لا يصح إسلام أحد حتى ينطق بكلمة التوحيد، ومع نطقه بها يجب عليه أيضًا الاعتقاد بمعناها، والذي هو إبطال كل مألوه غير الله، والتوجه بالعبادة لله جل وعلا وحده، ثم لابد من العمل بهذا المعنى، وذلك بالتزام ما جاء به الرسول ﷺ من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج.
[ ١٢ / ١ ]
أثر كلمة التوحيد في الآخرة
[ ١٢ / ٢ ]
عصمتها لصاحبها من دخول النار وقيد ذلك
قال المصنف ﵀: [ولهما في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال: (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله)].
حديث عبادة السابق جاء غير مقيد؛ فإنه قال ﷺ: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)، وحديث عتبان قيد هذا بأن الإنسان يأتي بهذا المشروط بأن يشهد هذه الشهادة عن علم ويقين ومعرفة، وأنها تقتضي العمل، فيعمل بما دلت عليه، فإذا جاء بذلك وإن كانت له ذنوب فإن الله يدخله الجنة، فهو مطلق بدون قيد، وأما في حديث عتبان هذا فإنه قيده بقوله: (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله، ومعنى (يبتغي بذلك وجه الله) أن يكون مخلصًا في قولها مريدًا بذلك النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه ونعيمه، لا يريد غير هذا، وهذا معنى ابتغاء وجه الله، فيقولها راغبًا في الثواب وهاربًا من العذاب.
ومعلوم أن الذي يقولها على هذه الصفة تكون رغبته في الآخرة أكثر من رغبته في الدنيا، وأنه يعمل العمل الذي يستطيعه، ولا يدخر عملًا للآخرة؛ لأنه واثق بأنه سيقدم على ربه ويجازيه على عمله فيجتهد في ذلك.
فمعنى (يبتغي بذلك وجه الله) أنه يريد من الله جل وعلا ثوابه الذي يثيب به من كان مخلصًا لله جل وعلا في عمله، وكذلك يخشى ضد ذلك، فهو يخشى إن لم يكن مخلصًا في عمله وصادقًا مع ربه أنه يعذب، فيخاف أنه لو لم يقل ذلك صدقًا وإخلاصًا أن يعذبه الله جل وعلا.
فإذا كان بهذه المنزلة على هذه الصفة فإن الله جل وعلا يحرمه على النار، وهذا أعظم مما في حديث عبادة؛ لأن الذي في حديث عبادة مجرد وعد بأنه يدخل الجنة على ما كان من العمل، وإدخاله الجنة على ذلك لا ينافي أن يناله ما يناله في مواقف الآخرة أو في القبر أو بعد ذلك، وإنما يدل على أن مآله إلى دخول الجنة، ولابد أن يدخل الجنة، وإن كان عنده أعمال سيئة فهذه الأعمال يتجاوز الله جل وعلا عنها، أو قد يصيبه بعض ما يستحق، أما هذا فإنه يحرم على النار، ومعنى ذلك أنه لا يدخل النار أصلًا، ولكن بشرط أن يكون يبتغي بذلك وجه الله، وابتغاء وجه الله عرفنا أنه الإخلاص، والإخلاص أن يكون العمل خافيًا مخلصًا من كل شائبة تلحقه من شوائب الدنيا أو مرادات النفس، أو ما هو مقصود لغير الآخرة، فيكون خالصًا وصافيًا ليس فيه شيء.
وهذا الذي يكون عمله بهذه المثابة يكون قلبه محبًا لله مقبلًا على الله بصدق، وليس فيه إرادة لغير الله جل وعلا، ولا يمكن أن يكون محبًا للباطل، ولا يمكن أن يكون محبًا لما ينهى الله عنه ويحرمه، ولا يكون مانعًا للواجب الذي أوجبه الله عليه؛ لأنه مخلص لله، ولأنه متجه إلى الله جل وعلا بالمحبة والإخلاص والصدق، فمن كان بهذه المثابة فلا يحول بينه وبين دخول الجنة إلا الموت، فإذا مات فتح له باب إلى الجنة وقيل: انظر إلى منزلك وما أعده الله جل وعلا لك.
عند ذلك يقول: يا رب! أقم الساعة حتى أذهب إلى منزلي.
لأن الذي خلص من الشرك دقه وجله وكثيره وقليله خلص؛ لأنه قال ذلك ابتغاء وجه الله، ودفعه إلى ذلك محبته التي في القلب لله جل وعلا وإقباله على الله، فهو مغتبط بأمر الله، كاره لكل ما نهى الله عنه مبغض له، ومثل هذا لا يقع في ذنب إلا أن يغره الشيطان وتسول له النفس، ثم إذا وقع في ذلك فسرعان ما يقلع ويتوب، وإلا فلا يوجد أحد ينفك عن الذنوب أبدًا، فكل بني آدم خطاء، ولكن مثل هذا لا يستمر على ذنب بإذن الله؛ لما في قلبه من الإقبال على الله ومحبة الله جل وعلا، فهذا معنى كونه يحرم على النار من قال: (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجه الله.
وهناك أحاديث تدل على أن من يقول: (لا إله إلا الله) يدخل النار، وهي أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ، والجمع بينها أن الذي يقولها غافلًا ويقولها غير صادق وغير مقبل على الله جل وعلا بكليته فله مجرد وعد فقط، فإنه يدخل النار إذا شاء الله ثم يخرج منها إلى الجنة، أما هذا الذي حرم على النار فلابد أن يكون صادقًا مخلصًا مقبلًا على الله جل وعلا، أو أنه يقولها تائبًا مما حدث منه توبة نصوحًا مقلعًا عن كل ذنب مقبلًا على ربه ثم يموت على ذلك بعد قولها، فإنه إذا كان أيضًا بهذه المثابة فإن (لا إله إلا الله) إذا صدرت على هذه الصفة لا تقوم أمامها سيئة أبدًا، فتمحو السيئات كلها إذا جاءت على هذه الصفة.
[ ١٢ / ٣ ]
كلمة التوحيد مع اكتساب الذنوب
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال شيخ الإسلام ﵀: فمن قال: (لا إله إلا الله) ولم يقم بموجبها بل اكتسب مع ذلك ذنوبًا، وكان صادقا في قولها موقنًا بها، لكن له ذنوب أضعفت صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، فرجحت هذه السيئات على هذه الحسنة ومات مصرًا على الذنوب بخلاف من يقولها بيقين وصدق فإنه إما ألا يكون مصرًا على سيئة أصلًا، ويكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته، والذين يدخلون النار ممن يقولها إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافيين للسيئات أو لرجحانها، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام؛ لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات فترجح سيئاتهم على حسناتهم.
انتهى ملخصا.
وقد ذكر هذا كثير من العلماء، كـ ابن القيم وابن رجب وغيرهما، قلت: وبما قرره شيخ الإسلام تجتمع الأحاديث.
قال: وفي الحديث دليل على أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد وبالعكس].
المعنى أن الإنسان لا يصح إسلامه ودخوله في الإسلام حتى ينطق بهذه الكلمة، فيتكلم بها ويتلفظ بها، وكذلك لابد أن يعتقد صحة معناها ويعمل بهذا المعنى، فلابد أن يعرف المعنى، وأن معناها إبطال كل مألوه غير الله، والتوجه بالتأله الذي هو العبادة لله وحده جل وعلا، وأن كل عبادة تصرف لغير الله شرك، وأن صاحبها عمله يحبط بذلك، فإذا مات عليه فهو من أهل النار.
فهذا لابد من اعتقاده، ولابد من العمل بألا يشرك بالله جل وعلا، وأن يلتزم ما جاء به الرسول من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج، وهي أركان الإسلام الخمسة التي أعلمنا صلوات الله وسلامه عليه أن الإسلام بني عليها، فلابد من الالتزام بذلك.
أما أن يقول هذه الكلمة وهو لا يصلي ولا يصوم، أو لا يحرم المحرمات مثل الزنا والربا وما أشبه ذلك فقوله إياها لا يفيد؛ لأنه في الواقع ما عمل بما دلت عليه، وما عمل بمقتضاها، فلابد من اعتقاد ما دلت عليه مع قولها والعمل، ولهذا اتفق أهل السنة أن الإيمان يتكون من أمور ثلاثة، من قول وعقيدة في القلب وعمل، ولو تخلف واحد من هذه الأمور الثلاثة لا يكون الإيمان صحيحًا، فأما الذين خالفوا في هذا فهم في الواقع ضالون؛ لأنهم تركوا ما دل عليه الكتاب والسنة بالنص.
فلو أن إنسانًا اعتقد في قلبه أنه لا إله إلا الله، وأن كل آلهة غير الله باطلة، ولكنه لم ينطق بذلك ومات على هذا باتفاق العلماء يكون كافرًا ليس بمسلم، فلابد من النطق؛ لأن الرسول ﷺ قال: (من شهد)، فلابد من الشهادة، والشهادة تقتضي الإخبار بالكلام عما اعتقده في قلبه، ولهذا كان صلوات الله وسلامه عليه يدعو الناس إلى النطق بها وإلى قولها، وكان يقول لهم: قولوا: (لا إله إلا الله) و(اشهدوا ألا إله إلا الله)، ولما تبعه رجل من المشركين كان معروفًا بالنجدة والشجاعة يوم بدر فلحقه ليقاتل معه ففرح به أصحابه لأنه عرف بشجاعته وإقدامه وقال: إني جئت لأنصرك.
ولقال له: (أتشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله؟) قال: لا.
قال: ارجع؛ فإني لا أستعين بمشرك.
فلابد من الشهادة حتى يبنى عليها العمل، فيشهد أنه (لا إله إلا الله)، ثم بعد ذلك الأعمال تبنى عليها، وإلا فتكون الأعمال كلها باطلة غير معتد بها.
[ ١٢ / ٤ ]
أثر كمال التوحيد ونقصانه في الآخرة
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل].
التوحيد الكامل هو الذي يكون مع الإخلاص بالصدق واليقين والعلم والمحبة والإقبال، يعني أن يتحلى الإنسان بهذه الأمور والاستسلام لله جل وعلا، والواقع أن التوحيد الكامل يكون في الذين أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم يأتون بقلوب سليمة، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]، فالقلب السليم هو الذي سلم من التعلق بغير الله جل وعلا، فهو صاحب التوحيد الكامل، وهذا هو الذي يحرم على النار، أما إذا كانت عنده ذنوب فالذنوب إما أن تلحق بالشرك الأصغر أو تلحق بالأكبر، فبخل الإنسان بشيء من زكاة ماله كونه إنما دعاه إليه محبة المال، وحبه للمال قدمه على محبة الله وعلى أمر الله، وهذا نوع من الشرك، وكذلك كون الإنسان يقدم على فعل الباطل حبًا له إما شهوة تدعوه إلى ذلك، أو ألفة، أو تسويف من الشيطان وهو يعلم أن الله نهى عنه، فهذا في الواقع قدم هوى نفسه، أو أمر مخلوق قدمه على أمر الله جل وعلا وهو نوع من الشرك، وهكذا في جميع الذنوب.
فالإنسان إذا كان مرتكبًا للذنوب ليس توحيده كاملًا من كل وجه، بل ناقص، ولهذا يدخل النار ثم بعد ذلك يخرج منها بحسب ذنوبه وإجرامه، ولكنه إذا مات على التوحيد ولو لم يكن توحيده كاملًا وكان ناقصًا فإنه لابد من إخراجه من النار، أما الذي لا يخرج من النار فهو الذي يموت وليس معه توحيد، إنما هو مشرك، والتوحيد لا يمكن أن يجتمع مع الشرك الأكبر أبدًا، فإذا وجد الشرك الأكبر انتفى التوحيد تمامًا.
كإنسان يتقدم إلى عبادة مقبور يسأله ويتضرع إليه ويقول: اكشف الضر عني أو: ادفع عني أذى العدو.
أو اشف مرضي.
أو هب لي رزقًا.
أو: هب لي ولدًا.
أو ما أشبه ذلك من السؤال الذي لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا، ويموت على هذا، فإن هذا هو الشرك الأكبر، ولو كان يصلي ويصوم ويتصدق ويعمل الأعمال فعمله مردود؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به، وبقية الذنوب غير الشرك الأكبر علقها ربنا جل وعلا بمشيئته فقال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فكل الذنوب -ما عدا الشرك- معلقة بمشيئة الله، ومعنى كونها معلقة بمشيئة الله أنه إذا شاء أن يغفرها بدون مؤاخذة غفر، وإن شاء أن يؤاخذ عليها ويعاقب عليها عاقب عبده، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة.
ولهذا فكل من مات على الإسلام وليس عنده شرك أكبر وإن كانت عنده ذنوب كثيرة فهو يرجى له الخير، ويكون مآله إلى الجنة وإن ناله ما ناله، والذي يناله كله يكون مكفرًا لهذه الذنوب، فيكون عقابًا لما ارتكبه من المعاصي.
[ ١٢ / ٥ ]
شرط صلاح العمل وقبوله
[ ١٢ / ٦ ]
الأخلاص لله تعالى
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وفيه أن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصا لوجه الله تعالى على ما شرعه على لسان رسوله ﷺ].
هذان الأمران لابد منهما في جميع الأعمال، أي: كون العمل يكون خالصًا لله، وكونه يكون على سنة رسول الله ﷺ في كل عمل، أما إذا تخلف شرط من هذين في عمل من الأعمال فهو مردود على صاحبه، كما إذا وجد الشرك في العمل، وليس معنى هذا أن الإنسان إذا أشرك في عمل من الأعمال يكون جميع عمله حابطًا، وإنما يكون ذلك العمل الذي قارنه الشرك حابطًا باطلًا، وإذا تاب تاب الله عليه، وإذا عمل أعمالًا خالصة لله قبلها الله جل وعلا بشرط ألا يكون فيها شرك.
أما العمل الذي يقارنه شرك، مثل إنسان أخرج صدقة ولكنه يريد بإخراجه أن يمدح ويثنى عليه فيقال: هو يتصدق، وهو جواد، وهو كريم فإن مثل هذا غير مقبول، ولا يقبله الله جل وعلا؛ لأنه أراد قول الناس، وأراد ثناءهم ومدحهم، فصدقته هذه حابطة ليس له منها شيء.
وكذلك لو صلى وحسَّن صلاته لأن الناس ينظرون إليه فيثنون عليه ويمدحونه فيقولون: هو يصلي بخشوع، وهو تقي، وهو يقبل على صلاته بأدب.
فهو يريد مدح الناس، ويريد أن يثنوا عليه ويمدحوه، ثم يريد أن يحبوه على ذلك، فإنه ليس له إلا ما أراد، فصلاته مردودة عليه؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله جل وعلا يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه).
أي: تركت ذلك العمل وشركه.
أي: وشريكه الذي أشرك.
فيصير العمل خالصًا لذلك الشريك، ولهذا إذا كان يوم القيامة يقول الله له: (اذهب إلى من أشركته في العمل فاطلب أجرك منه)، فليس له شيء، فلا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لله جل وعلا.
ثم لو حدث مثل هذا، كإنسان حسن صلاته وزينها وتأدب فيها لأجل نظر آخر فليس معنى ذلك أن أعماله كلها حابطة، ولكن هذا العمل الذي زينه لأجل نظر الإنسان مردود عليه، أما إذا عمل أعمالًا خالصة لله فهي مقبولة تقبل، وإن كان يعاقب على كونه يشرك بالله جل وعلا؛ لأن هذا من المحرمات العظام، فلا يجوز أن يقصد بالعمل غير الله جل وعلا.
[ ١٢ / ٧ ]
موافقة الشرع
أما الشرط الثاني فهو موافقة السنة، ومعنى ذلك أن الإنسان لا يجوز له أن يقدم على عمل من الأعمال إلا وهو مشروع، ولهذا يقول العلماء: إن الأصل في العبادات التوقيف حتى يأتي الدليل على أنها مشروعة.
ولا يجوز للإنسان أن يقدم على عبادة من العبادات وهو لا يعرف أنها مشروعة، وإلا كان ممن يشرع برأيه أو نظره، ويكون مبتدعًا.
فإن البدع هي العبادات التي لم يأت بها الرسول ﷺ، فكل عبادة لم يأت بها الوحي فهي بدعة، والبدع مردودة على أصحابها، كما قال ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، فقوله: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا) يعني: ليس على الشرع، وليس مأمورًا به بالكتاب والسنة؟ (فهو رد) مردود على صاحبه.
فلابد لكل عمل من هذين الشرطين، أي: أن يكون العمل مرادًا به وجه الله خالصًا لله جل وعلا، وأن يكون مأمورًا به شرعًا ومشروعًا شرعه رسول الله ﷺ.
وإلا كان الإنسان يعمل عملًا حابطًا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤] فعندها خشوع، وعندها نصب للعمل، ولكن في الآخرة تصلى نارًا حامية؛ لأنها تتعبد الله جل وعلا بالبدع، وإن كانوا يبكون ويخشعون فبكاؤهم وخشوعهم خسارة، فعندهم الخشوع والنصب التعب، ولكن الواقع في الآخرة أنه تصلى وجوههم نارًا حامية، ويسقون من عين آنية؛ لأنهم تعبدوا الله بالبدع لآرائهم وأقوال الناس التي ليس عليها دليل، فلابد أن يكون الإنسان في عبادته متبعًا لا مبتدعًا.
[تنبيه: قال القرطبي في تذكرته: وقوله في الحديث: (من إيمان) أي: من أعمال الإيمان التي هي من أعمال الجوارح، فيكون فيه دلالة على أن الأعمال الصالحة من الإيمان، والدليل على أنه أراد بالإيمان ما قلناه ولم يرد مجرد الإيمان الذي هو التوحيد ونفي الشركاء والإخلاص بقول لا إله إلا الله، ما في الحديث نفسه من قوله: (أخرجوا)، ثم بعد ذلك يقبض سبحانه قبضة فيخرج قومًا لم يعملوا خيرًا قط، فيريد بذلك التوحيد المجرد من الأعمال.
انتهى ملخصًا من شرح سنن ابن ماجة].
قول القرطبي هذا لأن العلماء اتفقوا على أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، كما في الحديث عن النبي ﷺ، فإنه بعث مناديًا ينادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.
وهذا عام شامل، فكذلك الأعمال تبع للإيمان، فإذًا يكون معنى قوله: (أخرجوا من النار من قال: (لا إله إلا الله) وفي قلبه مثقال حبة من خير)، وجاء في لفظ آخر: (من إيمان) أنه الشيء الزائد على هذا القول، فهو أمر زائد على أصل الإيمان، أما أصل الإيمان فهو موجود، وهو الذي به يخرج من النار ويدخل الجنة، ولكن لابد من عمل وإن قل؛ فأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] يعني: مثقال الذرة إن يك حسنة يضاعفه.
وإذا كان للإنسان حسنة ولو مثقال ذرة زائدة على سيئاته فإن الله جل وعلا يضاعف هذا المثقال ويدخله به الجنة، فهذا فضل عظيم.
وهكذا في هذا الحديث الذي فيه أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة، أي: مثقال الذرة زائدًا على قول (لا إله إلا الله) أصل الإيمان، حتى لا يكون هذا مكررًا فيكون آخره هو أوله، فالرسول ﷺ ينزه كلامه عن ذلك، وهذا شيء معقول في الواقع، ولهذا قال: إن الدليل عليه هو ما في نفس الحديث.
[ ١٢ / ٨ ]