شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٤]
يعتقد أهل السنة أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، سمعه جبريل بحرف وصوت، ونزل به على محمد ﷺ.
[ ٤ / ١ ]
عقيدة السلف في القرآن وصفة الكلام لله
قال: [ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله وخطابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم، والقرآن -الذي هو كلام الله ووحيه- هو الذي نزل به جبريل على الرسول ﷺ قرآنا عربيًا لقوم يعلمون بشيرًا ونذيرًا، كما قال ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥].
وهو الذي بلغه الرسول ﷺ أمته كما أمر به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى كلامه ﷿، وفيه قال ﷺ: (أتمنعونني أن أبلغ كلام ربي) وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف، كيفما تصرف بقراءة قارئ ولفظ لافظ وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ أو كتب في مصاحف أهل الإسلام وألواح صبيانهم وغيرها كله كلام الله ﷻ غير مخلوق؛ فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم.
سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق؛ فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ولا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه].
هذا الكلام ذكره المؤلف ﵀ في إثبات القرآن، وأنه كلام الله ﷿، وهو من الصفات التي اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع.
وهناك صفات اشتد فيها النزاع بين أهل السنة وبين أهل البدع، من أثبتها فهو من أهل السنة، ومن نفاها فهو من أهل البدعة، وهي ثلاث صفات: الصفة الأولى: صفة الكلام، والصفة الثانية: صفة رؤية الله ﷿، والصفة الثالثة: صفة العلو.
فالكلام لا يثبته الجهمية ولا المعتزلة، والأشاعرة يثبتون الكلام على أنه معنى قائم بالنفس، والرؤية كذلك ينكرها الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وكذلك العلو.
وهنا يبين المؤلف ﵀ عقيدة السلف وأصحاب الحديث: أنهم يعتقدون أن القرآن كلام الله، تكلم به بصوت وحرف، وسمعه منه جبرائيل ﵊، ونزل به وحيًا على قلب محمد ﷺ، كما قال الله ﷿: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٤ - ١٩٥].
أما الجهمية فقد أنكروا أن يكون الله تكلم، يقولون: هذا ليس كلام الله وإنما هو مخلوق.
وكذلك المعتزلة قالوا: ليس لله كلام، وأنكروا اللفظ والمعنى، وقالوا: إن الله خلق الكلام وأضافه إليه، فيقولون: إن الله خلق الكلام في الشجرة، والشجرة هي التي كلمت موسى، وقالت: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] هل الشجرة تقول: (إني أنا الله رب العاملين)؟ يقولون: الكلام نحن نثبت الكلام لكن ما نثبت الكلام على أنه لفظ ولا حرف ولا صوت، الكلام معنى قائم بنفس الرب لا يسمع، كما أن العلم في نفسه فكذلك الكلام قائم في نفسه.
أما الأشاعرة فهم أقرب الطوائف إلى أهل السنة ومع ذلك ما أثبتوا الكلام، يقولون: إن القرآن الموجود في المصاحف ليس كلام الله، إنما كلام الله معنى قائم بنفسه، لكن هذا عبارة عن كلام الله عبر به جبريل أو عبر به محمد، وقالوا: إن الله لم يتكلم بحرف ولا صوت، ولم يسمع جبريل من الله حرفًا ولا صوتًا، ولكن يضطر اضطرارًا جبريل، ففهم المعنى القائم بنفسه، وجعلوا الله والعياذ بالله كالأخرس لا يتكلم، والكلام معنىً قائم بنفسه ولا يستطيع أن يتكلم به نعوذ بالله!! ليس بحرف ولا صوت ولا يتكلم بقدرته ومشيئته، ومن أين هذا القرآن؟ قالوا: هذا القرآن الله تعالى اضطر جبريل اضطرارًا ففهم المعنى القائم بنفسه، ثم ذهب فعبر بهذا القرآن وأوصله إلى محمد، فلفظه من جبريل، فهمه جبريل من الله فعبر عنه.
وقالت طائفة من الأشاعرة: الذي عبر به محمد وليس بجبريل، وقالت طائفة أخرى من الأشاعرة: إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ وأنزله على محمد، وكل هذه أقوال باطلة، والذي يعتقده أهل السنة والجماعة وأهل الحديث والسلف: أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، بحرف وصوت، وأن الله تكلم به، فسمعه جبرائيل، ونزل به على محمد ﷺ.
قوله: (ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون: أن القرآن كلام الله وكتابه وخطابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق) فالقرآن لفظه ومعناه تكلم الله به، وهو كتاب الله وهو خطابه وهو وحيه وتنزيله، وهو كلام الله اللفظ والمعنى بحرف وصوت.
قوله: (ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم) ولهذا قال كثير من السلف: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.
وهذا الحكم إنما هو على العموم، أما المعين فلان بن فلان إذا قال: القرآن مخلوق، فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة وتزال الشبهة إذا كانت له شبهة، لكن على العموم يقال: من قال: القرآن مخلوق، أو كلام الله مخلوق فهو كافر، أما الشخص المعين إذا تكلم بهذا فإنه يكفر إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع وزالت الشبهة، فلابد أن يزال اللبس وتزال الشبهة، فإذا أصر قتل لكفره.
قوله: (والقرآن الذي هو كلام الله ووحيه هو الذي نزل به جبريل على الرسول ﵊) نعم لفظه ومعناه نزل به من عند الله.
قوله: (قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون بشيرًا ونذيرًا) أي: فيه البشارة والنذارة.
قوله: (كما قال عز من قائل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٣] وهو جبريل: ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٤ - ١٩٥].
وهو الذي بلغه الرسول ﷺ أمته كما أمر به في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧])، هذا القرآن تكلم الله به وبلغه جبريل للنبي ﷺ والرسول ﷺ بلغه أمته، فهذا القرآن الذي نتلوه ونسمعه ونقرأه ونحفظه هو كلام الله الذي تكلم به بلفظه ومعناه، وسمعه منه جبرائيل، ونزل به على قلب محمد ﷺ، والنبي ﷺ بلغه أمته، فالقرآن منزل من عند الله.
قوله: (فكان الذي بلغهم بأمر الله تعالى كلامه ﷿)، الرسول ﷺ أمر بالتبليغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] فالرسول بلغ كلام الله بأمر الله.
قوله: (وفيه قال ﷺ: (أتمنعونني أن أبلغ كلام ربي» هذا الحديث صحيح، لما منعه الكفار من دعوة الناس، قال: (أتمنعونني أن أبلغ كلام ربي)، فالرسول ﷺ أثبت أنه كلام الله الذي تكلم به.
قوله: (وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف، كيفما تُصِرِّف بقراءة قارئ ولفظ لافظ وحفظ حافظ، وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ أو كتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم وغيرها كله كلام الله) يعني: كلام الله ﷿ كيفما تصرف فهو كلام الله، إن حفظه الحافظ فكلام الله له محفوظ، وإن تلاه التالي فكلام الله له متلو، وإن كتب فكلام الله مكتوب، كيفما تصرف فهو كلام الله حقيقة وليس مجازًا، كلام الله محفوظ في الصدور، متلو بالألسنة، مكتوب في المصاحف، إذا قرأه قارئ فهو كلام الله، إذا تلاه التالي يقال: تلا التالي كلام الله، إذا حفظه الحافظ يقال: حفظ الحافظ كلام الله، إذا كتبه كاتب يقال: كتب الكاتب كلام الله.
وهذا حقيقة ليس مجازًا، ولو كان مجازًا لصح أن يوجه النفي إليه فيقال: ما قرأ القارئ كلام الله، ما تلا التالي كلام الله، ما كتب الكاتب كلام الله، وهذا باطل لا يقال، فإذا قرأ القارئ كلام الله يقال: كلام الله مقروء حقيقة، إذا تلاه يقال: كلام الله متلو، إذا حفظه يقال: كلام الله محفوظ في صدور المؤمنين، أو الذين أوتوا العلم، كما قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٦ - ٤٩].
إذًا: القرآن محفوظ في الصدور، متلو بالألسن، مكتوب في المصاحف، كيفما تصرف فهو كلام الله، حيث تلي أو لفظ أو حفظ أو قرئ أو كتب في مصاحف أهل الإسلام وفي ألواح الصبيان قبل أن توجد، اللوح قطعة من الخشب يطلى بالطين ثم يكتب عليه حتى يتعلم الصبي، فيقال: كتب في اللوح كلام الله، كتب في المصحف كلام الله، فكلام الله مكتوب في مصاحف الإسلام، وألواح الصبيان، وغيرها كله كلام الله ﷻ.
قوله: (فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم) يعني: كلام الله في القرآن الذي مكتوب في المصاحف ومتلو بالألسن، وموضوع في الصدور هو القرآن بعينه الذي نقول: إنه غير مخلوق، فمن زعم
[ ٤ / ٢ ]
أقوال أئمة أهل السنة في القرآن
ذكر المؤلف ﵀ سنده عن شيخه الحاكم، والحاكم يروي عن حسان بن محمد، وحسان بن محمد يروي عن الإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب الصحيح يقول: (القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ولا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين ويستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه).
إذًا: الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة كفر من قال: القرآن مخلوق، يقول: كافر لا تقبل شهادته؛ لأنه لا تقبل شهادة الكافر على المسلم، ولا يعاد إن مرض؛ لأنه ليس من المسلمين، ولا يصلى عليه إذا مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وروي عنه أنه قال: من لم يقل بأن الله مستوٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، بائن عن خلقه، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وطرح على مزبلة حتى لا يتأذى به أهل الإسلام ولا أهل الذمة؛ لأن كفره أشد من كفر، نسأل الله السلامة والعافية.
والمؤلف ﵀ قصده من هذا: الرد على من أنكر أن يكون كلام الله في المصاحف، فالأشاعرة يقولون: كلام الله هو القائم بنفسه، أما المصاحف فلا يوجد فيها كلام الله، هذا مع أنهم أقرب الطوائف، حتى إن بعضهم غلا تجده يدوس المصحف بقدميه، فإذا قيل له في ذلك؟ قال: لا يوجد فيه كلام الله، كلام الله معنى قائم بنفسه، والمصحف عبارة عن كلام الله، والعياذ بالله.
فالمؤلف ﵀ يرد على هؤلاء، ويبين بطلان مذهبهم، وأنه كفر وغلو، والقرآن كلام الله مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مكتوب بالألسن.
قال المصنف ﵀: [فأما اللفظ بالقرآن؛ فإن الشيخ أبا بكر الإسماعيلي الجرجاني ذكر في رسالته التي صنفها لأهل جيلان قال فيها: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق -يريد به القرآن- فقد قال بخلق القرآن.
وذكر ابن مهدي الطبري في كتابه الاعتقاد الذي صنفه لأهل هذه البلاد: أن مذهب أهل السنة والجماعة القول بأن القرآن كلام الله سبحانه ووحيه وتنزيله وأمره ونهيه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر بالله العظيم، وأن القرآن في صدورنا محفوظ، وبألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب، وهو الكلام الذي تكلم الله ﷿ به، ومن قال: إن القرآن بلفظي مخلوق، أو لفظي به مخلوق، فهو جاهل ضال، كافر بالله العظيم.
وإنما ذكرت هذا الفصل بعينه من كتاب ابن مهدي لاستحساني ذلك منه؛ فإنه اتبع السلف من أصحاب الحديث في ما ذكره مع تبحره في علم الكلام، وتصانيفه الكثيرة فيه، وتقدمه وتبرزه عند أهله].
يقول المؤلف ﵀: إن مسألة اللفظ في القرآن حدثت ولم تكن معروفة عند السلف، وهو أن بعضهم تكلم، وقال: لفظي بالقرآن مخلوق، فأنكر عليه العلماء وأهل الحديث، وقالوا: إن هذا الكلام ليس معروفًا عند أهل السلف وأصحاب الحديث.
ولهذا نقل المؤلف ﵀ عن الشيخ أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني أنه ذكر في المسألة التي صنفها لأهل جيلان قال فيها: من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن، وهذه المسألة حصل فيها فتنة في بين المحدثين، حتى أن البخاري ﵀ رمي بمسألة اللفظ، وهجره بعض أهل الحديث، وقالوا: إنه يقول بمسألة اللفظ، وهي مسألة محدثة، وهي قول: لفظي بالقرآن مخلوق، يقول: هذا باطل، هذا الكلام ليس معروفًا عند السلف، القرآن كلام الله منزل غير مخلوق؛ لأن هذا خلاف ما كان عليه السلف الصالح، والبخاري ﵀ ذكر في صحيحه في كتاب التوحيد أن الإنسان مخلوق في أقواله وأفعاله، وأما كلام الله فهو منزل غير مخلوق.
فالذي يقول: إن لفظي بالقرآن مخلوق.
قال قولًا مبتدعًا لم يقله السلف، ولهذا قال كثير من السلف كما نقل المؤلف ﵀ عن أبي بكر الإسماعيلي أنه قال: (من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن)، أنكر هذه اللفظة، لا تقل: لفظي بالقرآن مخلوق، قل: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، أما الإنسان فهو مخلوق في أقواله وأفعاله، لكن لا تخصص القرآن.
وكذلك ذكر عن ابن مهدي في كتاب الاعتقاد: أن مذهب أهل السنة القول بأن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله وأمره ونهيه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر بالله العظيم، وبين كما سبق: أن القرآن في صدورنا محفوظ، وبألسنتنا مقروء، وفي مصاحفنا مكتوب، وهو كلام الله الذي تكلم به ﷿.
قوله: (ومن قال: إن القرآن بلفظي مخلوق أو لفظي به مخلوق؛ فهو جاهل ضال كافر بالله العظيم)؛ لأنه ابتدع قولًا لم يقله السلف، والمؤلف ﵀ يقول: إنما نقلت هذا الكلام عن ابن مهدي؛ لأن ابن مهدي وافق السلف في هذه المسألة، وإن كان قد تعمق في علم الكلام وتبحر فيه، وله تصانيف في الكلام، إلا أنه لما وافق أهل السنة نقلت كلامه؛ لأبين للناس أن بعض أهل الكلام وافق أهل السنة في هذه المسألة لظهور الحق فيها.
قال المصنف ﵀: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: سمعت أبا عثمان سعيد بن إشكاب يقول: سألت إسحاق بن إبراهيم بنيسابور عن اللفظ بالقرآن، فقال: لا ينبغي أن يناظر في هذا، القرآن كلام الله غير مخلوق.
وذكر محمد بن جرير الطبري ﵀ في كتابه الاعتقاد الذي صنفه في هذه المسألة، وقال: أما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر فيه نعلمه عن صحابي ولا تابعي إلا عمن في قوله الغناء والشفاء، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله مقام الأئمة الأول؛ أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀؛ فإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ يقول: اللفظية جهمية، قال الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ﴾ [التوبة:٦] ممن يسمع؟ قال: ثم سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يذكرون عنه ﵁ أنه كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق.
فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق.
فهو مبتدع.
قال محمد بن جرير: ولا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله؛ إذ لم يكن لنا فيه إمام نأتم به سواه، وفيه الكفاية والمقنع، وهو الإمام المتبع رحمة الله عليه ورضوانه.
هذه ألفاظ محمد بن جرير التي نقلتها نفسها إلى ما هاهنا من كتاب الاعتقاد الذي صنفه].
المؤلف ﵀ نقل بسنده عن الإمام الحافظ إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الإمام المحدث المشهور قوله في مسألة اللفظ بالقرآن، فقال: (لا ينبغي أن يناظر في هذا)، يعني: لا ينبغي أن يتكلم إنسان باللفظ، ويقول: لفظي بالقرآن مخلوق.
ثم نقل عن الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير المعروف في كتاب سماه الاعتقاد صنف في هذه المسألة، فقال الإمام ابن جرير الطبري: (أما القول في ألفاظ العباد بالقرآن)، هل نقول: ألفاظ العباد بالقرآن مخلوقة أو غير مخلوقة؟ يقول: هذه المسألة ما تكلم فيها أحد، ليس فيها أثر نعلمه عن صحابي ولا تابعي إلا عمن في قوله الغناء والشفاء، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم قوله مقام الأئمة الأولى، وهو الإمام أحمد ﵀.
هل يقال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو يقال: غير مخلوق؟ يقول الإمام ابن جرير: ما وجدنا فيها أثرًا عن الصحابة، ولا عن التابعين إلا أننا وجدنا من يتبع كلامه، وفي كلامه الغناء والشفاء، وفي اتباعه الرشد والهدى، وهو الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إمام أهل السنة والجماعة، ثم روى بسنده عن أبي إسماعيل الترمذي أنه قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: اللفظية جهمية، واللفظية هم الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق.
قال الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] يقول الإمام أحمد من يسمع؟ الإمام أحمد استدل على أن اللفظية جهمية بالآية: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، قال الإمام أحمد ممن يسمع؟ أليس يسمع كلام الله؟ ثم قال أيضًا: سمعت جماعة من أصحابنا يذكرون عن الإمام أحمد أنه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق.
فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق.
فهو مبتدع.
هذه العبارة مشهورة عن الإمام أحمد: فمن قال: غير مخلوق مبتدع؛ لأنه خالف ما عليه أهل السنة والجماعة.
وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الكلمة وذكرها ابن القيم ﵀ في الصواعق المرسلة وأطال وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأنه قد يطلق اللفظ على الملفوظ، والملفوظ هو كلام الله، فيكون هذا قول الجهمية، وكذلك من قال: غير مخلوق؛ لأنه قد يطلق الملفوظ على اللفظ أيضًا، فيكون هذا مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، فيكون مبتدعًا في هذه المقالة؛ ولأن اللفظ يطلق على الشيء الملفوظ وهو الشيء الساقط.
فإذًا: الإمام أحمد سد الباب، ولا يوجد روايات بعده، لا تقل: لفظي بالقرآن مخلوق، ولا تقل: غير مخلوق، من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق، فهو مبتدع.
إذًا قل: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، واترك مسألة اللفظ لا نفيًا وإثباتًا، لا تقل: لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق.
يقول محمد بن جرير الطبري ﵀: (لا قول في ذلك عندنا يجوز أن نقوله غير قوله)، أي: ليس هناك لنا قول يجوز أن نقوله ونعتمده إلا قول الإمام أحمد، ونحن نقول مثلما يقول الإمام أحمد لا نتكلم في اللفظ لا نفيًا ولا إثباتًا،
[ ٤ / ٣ ]
الأسئلة
[ ٤ / ٤ ]
حكم وصف الله باليقظة
السؤال
ألا يكون قول الله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] دليلًا على صفة اليقظة التي ذكرها المصنف استنادًا إلى أن نفي الصفة يثبت كمال ضدها، أو يكون إثبات هذه الصفة مخالفة؟
الجواب
لا ما نستنبط الصفات، إما نقول: الله تعالى ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهنا نفى الله عن نفسه السنة والنوم، أما إثبات اليقظة فلابد من دليل ينص عليها؛ لأن الصفات لا تدخل في الاستنباط، الصفات توقيفية، ولابد أن تثبت الصفة في الكتاب أو في السنة.
[ ٤ / ٥ ]
حكم قول: (يد الله مع الجماعة)
السؤال
ما حكم قول القائل: يد الله مع الجماعة؟
الجواب
لا بأس به: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] يد الله مع الجماعة، هذا ورد.
[ ٤ / ٦ ]
كفر من طعن في القرآن بزيادة أو نقصان
السؤال
من قال: إن في القرآن زيادة ونقص هل هو كافر أم لا؟
الجواب
من قال: إن القرآن فيه نقص، أو فيه شيء من التحريف، كما تقول الرافضة: طار ثلثيه ولم يبق إلا الثلث.
هذا كفر وردة، لأن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فالقرآن ليس فيه زيادة ولا نقصان، ومن قال: إنه يلحقه الزيادة أو النقصان فقد كذب الله في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ومن كذب الله كفر.
[ ٤ / ٧ ]
عقيدة الأشاعرة في القرآن
السؤال
يسأل عن الفرق بين من يقول: القرآن عبارة عن كلام، ومن يقول: إن القرآن كفاية عن الله؟
الجواب
متقارب.
هذا قول الأشاعرة، والعبارة والكفاية متقاربتان، وكلامهما معنى باطل، والصواب: أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه.
[ ٤ / ٨ ]
الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله
السؤال
الحديث القدسي هل هو كلام الله لفظًا ومعنى؟
الجواب
الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله كالقرآن، إلا أن له أحكامًا تختلف عن القرآن، وأما الحديث غير القدسي فمعناه من الله، ولفظه من الرسول ﵊، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
[ ٤ / ٩ ]
حكم قول: (اشتريت قرآنًا) ونحوه
السؤال
ما حكم قول الشخص: (اشتريت قرآنًا أو بعت قرآنًا) هل هذا يجوز؟
الجواب
يعني: اشتريت المصحف، والمصحف فيه كلام الله وفيه خط فلان، وفيه الورق، وفيه المداد، هذا المقصود.
[ ٤ / ١٠ ]
كفر من قال: إن القرآن مخلوق
السؤال
يسأل عمن قال: إن القرآن مخلوق: أنه كافر لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ألا يدل ذلك على تكفيره وكيف يدل على تكفيره مع أن الإمام أحمد لم يكفر المأمون؟
الجواب
المراد تكفيره على العموم، أما الشخص المعين فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة، وتوجد الشروط، وتنتفي الموانع؛ لأنه قد يكون عنده شبهة، فإذا كشفت الشبهة وأصر حكم بكفره.
فمن قال: القرآن مخلوق، فهو كافر.
هذا على العموم.
مثلًا: من أنكر رؤية الله في الآخرة فهو كافر، أما الشخص فلان بن فلان لابد أن تقوم عليه الحجة، وتوجد الشروط، وتنتفي الموانع.
[ ٤ / ١١ ]
حكم إثبات اسم (الحنان) لله تعالى
السؤال
اسم الحنان هل هو من أسماء الله؟
الجواب
أما المنان فهو ثابت، أما الحنان ففيه كلام، وأذكر أن بعض الإخوان أتى فيه بحديث وذكر بعض أسانيده، وهو يحتاج إلى تأمل.
[ ٤ / ١٢ ]
اختلاف أهل السنة مع الأشاعرة في الرؤية
السؤال
ما سبب الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة في الصفات الثلاث بالذات: العلو والرؤية والكلام؟
الجواب
الرؤية الأشاعرة يثبتونها، لكن لا يثبتون الجهة، يقولون: إن الله يرى لا في جهة، فهم لا يثبتون العلو، وهم وسط بين أهل السنة وبين المعتزلة، فهم مع المعتزلة في نفي الجهة، وهم مع أهل السنة في إثبات الرؤية، ولهذا قال أهل السنة: هم كالخنثى، لا أنثى ولا ذكر، ليسوا مع أهل السنة وليسوا مع المعتزلة.
فهم جعلوا يدًا مع المعتزلة فأنكروا العلو، وجعلوا يدًا مع أهل السنة فأثبتوا الرؤية، فقالوا: إن الله يرى لا في جهة، وهذا غير معقول وغير متصور.
[ ٤ / ١٣ ]
طريق الراسخين في العلم
السؤال
كيف أكون من العلماء الراسخين في علم العقيدة، ودلني على بعض الكتب لذلك؟
الجواب
تعلم كما تعلم العلماء، وتدبر كلام الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، واجلس مع أهل العلم، وزاحم الطلبة في حلق الدروس العلمية، ولاسيما أهل البصيرة، واقرأ في كتب أهل العلم، واسأل عما أشكل عليك، واجتهد واسأل الله التوفيق، فتكون نسأل الله أن يوفقك ويجعلك من الراسخين في العلم.
نسأل الله للجميع الثبات على دينه والإقامة على شرعه إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على محمد وآله وسلم.
[ ٤ / ١٤ ]