شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٥]
يعتقد أهل السنة والجماعة أن الله تعالى فوق سبع سماواته على عرشه، يثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به، ويصدقون الرب ﷻ في خبره، ويطلقون ما أطلقه ﷾ من استوائه على العرش، ويمرون هذا على ظاهره، ويكلون علم كيفية ذلك إليه تعالى.
[ ٥ / ١ ]
اعتقاد استواء الله على عرشه فوق سماواته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله سبحانه فوق سبع سماواته على عرشه مستوٍ كما نطق به كتابه في قوله ﷿ في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله جل وعلا في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣]، وقوله جل وعلا في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]، وقوله في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩]، وقوله في سورة السجدة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، وقوله في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]].
[ ٥ / ٢ ]
الأدلة الدالة على إثبات استواء الله على عرشه
استواء الله على العرش من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع، وصفتي الاستواء والعلو من الصفات التي ثبتت بالنصوص وبالعقل وبالفطرة، ومن الصفات اللازمة للرب ﷿ التي لا تنفك عن الباري، فالرب لم يزل عاليًا فوق مخلوقاته، وفوق سماواته، وهو فوق العرش، الذي هو سقف المخلوقات، والله تعالى فوق العرش بعد أن تنتهي المخلوقات، والعلو من الصفات التي ثبتت بالنصوص والعقل والفطرة، فالله تعالى فطر الخلق على أن الله في العلو.
والأدلة التي فيها إثبات علو الله على خلقه تزيد على ثلاثة آلاف دليل، وهناك أنواع من الأدلة كل نوع تحته أفراد كثيرة.
والاستواء على العرش علو خاص، وهو علو على العرش، وهو من الصفات الفعلية، والعلو من الصفات الذاتية، فالفرق بين العلو والاستواء يكون من جهتين: أولًا: أن صفة العلو من الصفات الثابتة بالعقل والشرع والفطرة، أما صفة الاستواء فهي ثابتة بالشرع، فلولا أن الله أخبرنا بأنه استوى على العرش لما علمنا ذلك.
ثانيًا: أن صفة العلو من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الباري، وصفة الاستواء من الصفات الفعلية، فالله تعالى خلق العرش أولًا، ثم خلق السماوات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض.
والنصوص التي فيها بيان استواء الله على العرش في القرآن - نصوص الاستواء - وردت في سبعة مواضع: الموضع الأول: في سورة الأعراف، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف:٥٤].
الموضع الثاني: في سورة يونس، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس:٣].
الموضع الثالث: في سورة الرعد، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢].
الموضع الرابع: في سورة طه، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
الموضع الخامس: في سورة الفرقان، قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩].
الموضع السادس: في سورة السجدة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤].
الموضع السابع: في سورة الحديد، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، فهذه سبعة مواضع فيها التصريح بأن الله استوى على العرش بأداة (على) الصريحة والدالة على العلو والارتفاع.
وفي السنة توجد نصوص أخرى.
[ ٥ / ٣ ]
ذكر الأدلة الدالة على علو الله تعلى على خلقه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأخبر الله سبحانه عن فرعون اللعين أنه قال لـ هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى ﵊ يذكر أن ربه في السماء، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧]، يعني: في قوله: إن في السماء إلهًا.
وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته، يثبتون له من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به، ويصدقون الرب ﷻ في خبره، ويطلقون ما أطلقه ﷾ من استوائه على العرش، ويمرونه على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله جل وعلا ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]، كما أخبر الله تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون ذلك، ورضيه منهم فأثنى عليهم به].
بدأ المؤلف ﵀ هنا يذكر الأدلة الدالة على علو الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، وجاء في النسخة التي معي فيها قبل الآية التي ذكرها ذكر آيات، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، استدل بها على العلو، والصعود إنما يكون من أسفل إلى أعلى، فدل على أن الله في العلو، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، فالأمر ينزل من السماء التي هي العلو، فدل على أن الله في العلو، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، والسماء تطلق ويراد بها العلو، والله تعالى له أعلى العلو وهو ما فوق العرش.
وتطلق السماء على الطباق المبنية، فإذا أريد بالسماء الطباق المبنية فتكون (في) بمعنى: على، أي: أأمنتم من على السماء، وإذا أريد بالسماء العلو تكون (في) للظرفية على بابها، وله تعالى أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦].
قوله: [وأخبر الله سبحانه عن فرعون اللعين أنه قال لـ هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، وإنما قال ذلك لأن موسى ﵊ يذكر أن ربه في السماء، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧]، يعني: في قوله: إن في السماء إلها].
هذه الآية فيها إثبات العلو، ووجه الدلالة أن فرعون وقد ادعى الربوبية قال للناس: أنا ربكم الأعلى، وما علمت لكم من إله غيري، فهو منكر لوجود الله في الظاهر، وإن كان مستيقنًا به في الباطن، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، ففرعون منكر لوجود الله في الظاهر، وطلب من وزيره هامان أن يبني له صرحًا ليطلع إلى إله موسى؛ لأن موسى أعلمه أن الله في العلو، فطلب فرعون من وزيره هامان أن يبني له صرحًا ليطلع وليكذب موسى فيما زعمه أن الله في العلو، ولهذا قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧]، أي: في دعواه أن الله في العلو.
فإذًا: فرعون منكر لوجود الله، ولهذا قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٧]، ولكن بعض الجهمية الآن في القديم والحديث قلبوا معنى الآية، وقالوا: إن فرعون طلب من وزيره هامان أن يبني له صرحًا، ففرعون مجسم لأنه مثبت لوجود الله في العلو، فمن قال: إن الله في العلو، وأثبت أن الله في العلو فمذهبه مذهب فرعون، ومن أنكر العلو فهو على الصواب! فهذا القول يقوله الجهمية المتقدمون والمتأخرون، حتى بعض المتأخرين الآن يقولون: إن من أثبت العلو فهو على مذهب فرعون.
فالجهمية يقولون: لو قلنا: إن الله فوق السماء لصار جسمًا، ولصار محدودًا ومتحيزًا وهذا تنقص لله، حيث جعلوه مختلطًا بالمخلوقات نعوذ بالله! فالجهمية أنكروا أن يكون الله في العلو زعمًا منهم أن إثبات العلو فيه تجسيم وتنقص لله، ولهذا قالت الجهمية: إن فرعون مثبت للعلو لأنه مجسم، وقالوا: إن من أثبت العلو فهو على مذهب فرعون.
وهذا قلب للحقائق، ففرعون منكر لوجود الله، وقال للناس: أنا ربكم الأعلى، وقال: ما علمت لكم من إله غيري، وطلب من وزيره هامان أن يبني له صرحًا ليكذب موسى في دعواه أن الله في العلو.
يقول العلماء: من أثبت العلو فهو على دين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، ومن أنكر العلو فهو على دين فرعون.
[ ٥ / ٤ ]
أقوال علماء السلف في إثبات استواء الله على عرشه
قوله: [وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه، وعرشه فوق سماواته - العرش: سقف المخلوفات - يثبتون له من ذلك ما أثبته الله تعالى ويؤمنون به، ويصدقون الرب جل جلال في خبره].
أي: فيما أخبر عن نفسه ﷾ أنه في العلو ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، هو أعلم بنفسه ﷾.
قوله: (ويطلقون ما أطلقه ﷾ من استوائه على عرشه، ويمرونه على ظاهره) يقولون: إن الله في العلو (ويكلون علمه إلى الله) الكيفية لا نعلمها (ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]).
هذا وصف الرب سبحانه أنهم يؤمنون بالمحكم والمتشابه، ويعملون بالمحكم.
[ ٥ / ٥ ]
قول أم سلمة في إثبات استواء الله على عرشه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المعلى حدثني محمد بن داود بن سليمان الزاهد أخبرني علي بن محمد بن عبيد أبو الحسن الحافظ من أصله العتيق، قال: حدثنا أبو يحيى بن بشر الوراق حدثنا محمد بن الأشرس الوراق أبو كنانة حدثنا أبو المغيرة الحنفي حدثنا قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة ﵂ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قالت: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر].
هذا الحديث نقله المؤلف ﵀ بالسند عن أم سلمة ﵂ أنها قالت في قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
(الاستواء غير مجهول) أي: معلوم معناه كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، يعني: معلوم معناه في اللغة العربية، وله أربعة معان في اللغة العربية، وعليها تدور تفاسير السلف للفظ الاستواء، وهي: استقر، وعلا، وصعد، وارتفع.
(والكيف غير معقول) وفي العبارة المروية عن مالك: والكيف مجهول.
فكيفية استواء الرب على العرش لا نعقلها، ولا نعلمها، فهي مجهولة لدينا.
(والإقرار به إيمان) يجب عليك أن تقر بأن الله استوى على العرش؛ لأن الله أخبر عن نفسه.
(والجحود به كفر) جحود الآية كفر.
هذه المقالة المروية عن أم سلمة، ولكن السند ضعيف إلى أم سلمة، ولكن المعنى صحيح، وهذا ثابت عن الإمام مالك ﵀، وثابت أيضًا عن ربيعة شيخ الإمام مالك، وموقوف أيضًا على أم سلمة ولكن المرفوع إليها فيه ضعف.
وهذا القول يقال في جميع الصفات، فكل الصفات معانيها معلومة، والكيفية مجهولة، أي: كيفية اتصاف الرب بها مجهول.
[ ٥ / ٦ ]
قول الإمام مالك في إثبات استواء الله على عرشه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وحدثنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المدني حدثنا أحمد بن الخضر أبو الحسن الشافعي حدثنا شاذان حدثنا ابن مخلد بن يزيد القهستاني حدثنا جعفر بن ميمون قال: سئل مالك بن أنس ﵀ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالًا، وأمر به أن يخرج من مجلسه].
هذه المقالة ثابتة عن الإمام مالك ﵀ نقلها المؤلف ﵀ بالسند، أن مالكًا ﵀ جاءه سائل وهو في مجلس التحديث يحدث الناس في المسجد، فقال: يا مالك! (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ فأطرق مالك كما جاء في رواية أخرى وسكت مليًا، ثم علته الرحضاء (العرق) ثم رفع رأسه، وقال: أين السائل؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء ثم أمر به أن يخرج من مجلسه.
المؤلف ذكر القول بهذا اللفظ: كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، ومعناه: أنه معلوم باللغة العربية، وفي اللفظ الآخر أنه قال: الاستواء معلوم، أي: معلوم معناه.
(والكيف غير معقول) وفي اللفظ الآخر قال: (والكيف مجهول) وغير معقول يساوي مجهول، وغير مجهول يساوي معلوم، فقوله: (الاستواء غير مجهول) أي: معلوم، والكيف غير معقول، أي: مجهول.
(والإيمان به واجب) الإيمان بالاستواء واجب لأنه ثبت في القرآن وفي السنة.
(والسؤال عنه بدعة) السؤال عن الكيفية بدعة.
ثم قال: (وما أراك إلا ضالًا) وفي اللفظ الآخر: وما أراك إلا رجل سوء، وأمر به أن يخرج من مجلسه.
وهذا يقال في جميع الصفات، فلو سأل شخص وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠]، كيف هذا العلم؟ يقال له: العلم معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]، كيف السمع؟ يقال: السمع معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
فهذه المقالة عن الإمام مالك ﵀ تلقاها أهل العلم بالقبول والتصديق، واحتجوا بها، وصارت قاعدة عند أهل السنة في الصفات، أن كل صفة ثبتت للرب ﷾ يقال فيها كما قال الإمام مالك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو محمد المخلدي العدل حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد الإسفراييني حدثنا أبو الحسين علي بن الحسن حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا مهدي بن جعفر بن ميمون الرملي عن جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس ﵀ يعني يسأله عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قال: فما رأيته وجد من شيء كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء وأطرق القوم فجعلوا ينظرون الأمر به فيه ثم سرِّي عن مالك ﵀ فقال: الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًا، ثم أمر به فأخرج].
وهذا صحيح ثابت عن مالك ﵀، وهذه رواية أخرى، والمؤلف رواه بعدة روايات، ففي هذه الرواية أن هذا الرجل جاء وسأل الإمام مالك ﵀ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ قال الراوي: (فما رأيته) - يعني: الإمام مالك - (وجد من شيء كوجده من مقالته) يعني: فما رأيته غضب من شيء أشد من غضبه ذلك، (وعلاه الرحضاء) يعني: صار يتصبب عرقًا، من ثقل هذه المقالة وشدتها على الإمام مالك ﵀، (وأطرق برأسه أيضًا) أي: سكت ولم يتكلم، (وأطرق القوم فجعلوا ينتظرون الأمر به فيه) أي: ينتظرون ماذا يقول الإمام مالك، وهو قد غضب وجعل يتصبب عرقًا وسكت، والرجل واقف ينتظر.
(ثم سرِّي عن مالك) يعني: انكشف وزال ما به، (فقال: الكيف غير معلوم) يعني: كيفية الاستواء غير معلومة، بل هي مجهولة، (والاستواء غير مجهول) بل هو معلوم معناه في اللغة العربية، وهو: الاستقرار والعلو، والصعود والارتفاع، وكيفية اتصاف الرب بالاستواء هذا غير معلوم، (والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) الإيمان بالصفة واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة.
ثم قال الإمام مالك: (وإني لأخاف أن تكون ضالًا) يعني: هذا الرجل الذي سأل عن الكيفية، وهذا سؤال باطل، لا ينبغي أن يسأل عن الكيفية، بل يجب عليه أن يؤمن بالاستواء، يقول: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله.
فقول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، يجب على الإنسان أن يقول: آمنت بالله ورسوله، الله استوى على العرش استواءً يليق بجلاله وعظمته، أما أن يسأل: كيف استوى؟ فهذا بدعة، لا تسأل عن الكيفية، فهي لا يعلمها إلا هو ﷾، ولهذا قال الإمام مالك ﵀: (وإني أخاف أن تكون ضالًا).
(ثم أمر به فأخرج) طُرد من الحلقة ومن المسجد ومن المجلس بسبب بدعته وسؤاله سؤالًا مبتدعًا؛ حتى لا تسري بدعته إلى غيره.
فإذا كان الإمام مالك ﵀ يعاقب الذي يسأل عن الكيفية فيطرد ويخرج من المسجد ويهجر، فكيف وقد صار الكل يتكلم بما يشاء في هذا الزمان، فصار المبتدعة يكتبون والمعتزلة يكتبون والأشاعرة يكتبون والضلال يكتبون، أين هم من الأئمة ﵏؟ الأئمة في زمانهم لا يستطيع أحد أن يتكلم، ولا يستطيع أحد أن يكتب، فمن كتب يؤدب ويهجر ويحذر منه، وبذلك تموت البدع وتحيا السنن، أما في الأزمنة المتأخرة فإن أهل البدع قد أخرجوا رءوسهم، وصاروا يتكلمون ويكتبون وينشرون، ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا به جدي أبو حامد أحمد بن إسماعيل عن جد والدي الشهيد أبو عبد الله محمد بن عدي بن حمدويه الصابوني حدثنا محمد بن أحمد بن أبي عون النسوي حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا مهدي بن جعفر الرملي حدثنا جعفر بن عبد الله قال: جاء رجل لـ مالك بن أنس ﵀ فقال: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ قال: فما رأينا مالكًا وجد من شيء كوجده من مقالته، وذكر نحوه].
وهذا طريق ثابت عن الإمام مالك ﵀، ذكر المؤلف له عدة طرق، ولكن مدارها كلها على جعفر بن عبد الله، وفي هذا أنه قال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف استوى؟ قال: (فما رأينا مالكًا وجد من شيء كوجده من مقالته).
يعني: غضب كغضبه من مقالته، ثم ذكر بنحو ما سبق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وسئل أبو علي الحسين بن فضل البجلي عن الاستواء وقيل له: كيف استوى على عرشه؟ فقال ﵀: إنا لا نعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا، وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه، ولم يخبرنا كيف استوى].
في نسخة: أنا لا أعرف، وهذا محتمل، وهذا فيه أن أبا علي الحسين بن فضل البجلي سُئل عن الاستواء كما سئل الإمام مالك، وقيل له: كيف استوى على عرشه؟ فقال: (أنا لا أعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا)، ويحتمل: (إنا لا نعرف)، يعني: إنا معشر العلماء لا نعرف الغيب.
والمعنى أن هذا من علم الغيب، ولا نعلم من علم الغيب إلا ما كشف لنا، والله تعالى لم يخبرنا كيف استوى، ولم يكشف لنا كيف استوى، فنقف، فلا نعلم كيفية الاستواء.
[ ٥ / ٧ ]
قول ابن المبارك في إثبات استواء الله على عرشه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن داود الزاهد قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الشامي قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروَزي سمعت علي بن الحسن بن شقيق يقول: سمعت عبد الله بن المبارك ﵀ يقول: نعرف ربنا فوق سبع سماوات على العرش استوى، بائنًا من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا.
وأشار إلى الأرض].
وهذا الأثر عن عبد الله بن المبارك، الإمام العالم الزاهد المشهور، نقله المؤلف ﵀ بسنده عن شيخه الحاكم بسنده إلى عبد الله بن المبارك أنه قال: (نعرف ربنا فوق سبع سماوات على العرش استوى بائنًا من خلقه) يعني: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماوات، وفيه إثبات العلو، وأن الله فوق العلو، وفيه الرد على من أنكر العلو من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة.
قوله: (على العرش استوى) هذه الصفة الثانية، وهي صفة الاستواء.
قوله: (بائنًا من خلقه) أي: منفصلًا ليس مختلطًا بالمخلوقات.
قوله: (ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا.
وأشار إلى الأرض) الجهمية لا يقولون: إن الله في العلو، ولا يقولون: فوق السماوات، وإنما يقولون: الله في الأرض وفي كل مكان، تعالى الله عما يقولون! وهذا كفر وضلال.
والجهمية طائفتان: الطائفة الأولى: ينكرون أن الله فوق العرش، وأن الله فوق السماوات، ويقولون: إنه في كل مكان ولم ينزهوا الله، حتى قالوا: إنه في بطون السباع، وفي أجواف الطيور، وفي كل شيء تعالى الله عما يقولون! الطائفة الثانية: المتأخرون، وهؤلاء أنكروا وجود الرب، ونفوا عنه النقيضين، وما قالوا مثلما قالت الأولى إنه في الأرض، وإنما قالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا مباين له ولا مختلط.
إذًا ماذا يكون؟! يكون عدمًا بل أشد من العدم.
فهؤلاء الجهمية - الطائفة الثانية - نفوا عن الله النقيضين اللذين لا بد لكل موجود أن يتصف بواحد منهما، وكل من الطائفتين كافرتان، لكن أيهما أشد كفرًا؟ الطائفة الثانية نسأل الله السلامة والعافية، لأنهم نفوا النقيضين، وهذا إنكار لوجود الله وقول بالعدم، بخلاف الطائفة الأولى فإنهم تنقصوا الرب وجعلوه مختلطًا بالمخلوقات، نسأل الله العافية!
[ ٥ / ٨ ]
قول ابن خزيمة في إثبات استواء الله على عرشه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ في كتاب التاريخ الذي جمعه لأهل نيسابور، وفي كتابه معرفة الحديث اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقل بأن الله ﷿ على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه حلال الدم، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى به المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته، وكان ماله فيئًا لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال النبي ﵌: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) رواه البخاري].
وهذا الأثر نقله الإمام الصابوني ﵀ عن شيخه الحاكم صاحب المستدرك، في كتابين: كتاب التاريخ، وكتاب معرفة الحديث، يقول: هذا الأثر رواه الحاكم في التاريخ وفي معرفة الحديث عن أبي جعفر محمد بن صالح عن الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، فيكون ابن خزيمة صاحب الصحيح، ليس من شيوخ الحاكم بل من شيوخ شيوخ الحاكم.
والمؤلف الصابوني ﵀ روى عن الحاكم، والحاكم روى عن محمد بن صالح، ومحمد بن صالح روى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة الإمام المشهور صاحب الصحيح، حيث يقول: (من لم يقل بأن الله ﷿ على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر بربه).
إذًا: هذا تكفير من هذا الإمام، وأهل السنة كلهم يوافقون الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة أن من لم يؤمن بأن الله استوى على العرش، وأن الله فوق السماوات فهو كافر بربه، وحينئذٍ إذا كان كافرًا فهو حلال الدم يقتل؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).
قوله: (حلال الدم يستتاب) من قبل ولاة الأمور، (فإن تاب وإلا ضربت عنقه) بالسيف، (وألقي على بعض المزابل) المزابل: جمع مزبلة، وهي مكان القمامة والكناسة فيقتل ويوضع على الكناسة لا يدفن؛ لأنه لا كرامة له، وليس بمؤمن، فلا يدفن ولا يغسل ولا يصلى عليه.
قوله: (حتى لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته) المعاهد: من له عهد من اليهود أو النصارى الذين لهم ذمة أو يدفعون الجزية أو دخلوا بعهد في البلد، فهؤلاء لهم أمان ولهم عهد لا يقتلون، ولا تؤخذ أموالهم، ولهم حرمة، فيكون هذا كفره أشد من كفر اليهود والنصارى، وأعظم، فيقتل ويلقى على مزبلة حتى لا يتأذى برائحة جيفته المسلمون، ولا يتأذى به المعاهدون من اليهود والنصارى أو غيرهم.
أما ماله فيؤخذ فيئًا، ويوضع في بيت مال المسلمين، لا يرثه أقاربه المسلمون، إلا إن كان له ابن كافر على دينه فيرث، أما أبناؤه المسلمين وزوجته المسلمة لا يرثونه، يؤخذ ماله ويوضع في بيت مال المسلمين، ولذا قال: (وكان ماله فيئًا لا يرثه أحد من المسلمين؛ إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال النبي ﵌: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما.
وهذا حكم من الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة ووافقه على هذا أهل السنة والجماعة بكفر وردة من أنكر علو الله فوق مخلوقاته واستوائه على عرشه، فمن أنكر العلو والاستواء فهو كافر.
[ ٥ / ٩ ]
قول الإمام الشافعي في إثبات استواء الله على عرشه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁ احتج في كتابه المبسوط في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة، وأن غير المؤمنة لا يصح التكفير بها، بخبر معاوية بن الحكم، وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء لكفارة، وسأل رسول الله ﷺ عن إعتاقه إياها، فامتحنها رسول الله ﷺ، فقال ﷺ لها: (من أنا؟ فأشارت إليه وإلى السماء، تعني: أنك رسول الله الذي في السماء، فقال ﷺ: اعتقها فإنها مؤمنة)، فحكم رسول الله ﷺ بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية، وإنما احتج الشافعي رحمة الله عليه على المخالفين في قولهم بجواز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة بهذا الخبر؛ لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه، وفوق سبع سماواته على عرشه، كما هو معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم، إذ كان ﵀ لا يروي خبرًا صحيحًا ثم لا يقول به].
قوله: (وإمامنا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي) هذا يدل على أن الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني شافعي، فهو من الشافعية في الفروع، وسلفي المعتقد، من أهل السنة والجماعة، لكن في الفقه على مذهب الإمام الشافعي، قوله: (احتج في كتابه المبسوط) هذا كتاب للإمام الشافعي اسمه: المبسوط، احتج فيه في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وأن غير المؤمنة لا يصح التكفير بها بخبر معاوية بن الحكم، فـ الشافعي ﵀ اشترط في عتق الرقبة أن تكون مؤمنة؛ لأن الله تعالى ذكر عتق الرقبة في القتل وفي الظهار وفي اليمين، فالله تعالى اشترط الإيمان في كفارة القتل، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وقال في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣]، ما ذكر الإيمان.
فاختلف العلماء في كفارة الظهار، هل يجوز إعتاق الرقبة غير المؤمنة لأن الله ما نص على الإيمان، أو أنه لا بد من الإيمان؟ فـ الشافعي ﵀ قال: لا بد أن تكون الرقبة مؤمنة، واحتج بحديث معاوية بن الحكم السلمي، وهو في صحيح مسلم، وذلك أن معاوية بن الحكم السلمي رضي اللهعنه له جارية سوداء، وكانت ترعى الغنم خلف أحد، فجاء الذئب وأخذ شاة منها، فغضب معاوية وصكها، ثم ذهب إلى النبي ﷺ وأخبره أنه اعتدى عليها لأنها مسكينة ليس لها اختيار في هذا، فالنبي ﷺ شدد عليه، فقال يا رسول الله: أُعتقها؟ فقال: ائت بها إلي، فسألها فقال: (أين الله؟ فقالت: في السماء)، والجارية أعجمية، قال: (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ: اعتقها فإنها مؤمنة)، فشهد لها بالإيمان لأنها أثبتت أن الله في السماء في جهة العلو، وأثبتت الرسالة للنبي ﷺ.
وهذا الحديث ثابت في صحيح مسلم، لكن الحديث بهذه الرواية التي جاء بها المؤلف سندها ضعيف؛ لأنه قال: (امتحنها رسول الله ﷺ فقال: من أنا؟ فأشارت إلى السماء، وما تكلمت) وهي تعني: أنك رسول الله، وهذا ضعيف، والذي في صحيح مسلم أنها تكلمت، حيث قال: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله).
والصواب أنها تكلمت كما في صحيح مسلم.
فالنبي ﷺ شهد لها بالإيمان، وهذا فيه الرد على أهل البدع الذين أنكروا أن يكون الله في العلو، وأهل البدع يقولون: ما يسأل عن الله (بأين) وإنما يسأل بها عن المكان، فقيل لهم: إن الرسول سأل (أين) قال أهل البدع: الرسول أخطأ والعياذ بالله، لم أخطأ؟ قالوا: الرسول يخاطب الجارية الأعجمية بقدر عقلها وفهمها، هي لا تفهم، فسألها سؤالًا فاسدًا، لأجل عقلها، وأقرها على جواب فاسد، وهكذا وصل الحال بأهل البدع إلى أنهم اتهموا الرسول فقالوا: الرسول سأل سؤالًا فاسدًا، أن الله له مكان، وإذا كان له مكان يكون محدودًا ويكون جسمًا ويكون متحيزًا، وهذا لا يليق بالله ﷿.
قالوا: وكان مقصد الرسول أن يقول: من الله؟ وهل الرسول عاجز أن يقول: من الله؟ (أين) ثلاثة حروف، و(من) حرفان، أيهما أسهل؟ الرسول أفصح الناس وأبلغهم، أعاجز أن يقول: من الله؟ الإمام الشافعي ﵀ يقول: حكم رسول الله ﷺ بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية.
قوله: (وإنما احتج الشافعي رحمة الله عليه على المخالفين في قولهم بجواز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة بهذا الخبر؛ لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه وفوق سبع سماواته على عرشه).
قال الشافعي: لا يجوز إعتاق الرقبة إلا إذا كانت مؤمنة، وقال بعض العلماء: يجوز إعتاق الرقبة الكافرة، والشافعي قال: أنا عندي دليل وهو حديث الجارية.
لأن الرسول سألها: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
فلم يرخص له الرسول ﷺ بإعتاقها حتى ثبت له إيمانها.
قوله: (كما هو معتقد المسلمين من أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم) فهذا هو معتقد أهل السنة قديمًا وحديثًا سلفًا وخلفًا، يعتقدون أن الله فوق خلقه وفوق سبع سماواته على عرشه.
قوله: (إذ كان -أي: الشافعي - ﵀ لا يروي خبرًا صحيحًا ثم لا يقول به)، فعمل بهذا الحديث لما صح الحديث عنده، فقال: لا بد أن تكون الرقبة مؤمنة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد أخبرنا الحاكم أبو عبد الله ﵀ قال: أنبأنا الإمام أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي ﵀ يقول: إذا رأيتموني أقول قولًا وقد صح عن النبي ﷺ خلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب.
] هذا ثابت عن الإمام الشافعي، يقول: إذا رأيتموني أقول قولًا والحديث يخالف قولي فاعلموا أن عقلي قد ذهب، وهذا قاله الأئمة كلهم، وروي عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وقال بعض العلماء: إذا قلت قولًا يخالف قول الرسول ﷺ فخذوا بقول الرسول، واضربوا بقولي عرض الحائط.
ويقول الشافعي: إذا قلت قولًا وصح الحديث بخلافه؛ فاعلموا أن عقلي قد ذهب.
كيف يخالف قول الرسول ﵊؟ لا يمكن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الحاكم ﵀: سمعت أبا الوليد -غير مرة- يقول: حدثت عن الزعفراني أن الشافعي ﵀ روى يومًا حديثًا فقال السائل: يا أبا عبد الله! تقول به؟! قال: تراني في بيعة أو كنيسة؟! ترى علي زي الكفار؟! هو ذا تراني في مسجد المسلمين، عليّ زي المسلمين، مستقبلًا قبلتهم، أروي حديثًا عن النبي ﷺ ثم لا أقو ل به؟!].
وهذا أيضًا أثر عن الإمام الشافعي ﵀ وإن كان فيه ضعف وفي سنده مجهول لكن رواه أبو نعيم في الحلية موصولًا، وذكره السيوطي في مفتاح الجنة محتجًا به، وذلك أن الشافعي ﵀ روى يومًا حديثًا عن الرسول ﷺ فقال سائل: يا أبا عبد الله! هل تقول بهذا الحديث وتعمل به؟ فأنكر عليه الشافعي واشتد: كيف هو حديث ولا أقول به؟ هل تراني في بيعة؟ أي: في معبد النصارى، هل تراني في كنيسة؟ ترى علي زي الكفار؟! كيف يكون حديثًا ولا أقول به؟ أنا في مسجد المسلمين وعلي زي المسلمين أستقبل القبلة، أروي الحديث عن النبي ﷺ ثم لا أقول به؟! فهذا فيه تعظيم الإمام الشافعي ﵀ للسنة، حيث أنكر على السائل.
[ ٥ / ١٠ ]
الفرق بين أهل السنة وأهل البدع في باب الصفات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدع: أنهم إذا سمعوا خبرًا في صفات الرب ردوه أصلًا ولم يقبلوه، أو للظاهر ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإبطال عقولهم وآرائهم فيه، ويعلمون حقًا يقينًا أن ما قاله رسول الله ﷺ فعلى ما قاله، إذ هو كان أعرف بالرب ﷻ من غيره، ولم يقل فيه إلا حقًا وصدقًا ووحيًا، قال الله ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]].
يقول الإمام أبو عثمان ﵀: الفرق بين أهل السنة وبين أهل البدعة أن أهل البدعة إذا سمعوا خبرًا في صفة الرب ردوا الخبر أو تأولوه بتأويل باطل، أما أهل السنة فإنهم يقبلون الحديث، ويقبلون ما جاء فيه من الأخبار، ويقولون: آمنا بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله.
فالعلامة الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع، أن أهل السنة يقبلون الأحاديث ويؤمنون بما دلت عليه، وأهل البدع يردون الخبر إما أن يقولوا: هذا خبر آحاد ما نقبله، أو يتأولونه بتأويل باطل، هذا الفرق بينهما.
وأهل السنة يقبلون الحديث في العقائد والأعمال والأخلاق وفي كل شيء إذا صح سنده، وعدلت رواته، ولم يكن شاذًا ولا معللًا.
أما أهل البدع فهم بين أمرين: إما أن يردوه من الأساس، ويقولون: هذا خبر آحاد لا يحتج به، وإما أن يتأولوه بتأويل فاسد، ولهذا قال المؤلف ﵀: (ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله)، وأما أهل السنة والجماعة فهم يعتقدون أن ما قاله الرسول فهو حق؛ لأن الرسول أعرف بالرب ﷻ من غيره، فقد قال الله تعالى عن نبيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الزهري ﵀ إمام الأئمة وغيره من علماء الأمة ﵃: على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم.
] هذا القول قاعدة عند أهل السنة يقولون: على الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، لا نعترض، فالله تعالى بين لنا وأخبرنا، والرسول ﷺ بلغنا، ونحن نسلم ونقبل أمر الله وأمر رسوله، وخبر الله وخبر رسوله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى يونس بن عبد الصمد بن معقل عن أبيه أن الجعد بن درهم قدم على وهب بن منبه يسأله عن صفات الله تعالى فقال: ويلك يا جعد بعض المسألة! إني لأظنك من الهالكين، يا جعد! لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدان وعينًا ووجهًا لما قلنا بذلك فاتق الله، ثم لم يلبث جعد أن قتل وصلب].
وهذا الأثر عن وهب بن منبه أن الجعد بن درهم - وهو أول من تكلم في نفي الصفات - سأله عن الصفات، فقال له وهب: ويلك يا جعد بعض المسألة! إني لأظنك من الهالكين، يا جعد! لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدًا وعينًا ووجهًا لما قلت بذلك، ما أثبت إلا ما أثبته الله في كتابه ورسوله فاتق الله، ثم لم يلبث الجعد أن قتل وصلب كما سيذكر المؤلف في القصة التي بعدها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وخطب خالد بن عبد الله القسري ﵀ يوم الأضحى بالبصرة، فقال في آخر خطبته: انصرفوا إلى منازلكم وضحوا، بارك الله لكم في ضحاياكم، فإني مضح اليوم بـ الجعد بن درهم، فإنه يقول: لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد علوًا كبيرًا، ونزل عن المنبر فذبحه بيده، وأمر بصلبه].
وهذه القصة فيها قتل الجعد بن درهم وهو أول من ابتدع القول بنفي الصفات وأول من حُفظ عنه في الإسلام مقالة التعطيل، وكان الذي تكلم به في صفتين: أنكر صفة التكليم وصفة الخلة، أنكر أن يكون الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وأن يكون كلم موسى تكليمًا، وهاتان الصفتان ترجع إليهما جميع الصفات.
لأن إنكاره للكلام إنكار للشرائع والنبوات والكتب المنزلة، والله تكلم، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب بالكلام، وكذلك أيضًا أنكر الخلة وهي كمال المحبة، وقطع العلاقة بين الله وبين خلقه، يقول: المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين الخالق والمخلوق، ولا مناسبة بين الخالق والمخلوق، وأي مناسبة أعظم من رب وعبد؟! الله تعالى هو الذي ربى خلقه، وأوجدهم من العدم، ورباهم بنعمه، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب، والعباد يعبدون ربهم ويتألهونه، ويتضرعون إليه، فهذه أعظم صلة.
فلما أنكر هذه الصفات أفتى العلماء في زمانه من التابعين بقتله، وكان خالد بن عبد الله القسري أمير العراق فأفتاه العلماء من التابعين بقتله، فأمر به فقيد ووثق بالأغلال، وكان ذلك قبيل عيد الإضحى، وكان خالد بن عبد الله القسري هو الذي يصلي بالناس - على عادة الأمراء - الجمعة والعيد، فصلى بالناس يوم عيد الإضحى، وأتي بـ الجعد بن درهم مقيدًا موثقًا، وجعل في أصل المنبر، فصلى خالد القسري بالناس العيد وخطب خطبة العيد، ثم قال في آخر الخطبة: ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا.
ثم نزل وأخذ السكين وذبحه في المصلى أمام الناس، وشكره العلماء وأثنوا عليه، ومن ذلك ابن القيم ﵀ في قصيدته الشافية أثنى عليه وقال: ولذا ضحى بـ جعد خالد القسري يوم ذبائح القربان إذ قال ليس إبراهيم خليله كلا ولا موسى الكليم الدان شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان ولا شك أن هذه الضحية أعظم أجرًا من الضحايا الأخرى؛ لأن فيها قطع لدابر الفتنة والشر والفساد، وثوابها أعظم من ثواب الأضحية، وإن كانت الأضحية سنة الرسول ﷺ، لكن قتل هذا الرجل فيه قطع لدابر الفتنة، لكن مع الأسف أن هذا الرجل قبل أن يقتل اتصل به الجهم بن صفوان، وأخذ عنه عقيدته في الصفات ثم نشرها، اتصل بالمشركين والصابئين واليهود ونشر عقيدة نفي الصفات؛ فنسبت إليه العقيدة فقيل: عقيدة الجهمية.
[ ٥ / ١١ ]
الأسئلة
[ ٥ / ١٢ ]
بيان حكمة طرد الإمام مالك للرجل الذي سأله عن الاستواء
السؤال
لماذا هذا التحامل على هذا الشخص الذي سأل الإمام مالك ﵀، أليست هذه شبهة عرضت له فيجب بيانها له وتوضيحها دون إخراجه من المسجد؟
الجواب
لا، هذا ليس تحاملًا، وإنما هذا نهي للبدع؛ لأن هذا الشخص سأل عن الكيفية التي لا يعلمها إلا الله، لأنه لو فتح الباب لهذا الرجل لكثرت البدع وانتشرت، ولصار أهل البدع لهم جرأة على أهل السنة، وصاروا ينشرون بدعهم، فالإمام مالك ﵀ أراد أن يبين أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم ويتفوه بما في نفسه من البدع.
[ ٥ / ١٣ ]
المعتزلة في هذا العصر
السؤال
هل للمعتزلة وجود الآن وكيف نعرفهم؟
الجواب
نعم، المعتزلة موجودون الآن، والأشاعرة موجودون، والجهمية موجودون، بل الاتحادية موجودون، وهم من أكثر خلق الله، الاتحادية: الذين يقولون: إن الوجود واحد، الرب عبد والعبد رب! كتبهم الآن تحقق وتطبع في أوراق صقيلة، وهم موجودون في الشام، وفي مصر، وفي السودان، وفي أفريقيا، وفي ليبيا، وفي كل مكان، وفي زمن النميري حاكم السودان قبل سنين، كان هناك رجل يروج لهذه الفكرة ويقول عن نفسه: إنه الله؛ فقُتل.
وإذا خرجت من المملكة وجدت في كل بلد طرقًا صوفية، وكل طريقة لها شيخ يقودهم إلى النار والعياذ بالله! وطرق الصوفية منها ما هي طرق مكفرة، ومنها ما هي طرق مبتدعة.
[ ٥ / ١٤ ]
قول السلف في تكفير الجهمية
السؤال
هل عرف عن السلف خلاف في تكفير الجهمية، وهل جاء عن الإمام ابن تيمية ﵀ حكاية للخلاف في ذلك؟
الجواب
نعم، للعلماء خلاف في هذا، من العلماء من كفر الجهمية بإطلاق، ومنهم من بدعهم، ومنهم من كفر الغلاة، وذكر العلامة ابن القيم ﵀ أنه كفر الجهمية خمسمائة عالم، حيث قال: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان خمسون في عشرة بخمسمائة.
واللالكائي الإمام قد حكاه عنهم بل قد حكاه قبله الطبراني
[ ٥ / ١٥ ]
براءة الإمام البخاري من القول بخلق القرآن
السؤال
الذين قالوا: إن اللفظ بالقرآن مخلوق منهم الإمام البخاري كما ذكر ذلك ونقله عنه الذهبي ﵀، واستدلوا على ذلك بأن الله خالق كل شيء، وألفاظنا مخلوقة؟
الجواب
البخاري لم يقل: اللفظ بالقرآن مخلوق، وإنما فصل بين ما يقوم به العبد وما يقوم به الرب، فقال: إن العباد مخلوقون أقوالهم وأفعالهم وألفاظهم، ولم يقل هذه المقالة: (لفظي بـ) لكن حصلت فتنة في صفوف المحدثين وسببها أمران: الأمر الأول: الشبهة التي حصلت من القول المجمل للإمام أحمد حينما قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع.
الأمر الثاني: الشهوة، وهي الحسد الذي حصل لبعض الناس، فاجتمع هذا الأمران؛ فروي للإمام البخاري ﵀ بأنه يقول في مسألة اللفظ، وهجره من هجره، وإلا فإنه لا منافاة بين قول الإمام البخاري وبين قول الإمام أحمد، فأئمة أهل السنة لا منافاة بين أقوالهم، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في الصواعق المرسلة، قال: إن الإمام أحمد ﵀ أجمل وسد الباب فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع، أما الإمام البخاري ﵀ فقد فصل وبين ما يقوم به الرب وما يقوم به العبد، والإمام أحمد لا يخالف البخاري، والبخاري لا يخالف الإمام أحمد، بل هما متفقان؛ لكن الفتنة التي حصلت سببها أمران: الأمر الأول الشبهة التي نشأت من فهم التفسير المجمل لكلام الإمام أحمد.
والأمر الثاني: الشهوة التي سببها الحسد للإمام البخاري ﵀؛ لما نشر الله له من الصيت ورفع شأنه حسده بعض الناس وتعلقوا بالقول المجمل، وحصلت لهم شبهة من القول المجمل للإمام أحمد، فحصلت هذه الفتنة، وإلا فإن كلًا من الإمامين البخاري والإمام أحمد متفقان رحمة الله عليهما.
[ ٥ / ١٦ ]
معنى الإرجاء
السؤال
ما معنى الإرجاء؟
الجواب
الإرجاء: هو القول بأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، والإيمان: هو تصديق بالقلب والأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، والمرجئة طائفتان: الجهمية الذين يقولون: إن الأعمال غير مطلوبة، والثانية: مرجئة الفقهاء الذين يقولون: الأعمال مطلوبة لكن ليست من الإيمان، وكل منهما خطأ، لكن قول الجهمية كفر وضلال، نسأل الله العافية.
[ ٥ / ١٧ ]
الله في كل مكان بعلمه
السؤال
هل يقال: إن الله جل وعلا موجود في كل مكان بعلمه؟
الجواب
يقال: إن الله فوق العرش، وعلمه في كل مكان.
[ ٥ / ١٨ ]
نسبة ابن القيم إلى القول بفناء الجنة والنار
السؤال
هل ثبت عن ابن القيم ﵀ القول بفناء الجنة والنار؟
الجواب
ابن القيم ﵀ ظاهر ما كتبه في هذا أن له قولين، والقول بفناء النار ذكره في شفاء العليل وأطال، ونقل أقوال القائلين بفناء النار، وكذلك ذكره في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، أما نسبته إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فلا يصح، فشيخ الإسلام ابن تيمية لا يقول بالفناء، ولكن ابن القيم ﵀ ظاهر ما كتبه أن له قولين في المسألة، وأنه يميل إلى أحد القولين، وليس صريحًا، وأنه رجع عن أحدهما، ولعل القول الأخير هو القول بأبدية النار أبدية دائمة.
[ ٥ / ١٩ ]
حكم القول بأن الصوت والألحان قول القاري
السؤال
ما رأيكم في قول الناظم: فالصوت والألحان قول القاري لكنما المتلو قول الباري
الجواب
المقصود: أن أفعال العباد، وأقوالهم وألفاظهم، وأداءهم من أفعالهم، فالعبد مخلوق بأفعاله وأقواله، والمقروء كلام لله، فلا بد أن نفرق بين التلاوة والمتلو، فالتلاوة: فعل العبد، والمتلو: هو كلام الله، لكن لا ينبغي للإنسان أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، لأن هذه العبارة مجملة، ولكن العبد بأقواله وأفعاله وتصرفاته وأدائه مخلوق، والله تعالى خلق العباد، أما كلام الله فهو منزل غير مخلوق.
[ ٥ / ٢٠ ]
معنى الحلولية والاتحادية
السؤال
ما معنى: الحلولية، الاتحادية؟
الجواب
الحلولية: الذين يقولون: إن الله حال في كل مكان كالجهمية.
والاتحادية أشد، يقولون: اتحد الرب بالعبد وصار شيئًا واحدًا، كما إذا صببت اللبن في الماء فاتحدا وصارا ذاتًا واحدة والعياذ بالله!
[ ٥ / ٢١ ]
حكم دراسة القوانين الوضعية
السؤال
ما حكم دراسة القوانين الوضعية؟
الجواب
لا ينبغي للإنسان أن يدرس القوانين الوضعية، وإنما يدرس الشريعة، والقوانين لا يجوز للإنسان أن يدرسها؛ لأن دراستها وسيلة إلى إقرارها والعمل بها، والواجب على المسلم أن يدرس أحكام الشريعة ولا يدرس القوانين الوضعية.
[ ٥ / ٢٢ ]
الفرق بين الزيادة والنقصان من القرآن وبين اختلاف القراءات
السؤال
كيف نجمع بين أن من أنكر أو زاد حرفًا في كتاب الله فإنه يكفر، وبين بعض القراءات التي يكون فيها زيادة أو تغيير في بعض الكلمات؟
الجواب
القراءات ثابتة عن النبي ﷺ، وفي الحديث: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه) فالحروف التي نزل بها جبرائيل سبعة، والقراءات السبع داخلة في حرف واحد، وهو الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة أي: عرضة جبريل في السنة الأخيرة، والخليفة الراشد عثمان ﵁ جمع الناس على حرف واحد، وهو الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة، والقراءات السبع كلها داخلة في هذا الحرف، يعني: ما يقال: إنها زيادة، القراءات كلها ثابتة بالوحي، ولكن من زاد حرفًا في كتاب الله ليس من الحروف السبعة التي نزلت بالوحي، وليس من القراءات الثابتة فهذا هو الذي يكفر.
[ ٥ / ٢٣ ]
معنى قول: (القرآن قديم)
السؤال
ما المراد بقول: القرآن قديم؟ ومن قال به من الطوائف؟
الجواب
القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، وقول: القرآن قديم، فيه إنكار لكلام الله، وهو قول قال به الأشاعرة، يقولون: القرآن قديم، أي: قائم بالنفس، ومعناه: أن الله ما تكلم به، ولكن الله تعالى تكلم بالقرآن، ونزل منجمًا حسب الحوادث، خلال ثلاث وعشرين سنة.
[ ٥ / ٢٤ ]