفات الله أثبتها لأول وهلة على الحقيقة، ثم زال عنه التشبيه باستشعار القاعدة الأخرى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فلابد من استشعار هذا المعنى دائمًا، وإثبات الصفة لله ﷿ على الحقيقة؛ لأنا خوطبنا بحقائق نعلمها، لكن الكيفيات المعلومة في المخلوقات منفية عن الله ﷿، فتثبت الصفات لله ﷿ مع نفي التشبيه والمماثلة.
إذًا: فالاستواء غير مجهول، بمعنى: أن له حقيقة، هذه الحقيقة هي بالنسبة للمخلوقات لها معنى ناقص، وبالنسبة لله ﷿ لها معنى كامل، فاستواء الله ﷿ يناسب كماله وهو غير مجهول.
وكذلك الكيف غير معقول، بمعنى: أن العقول لا تدرك الكيفيات، وليس بأنه غير معقول لا تؤمن به العقول، بل هنا غير معقول، بمعنى: لا تدركه العقول على جهة الكيفية، وبعض الناس فهمهم غلط، وكثير من المؤولة استندوا إلى هذه المسألة وجعلوها وسيلة للتأويل إلى هذه العبارة، خاصة متأخرة الأشاعرة والماتريدية، ففسروا كلمة (الكيف غير معقول) بأن معنى ذلك أن ظواهر أسماء الله وصفاته غير معقولة، وغير معروفة الحقيقة، أو لا يؤمن بحقائقها، فلجئوا إلى التأويل، أما السلف فمقصودهم بغير
[ ٤ / ٣ ]
كلام ابن خزيمة فيمن أنكر علو الله ﷿
قال المصنف رحمه الله تعالى: [سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ في كتاب (التاريخ) الذي جمعه لأهل نيسابور، وفي كتابه (معرفة الحديث) اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما، يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقل بأن الله ﷿ على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر بربه، حلال الدم، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته، وكان ماله فيئًا لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر، كما قال النبي ﵌: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) رواه البخاري].
في مثل كلام ابن خزيمة ﵀ نجد أن السلف أحيانًا يلجئون إلى مثل هذه الأساليب القوية الرادعة، لكن ذلك عندهم على شروط وضوابط، يعني: هذا الكلام قد يقول بعض الناس: إنه كلام فيه قوة وفيه قسوة، لكن الصحيح أنه مقتضى الضرورة والحال في ذلك الوقت؛ ففي عهد ابن خزيمة ﵀ ظهرت بعض نبتات الجهمية والمعتزلة وقويت، ثم إنه كان في وقته بداية ميل للمتكلمين إلى أصول الجهمية؛ فمتكلمة الأشاعرة والماتريدية في عهد ابن خزيمة بدأت مناهجهم تميل إلى مسالك الجهمية والمعتزلة في صفات الله ﷿، فاضطر إلى مثل هذه العبارات القوية؛ لأن فيها حماية لعقائد الأمة، لاسيما وهو إمام من الأئمة الكبار، فإذا صدر عنهم مثل هذا الكلام -وهم ممن تعتد الأمة بإمامتهم وتعتبرهم قدوة كـ ابن خزيمة في وقته فإنه كان يعتبر إمام المسلمين-، فإن صدور مثل هذا الكلام يعتبر بمثابة البيان الرادع القوي الذي يخوف به أهل الأهواء والبدع، ثم إنه يبين لأهل الغيرة من أهل الحل والعقد أن الأمر يحتاج إلى إجراء يحمي عقيدة الأمة، ثم إنه أيضًا يحصن العوام وأمثال العوام من عقائد الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم بمثل هذه الكلمات القوية الرادعة.
ولذلك يصدر هذا الكلام عن إمام لكن لا يمكن أن يصدر مثله عن طويلب علم مبتدئ؛ لأن هذا في الغالب يكون فيه تجاوز للحد من قبل من لم يكن له إمامة في الدين، ولذلك نجد أن الأمة في القرون الثلاثة الفاضلة كانت تمثل مثل هذه الأقوال القوية للسلف في حق رءوس الأهواء وكبارهم، فمثلًا: لما استفحل أمر معبد الجهني في القدر وقفت منه الأمة موقفًا حازمًا بولاتها وعلمائها وعوامها، ثم لما ورث غيلان هذه البدعة القدرية وصار يدعو إليها علنًا قسا معه السلف قسوة أدت إلى قتله لكف شره، مع أنهم لم يقولوا بكفره، لكن حكموا عليه بمثل حكم ابن خزيمة هنا، فصار حكمهم من أقوى المحصنات للأمة الرادعة لأهل الأهواء من ناحية والحامية لعامة المسلمين من العوام وطلاب العلم من ناحية أخرى؛ لأن الناس إذا سمعوا مثل هذا الكلام عن الأئمة عرفوا أن الأمر شنيع؛ فإذا قيل: إن غيلان قتل من أجل بدعته لا يجرؤ عامي ولا طالب علم أن يفكر باستساغة هذه البدعة مرة أخرى.
ثم لما ظهر الجعد بن درهم كذلك وأعلن القول بالتعطيل وحاوره العلماء ولم يجدوا منه استجابة للرجوع إلى الحق حكموا بقتله؛ كفًا لشره وفساده، وكان حكمهم -قبل أن ينفذ عليه الحد الشرعي- فيه واضح، ثم قالوا ذلك في الجهم بن صفوان، ثم قالوا ذلك في عدد من كبار المعتزلة والجهمية، وكما قال الشافعي في حق حفص الفرد، وكما قال غيره في ابن الراوندي وغيره في المريسي ثم لما صار وقت ابن خزيمة بدأت الجهمية والمعتزلة وأفراخ المتكلمين الأوائل تخرج أعناقها ببدعتها، فاضطر ابن خزيمة لمثل هذا الكلام، سواء امتثل كلامه أو لم يمتثل، فهو بمثابة الروادع القوية، ومن هنا نفسر قسوة ابن خزيمة ﵀ على أهل البدع في ذلك الوقت؛ لأنه كان لابد من مثل هذا الإجراء والعبارات القاسية التي يكون بها الردع وتكون بها الحماية، وكذلك أي إمام تكون له إمامة وقبول عند الأمة قد يحمي الأمة بمثل هذه العبارات وبمثل هذه المواقف القوية، لكن ليس مثل هذا لكل من طلب العلم أو لكل من تصدى لبدعة، فقد ينتكس عليه منهجه، وقد يستفز الخصوم بمثل هذه العبارات إذا استعملها وهو غير مطاع، ولكن يأخذ الأمور على أصولها الشرعية بهدوء وحكمة.
[ ٤ / ٤ ]
كلام الشافعي واستدلاله بحديث الجارية على علو الله ﷿
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁ احتج في كتابه المبسوط في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وأن غير المؤمنة لا يصح التكفير بها، بخبر معاوية بن الحكم ﵁، وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء لكفارة، وسأل رسول الله ﷺ عن إعتاقه إياها فامتحنها رسول الله ﷺ، فقال ﷺ لها: (من أنا؟ فأشارت إليه وإلى السماء، تعني: أنك رسول الله الذي في السماء، فقال ﷺ: أعتقها؛ فإنها مؤمنة)، فحكم رسول الله ﷺ بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية، وإنما احتج الشافعي رحمة الله عليه على المخالفين في قولهم بجواز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة بهذا الخبر، لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه وفوق سبع سماواته على عرشه كما هو معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم؛ إذ كان ﵀ لا يروي خبرًا صحيحًا ثم لا يقول به.
وقد أخبرنا الحاكم أبو عبد الله ﵀ قال: أنبأنا الإمام أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي ﵀ يقول: إذا رأيتموني أقول قولًا وقد صح عن النبي ﷺ خلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب.
قال الحاكم ﵀: سمعت أبا الوليد غير مرة يقول: حدثت عن الزعفراني أن الشافعي ﵀ روى يومًا حديثًا فقال السائل: يا أبا عبد الله! تقول به؟ قال: تراني في بيعة أو كنيسة؟! ترى علي زي الكفار؟! هو ذا تراني في مسجد المسلمين علي زي المسلمين مستقبل قبلتهم، أروي حديثًا عن النبي ﷺ ثم لا أقول به؟!].
خلاصة هذا الكلام كله هو في مسألة تقرير العلو، وأن مما استدل به على تقرير العلو ما جاء في سؤال الجارية؛ لأن النبي ﷺ سألها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فاعتبر هذا دليل الإيمان، وهذا فيه إثبات علو الله ﷿ علوًا ذاتيًا وعلوًا معنويًا، فالله ﷿ هو العلي بكل معاني العلو: علو القدر وعلو القهر وعلو الذات وعلو الصفات وعلو الأسماء وعلو الأفعال وجميع أنواع العلو.
[ ٤ / ٥ ]
موجز كلام السلف في أدلة العلو المحكمة والصريحة
الخلاصة: أنه هنا أراد أن يقرر العلو مقترنًا بالاستواء والاستواء مقترنًا بالعلو وهما متشابهان، وقد ذكر الأئمة أدلة العلو الصريحة ونوجزها الآن؛ لأنه هنا انتهى من مسألة الاستدلال على العلو والعرش، وسيدخل في موضوع جديد نجعله للدرس القادم، لكن أحب أن أوجز كلام السلف في أدلة العلو التي هي محكمة وقوية وذكرها أكثر من واحد من الأئمة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع، وابن القيم في رده على الجهمية في الصواعق وفي غيره، وكذلك لخص هذا الرد ابن أبي العز في (شرح العقيدة الطحاوية)، فتتلخص أدلة إثبات العلو والاستواء -خاصة العلو الذاتي لله ﷿- بما يلي: أولًا: التصريح بالفوقية لله ﷿، فقد ورد التصريح بأن الله فوق عباده، كقوله ﷿: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، وقوله ﷾: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، فهذا تصريح بالفوقية لله ﷿، وأصحاب التأويل يقولون: إن الفوقية تشعر بالجهة، فيقال لهم: ما الجهة التي تهربون منها؟ سيقولون: الفوق والعلو، فهربوا من إثبات الحق ووقعوا فيما وقعت فيه الفلاسفة الملاحدة الذين ينكرون أن يكون لله وجود ذاتي.
وكذلك من أقوى أدلة العلو: ثبوت النزول، سواء نزول الباري ﷿ أو نزول الأشياء منه، فقد أنزل الله القرآن وتنزل الملائكة من عنده، والنزول ثابت بنصوص قطعية، خاصة أحاديث النزول لله ﷿ على ما يليق بجلاله، وخاصة النزول الذي ثبت له في الثلث الأخير من كل ليلة، كما ورد عن النبي ﷺ: (ينزل ربنا في الثلث الأخير من كل ليلة) ونزوله ﷿ عشية يوم عرفة أو يوم عرفة يباهي بالحجاج ملائكته، فهذا النزول ثبت في مقتضى النص الصحيح الصريح الذي لا يمكن دفعه، ولكن على ما يليق بجلال الله ﷿، ونحن نعلم قطعًا أن النزول لا يلزم منه إخلاء العرش، ولا يلزم منه ما يلزم عند المخلوقات من نوع الحركة ونوع الانتقال، وإلا فالله ﷿ لابد أن يثبت له ما أثبته لنفسه.
فالنزول دليل على إثبات العلو والفوقية، وهو يتضمن معنى الاستواء.
ومن ذلك أيضًا: صعود الأشياء إليه، قال ﷿: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وكذلك رفع الأشياء إليه ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، وكقوله ﷿ في حق عيسى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] فالرفع لا يكون إلا إلى أعلى، ولا يكون إلا لموجود له وجود ذاتي، وإلا فما معنى الرفع لو كان الوجود لله ﷿تعالى عما يزعمون- مجرد وجود ذهني مطلق، كما تقول الجهمية وتابعهم الأشاعرة ومن سلك سبيلهم؛ فإنهم قالوا: إن وجود الله ﷿ مجرد وجود عقلي أو مجرد وجود اعتباري أو علو اعتباري فقط، كما قالوا: إن العلو علو القدر، ولاشك أن لله ﷿ علو القدر على وجه الكمال، وكذلك علو الذات، ولو كان مجرد علو القدر لما كان هناك معنى لكل هذه النصوص التي تصرح بالفوقية والنزول والمجيء والصعود والرفع، لا يكون لها معنى وإنما تكون مجرد ألفاظ لا معنى لها.
وكذلك ثبت أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الدعاء إلى الله ﷿، وتوجه القلوب الفطري إلى الله ﷿ توجه يجده حتى الكافر، بل حتى الحيوان نجده يشخص ببصره إلى العلو وإلى الفوقية، وهذا أمر فطري.
أيضًا: سؤال النبي ﷺ الجارية وغير الجارية بكلمة: أين الله؟ هذا دليل قاطع على أن الله ﷿ له وجود لا يليق إلا أن يكون بالفوق والعلو، وأن وجود الله ﷿ مباين ومفاصل لوجود مخلوقاته، وأنه مستوٍ على عرشه، إضافة إلى أدلة الاستواء وغير ذلك، كل هذه الأمور أدلة صريحة قطعية تثبت لله العلو الذاتي بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله مع علو القدر والقهر وعلو الاعتبار وعلو المعنى، وهذا لا شك فيه.
فالسلف حينما يثبتون شيئًا يثبتون لوازمه بالضرورة، فهذه أدلة قاطعة على العلو الذاتي لله ﷿ لا مفك منها، لكن أهل التأويل لا يستطيعون أن يأخذوا بها؛ لأنهم إذا أخذوا بها انهدمت قواعدهم كلها ورجعوا إلى قول أهل السنة، ولو أخذوا بأدلة العلو لزم أن يقولوا بالاستواء، وإذا قالوا بالاستواء لزمهم أن يقولوا بالمجيء والنزول ثم بقية صفات الله ﷿، وكذلك العكس.
إذًا: أهل البدع والتأويل لو أثبتوا أي صفة لزمهم إثبات الباقي، فإن أثبتوا الاستواء لزمهم إثبات العلو والفوقية، وإن أثبتوا العلو والفوقية لزمهم الاستواء، وإذا أثبتوا الجميع لزمهم إثبات المجيء والنزول على ما يليق بجلال الله ﷿ وبقية الصفات، لكن لتسلم قواعدهم الباطلة عمموا الحكم، وهذا مصداق قول النبي ﷺ عن أهل الأهواء: (تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) نفوا شيئًا من الصفات فاضطرهم هذا النفي إلى نفي غيرها، ثم إلى نفي البا
[ ٤ / ٦ ]
الأسئلة
[ ٤ / ٧ ]
الفرق بين الكيف والكيفية
السؤال
هل هناك فرق بين السؤال عن الكيف والسؤال عن الكيفية؟
الجواب
لا فرق؛ فالكيفية مشتقة من الكيف، والكيف: هو السؤال عن الحقيقة الذاتية التي يتشكل منها الشيء.
[ ٤ / ٨ ]
مدى صحة مقالة: (الله على عرشه استوى، وهو في كل مكان بعلمه)
السؤال
هل هذه المقالة صحيحة: الله على عرشه استوى، وهو في كل مكان بعلمه؟
الجواب
لا حرج، هذا مقتضى النصوص، فالله ﷿ على عرشه استوى وهو بعلمه في كل مكان، يعني: أن الله ﷿ أحاط علمه بكل شيء.
[ ٤ / ٩ ]
حقيقة العقيدة التي تدرس في الأزهر
السؤال
سمعنا بأن الأزهر في مصر يدرس عقيدة الأشاعرة ويعتقدونها، فهل هذا صحيح؟
الجواب
الذي أعرفه نعم، لا يزال أكثر فروع الأزهر تدرس عقيدة الأشاعرة، لكن ومع ذلك بدأت بعض الكليات والأقسام في الأزهر وفروعه تدرس عقيدة السلف من خلال الطحاوية وغيرها، لكن السمة السائدة هي دراسة مذهب الأشاعرة والماتريدية.
[ ٤ / ١٠ ]
الصفات التي يؤولها الأشاعرة والماتريدية
السؤال
ما هي الصفات التي يؤولونها؟
الجواب
يؤولون جميع الصفات ما عدا سبع صفات، والباقي كلها يؤولونها خاصة المتأخرين، وهذا في عموم الأشاعرة، وقد يكون من الأشاعرة من هو أقرب إلى أهل الحديث فيثبت أكثر من سبع صفات، ومنهم من يقول بهذا المبدأ، ومنهم من هو بين ذلك.
[ ٤ / ١١ ]
أول من قال: (إن الله بائن من خلقه)
السؤال
هل لم يسبق ابن المبارك إلى قوله: بائن من خلقه؟
الجواب
هذا ليس صحيح، لكن ما اشتهرت الكلمة قبل وقته، يعني: أنها ما استفاضت وأعلنت من قبل إمام من أهل السنة على الملأ، وجعلت من شعارات أهل السنة إلا في وقته، أما قبل ذلك فقد تكلم فيها بعض الأئمة بحذر وبحدود ضيقة، فلم تشتهر، فهو أشهرها؛ لأنه إمام، فنقلها عن الناس بالرواية والإسناد، وتناقلتها وسائل الإعلام في ذلك الوقت، وهم الرواة والكتب التي صنفت.
[ ٤ / ١٢ ]