شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [٩]
أهل السنة والجماعة يؤمنون بالحوض والكوثر، كما يؤمنون بدخول الموحدين الجنة ولو كانوا من أصحاب الكبائر وذلك بعد أن يعذبهم الله أو يعفو عنهم.
وأهل الجنة متفاوتون في المنازل.
كما أن المؤمنين متفاوتون في الإيمان؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
[ ٩ / ١ ]
الإيمان بالحوض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويؤمنون بالحوض، والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبة فريق منهم حسابًا يسيرًا، وإدخالهم الجنة بغير سوء يمسهم، وعذاب يلحقهم، وإدخال فريق من مذنبيهم النار، ثم إعتاقهم وإخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إلى الجنة ولا يخلدون في النار، فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبدًا، ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحدًا].
أي: إن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالحوض والكوثر.
[ ٩ / ٢ ]
تعريف الحوض ووصفه
والحوض في اللغة معناه: مجمع الماء، والمراد به شرعًا: حوض لنبينا ﷺ في موقف القيامة ترد عليه أمته ﵊.
وهذا الحوض جاءت الأحاديث بوصفه بأنه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأن طوله مسافة شهر، وأن عرضه مسافة شهر، وأوانيه التي يشرب به عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا حتى يدخل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الواردين عليه.
ويصب فيه ميزابان من نهر الكوثر من الجنة، والأحاديث في إثبات الحوض بلغت حد التواتر، والأحاديث التي بلغت حد التواتر ليست كثيرة، فأكثر الأحاديث أخبار آحاد لكن خبر الآحاد إذا صح، وكان الرواة عدول ضابطون، ولم يكن خبرًا شاذًا ولا معللًا؛ فهو مقبول صحيح يعمل به في العقائد، وفي الأعمال، وفي كل شيء، ولكن أحاديث الحوض بلغت حد التواتر وكذلك وأحاديث المسح على الخفين وأحاديث الشفاعة، وحديث: (من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة).
وحديث: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) فهذه بلغت حد التواتر، وقد وردت الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أنه يرد على حوض النبي ﷺ أمته وأن النبي يتقدمه قال: (أنا فرطكم على الحوض).
والفرط: هو السابق الذي يسبق ويتقدم القوم، وأنه يرد على النبي ﷺ على الحوض أناس قد غيروا وبدلوا فيطردون ويذادون كما تذاد الإبل العطاش فيقول النبي ﷺ: (أصحابي أصحابي) ولهذا جاء في الحديث يقول النبي ﷺ: (ليردن علي أناس من أمتي أعرفهم ويعرفوني فإذا جاءوا اختلجوا دوني).
وفي لفظ: (فيذادون كما تذاد الإبل العطاش فيقول النبي ﷺ: أصحابي أصحابي).
وفي رواية: (أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فيقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي) سحقًا أي: بعدًا.
قال العلماء: مثل الأعراب الذين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم آمنوا وارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ، وفيه دليل على أن النبي ﷺ لا يعلم أعمال أمته، ولهذا قال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) وفيه الرد على من قال إن النبي ﷺ يعلم الغيب، أو أن أعمال أمته تعرض عليه فكل هذا ليس بصحيح.
فيجب على المؤمن أن يؤمن بالحوض، والحوض على الصحيح قبل الميزان وقبل الصراط، وقوله رحمه الله تعالى: ويؤمنون بالحوض والكوثر، الحوض في موقف القيامة، والكوثر: نهر في الجنة يصب منه ميزابان في الحوض.
وقوله: وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب)، ووصفهم النبي ﷺ بقوله: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: اللهم اجعله منهم -وفي لفظ- أنت منهم فقام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال النبي ﷺ: سبقك بها عكاشة).
وجاء في الحديث الآخر: أن النبي قال: (أعطاني مع كل ألف سبعين ألفًا بغير حساب).
وجاء في حديث آخر: (مع كل واحد سبعون ألفًا) لكنه حديث ضعيف.
وقوله: وكذلك فأهل السنة يؤمنون بإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبة فريق منهم حسابًا يسيرًا، معناه: أن هناك قسم من الأمة يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
وهناك قسم آخر: يحاسبون حسابًا يسيرًا، ثم يدخلون الجنة بغير سوء يمسهم وعذاب يلحقهم، والمراد بالحساب اليسير: هو العرض، وقد استشكلت عائشة ﵂ لما قال النبي ﷺ: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقالت: عائشة قلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]؟ فقال رسول الله ﷺ: إنما ذلك العرض وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب).
فالنبي ﷺ فسر الحساب في الآية بأنه العرض: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨] المراد بالحساب: العرض تعرض عليه أعماله ولا يناقش، أما من نوقش الحساب فإنه يعذب، وأما الذي تعرض عليه الأعمال عرضًا فإنه لا يعذب، فيكون الجمع بين الآية والحديث هو هذا، فالحديث: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك).
والآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٨]، المراد بالحساب في الآية: العرض، والمراد بالحساب في الحديث: المناقشة، فمن نوقش الحساب عذب، وأما في الآية فإنه ليس فيه مناقشة وإنما فيه عرض.
[ ٩ / ٣ ]
تفاوت أهل الجنة في المنازل
وقوله: وإدخال فريق من مذنبيهم النار ثم إعتاقهم وإخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إليها.
معناه: أن أهل الجنة طبقات: الطبقة الأولى: يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ولا عرض نسأل الله الكريم من فضله.
الطبقة الثانية: من يحاسب حسابًا يسيرًا فيدخل الجنة بغير سوء ولا عذاب أيضًا، بمعنى أنها تعرض عليه أعماله.
الطبقة الثالثة: من يناقش الحساب ثم يعذب وهم موحدون، ولا بد أن يخرجوا من النار، ولهذا قال المؤلف: وإدخال فريق من مذنبيهم النار، ثم إعتاقهم وإخراجهم منها وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إليها، ويعلمون حقًا يقينًا أن مذنبي الموحدين لا يخلدون في النار ولا يتركون فيها أبدًا.
يعني: هؤلاء الذين يناقشون ويعذبون في النار لا يخلدون إذا ماتوا على التوحيد، فمن مات على التوحيد فهو من أهل الجنة، لكن من مات على توحيد خالص سالم من الكبائر فإنه يدخل الجنة من أول يوم فضلًا من الله تعالى وومنة منه سبحانه.
ومن مات على توحيد ملطخ بالكبائر فهو على خطر فقد يعفو الله عنه بتوحيده وإيمانه وإسلامه فيدخل الجنة من أول وهلة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وقد يعذب، ولكن إذا عذب فلن يخلد في النار، وإنما يعذب على قدر جرائمه، ومن كثرت جرائمه واشتد فحشه فإنه يطول مكثه في النار مثل القاتل، فقد أخبر الله أنه يخلد في النار والخلود هو المكث الطويل.
[ ٩ / ٤ ]
أقسام الخلود في النار
الخلود في النار خلودان: خلود مؤمد له أمد ونهاية، وهو خلود العصاة.
وخلود مؤبد لا نهاية له، وهو خلود الكفار.
نسأل الله السلامة والعافية.
ولهذا قال المؤلف: ويعلمون حقًا يقينًا أن مذنبي الموحدين لا يخلدون في النار ولا يتركون فيها أبدًا، فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبدًا، والدليل: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧].
وقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] هؤلاء هم الكفار نعوذ بالله، ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] ثم قال المؤلف: ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحدًا.
فعصاة أهل الإيمان لا بد أن يخرجوا من النار ولو طال مكثهم خلافًا للخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في النار، وهذا من أبطل الباطل وهو من اعتقاد أهل البدع، فهم يقولون: إن العصاة يخلدون في النار مثل الكفرة، وهذا من أبطل الباطل.
[ ٩ / ٥ ]
رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ بأبصارهم وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ في قوله: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب الانتصار بطرقها].
فمن معتقد أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ يوم القيامة وينظرون إليه، ورؤية المؤمنين لربهم ثابتة في القرآن العزيز وفي السنة المطهرة، أما في القرآن العزيز فقد قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وإذا ذكر الوجه مع حرف الجر دل على أن المراد النظر بالعين التي في الرأس إلى الرب ﷻ، وقال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فقد استدل الشافعي بهذه الآية على إثبات الرؤية للمؤمنين؛ لأن الله حجب الكفار فلما حجب الكفار عن الرؤية دل على أن المؤمنين يرونه، وإلا لو كان المؤمنون محجوبون لكانوا مثل الكفار، ولتساووهم، فلما حجب الله الكفار عن الرؤية دل على أن المؤمنين يرون ربهم، قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] جاء في صحيح مسلم في تفسير الزيادة: بأنه النظر إلى وجه الله الكريم، وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] والزيادة هي النظر إلى وجه الله.
وأما السنة فإن الأخبار متواترة رواها من الصحابة نحو ثلاثين صحابيًا في الصحاح والسنن والمسانيد، وقد ساقها العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وعقب عليها وقال: فكأنك تشاهد النبي ﷺ وهو يقول هذه الأحاديث وأهل السنة لا شيء أقر لأعينهم من ذلك، وشهدت الفرعونية والجهمية والفلاسفة وأفراخ اليونان بكفر من اعتقد ذلك.
فالجهمية والمعتزلة كفروا من أثبت رؤية الله وقالوا: من أثبت رؤية الله فهو كافر، لأنه تنقص الله، وقالوا الذي يرى هو الجسم المحسوس، والله ليس بجسم وليس بمحسوس فلا يرى، مع أن الأخبار بلغت حد التواتر.
ولهذا قال العلماء والأئمة: من أنكر رؤية الله فهو كافر، فكفر بعض الأئمة من أنكر رؤية الله في الآخرة.
وأما أهل البدع من المعتزلة والجهمية والخوارج فإنهم أنكروا الرؤية وكفروا من أثبت الرؤية لأنهم يزعمون أن من أثبت الرؤية فقد تنقص الله وقالوا: الشيء الذي يرى لا بد أن يكون جسم، ومن أثبت الرؤية لله فقد جعل الله جسمًا وإذا كان جسمًا صار مشابهًا للمخلوقات وكذلك يكون محدودًا، ومتحيزًا.
فنقول: إن الله ﷾ أثبت رؤية المؤمنين لربهم فكذلك رسوله ﷺ أثبت ذلك، وكل موجود يمكن رؤيته، والله تعالى أظهر من كل موجود وأحق بأن يرى، لكن رؤية الله في الدنيا ممتنعة شرعًا فلا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا ولا يستطيع بصره أن ينظر إلى الله في الدنيا لضعفه، لكن في يوم القيامة ينشئ الله الناس تنشئة قوية يستطيعون من خلالها رؤية الله، ولهذا لما سأل موسى ﵊ ربه الرؤيا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] أخبر الله أنه لن يستطيع قال الله: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: لن تستطيع ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فالجبل الصلب ما استطاع أن يثبت لرؤية الله له بل اندك ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣].
والرؤية أيضًا نعيم خاص بأهل الجنة، يقول المؤلف ﵀: هذا الخبر: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، في لفظ: (لا تضامون في رؤيته)، في لفظ: (لا تضارون في رؤيته)، وفي لفظ: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة أربع عشرة)، وفي لفظ: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب)، وفي لفظ: (إنهم قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا؟ قال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في رؤية الشمس صحوًا ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك).
يقول المؤلف ﵀: والتشبيه في هذا الخبر وقع للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي.
والمعنى: أن رسول الله شبه رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة برؤية الناس للقمر في الدنيا، هل هذا فيه تشبيه لله بالقمر؟ لا، بل التشبيه للرؤية بالرؤية.
يعني: كما أننا في الدنيا نرى القمر واضحًا لا لبس فيه، فكذلك نرى الله يوم القيامة رؤية واضحة لا إشكال فيها، وليس المراد تشبيه الله بالقمر تعالى الله، فالله تعالى لا يشابه أحدًا من خلقه، وهذا هو معنى قول المؤلف: التشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فالله تعالى لا يماثل أحدًا من خلقه قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] يقول المؤلف: والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب الانتصار بطرقها، وكتاب الانتصار هو للمؤلف وقد ساق فيه الأدلة والأحاديث التي فيها الرؤية، فإذا أردت أن تتوسع ارجع إلى كتاب المؤلف كتاب الانتصار حتى ترى هذه النصوص.
[ ٩ / ٦ ]
الإيمان بالجنة والنار وأنهما مخلوقتان
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدًا، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدًا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لا يخرجون منها أبدًا، ويؤمر بالموت فيذبح على سور بين الجنة والنار، وأن المنادي ينادي يومئذ: (يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ].
فقوله: ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدًا معناه: أن عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، دائمتان لا تفنيان، خلافًا للمعتزلة، فالمعتزلة قالوا: الجنة والنار ليستا مخلوقتان الآن، ولن تخلقان إلا يوم القيامة: وهذا باطل فقد قال الله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] وشبهة المعتزلة أننا لو قلنا: إن الجنة والنار مخلوقتان الآن وليس فيهما أحد، لصار هذا عبث، والعبث محال على الله، ففرارًا من ذلك قالوا: لم تخلق جنة ولا نار الآن، وإنما تخلقان يوم القيامة وهو قول باطل، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان الآن.
أولًا: هناك نصوص تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان: قال تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] أعدت شيء مضى.
وثانيًا: قول المعتزلة وجودهما الآن وليس فيهما أحد عبث والعبث محال عن الله قول باطل أيضًا، فمن قال إنه لا توجد الآن حاجة للجنة والنار؟ ومن قال إن وجودهما عبث؟ فالجنة فيها الحور العين، وفيها أرواح المؤمنين تتنعم فيها، وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسبح في الجنة وترد أنهارها، والكافر إذا مات نقلت روحه إلى النار تعذب في النار نعوذ بالله، وجاء في الحديث: (أن المؤمن إذا مات فتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب من النار فيأتيه من حرها وسمومها) وهذا دليل على أن النار موجودة الآن، والجنة موجودة الآن، والله تعالى قال في كتابه العظيم عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، والعرض غدوًا وعشيًا في الدنيا، إذًا النار موجودة الآن وقول المعتزلة من أبطل الباطل، ثم أيضًا ثبت أن النبي ﷺ في حديث الإسراء قال: (وأدخلت الجنة).
وفي حديث الكسوف: أن النبي ﷺ قال: (كشف له عن الجنة وتقدم وتقدمت الصفوف قال: حتى كأني رأيت دلي عنقود كأني آخذ منها).
(وكشف له عن النار، وتأخر وتأخرت الصفوف حتى خاف ﵊)، فقول المعتزلة: إن الجنة والنار غير مخلوقتان الآن من أبطل الباطل، والصواب أنهما موجدتان الآن مخلوقتان دائمتان لا تفنيان أبد الآباد خلافًا للجهمية الذين يقولون: إن الجنة والنار تفنيان، وهذا من أبطل الباطل، ولهذا كفرهم أهل السنة والجماعة.
وقول المؤلف ﵀: وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدًا.
معناه: أن الجنة لا تفنى، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها لا يخرجون منها أبدًا، أما العصاة فيخرجون؛ لأن العصاة ليسوا من أهل النار؛ ولأن المعصية شيء عارض، فهم موحدون مؤمنون، والمعصية تحتاج إلى تطهير، مثل الثوب إذا أصابته نجاسة فإنه يغسل بالماء، فالعصاة إن عفا الله عنهم طهروا، وإن لم يعف الله عنهم فلا بد أن يطهروا بالنار حتى تنتهي المعصية، فإذا طهروا من المعاصي أخرجهم الله إلى الجنة فليسوا من أهل النار وإنما أهل النار هم الكفرة الذين يبقون فيها أبد الآباد، نسأل السلامة والعافية: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:٥٧] كما قال سبحانه.
قال المؤلف: ويؤمر بالموت فيذبح على سور بين الجنة والنار، وأن المنادي ينادي يومئذ: ٍ (يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) كما جاء في الحديث.
والحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة بالموت على صورة كبش أملح) وهذا بعد خروج العصاة الموحدين من النار ودخولهم الجنة، (فيجعل بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة، أتعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت، ويقال يا أهل النار، أتعرفون هذا؟ فيقولون: هذا الموت فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فيزداد أهل الجنة نعيمًا إلى نعيمهم، ويزداد أهل النار حسرة إلى حسرتهم).
نسأل الله السلامة العافية.
[ ٩ / ٧ ]
الإيمان قول وعمل يزيد وينقص
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن مذهب أهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية قال محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الإيمان في معنى الزيادة والنقصان؟ فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر القطني عن أبيه عن جده عن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص فقيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه].
فمن مذهب أهل الحديث وأهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وعقيدة الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء: أن الإيمان قول باللسان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ويذكر الله، ويقرأ القرآن، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، كل هذا من الإيمان.
وتصديق بالقلب أي: فأعمال القلوب داخلة في مسمى الإيمان مثل النية، والإخلاص، والرغبة، والرهبة، والمحبة، والخشية، وأعمال الجوارح: مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج.
كل هذه داخلة في مسمى الإيمان، فالإيمان مكون من أربعة أشياء: الأمر الأول: قول اللسان وهو الإقرار والنطق.
والثاني: قول القلب وهو التصديق والإقرار.
والثالث: عمل القلب وهو النية والإخلاص.
والرابع: عمل الجوارح، ولهذا قال المؤلف ﵀: ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، قول: قول اللسان وقول القلب، عمل القلب وعمل اللسان، والمعرفة هي تصديق القلب.
وقوله: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
إذا فعل الإنسان الطاعات زاد الإيمان، وإذا فعل المعاصي نقص، ولهذا قال بعضهم: الإيمان قول وعمل، وبعضهم يقول: قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، أي: بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن العلماء من قال: قول وعمل ونية، فالإيمان قول وعمل، والقول شيئان: قول القلب وقول اللسان، والعمل شيئان: عمل القلب، وعمل الجوارح، وهذا هو قول أهل السنة قاطبة خلافًا للمرجئة، الذين يقولون: الإيمان تصديق القلب فقط، وهم أربع طوائف: الطائفة الأولى: المرجئة الجهمية، وهم المرجئة المحضة ويقولون: الإيمان مجرد معرفة الرب بالقلب، والكفر جهل الرب بالقلب، فمن عرف ربه بقلبه فهو مؤمن، ومن جهل ربه بقلبه فهو كافر، وهذا قول الجهم بن صفوان، وأفسد ما قيل في تعريف الإيمان هو تعريف الجهم، وعلى قول الجهم يكون إبليس مؤمنًا؛ لأنه يعرف ربه بقلبه، يكون اليهود مؤمنين لأنهم يعرفون ربهم بقلوبهم، ويكون أبو طالب عم الرسول ﷺ الذي مات على الشرك مؤمنًا؛ لأنه يعرف ربه بقلبه، قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينًا الطائفة الثانية: الكرامية الذين يقولون: الإيمان الإقرار باللسان فقط، فعند الكرامية من نطق بالشهادتين بلسانه فهو مؤمن، وإن كان مكذبًا بقلبه يكون مخلدًا في النار، فيلزم على قولهم: أن المؤمن كامل الإيمان يخلد في النار، وهذا من أفسد ما قيل.
الطائفة الثالثة من المرجئة: الماتريدية والأشاعرة يقولون: الإيمان تصديق القلب فقط، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة.
الطائفة الرابعة: مرجئة الفقهاء وهم أبو حنيفة وأصحابه الذين يقولون: الإيمان شيئان: إقرار اللسان، وتصديق القلب، أما الأعمال فليست داخلة في مسمى الإيمان وإن كانت واجبة لكن ليست من الإيمان، فالصلاة، والصوم والزكاة، والحج، بر وتقوى وهي مطلوبة، والفرق بينهم وبين الجهمية، أن الجهمية يقولون: ليست مطلوبة، وهؤلاء يقولون: مطلوبة، وأما أهل السنة والجماعة وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وهو الذي عليه الصحابة والتابعون والأئمة: أن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ومرجئة الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه يقولون: من ارتكب الكبيرة عليه الوعيد ويقام عليه الحد، ومن فعل الطاعات يمدح وله الثواب لكن لا يسميها إيمان، أما الجهمية الأولى: فيقولون: الأعمال ليست مطلوبة، فلو فعل الإنسان جميع الكبائر والمنكرات لا يكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه، وهذا من أبطل الباطل.
وعلى هذا فيكون المرجئة أربع طوائف: الجهمية، والكرامية، والماتريدية والأشاعرة، ومرجئة الفقهاء، وجماهير أهل السنة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وقد نقل المؤلف ﵀ عن الإمام أحمد: أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد إذا فعل الإنسان الطاعات وينقص إذا فعل المعصية، أما المرجئة فيقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فهو شيء واحد بالقلب، وإيمان أهل الأرض وإيمان أهل السماء واحد وهو التصديق، فمن صدق بقلبه فهو مؤمن، ولا يزيد إيمانه ولا ينقص، وهذا من أبطل الباطل، بل إن الإيمان يزيد وينقص فإذا فعل الإنسان الطاعات زاد الإيمان، وإذا فعل المعاصي نقص، ولهذا نقل المؤلف ﵀ عن الإمام أحمد إلى قوله عن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص، قيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه زاد الإيمان فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه، ولهذا كان يقول بعض السلف: اجلس بنا نؤمن ساعة يعني: يزيد إيماننا فيجلسون يذكرون الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المزكى قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو عمرو الحيري قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي ومحمد بن إدريس المكي وأحمد بن شداد الترمذي قالوا: حدثنا الحميدي قال: حدثنا يحيى بن سليم سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان فقالوا: قول وعمل سألت هشام بن حسان؟ فقال: قول وعمل، وسألت ابن جريج فقال: قول وعمل، وسألت سفيان الثوري فقال: قول وعمل، وسألت المثنى بن الصباح فقال: قول وعمل، وسألت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فقال: قول وعمل، وسألت محمد بن مسلم الطائفي فقال: قول وعمل، وسألت فضيل بن عياض فقال: قول وعمل، وسألت نافع بن عمر الجمحي فقال: قول وعمل].
وهذا كله يدل على أن الإيمان قول وعمل وهو الذي عليه جماهير أهل السنة والجماعة يقول: خلافًا للمرجئة الذين يقولون: العمل ليس من الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا أبو الكيري قال: حدثنا محمد ومحمد بن إدريس وسمعت الحميدي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد، تقول ينقص فقال: اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء].
وهذا يؤيد مذهب أهل السنة والجماعة وكنية سفيان هي أبو محمد فالإيمان ينقص ولكنه لا ينتهي على الصحيح إلا إذا وجد الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الشرك الأكبر، لكن المعاصي تضعفه ولهذا جاء في الحديث (أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان)، ولا ينتهي الإيمان بالمعاصي أبدًا ولو كثرت.
فإذا جاء الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر أو النفاق الأكبر انتهى الإيمان، فلا يجتمع كفر وإيمان بل إذا جاء الكفر الأكبر ذهب الإيمان، وإذا جاء الإيمان ذهب الكفر، لكن المعاصي يكون معها إيمان، فإذا كثرت أضعفت الإيمان حتى لا يبقى إلا أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الوليد بن مسلم سمعت الأوزاعي ومالكًا وسعيد بن عبد العزيز ينكرون على من يقول: إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل].
وقول: أبي محمد أسكت بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء فيه نظر، والصواب أنه لا بد أن يبقى منه شيء، ويكون لا يبقى منه شيء بالنسبة للكافر، لأن الكافر ينتهي الإيمان منه، أما العاصي فلابد أن يبقى من إيمانه شيء وفيه قول: الوليد بن مسلم أنه سمع الأوزاعي ومالكًا وسعيد ينكرون على من يقول: إقرار بلا عمل، أي: أنهم ينكرون على المرجئة، لأنهم يقولون: الإيمان إقرار بلا عمل، وهذا ليس بصحيح، ولهذا قال نقلًا عن هؤلاء الأئمة: لا إيمان إلا بعمل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: فمن كانت طاعاته وحسناته أكثر فإنه أكمل إيمانًا ممن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة].
قوله: قلت: يعني: الإمام الصابوني فمن كانت طاعاته وحسناته أكثر فإنه أكثر إيمانًا، ومن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة فإيمانه ناقص هذا صحيح، كلما كثرت الطاعات والحسنات زاد الإيمان، وإذا قلت الطاعات وكثرت المعاصي والغفلة والإعراض نقص الإيمان وهذا قول أهل السنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن باكريه الجلاد يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: قال لي عبد الله بن طاهر: يا أحمد إنكم تبغضون هؤلاء القوم جهلًا، وأنا أبغضهم عن معرفة.
إن أول أمرهم أنهم لا يرون للسلطان طاعة.
والثاني: أنه ليس للإيمان عندهم قدر.
والله لا أستجيز أن أقول إيماني كإيمان يحيى بن يحيى ولا كإيمان أحمد ب
[ ٩ / ٨ ]