شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [١٢]
إن أصحاب رسول الله ضحوا بالغالي والنفيس من أجل دين الله، ولن تشهد الدنيا جيلًا كجيلهم، ولقد كافأهم الله وهم في الدنيا، فقد أطلع الله نبيه بأن بعضهم من أهل الجنة وأمره أن يخبرهم بذلك.
[ ١٢ / ١ ]
المبشرون بالجنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما الذين شهد لهم رسول الله ﷺ من أصحابه بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك تصديقًا منهم للرسول ﷺ فيما ذكره ووعده لهم؛ فإنه ﷺ لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، والله تعالى أطلع رسوله ﷺ على ما شاء من غيبه وبيان ذلك في قوله ﷿: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
وقد بشر ﷺ عشرة من أصحابه بالجنة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح، وكذلك قال لـ ثابت بن قيس بن شماس ﵁: (إنه من أهل الجنة.
قال أنس بن مالك: فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه من أهل الجنة)].
من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم يشهدون لمن شهد له النبي ﷺ بالجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة وثابت بن قيس بن شماس؛ فإن النبي ﷺ قال له: (أنت من أهل الجنة).
وكان خطيب النبي ﷺ، وكان يرفع صوته في حضرة النبي ﷺ؛ لأن الخطيب يحتاج إلى رفع الصوت، فلما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، خاف ﵁، وجلس في بيته يبكي خشية أن يحبط عمله، فسأل عنه النبي ﷺ فأرسل إليه، فقال للرسول: إنه من أهل النار؛ لأنه يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: (أخبروه أنه من أهل الجنة وليس من أهل النار).
وهذه شهادة من النبي ﷺ شهد له بها.
وكذلك الحسن والحسين فقد شهد لهما النبي ﷺ بأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وكذلك عكاشة بن محصن، وعبد الله بن عمر، وبلال بن رباح فقد سمع قرع نعليه في الجنة، وعبد الله بن سلام وجماعة شهد لهم النبي ﷺ، والعشرة المبشرون بالجنة الذين عدهم المؤلف ﵀ كلهم يشهد لهم بالجنة، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، فمن شهد له النبي ﷺ بالجنة فإنا نشهد له بالجنة، وكذلك أهل بيعة الرضوان، قال ﷺ: (لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة) وكانوا ألفًا وأربعمائة.
وأهل بدر كذلك، فقد قال النبي ﷺ: (وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
أما من لم يشهد له النبي ﷺ بالجنة فإنا نشهد له بالعموم، فنشهد لجميع المؤمنين بالجنة من باب العموم، لكننا لا نشهد بالخصوص إلا لمن شهد له النبي ﷺ، واليهود والنصارى والوثنيون في النار، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، لكن فلان ابن فلان بعينه لا نشهد له بالجنة إلا لمن شهد له الرسول، وفلان ابن فلان بعينه لا نشهد له بالنار إلا إذا علمنا أنه مات على الكفر، وقامت عليه الحجة، وهذه عقيدة أهل السنة، فـ أبو لهب مثلًا شهدت نصوص القرآن بأنه في النار وأبو جهل كذلك، وما عدا ذلك فإننا نشهد للمؤمنين على وجه العموم بالجنة، ونشهد للكفار بالنار، لكن أهل السنة والجماعة يرجون للمحسن الثواب والعفو عن المسيئ، فإذا رأوا إنسانًا مستقيمًا على طاعة الله يؤدي ما أوجب الله عليه، وينتهي عما حرم الله عليه، فإنهم يرجون له خيرًا، ويرجون أن يغفر الله له ويدخله الجنة، لكن لا يشهدون له بالجنة.
والمسيئ الذي يعمل المعاصي والكبائر يخافون عليه من النار، ولا يشهدون عليه بالنار؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: فأما الذين شهد لهم رسول الله ﷺ من أصحابه بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة، فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك تصديقًا للرسول ﵊ فيما ذكره ووعده لهم؛ فإنه ﷺ لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، وقد أطلع الله تعالى رسوله على ما شاء من غيبه، وبيان ذلك في قوله ﷿: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
والنبي ﷺ ينزل عليه الوحي، فإذا شهد لأحد بالجنة؛ فإن هذا من الغيب الذي أطلعه الله عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
وقد بشر رسول الله ﷺ عشرة من أصحابه بالجنة وهم: أبو بكر، وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبو عبيدة بن الجراح، فهؤلاء يقال لهم: العشرة المبشرون بالجنة.
وكذلك قال لـ ثابت بن قيس بن شماس: (أنت من أهل الجنة).
لما جلس في بيته يبكي، وقال: إنه من أهل النار، قال أنس بن مالك ﵁: فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه في الجنة ومن أهل الجنة.
[ ١٢ / ٢ ]
أفضلية الصحابة بعضهم على بعض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهدون ويعتقدون: أن أفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأنهم الخلفاء الراشدون الذين ذكر رسول الله ﵌ خلافتهم بقوله فيما رواه سعيد بن جمهان عن سفينة: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة).
وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه الرسول ﵌].
يعتقد أهل السنة وأهل الحديث ويشهدون: أن أفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ويشهدون أنهم هم الخلفاء الراشدون، وترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة، فأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهذا هو الذي عليه الجماهير، وروي عن الإمام أبي حنيفة: أن عليًا أفضل من عثمان ولكن روي عنه أنه رجع ووافق الجمهور، وتفضيل علي على عثمان مسألة سهلة خفيفة، لكن تقديم علي على عثمان في الخلافة أمر منكر؛ ولهذا قال كثير من السلف: من قدم عليًا على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله، وقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
أي: احتقر رأيهم؛ لأن المهاجرين والأنصار أجمعوا على تقديم عثمان في الخلافة، فتقديم علي على عثمان في الخلافة أمر منكر شنيع باطل، أما تقديم علي على عثمان في الفضيلة فهذا سهل، وقد قال به بعض أهل السنة، وروي عن الإمام أبي حنيفة، ولكن روي أنه رجع ووافق الجمهور، وهم الخلفاء الراشدون وخلافتهم خلافة نبوة، ولهذا قال النبي ﷺ في حديث سفينة: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة).
وهو حديث حسن لا بأس به.
ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتان، وخلافة عمر عشر سنوات، وخلافة عثمان ثنتا عشرة سنة، وخلافة علي ست سنوات، وهذا الترتيب، فتكون الجميع ثلاثون سنة، لكن هذا فيه جبر؛ فإن خلافة أبي بكر سنتان وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنوات ونصف، وخلافة عثمان ثنتي عشرة سنة، وخلافة علي خمس سنين وأشهر، ثم بقي من الثلاثين السنة ستة أشهر وهي التي تولى فيها الحسن بن علي ﵁، وتنازل فيها لـ معاوية فتمت الخلافة ثلاثون سنة بنهاية الستة الأشهر التي تنازل فيها الحسن بن علي لـ معاوية، وانتهت الخلافة الراشدة وبدأ الملك، وأول ملوك المسلمين هو معاوية بن أبي سفيان ﵁، ولهذا قال المؤلف: وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه رسول الله ﷺ، لكن معاوية صحابي جليل، وخلافته وإن لم تكن كخلافة الخلفاء الراشدين إلا أنه ملك عادل وصحابي جليل.
[ ١٢ / ٣ ]
القول في خلافة أبي بكر ﵁
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهد أصحاب الحديث بأن خلافة أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﵌ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله ﷺ لديننا فرضيناه لدنيانا].
يعني: أنه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضات بالناس أيام مرضه وهي الدين، فرضيناه خليفة للرسول ﷺ علينا في أمور دنيانا.
وقولهم: قدمه رسول الله ﷺ فمن ذا الذي يؤخره، وأرادوا أنه ﷺ قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه، فصلينا وراءك بأمره فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك، وكان رسول الله ﷺ يتكلم في شأن أبي بكر ﵁ في حال حياته فيما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا، فانتفعوا بمكانه وارتفعوا وارتفقوا، حتى قال أبو هريرة ﵁: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف لما عبد الله.
ولما قيل له: مه يا أبا هريرة! قام بحجة صحة قوله، فصدقوه فيه وأقروا به].
أهل الحديث وأهل السنة والجماعة يثبتون خلافة أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ، وأنه الخليفة الأول خلافًا للرافضة الذين يقولون: الخليفة الأول هو علي ﵁، وأن أبا بكر اغتصب الخلافة منه، وكذلك عمر وعثمان، وهذا قول باطل، والذي عليه أهل السنة والجماعة وأهل الحديث أن أبا بكر هو الخليفة الأول، وثبتت الخلافة لـ أبي بكر باختيار الصحابة وانتخابهم، فهذا هو الأرجح.
وقال بعض العلماء: ثبتت خلافة أبي بكر بالنص واستدلوا بأدلة منها: (أن النبي ﷺ لما جاءته امرأة وقال لها: ائتني في وقت كذا، أي: في وقت لاحق.
فقالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك، تعني الموت.
فقال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر).
قالوا: وهذا دليل على أنه الخليفة، وكذلك أيضًا روي في هذا منامات، وكذلك أيضًا تقديم النبي ﷺ له في أيام مرضه في الصلاة، وكذلك قوله: (لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا).
فبعض العلماء قال: إن خلافته ثبتت بالنص، والذين قالوا بالنص على قولين: منهم من قال: ثبتت بالنص الجلي، ومنهم من قال: ثبتت بالنص الخفي.
وقال آخرون: إنما ثبتت بالانتخاب والاختيار، وهذا هو الأرجح، فإنها ثبتت باختيار الصحابة وانتخابهم، واستدلوا بهذه الأدلة على أنه هو الخليفة، واستدلوا بكون النبي ﷺ قدمه للصلاة، فهذا دليل على أنه هو الأحق بالخلافة.
وكذلك أيضًا: لما أراد النبي ﷺ أن يكتب كتابًا واختلفوا عنده، قال: (قوموا، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر).
يعني: يأبى الله تقديرًا وقضاءً، والمسلمون اختيارًا وانتخابًا إلا أبا بكر، والصواب أن الخلافة ثبتت لـ أبي بكر بالاختيار والانتخاب من أهل الحل والعقد، واستدلوا: بإرشاد النبي ﷺ إلى اختياره.
وبعض أهل العلم قال: إن هذه الأدلة نص في خلافته، والصواب أنها ثبتت بالاختيار والانتخاب، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر ﵁ بعد وفاة الرسول ﷺ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله ﷺ لديننا؛ فرضيناه لدنيانا]، يعني: أنه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضات بالناس أيام مرضه وهي الدين، فرضيناه خليفة لرسول الله ﷺ في أمور دنيانا، وقولهم: (قدمك رسول الله ﷺ) فمن ذا الذي يؤخرك؟! أرادوا أنه قدمه في الصلاة أيام مرضه، فصلينا وراءه بأمره، فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك؟ وكان رسول الله ﷺ يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته، مما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده.
فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا فانتفعوا بمكانه، وارتفعوا به وارتقوا وعزوا وعلوا بسببه، حتى قال أبو هريرة ﵁: والله الذي لا إله إلا هو! لولا أن أبا بكر استخلف لما عبد الله، ولما قيل له: مه يا أبا هريرة؟! ما تقول؟ قام بحجة صحة قوله، فصدقوه فيه وأقروا به.
وذلك أن النبي ﷺ لما توفي ارتدت قبائل العرب؛ فمنهم من عبد الأوثان، ومنهم من أنكر نبوة النبي ﷺ، ومنهم من منع الزكاة، فقاتلهم أبو بكر ﵁، وأشكل هذا على بعض الصحابة ومنهم عمر إذ قال: كيف تقاتل من قال: لا إله إلا الله؟! فقال أبو بكر ﵁: والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله! لو منعوني عقالًا -وفي رواية: عناقًا- كانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ لقاتلتهم عليه.
فأجمع وعزم على قتالهم؛ حتى شرح الله صدر عمر، وصدر من كان عنده إشكال، فأجمعوا على قتالهم فكان في قتالهم خير عظيم، فرجع الناس إلى دين الله بعد أن خرجوا منه، فلهذا قال أبو هريرة ﵁: لولا أن أبا بكر استخلف لما عبد الله؛ لأن أكثر العرب ارتدوا فقاتلهم الصديق والصحابة حتى رجعوا إلى الإسلام.
[ ١٢ / ٤ ]
استخلاف أبي بكر لعمر ﵄
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه باستخلاف أبي بكر ﵁ إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده، وإنجاز الله سبحانه -بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه- وعده] أهل السنة والجماعة يثبتون ويعتقدون أن الخليفة بعد أبي بكر هو: عمر ﵁، فقد ثبت له الخلافة.
بالعهد من أبي بكر ﵁ إليه، واتفاق الصحابة بعده عليه، ولهذا أنجز الله سبحانه وعده بإعلاء الإسلام وإعظام شأنه، فالخليفة الثاني هو عمر خلافًا للرافضة الذين يقولون: إن أبا بكر وعمر مغتضبان للخلافة، ويقولون عن الصحابة إنهم كفرة ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ، وأخفوا النصوص التي فيها أن الخليفة بعده علي، وينكرون خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ويقولون: إنهم ظلمة وفسقة وكفرة، فولاية هؤلاء الثلاثة زور وبهتان وظلم، وإلا فالخليفة الأول هو علي، وهذا منصوص عليه.
هكذا يقول الرافضة، وهذا من أبطل الباطل.
[ ١٢ / ٥ ]
خلافة عثمان ﵁ بإجماع الصحابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم خلافة عثمان ﵁ بإجماع أهل الشورى، وإجماع الأصحاب كافة، ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه].
والخليفة الثالث هو عثمان ثبتت له الخلافة باختيار المهاجرين والأنصار جميعًا، وأجمعوا عليه إجماعًا.
[ ١٢ / ٦ ]
ثبوت خلافة علي بالمبايعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم خلافة علي ﵁ ببيعة الصحابة إياه، حين عرفه ورآه كل منهم -﵃- أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة، ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه].
والخليفة الرابع هو علي ﵁، ثبتت له الخلافة بمبايعة أكثر أهل الحل والعقد، وامتنع عن البيعة معاوية وأهل الشام، لا لأن معاوية يطلب الخلافة؛ بل لأنه يطالب بدم عثمان ﵁.
وخلاصة الأمر فقد ثبتت الخلافة لـ أبي بكر بإجماع الصحابة، وثبتت لـ عمر بولاية العهد من أبي بكر واتفاق الصحابة عليه، وثبتت لـ عثمان بإجماع المهاجرين والأنصار، وثبتت لـ علي بمبايعة أكثر أهل الحل والعقد دون معاوية وأهل الشام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين الذين نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام، وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ [النور:٥٥] الآية.
وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] إلى قوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، فهؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدون خلافتهم راشدة، وهم أفضل الناس، وترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وخلافتهم خلافة نبوة، وقد نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور الله بضيائهم وبهائهم الظلام، وتحقق في خلافتهم وعده في قوله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]، وقد حصل هذا، فقد استخلفهم في الأرض، ومكن لهم الدين وبدلهم من بعد خوفهم أمنًا.
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، هذه الآية فيها وصف للصحابة، ولهذا استنبط الإمام مالك ﵀ من قوله تعالى: (ليغيظ بهم الكفار) أن من أغاظه الصحابة فإنه يكون كافرًا بنص القرآن؛ لأن الله قال: (ليغيظ بهم الكفار).
[ ١٢ / ٧ ]
الفوز لمن أحب الصحابة، والهلاك لمن أبغضهم
قا المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن أحبهم، وتولاهم، ودعا لهم، ورعى حقوقهم، وعرف فضلهم فهذا من الفائزين، ومن أبغضهم، وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم إليه الروافض والخوارج -لعنهم الله- فقد هلك في الهالكين].
(من أحبهم وتولاهم ودعا لهم ورعى حقوقهم وعرف فضلهم) فهو من أهل السنة والجماعة من الفائزين ومن أهل الحق.
(ومن أبغضهم وسبهم) وكفرهم فهو من الهالكين -نسأل الله العافية- لأن الله زكاهم ووعدهم بالجنة فمن كفرهم أو فسقهم فقد كفر؛ لأنه مكذب لله، ومن كذب الله فقد كفر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال رسول الله ﵌: (لا تسبوا أصحابي فمن سبهم فعليه لعنة الله)].
هذا الحديث كما يقول المحقق مركب من حديثين: فالجملة الأولى: (لا تسبوا أصحابي) فهي جزء من حديث صحيح، أما الجملة الثانية: (فمن سبهم فعليه لعنة الله) فهي جزء من حديث.
وفي اللفظ الآخر: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: (من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله)].
هذا الحديث ذكر المحقق أنه ضعيف، ويحتمل أن المؤلف ذكره؛ لأن له شواهد.
[ ١٢ / ٨ ]
الصلاة خلف الإمام البر والفاجر والجهاد معه والدعاء له
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام برًا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف، ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل].
عقيدة أهل السنة والجماعة في ولاة الأمر من المؤمنين: عدم الخروج عليهم، ويرون جواز صلاة الجمعة والعيدين خلفهم، ويرون الجهاد والحج معهم ولو كانوا فساقًا، ولو ارتكبوا الكبائر، ما داموا مسلمين؛ لأن هذه المعاصي التي يفعلها ولاة الأمر مثل: شرب الخمر، أو الظلم، أو قتله بغير حق، أو أخذ مالًا بغير حق، فإن هذه المعاصي تعتبر من الظلم والفسق، فلا يجوز الخروج عليهم بمثلها؛ لأن الخروج يؤدي إلى مفسدة أكبر، وقواعد الشريعة تدل على أنه إذا وجدت مفسدتان ولا يمكن تركهما جميعًا، فترتكب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى، وإذا وجدت مصلحتان كبرى وصغرى ولا يمكن فعلهما جميعًا نترك الصغرى ونأتي بالكبرى، فهذه المسألة تتماشى مع قواعد الشرع بهذه الكيفية.
فولي الأمر إذا فسق أو عصى فإن ذلك يعتبر مفسدة كبرى، لكن الخروج عليه يؤدي إلى مفسدة أكبر، وهي إراقة الدماء، وانقسام الناس إلى فريقين، واختلال الأمن، واختلال المعيشة، وتدهور الاقتصاد، والزراعة والتجارة والتعليم، وتربص الأعداء بهم الدوائر، وتأتي بفتن لا أول لها ولا آخر تقضي على الأخضر واليابس، فهذه مفاسد عظيمة فلا نرتكبها، بل على الرعية أن يصبروا على جور الولاة، فإن في هذا مصلحة كبيرة، والنصيحة مبذولة من قبل العلماء والدعاة وأهل الحل والعقد، فإن قبل الولاة فالحمد لله، وإن لم يقبلوا فقد أدى الناس ما عليهم، ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور في مثل هذا الحال.
وولاة الأمور ما سلطوا على الناس إلا بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، فعليهم أن يتوبوا إلى الله، فقد يكون جور الولاة تأديبًا للفسقة، وامتحانًا وابتلاء للصالحين، ورفعًا لدرجاتهم، مثل المصائب والنكبات، والأمراض والأسقام، يكفر الله بها السيئات، فإذا أراد الناس أن يصلح الله لهم ولاة أمورهم فليصلحوا أحوالهم، وليتوبوا إلى ربهم، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويرى أصحاب الحديث وأهل السنة الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلاة خلف كل إمام برًا كان أو فاجرًا) والمراد بالإمام: إمام المسلمين، وولي أمرهم، ويقوم مقامه رئيس الدولة أو الجمهورية أو الملك أو الأمير.
(برًا كان أو فاجرًا) أي: تقيًا كان أو عاصيًا.
ومعنى قوله: (ويرون جهاد الكفرة معه، وإن كانوا جورة فجرة) أي: إذا أراد ولي الأمر أن يقاتل الكفار وعقد راية فعلى الناس أن يقاتلوا معه ولو كان فاجرًا، أو جائرًا أو ظالمًا.
فمن عقيدة أهل السنة والجماعة جهاد الكفرة مع ولاة الأمور وإن كانوا جورة فجرة، أي: جائرين، ظالمين وعاصين.
والحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر، ولابد ممن يقوم بهما ويقاتل العدو، وهذا يحصل بالإمام الفاجر، كما يحصل بالإمام البر، ولهذا فإن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يجاهدون ويصلون خلف الإمام ولو كان جائرًا ظالمًا، ما دام أنه لم يكفر.
وقوله: (ويرون الدعاء لهم بالصلاح والتوفيق، وبسط العدل في الرعية) فأهل السنة والجماعة يدعون لهم، ولهذا جاء عن الفضيل بن عياض أنه قال: لو أن لي دعوة صالحة لصرفتها للسلطان، لأن بصلاحه تصلح الرعية.
فيرون الدعاء لهم بالإصلاح، لأنهم إذا صلحوا صلحت الرعية.
قوله: (ولا يرون الخروج عليهم بالسيف) أي: لا يجوز الخروج عليهم بالسيف، والذين يخرجون على ولاة الأمور بالسيف هم أهل البدع.
قوله: (وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف) أي: أهل السنة والجماعة لا يخرجون على ولي الأمر بالسيف، ولو كانوا يرون أنهم عدلوا عن الحق، ومالوا وجاروا، فإن عليهم أن يصبروا على ذلك، والذين يرون الخروج على ولاة الأمور هم أهل البدع كالخوارج، فالخوارج يخرجون على ولاة الأمور بالمعاصي؛ لأنهم يرون أن الإنسان إذا فعل معصية كبيرة فقد كفر، وحل دمه وماله، وهو مخلد في النار.
وكذلك المعتزلة يرون الخروج على ولي الأمر بالمعاصي، وهذا أصل من أصولهم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فستروا تحت الأمر بالمعروف إلزام الناس باجتهاداتهم، وستروا تحت النهي عن المنكر الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي.
وكذلك الرافضة يرون الخروج على ولي الأمر؛ لأنها لا تصح الإمامة إلا للإمام المعصوم عندهم، وهو أحد الأئمة الاثنا عشر.
والخلاصة: أن الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي هو مذهب أهل البدع، كالخوارج والمعتزلة والروافض، أما أهل السنة فلا يخرجون على ولي الأمر، ولو ارتكب الكبائر بشرب الخمر، أو قتل أحدًا بغير حق، أو أخذ ماله بغير حق، أو لم يوزع المال توزيعًا عادلًا، فلا يجوز الخروج عليه، بل الواجب الصبر، وبذل النصيحة.
وقوله: (ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل).
الفئة الباغية: هي جماعة من الناس يخرجون على ولي الأمر وتكون لهم شوكة، فهؤلاء إذا خرجوا للقتال فعلى ولي الأمر أن يرسل لهم من يناقشهم ويبحث معهم عن سبب خروجهم، فإن كان سبب خروجهم هو إنتشار المعاصي في البلاد وجب عليه أن يغير المعاصي حتى يرجعوا، فإن رجعوا وإلا قاتلهم، والناس يقاتلون معه؛ لأن هؤلاء أرادوا أن يشقوا عصا الطاعة ويفرقوا كلمة المسلمين.
[ ١٢ / ٩ ]
موقف أهل السنة والجماعة مما شجر بين الصحابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﵌، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم، وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه ﵅، والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين].
هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة وأزواج النبي ﷺ، فموقفهم من الصحابة أنهم يرون الترحم عليهم والترضي عنهم، وذكر محاسنهم وفضائلهم والكف عما شجر بينهم من الاختلاف والنزاع، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم، كالخلافات والحروب التي وقعت بينهم، فلا يجوز ذكرها ولا كتابتها ولا تسجيلها في أشرطة، ولهذا فإن أشرطة طارق السويدان التي نشرت معايب الصحابة، يجب إتلافها وعدم سماعها؛ لأن هذا فيه نشر لعيوب الصحابة وهذا من أبطل الباطل، ويجب اعتقاد أن الصحابة خير الناس وأفضلهم، وما كان ولم يكن أحد مثلهم، وهم أفضل الناس بعد الأنبياء، اختارهم الله لصحبة نبيه، وهم الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة، وحملوا إلينا الدين والشريعة، فتجريحهم تجريح للقرآن والسنة.
أما ما شجر بينهم من الخلافات والنزاع فهذا كما ذكر القاضي ابن العربي في كتاب العواصم والقواصم وهو كتاب جيد، وكما بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية أن الخلافات التي وقعت بين الصحابة، منها ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنها ما له أصل، لكن زيد فيه أو نقص منه، ومنها ما هو صحيح، والصحابة ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر.
والذنوب المحققة، هناك أسباب للمغفرة منها التوبة، فمن تاب تاب الله عليه، ومنها أن يكون حصلت له مصائب كفر بها عنه، أو كفر عنه بحسنات عظيمة، أو بشفاعة النبي ﷺ والذين هم أولى الناس بها، هذا في الذنوب المحققة فكيف بغيرها.
فإطلاق الألسنة والكتابة وتسجيل معايب الصحابة من طريقة أهل البدع، أما طريقة أهل السنة والجماعة فهم يترضون عن الصحابة ولا يذكرون مساوئهم، ويعتقدون أن لهم من الحسنات العظيمة ما يغطي ما صدر عنهم من الهفوات، كجهادهم مع النبي ﷺ وصحبتهم له، وتبليغهم دين الله إلى مشارق الأرض ومغاربها.
فيجب الكف عما شجر بين أصحاب النبي ﷺ، وقوله: (ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم) أي: نواليهم ونترضى عنهم.
وقوله: (وكذلك يرون تعظيم قدر أزواج النبي ﷺ والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين)، وأنهن زوجاته في الجنة، ومن قذف عائشة بما برأها الله منه فهو كافر.
[ ١٢ / ١٠ ]