توحيد الله تعالى وترك الشرك به هو أول ما يطلب من المكلف، ولكلمة التوحيد أثر في الآخرة، فهي نجاة لصاحبها من النار إن قالها بإخلاص، كما أنها تنفع صاحبها حتى مع اكتساب الذنوب، ولهذه الكلمة لوازم، ومن لوازمها الإيمان بالنبي ﷺ، والإيمان بالجنة والنار.
[ ١١ / ١ ]
الإفراط والتفريط في محبة النبي ﷺ
قال المؤلف ﵀: [وقوله: (عبده ورسوله) أتى بهاتين الصفتين وجمعهما دفعا للإفراط والتفريط؛ فإن كثيرًا ممن يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولًا وعملًا، وفرط بترك متابعته، واعتمد على الآراء المخالفة لما جاء به، وتعسف في تأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها والصدوف عن الانقياد لها مع اطّراحها، فإن شهادة (أن محمدًا رسول الله) تقتضى الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وأن يعظم أمره ونهيه ولا يقدم عليه قول أحد كائنًا من كان، والواقع اليوم وقبله ممن يتنسب إلى العلم من القضاة والمفتين خلاف ذلك، والله المستعان.
وروى الدارمي في مسنده عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه كان يقول: (إنا لنجد صفة رسول الله ﷺ: إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويتجاوز، ولن أقبضه حتى يقيم الملة العوجاء، بأن يُشهد ألا إله إلا الله، يفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا).
قال عطاء بن يسار: وأخبرني أبو واقد الليثي أنه سمع كعبًا يقول مثل ما قال ابن سلام].
الإفراط في الواقع: هو التجاوز في فعل الشيء إلى ما لا يشرع.
والتفريط: هو الجفاء، بأن يتركه ويجفو عنه.
ودين الله وسط بين هذين الأمرين، بين الإفراط والتفريط، فيجب أن يكون الإنسان معتدلًا لا مُفرِطًا ولا مُفرِّطًا.
والإفراط وقع فيه كثير من الناس، وكذلك التفريط وقع فيه كثير من أهل الجهل والغفلة والإعراض عن الله جل وعلا، والإفراط أيضًا يقال له: غلو.
والغلو في الشيء: هو الزيادة فيه.
فيقول المؤلف في هذا: إن هذا وقع فيه كثير من الناس، أفرطوا في محبة النبي ﷺ وفرطوا في متابعته.
والواقع أن محبة النبي ﷺ واجبة وفرض على كل إنسان، ولكن يجب أن يميز الإنسان بين حق الله وحق رسوله ﷺ، ولا يخلط حق الله مع حق الرسول ﷺ، فمحبة الرسول ﷺ ليست محبة ذل وخضوع وعبادة، وإنما هي محبة تابعة لمحبة الله جل وعلا، فتحبه لأن الله أمرك بحبه؛ ولأنه رسول إليك أنقذك الله بسببه من الكفر، ولأن الله جل وعلا يحبه، فكل من أحبه الله يجب أن تحبه على حسب محبة الله جل وعلا له، فإذا كانت محبة الله له أتم وأكمل فيجب أن تكون محبتك إياه كذلك، وأما محبة الله فهي محبة الذل والتعظيم والإنابة، فتحبه حب عبادة، فيذل قلبك ويخضع له وتعظمه، وتكون أعمال الجوارح تابعة لهذا الذل، ومن هذا الذل وهذا الحب السجود والركوع والإنابة، وكذلك الخشية والخوف والرجاء، وكل أفعال القلب تتبع هذا، فيجب على العبد أن يفرق بين ما هو لله وبين ما هو لرسوله ﷺ، فمحبة الرسول ﷺ من مكملات محبة الله ومن موجباتها؛ لأنه لا يمكن إذا كان لك محبوب أن تبغض حبيبه، أو ألا تحب حبيبه، كما أنه لا يمكن أن تحب عدوه، وإلا فأنت غير موافق له وغير محب له كما ينبغي، ومحبة الله جل وعلا لا تقاس بمحبة الخلق، فكل مخلوق محبته لصفات تقوم به يتصف بها ويفعلها، وليس لأنه لحم ودم وعظام، أما محبة الله فهي محبة ذاتيه، فتحب الله لذاته جل وعلا، وكل الأمور التي يستلزمها حب المخلوق هي من دواعي المحبة ودوافعها التي تدفعك إلى أن تحبه، ولكن الله يحب لذاته؛ لأنه خلقك وأنت عبده، فيجب أن تحبه حبًا خاصًا به وخالصًا له.
[ ١١ / ٢ ]
الإفراط والتفريط في محبة عيسى ﵇ وعقيدة أهل الإسلام في ذلك
[وقوله: (وأن عيسى عبد الله ورسوله) أي: خلافا لما يعتقده النصارى أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا-، قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، فلابد أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله على علم ويقين بأنه مملوك لله خلقه من أنثى بلا ذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، فليس ربًا ولا إلهًا، سبحان الله عما يشركون، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ؟وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٢٩ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٧٢].
ويشهد المؤمن أيضًا ببطلان قول أعدائه اليهود: إنه ولدُ بَغيٍّ.
لعنهم الله تعالى، فلا يصح إسلام أحد علم ما كانوا يقولونه حتى يبرأ من قول الطائفتين جميعًا في عيسى ﵇، ويعتقد ما قاله الله تعالى فيه أنه عبد الله ورسوله].
هذه العقيدة التي جاء بها الوحي من الله في عيسى تبين أنه يجب على من علم ما قاله اليهود والنصارى أن يتبرأ من هذه الأقوال، أما إذا كان الإنسان خالي الذهن من ذلك وليس عنده شيء ولا علم بما قالته هذه الطائفة ولا تلك فإن إسلامه يصح إذا شهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا علم بذلك تبرأ منه، وهذا الذي ذكره بأنه لا يصح إسلام أحد يقيد بأن يكون عالمًا بهذا القول الباطل، وبطلان ذلك ظاهر جدًا؛ لأن هؤلاء في الواقع أهدروا حتى العقول، حيث ادعوا أن الله دخل في رحم المرأة -تعالى الله وتقدس- أو أن لله ولدًا، وهذا كفر ما وصل إليه كفر الأولين، أو أن الله جل وعلا له شريك، وكذلك اليهود قابلوا هؤلاء تمامًا، فهؤلاء غلوا في عيسى ﵇ ورفعوه إلى مقام الربوبية واعتقدوا أنه رب العالمين الذي يخلق ويرزق، وأولئك اليهود جفوا في حقه حتى جعلوا أمه باغية، أي: زانية -قاتلهم الله جل وعلا- وقد نزه الله جل وعلا مريم ﵍ من قول أعدائها، وجعل عيسى آية دالة على قدرة الله ووحدانيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، وليس خلق عيسى بأعجب من خلق آدم، ولهذا جعل نظيرًا له، فآدم خُلق من التراب لا من دم ولا من لحم ولا من عظم، وإنما خلقه الله من التراب وكوّن منه هذا الحي العاقل المستقيم، وكذلك خلقت زوجته منه، وكون امرأة خلقت من ذكر هذا أعجب من خلق عيسى، فهي خلقت من بضعة من جسده أخذت فخلقت منها امرأة سوية، وهذا هو أصل الخلق، ثم بعد ذلك جعل الله جل وعلا نسل آدم وزوجه من نطفة من ماء مهين، فتعارف عليه الخلق كلهم، فلما جاء شيء خلاف ذلك لم تستوعبه عقولهم القاصرة، فجعلوه الله -تعالى الله وتقدس- ثم كيف استساغت عقولهم أن رب السموات والأرض يُمسك ويُصلب على عيدان، ثم يُقتل وتوضع المسامير في عينيه، ومن ثم يموت؟! هل يعتقد هذا إلا مجانين لا عقلاء؟! ثم بعد ذلك يأتي لينتقم ممن فعله، وأنه وضع نفسه كذلك لأجل أن تحط الخطايا عن بني آدم.
أي أن قدرة الله انتهت، ولا يمكن أن يغفر الخطايا حتى يمكن أعداءه من إهانته والتفل في وجهه وصفعه، ولكن الشيطان يتلاعب بعقل الإنسان حتى يجعله ألعوبة -نسأل الله العافية- فلهذا أصبح الإنسان به من الضرورة إلى سؤال الهداية الله جل وعلا بأن يهديه إلى الحق الذي ضل عنه أكثر الناس أشد من ضرورته إلى الأكل والشرب بكثير، والله جل وعلا أبطل هذه العقائد الفاسدة بالنص الذي أوحاه إلى رسوله ﷺ، كما أبطل إدعاء الظلمة من اليهود، وبرأ عيسى وأمه مما رموهما به.
وفي عقائد المسلمين بالإضافة إلى هذا أن عيسى ﵇ رفع إلى السماء حيًا ولم يمت، وأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] فالوفاة هنا المقصود بها النوم؛ لأن النوم يسمى وفاة، كما قال الله جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى﴾ [الزمر:٤٢] يعني: يرسل التي توفيت في النوم.
فالنوم يسمى وفاة، ولهذا صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺوهو أيضًا من عقائد المسلمين في عيسى- أنه ينزل في آخر الزمان ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، ويحكم بشرع رسول الله ﷺ، فنزوله ليس معناه أنه يأتي برسالة، وإنما يأتي مجاهدًا لمن أعرض عن اتباع رسول الله ﷺ، وأما كونه لا يقبل الجزية ويضعها فهذا حكم أخبر به الرسول ﷺ وجاء به، فهو من رسالته وليس نسخًا لشريعته، فهذه الأمور يجب أن يعتقدها الإنسان، وهي كونه عبدًا لله جل وعلا، وكونه خلق من أنثى بلا ذكر، وكونه منزهًا عما رماه به أعداؤه، كما أنه مبرأ مما يقوله أعداؤه ممن يزعمون أنهم أتباعه وهم أعداؤه في الواقع، وكذلك كونه رُفع إلى السماء حيًا، ثم نزوله في آخر الزمان، ثم يُتوفى ويدفنه المؤمنون، ثم هو روح من سائر الأرواح التي خلقها الله جل وعلا واستنطقها واستشهدها وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، ولهذا قال: وروح منه.
يعني: روح خلقها كسائر الأرواح.
كقوله جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] أي: (منه): خلقًا وإيجادًا.
فهذه الأمور إذا علمها الإنسان وجب عليه أن يتبرأ مما يخالفها وأن يعتقدها، بل علمها واجب؛ لأنها أنزلها الله جل وعلا في القرآن، والقرآن نحن مكلفون بالإيمان به ومعرفة ما جاء فيه، ولا يجوز لنا أن نجهله، بخلاف الأمور التي تفهم فهمًا، فإن هذه مجالها واسع، وإذا أخطأ الإنسان فيها فربما يكون لخطئه عذر، أما النصوص التي نص عليها ربنا جل وعلا في كتابه وكذلك رسوله فإنه يجب أن نؤمن بها ونعتقد بمضمونها وما دلت عليه، ولا يجوز تجاهلها أو جهلها.
[ ١١ / ٣ ]
معنى كون عيسى ﵇ كلمة الله
[قوله ﷺ: (وكلمته) إنما سمى عيسى ﵇ كلمة لوجوده بقوله تعالى: (كن) كما قاله السلف من المفسرين.
قال الإمام أحمد في الرد على الجهمية: (بالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: (كن) فكان عيسى بـ (كن)، وليس عيسى هو (كن)، ولكن بـ (كن) كان، فـ (كن) من الله تعالى قول، وليس (كن) مخلوقًا، وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى.
انتهى].
معنى هذا الكلام من الإمام أحمد ﵀ أنَّ هؤلاء شبهوا وقالوا: إن كلام الله مخلوق، وذلك أنه سبحانه أخبر أن عيسى كلمة الله، ومن المعلوم لدى كل الخلق أن عيسى مخلوق مولود من أنثى، ما عدا الضالين من النصارى، فهم الذين خالفوا في هذا وقالوا: إنه الله، وابن الله، وثالث ثلاثة.
ولكن هذه ليست من عقائد المسلمين، بل هي منافية تمام المنافاة لعقائد المسلمين.
وأما هؤلاء الذين يخاصمون الإمام أحمد من المسلمين فهم يقولون: إن الله لا يتكلم.
وهذا تعطيل لله جل وعلا عن صفة الكلام، وجادلوه في هذا واحتجوا عليه بهذه الآية، أي أن عيسى كلمة من الله ألقاها إلى مريم، فقالوا: إذًا الكلام يطلق على المخلوق فمعنى هذا أن كلام الله مخلوق من الله، وإذا قلنا: إن الله يتكلم فمعنى ذلك أنه يخلق الكلام في مكان ما، فيكون هذا هو المعنى الذي يضاف إلى الله جل وعلا للكلام.
وهذا من الضلال والانحراف، بل هو بين وواضح أنه ضلال وانحراف عن الحق، وذلك أن الكلام صفة كمال، والذي يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ولهذا عاب الله جل وعلا على عباد الأصنام كونهم يعبدون من لا يتكلم ولا يرد لهم قولًا ولا يجيبهم؛ لأن هذا نقص، وكذلك رسالة الله جل وعلا هي كلامه الذي يسمعه الملك ويأتي به إلى الرسول البشري، ثم يبلغه الرسول البشري أمته، فالذي ينكر الكلام معناه أنه ينكر الشرع وينكر الرسالات، ولكن إذا شبه مشبه بشيء مما في كتاب الله أو في أحاديث رسوله ﷺ وجب كشف ذلك وإيضاحه لئلا تقع الشبهة في قلب أحد من المسلمين الذين لا يعرفون الأدلة.
فبين الإمام أحمد أن معنى كون عيسى كلمة الله أنه مخلوق بكلمة الله، وهذا ليس خاصًا بعيسى، بل كل شيء يريده الله جل وعلا ويريد إيجاده وخلقه يقول له: (كن) فيكون، كما أراد الله جل وعلا من سائر المخلوقات، ولم يباشر الرب جل وعلا شيئًا من المخلوقات بيده إلا ما استثني من كونه خلق آدم بيديه، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة لموسى ﵇، والتوراة ليست مخلوقة؛ لأنها كلام الله كسائر كتبه، ولكن هذا للتشريف، فهو خصوصية خص بها آدم حيث خلقه بيده كما أخبر جل وعلا في أماكن من القرآن الكريم، وكذلك جنة عدن إكرامًا لأوليائه وتخصيصًا للجنة بذلك، أما سائر المخلوقات فهو يقول لها: (كوني) فتكون كما أراد الله جل وعلا.
والله جل وعلا يتعالى ويتقدس، فلا تقاس أفعاله وتصرفاته بأفعال خلقه، فهو الذي لا يعجزه شيء ولا يمتنع على قدرته شيء، فعيسى ﵇ كسائر الأرواح التي إذا أراد وجودها لمجرد إرادته يقول لها: (كوني) فتكون، ولا يمكن أن توجد ذرة من الذرات التي تكون في السماء أو في الأرض إلا بإرادة الله جل وعلا، وسائر المخلوقات هكذا.
فيكون عيسى معنى كونه كلمة أنه كون بالكلمة التي هي (كن)، وليس عيسى هو الكلمة، وإنما قيل: إنه كلمة الله لأنه وجد من أنثى بلا ذكر، وهذا خارج عما سن الله جل وعلا في الخلق من كون كل مخلوق لابد أن يكون من ذكر وأنثى، فلما خرج عن ذلك جعل بهذه الصفة بأنه (كلمة الله)، أي أنه يُكوَّن بلا أب بكلمة الله، ولا ينافي ذلك أن سائر المخلوقات تكون بكلمة الله؛ لأنها تولدت بين ذكر وأنثى، فأصبح الأمر لدى الخلق كلهم معلومًا وليس غريبًا لديهم بخلاف هذا، ولهذا أضافه الله جل وعلا إليه؛ لأنه كلمته تكون بهذه الكلمة، ولهذا قال له: (كن) فكان.
وأما كلام الله فهو معنوي صفة من صفاته، وكل شيء يضاف إلى الله جل وعلا يكون على قسمين: فإن كان المضاف إليه عينًا قائمة بنفسها، كناقة الله، وبيت الله، ورسول الله، وعبد الله، وما أشبه ذلك فهذا إضافته تكون إضافة مخلوق إلى خالقه، وقد تكون الإضافة هذه للتشريف، وهو لا يخرج عن ذلك، أي: لا يخرج عن كونه إضافة مخلوق إلى خالقه كناقة الله ورسول الله وبيت الله، فأضيف إلى الله تشريفًا، ولا يخرج بقية الأشياء هذه الإضافة، فما تخرج بقية الأشياء عن كونها مخلوقة لله، ولكنها ليست لها هذه المعاني التي وضعها الله جل وعلا فيها، فالرسول يأتي بحياة روحية من عند الله جل وعلا، فهو يدعو إلى عبادة الله ويبصر بذلك ويدل على الله، فلهذا أضيف إلى الله، وبيت الله لأنه مثابة للناس وأمنًا يثبون إليه لأداء العبادة، ويطوفون به تعبدًا لله جل وعلا، فأضيف إلى الله لأنه محل عبادته، وأما ناقة الله فلأنها آية دالة على الله جل وعلا، وهي خاصة -هذه الإضافة- بناقة صالح، وإلا فالنوق كلها نوق الله، ولكن ما أضيفت إلى الله كإضافة هذه التي أصبحت آية باهرة دالة على قدرة الله جل وعلا وعلى عظيم قدرته وسلطانه وأنه لا يعجزه شيء.
أما القسم الثاني من المضاف إلى الله فهو أن يكون المضاف معنى، كعلم الله، وسمع الله، وقدرة الله، وكلام الله، وما أشبه ذلك، فهذا إضافته إلى الله إضافة صفة إلى موصوف، والصفة تقوم بالموصوف ولا يجوز أن تفارقه، فكلام الله وصفه، وكذلك علمه وسمعه وبصره، أما الأمور التي تكون خارجة عن الإضافة فلا إشكال فيها، فهي ظاهرة وواضحة، فيتبين بهذا أن كون عيسى أضيف إلى الله بأنه كلمته يكون لشيئين: أحدهما: أنه أوجد بالكلمة.
والثاني: أنه آية من آيات الله أضيف إلى الله تشريفًا وإكرامًا له.
[وقوله ﷺ: (ألقاها إلى مريم) قال ابن كثير ﵀: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم ﵍، فنفخ فيها من روحه بأمر ربه ﷿ فكان عيسى بإذن الله ﷿، فهو ناشئ عن الكلمة التي قال له: (كن) فكان، والروح التي أرسل بها هو جبريل ﵇].
يقول الله جل وعلا: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٧ - ١٩].
فالله جل وعلا أرسل إليها جبريل فتمثل لها بشرًا؛ لأن الملك بصورته التي خلقه الله جل وعلا عليها ما يستطيع الإنسان البشر أن يراه أو يقابله، فهو صورة عظيمة جدًا، ولهذا الرسول ﷺ لما رآه على صورته فزع وخاف، وقد رآه مرتين فقط على صورته: مرة في الأرض قبل أن يوحى إليه بالتكليف بالرسالة عندما جاء بنبوته، وقد كان في مكة خاليًا ببعض الأودية، فسمع مناديا ينادي: يا محمد! فالتفت يمينًا وشمالًا فلم ير شيئًا، ثم سمع المنادي فالتفت فلم ير شيئًا، ثم رفع رأسه فإذا هو قد سد الأفق -أي: سد السماء من جميع الجهات بين السماء والأرض- وله أكثر من ستمائة جناح.
والمرة الأخرى رآه في السماء السابعة عندما عرج به ﷺ إلى سدرة المنتهى، وقد ذكر هذا ربنا جل وعلا في سورة النجم، فذكر أنه رآه مرتين، وسائر المرات التي كان يأتيه فيها في بعضها كان يتمثل له بشرًا، كما جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂: أنها سألته: من هذا الذي رأيته معك؟ فقال: (أورأيتيه؟ قالت: نعم.
قال: فذاك جبريل)، وكانت تقول: ظننت أنه دحية الكلبي، وذلك أن دحية الكلبي كان رجلًا جميلًا من أجمل الناس، فكان جبريل يأتي أحيانًا بصورته.
كذلك الحديث الذي في الصحيحين، وهو في صحيح مسلم من حديث عمر، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أنهم كانوا جلوسًا عند النبي ﷺ فطلع عليهم رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منهم أحد، فجلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ إلى آخره وفي آخر الحديث قال ﷺ: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم).
فهو يأتي متمثلًا بصورة بشر حتى يمكن أن يخاطب من أرسل إليه، أما الرسل فالوحي يأتيهم أحيانًا على هذه الصورة، وأحيانًا بصورة أخرى لا يرى منها جبريل، وإنما يلقي الكلام إلقاءً ثقيلًا، وقد كان الرسول ﷺ إذا جاءه الوحي يتغشاه شيء يثقل عليه، حتى إنه يرى العرق يتصبب منه في اليوم الشاتي صلوات الله وسلامه عليه.
فالمقصود أن الله جل وعلا أرسل جبريل إلى مريم يخبرها بأن الله جل وعلا أراد أن يخلق منها ولدًا بغير أب فتعجبت من ذلك، فأخبرها أن قدرة الله جل وعلا ليس فيها عجب، ثم إنه نفخ في درعها -أي: في جيب درعها-، وهذا هو الروح، نفخ جبريل فانحدرت النفخة ودخلت في فرجها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم:١٢] أي أن جبريل ﵇ نفخ في جيب درعها وذهبت النفخة فدخلت في فرجها، فحملت بعيسى ﵇، فلما جاءها المخاض علمت أن الناس لا يصدقونها، فتمنت أنها كانت نسيًا منسيًا وأنه ما حدث لها هذا الشيء؛ لأن هذا شيء خلاف العادة التي يتعارفون عليها، ولكن الله جل وعلا جعله آية، ولهذا ضل فيه النصارى عن الحق، وإن كان منهم طائفة علموا هذا وآمنوا به الذين هم أتباع عيسى على الحقيقة، ولكن اليوم النصارى كلهم ضالون، وإذا ماتوا على ذلك فهم في جنهم بلا شك، وذلك أن دين عيسى ﵇ قد نسخ بالشرع الذي جاء به رسول الله ﷺ، وأن عيسى ﵇ جاء مبشرًا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فجاء أحمد صلوات الله وسلامه عليه ناسخًا لجميع الأديان، وأخبر أنه لو كان موسى ﵇ حيًا ما و
[ ١١ / ٤ ]
بين البدن والروح
[وقوله ﷺ: (وروح منه) قال أبي بن كعب: عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله ﷿ واستنطقها بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] بعثه الله إلى مريم فدخل فيها.
رواه عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير، وابن أبي حاتم وغيرهم].
هذا يقتضي أن الأرواح مخلوقة قبل الأبدان، كما هو ظاهر من أثر أبي بن كعب، وقد اختلف في هذه المسألة، اختلف العلماء فيها، وجاء في القرآن قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، وفي قراءة: «ذرياتههم».
وقالوا: إن هذا يدل على أن الأرواح مخلوقة قبل الأبدان، وأن الله خلقها ثم استنطقها.
أي: طلب نطقها، فاستشهدهم قائلًا لهم: (ألست بربكم)؟ فأقروا بذلك، فقالت الأرواح: (بلى) فشهدوا، وتمام الآية: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣].
فذكر في هاتين الآيتين علتين مانعتين من كونه لا يفعل ذلك: العلة الأولى: لئلا يغفلوا عن أمر الله وعن تكليفه، «أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين»، يعني: لئلا تقولوا أي: لئلا تحتجوا بالغفلة.
فإن الله استنطق هذه الأرواح واستشهدها حتى لا تحتج بأنها كانت غافلة.
الثانية: ألا يحتجوا بالتقليد، بأن يقولوا: وجدنا آباءنا مشركين يعبدون غير الله فاتبعناهم على ذلك، وما علمنا أنهم على باطل.
ولهذا قال: «أفتهلكنا بما فعل المبطلون».
ومقتضى هذا أن هذا الاستنطاق وهذا الاستشهاد يكون حجة قائمة عليهم -على الخلق- حتى لا يدعوا أنه ما جاءهم أمر من الله يمنعهم من التقليد ومن الغفلة.
ومعلوم أن كل أحد من الناس اليوم لا يشعر بهذا العهد الذي أخذه الله وهذا الميثاق الذي أخذ على روحه، فكيف يكون حجة وهو لا يعلمه ولا يدري عنه شيئًا؟ فهذا مما يرد على هذا القول.
والقول الثاني: المراد بأخذ الميثاق الفطرة التي أودعها الله جل وعلا في خلقه، حيث إن كل إنسان فطر على معرفة الله وعلى قبول الحق إذا جاءه، وهذا من الآيات التي تكون مستكنة في الإنسان، ولهذا يقول الرسول ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة)، والفطرة المقصود بها قبول الحق وكونه مستعدًا له، وكونه أيضًا سالمًا من الانحراف، وكونه محبًا لعبادة الله جل وعلا مريدًا، فهذه هي الفطرة، وهي في الواقع لا يخلو منها مولود، كما أخبر الرسول ﷺ، وإنما يغير هذه الفطرة المربي من الوالد والوالدة أو المعلم الذي يتولى تربيته، فهم الذين يغيرونها، ولهذا قال ﷺ في تمام الحديث: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
فمعنى هذا أن أولاد الكفار ولدوا مستعدين لقبول الحق وإرادته وكونهم فطروا على ذلك، فيكون شاملًا عامًا لكل أحد؛ لقوله: (كل مولود)، وهذا ظاهر واضح.
وكذلك احتجوا بحديث عبد الله بن مسعود المتفق عليه في الصحيحين، وهو قوله ﵁: (حدثنا الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا.
نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)، فقوله: (فيبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح) معناه أن البدن خلق قبل الروح.
وأجاب أهل القول الأول عن هذا بأن هذا لا يدل على أن البدن خلق قبل الروح، بل كانت الأرواح مخلوقة ثم ترسل إلى أبدانها شيئًا بعد شيء، وهناك حجج غير هذه، والمقصود أن هذه مسألة خلافية.
والقول الذي ذكره أبي مشهور جدًا، وفيه آثار كثيرة عن السلف، وأكثر المفسرين الذين تكملوا على قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] لم يذكروا إلا هذا القول، ولم يذكروا القول الثاني، فيكون ذلك واضحًا وظاهرًا في أن روح عيسى ﵇ كسائر الأرواح التي خلقت يوم خلقها الله جل وعلا واستنطقها واستشهدها.
[قال الحافظ ﵀: وَوَصفه بأنه منه، فالمعنى أنه كائن منه.
كما في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣]، فالمعنى أنه كائن منه، كما أن معنى الآية الأخرى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه، أي أنه مكون ذلك وموجده بقدرته وحكمته تعالى.
[ ١١ / ٥ ]
المضاف إلى الله تعالى بين كونه معنى وكونه عينًا
قال شيخ الإسلام ﵀: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنىً لا يقوم بنفسه ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله تعالى قائمة به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإذا كان المضاف عينًا قائمة بنفسها كعيسى وجبريل ﵉ وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى؛ لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره].
المعنى يكون قائمًا بنفسه أو غير قائم بنفسه، ومعنى ذلك أن الذي يكون قائمًا بنفسه هو الشيء الذي يشاهد ويرى ويظهر، مثل الجسد، ومثل البيت، ومثل الناقة، وما أشبه ذلك؛ لأنها ترى وتشاهد وتشغل مكانًا، فهي قائمة بنفسها.
أما الشيء الذي لا يقوم بنفسه فمثل السمع والبصر والكلام والقدرة والإرادة وما أشبه ذلك من المعاني؛ لأنه لا يوجد كلام مستقل بنفسه من غير متكلم، فكل ما جاء من هذا القبيل -أي: الشيء الذي لا يقوم بنفسه- مضافًا إلى الله يكون صفة له جل وعلا.
أما الشيء الذي يقوم بنفسه مثل الناقة والبشر والملك وغير ذلك فإضافته إلى الله -كما سبق- إضافة تشريف، وتكون إضافة مخلوق إلى خالقه تعالى وتقدس أضافه إليه تشريفًا له وتكريمًا.
قال رحمه الله تعالى عن شيخ الإسلام: [لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين: أحدهما: أن تضاف إليه لكونه خلقها وأبدعها.
فهذا شامل لجميع المخلوقات، كقولهم: سماء الله وأرض الله.
فجميع المخلوقين عبيد الله، وجميع المال مال الله.
والوجه الثاني: أن يضاف إليه لما خصه به من معنى يحبه ويأمر به ويرضاه، كما خص البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره، وكما يقال في مال الخمس والفيء: هو مال الله ورسوله.
ومن هذا الوجه فعباد الله هم الذين عبدوه وأطاعوا أمره، فهذه إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه ودينه، وتلك إضافة تتضمن ربوبيته وخلقه.
انتهى ملخصا].
[ ١١ / ٦ ]
الإيمان بالجنة والنار من لوازم التوحيد
[وقوله ﷺ: (والجنة حق والنار حق) أي: وشهد أن الجنة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدها للمتقين حق -أي: ثابتة لا شك فيها- وشهد أن النار التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للكافرين حق كذلك ثابتة، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، وفي الآيتين ونظائرهما دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، خلافا للمبتدعة.
وفيهما الإيمان بالمعاد].
من الأمور الظاهرة والواضحة جدًا عند جميع المسلمين كون الجنة مخلوقة، وقول الرسول ﷺ: (وأن الجنة حق والنار حق) الحق في اللغة: هو الشيء الثابت المستقر الذي لا يزول.
يعني أن الله خلق الجنة والنار وأعدهما، أعد الجنة للطائعين والنار للعاصين، فلابد من الشهادة بذلك يقينًا.
وأما كونها مخلوقة الآن فكذلك الأدلة فيها ظاهرة، والذين خالفوا فيها في الواقع ليس لهم مستند إلا عقولهم وقياسهم على أفعال بني آدم، فقاسوا فعل الله جل وعلا على فعل بني آدم، وهذا ضلال في الواقع، وقد أخبر الله جل وعلا أن الجنة والنار كلاهما معدة، والإعداد هو وجود الشيء وتهيئته، والرسول ﷺ أخبرنا أنه اطلع في الجنة والنار، وأخبر أن أكثر أهل النار النساء، وقال: (إني رأيت أكثر أهل النار النساء)، وأمرهن بالصدقة.
وكذلك أخبر أنه رأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه فيها لأنه أول من غير دين إبراهيم، ولأنه أول من سيب السوائب وحمى الحامي وغير دين إبراهيم، وكذلك يقول ﷺ: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فرأيتها تخمشها في النار) أي: تخمش وجهها إلى غير ذلك من النصوص التي جاءت صريحة بوجود الجنة والنار الآن.
وفي الحديث الصحيح: (أن الله جل وعلا لما خلق الجنة قال لها: تكلمي.
فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١])، وفي الحديث الصحيح الآخر: (أن الجنة والنار احتجتا، فقالت الجنة: مالي يدخلني الضعفاء والمساكين وسقط الناس؟! وقالت النار: مالي يدخلني الجبارون والملوك؟! فقال الله جل وعلا للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء.
وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما علي ملؤها)، فأما الجنة فإنه إذا دخلها أهلها يبقى فيها فضل مساكن، فينشأ الله جل وعلا لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة، وأما النار فإذا ألقي فيها الكفار وأهلها لا تزال تقول: هل من مزيد.
ونسأل الله جل وعلا أن نكون من المستمعين المنتفعين.
[ ١١ / ٧ ]