على قدر تحقيق العبد للتوحيد يكون ثوابه وأجره، فمن حقق التوحيد على وجهه كان أهلًا لدخول الجنة بغير حساب، ويتم تحقيق التوحيد بما ذكره الله تعالى عن إبراهيم ﵇ الذي كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين، كما يتم بتحقيق ما ذكره النبي ﷺ من أوصاف السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب في كونهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
[ ١٦ / ١ ]
تحقيق التوحيد
[ ١٦ / ٢ ]
تحقيقه في أنواعه الثلاثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب].
أي: بلا عذاب، والتوحيد هو أن يكون العمل موحدًا لله جل وعلا، وألا يكون لأحد فيه شيء، والتوحيد حق الله جل وعلا الذي أوجبه على عباده بأن يكون خالصًا لله جل وعلا، ويكون التوحيد أيضًا فيما يخص الله جل وعلا من الأسماء والصفات والأفعال، فيجب أن يوحد الله جل وعلا في أمور ثلاثة: الأول: في حقه الذي أوجبه على عباده، بأن يُجعل واحدًا لله جل وعلا، ولا يوزع بين الله وبين مقاصد أخرى.
الثاني: أن يوحد الله جل وعلا بخصائصه من أوصافه وأسمائه التي اختص بها فسمى بها نفسه أو سماه بها رسوله ﷺ، فيجب أن يوحد فيها وألا يشرك معه أحد من الخلق في ذلك.
الثالث: أن يوحد في أفعاله وملكه الذي يفعله ويملكه، فالملك كله لله وحده، والفعل الذي يفعله من الخلق والإحياء والإماتة وغير ذلك يكون خاصًا به، ولا يجوز أن يُلحق به غيره من الخلق.
وهذه الأمور الثلاثة دل عليها القرآن في مواضع متعددة، وكذلك دعوات الرسل كلها التي قصها الله جل وعلا علينا دلت على ذلك، فيجب أن يوحد الله جل وعلا في هذه الأمور، وأن يحقق التوحيد، وتحقيقه أن يؤتى بحقائقه، وحقائقه تتطلب العلم به والاطلاع عليه ثم العمل به، ويلزم من ذلك أن يخلص من جميع شوائب الدواخل التي قد تدخل عليه من الرياء والمقاصد التي لا يراد بها الله جل وعلا، وكذلك يلزم من ذلك اجتناب المعاصي والبدع، فإذا وجدت هذه الأمور فصاحبها من الذين يسبقون إلى الجنة بغير حساب ولا عذاب، فهذه هي حقيقة تحقيق التوحيد، أن يأتي به الإنسان عالمًا بحقائقه مطلعًا عليها، ثم يتحلى بها عملًا وعلمًا، ثم يلزم منه أن يجتنب جميع شوائب الدواخل من المعاصي والبدع وغيرها؛ لأن من حقق التوحيد انجذب بكليته إلى الله فأصبح يحبه الحب كله، وأصبح يوافق أمره موافقة لا ينفك عنها، ولا يجد في نفسه مخالفة لأمر الله جل وعلا، ويكره كل ما نهاه الله عنه أشد كراهة، فمن حقق التوحيد كان بهذه المثابة، ولهذا تحقيق التوحيد صار عزيزًا في الناس، وإن كان في صدر هذه الأمة موجودًا بكثرة، ولكنه فيما بعد أصبح قليلًا، ومن تحلى بذلك فهو لا يحاسب ولا يعذب، ويكون من السبعين ألفًا الذين يسبقون إلى الجنة بغير حساب ولا عذاب.
[ ١٦ / ٣ ]
بم يحقق التوحيد
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب أي: ولا عذاب.
قلت: تحقيقه تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]].
استدل بهذه الآية على تحقيق التوحيد، وأن من فعل واتصف بما اتصف به خليل الرحمن فقد حقق التوحيد، والله جل وعلا وصفه بأربع صفات في هذه الآية: فوصفه بأنه كان حنيفًا، والحنيف: المائل قصدًا عن غير مراد الله إلى مراده.
فإبراهيم هذه صفته، كان متجهًا إلى ربه جل وعلا بكليته قاصدًا ذلك، أي أنه كان راغبًا فيه مقبلًا عليه بعزم ونشاط وجد وقوة، وهذا معنى كونه حنيفًا، وأما كونه أمة فالأمة جاء تفسيرها في هذه الآية عن السلف بمعنيين: المعنى الأول: القدوة في الخير.
أي أنه كان قدوة في الخير والدعوة إليه، فهو قدوة في عبادة الله وحبه والإقبال عليه والدعوة إلى ذلك، وهذه القدوة لا تنال إلا باليقين والصبر، فإذا أيقن العبد بأمر الله جل وعلا وبواجباته التي أوجبها عليه وصبر عليها عملًا ودعوة فإنه يكون قدوة.
التفسير الثاني: أنه كان واحدًا في الحق، ليس معه أحد غيره؛ لأنه كان هو الذي على طريق الحق، وهو الذي اتخذه الله خليلًا، وأما من عداه من قومه فكلهم كفار وكلهم مشركون، ولهذا جاء في الصحيح أنه قيل للطاغية أحد الجبابرة: إنه قدم عليك رجل معه امرأة فيها من الجمال ما لا يصلح إلا أن تكون زوجة لك.
وعلم أنه لو قال: إنها زوجتي لأخذها، فقال لما سأله: هي أختي.
لأنه علم أنه إذا قال: أختي لا يأخذها، فلما رجع إليها قال: لا تكذبيني، فإني قلت: إنك أختي وأنت أختي في الإسلام، ليس اليوم مسلم غيري وغيرك.
وهذا يشهد لقولهم بهذا القول أنه كان وحده على الحق، أمة وحده على الحق والتوحيد، وهذا في الواقع لا ينافي القول الأول، فهو كان في أول أمره واحدًا في الحق، وهو أيضًا القدوة، ولهذا أمرنا الله جل وعلا بالتأسي به، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، فأمرنا بالتأسي به لأنه هو القدوة في ذلك، وهو إمام الحنفاء وإمام الموحدين الذين حققوا التوحيد.
الصفة الثالثة: أنه كان قانتًا.
والقنوت في اللغة: هو دوام الطاعة، فمن داوم على الطاعة مستقيمًا عليها فإنه يكون قانتًا، وكذلك إذا أطال الإنسان الصلاة وأطال الركوع والسجود فإنه يكون قانتًا، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، وسماه قانتًا، فالقنوت هو المداومة على الطاعة ولزومها مع الخشوع والذل والخضوع لله جل وعلا.
الصفة الرابعة: أنه ما كان من المشركين، فما كان معهم في القصد والإرادة، ولا كان في المكان، وما كان في الدين والعمل معهم، بل كان مفارقًا لهم في جميع الأحوال، وهو كذلك لم يقع في الشرك، ولهذا أخبر الله جل وعلا عنه في مواضع متعددة أنه ما كان يهوديًا ولا نصرانيًا ولا كان مشركًا، وكل من الخلق يدعي أنه على طريقته، فاليهود يدعون أنهم أتباعه وعلى نهجه وعلى ملته، والنصارى كذلك، والمشركون كذلك، والله جل وعلا برأه من الجميع، وأخبر أن أولى الناس بإبراهيم اَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ، وهو نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء هم أولى الناس به وأقربهم إليه.
فهذه الأوصاف الأربعة إذا تحلى بها العبد فقد حقق التوحيد وكان أسوته خليل الرحمن، ويصير ممن لا يعذب يوم القيامة ولا يحاسب، بل يسبق إلى الجنة مع الذين يسبقون إليها.
[ ١٦ / ٤ ]
أوصاف إبراهيم ﵇ في تحقيق التوحيد
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] وصف إبراهيم ﵇ بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد: الأولى: أنه كان أمة.
أي: قدوة وإمامًا معلمًا للخير، وما ذاك إلا لتكميله مقام الصبر واليقين الذين تنال بهما الإمامة في الدين].
هذا أحد المواضع التي وردت في القرآن في (الأمة) يقصد بها القدوة الذي يقتدى به؛ لأن القرآن ورد فيه لفظ (الأمة) في معان عدة هذا أحدها، والمعنى الثاني: الجماعة من الناس.
كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص:٢٣] يعني: جماعة، وهذا كثير، والمعنى الثالث: أنه يقصد بالأمة طائفة من الزمن.
كما قال الله جل وعلا في قصة يوسف: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥] يعني: بعد وقت وبعد مدة تذكر ما حدث معه ومع يوسف، وما حدث من تأويل الرؤيا.
وكذلك قوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود:٨] يعني: إلى طائفة من الزمن.
الرابع: أنه يقصد بالأمة الدين والملة، كقوله تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، فهذه المعاني التي وردت بلفظ الأمة، أحدها: القدوة.
والثاني: الجماعة من الناس.
والثالث: الطائفة من الزمن والوقت.
والرابع: الملة والدين.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [الصفة الثانية كونه قانتًا.
قال شيخ الإسلام ﵀: القنوت: دوام الطاعة.
والمصلي إذا أطال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] انتهى ملخصًا.
الثالثة: أنه كان حنيفًا.
قلت: قال العلامة ابن القيم: الحنيف المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه.
انتهى] لا بد لكل مقبل على الله أن يكون إقباله قصدًا وإرادة واختيارًا، وأن يكون معرضًا عن كل ما سواه، ويتضمن هذا الحب والارتباط بذلك، وكراهة ما عداه كراهة شديدة، ويكون بذلك فاعلًا للخير تاركًا للشر رغبة فيما عند الله وحبًا له وبغضًا للابتعاد عن الله جل وعلا ومخالفته، فلا بد أن يكون بهذه الصفة.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [الصفة الرابعة: أنه ما كان من المشركين، أي: لصحة إخلاصه وكمال صدقه وبعده عن الشرك.
قلت: ويوضح هذا قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] أي: على دينه من إخوانه المرسلين.
قاله ابن جرير رحمه الله تعالى، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤].
الاستثناء في الآية: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] يعني: لا تتأسوا بقول إبراهيم حين قال لأبيه: «لأستغفرن لك»، فهذه لا يجوز لكم أن تتأسوا بها؛ لأنها ما كانت إلا عن موعدة وعدها إياه، يعني أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له، ولكن لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه وأصبح معاديًا له ومبغضًا له وكارهًا له.
فهذا معنى الاستثناء، ولهذا أخبر الله جل وعلا بذلك لما حصل ما حصل من النبي ﷺ واستغفاره لعمه لما حضرته الوفاة وجاء إليه وقال له: (ياعم! قل: (لا إله إلا الله) كلمة أحاج لك بها عند الله جل وعلا).
فقال له جلساء السوء: أترغب عن ملة عبد المطلب فأبى أن يقولها ومات على ملة عبد المطلب، وملة عبد المطلب الشرك، عند ذلك قال النبي ﷺ: (والله لأستغفرن لك ما ألم أنه)، فصار يستغفر له؛ لأنه كان يحوطه ويحميه، فلما سمع المسلمون الذين مع النبي ﷺ ذلك صاروا يستغفرون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك يقتدون بالرسول ﷺ، فأنزل الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] إلى آخرها، ثم قال لهم: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، وفي هذه الآية استثنى الله جل وعلا استغفاره لأبيه من أن نتأسى به في ذلك، فنتأسى به فيما عدا استغفاره لأبيه.
[وذكر تعالى عن خليله ﵇ أنه قال لأبيه آزر: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٨ - ٤٩]، فهذا هو تحقيق التوحيد، وهو البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم، فالله المستعان].
الواقع أنه لا يحصل التوحيد إلا بالكفر بالطاغوت، والطاغوت: اسم لكل ما يصد عن عبادة الله جل وعلا، سواءٌ أكان معنويًا أم كان حسيًا.
فكل ما صد عن عبادة الله من المعاني والحسيات فهو طاغوت، ولا يمكن أن يتحلى الإنسان بعبادة الله وتوحيده إلا إذا تبرأ مما يضاد ذلك، لهذا بدأ الله جل وعلا بالكفر بالطاغوت أولًا، فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، فهذان أمران متضادان لا يجتمعان أبدًا، أي: حب الكفار والمشركين وموالاتهم مع توحيد الله جل وعلا وإخلاص العبادة له.
فلا يجتمع هذا مع هذا أبدًا، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] يعني: ولو كانوا أقرب الناس إليهم لا بد أن يبغضوهم ويعادوهم ويتبرأوا منهم ويزايلوهم ويفارقوهم، ولا يلتقون بهم إلا عند الجهاد أو الدعوة، أي: حين يدعونهم إلى الله جل وعلا.
ولهذا جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أنا بريء من رجل بات بين ظهراني المشركين)، ثم قال: (لا تتراءى ناراهما إلا في سبيل الله) يعني: لا تكون نار مسلم بجوار نار مشرك، فلا بد أن يزايله ويفارقه.
والمزايلة والمفارقة أمر حتمي لا بد منه، إلا إذا اضطر الإنسان اضطرارًا لا يستطيع معه المفارقة فحينئذ كما قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٩٩]، وإذا كان الإنسان في بلاد الكفار يستطيع أن يظهر دينه، ويستطيع أن يدعو إلى ربه، ويستطيع أن يفعل العبادات بكل حرية ولا يخاف أن يصد عن دين الإسلام ويرد، فإن كان كذلك فلا بأس، أي: لا يمنع من كونه يكون في بلاد الكفار إذا كان بهذه الصفة، ولكن يمنع إذا كان يخاف عليه أن يرتد عن دينه، أو أنه يمنع من إقامة شعائر الدين مثل الصلاة والصوم وسائر العبادات، فإذا كان يمنع فتجب الهجرة، ويجب أن يفارق هذا البلد إلى بلد الإسلام، وإلا كان ممن تعرض للوعيد، حيث يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧]، فيجب أن يتركوا ويهجروا البلد الذي يمنعهم الكفار فيه من إقامة دينهم.
[ ١٦ / ٥ ]
أوصاف للخليل ﵇ بحلة جديدة
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال المصنف ﵀ في هذه الآية: (إن إبراهيم كان أمة)، لئلا يستوحش تارك الطريق من قلة السالكين، (قانتًا لله) لا للملوك ولا للتجار المترفين، (حنيفًا) لا يميل يمينًا ولا شمالًا كفعل العلماء المفتونين، «ولم يك من المشركين» خلافًا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين.
انتهى].
هذا كلامه على الآية وفوائدها، وهو في الواقع يتكلم من باب اللوازم، ويذكر الأدنى منبهًا على ما هو الأعلى، فقوله: (إن إبراهيم كان أمة لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين) يشير بهذا إلى أنه كان وحده على الحق، وهذا هو المعنى الثاني الذي يروى عن ابن مسعود أن إبراهيم ﵇ كان وحده على الحق، وجاء عن غيره أيضًا من السلف المعنى الثاني الذي ذكرناه.
وقوله: (لئلا يستوحش السالك من قلة السالكين) يدلنا على أن الإنسان يجب أن يتعرف على الحق، وأنه ليست الكثرة دليلًا على أن الحق يكون معها، بل قد يكون الحق مع الأقلين، وأن الإنسان لا يستوحش من ذلك، بل يجب عليه أنه إذا عرف الحق يتمسك به ولو كان وحده، فهذا معنى كلامه.
وأما قوله: (قانتًا لله لا للملوك ولا للتجار المترفين) فيعني أنه بذلك يشير إلى وجوب الإخلاص، وأن يكون العمل خالصًا لله، لا يقصد به منافع دنيوية ولا أحد من الناس، وإنما يقصد به رب العالمين جل وعلا.
وأما قوله: (حنيفًا لا يميل يمينًا ولا شمالًا كفعل العلماء المفتونين) فيعني أن الذي يعلم الحق يجب عليه أن يتبعه ويحذر من الفتنة، ولا يغتر بمن مال عن ذلك وإن كان من العلماء؛ فإن العلماء منهم من يفتن ويكون مؤثرًا للحياة الدنيا على الآخرة، لهذا قال: (كفعل العلماء المفتونين) الذين فتنوا بالدنيا، أو فتنوا بالجاه، أو فتنوا بالمناصب أو ما أشبه ذلك، فالإنسان لا يغتر بمن جانب الحق، ويجب عليه أن يتعرف على الحق ويتبعه، ولا يغتر بمن مال وحاد عنه وإن كان عالمًا.
وقوله: (وما كان من المشركين خلافًا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين) يقصد بهذا أن يكون بعيدًا عن الشرك وأهله، لا يكثرهم ولا يكون معهم، وهذا في المكان، وكونه أيضًا في العمل أولى من هذا بكثير، فلا يكون على نهجهم وعلى طريقتهم، ولا يكون موافقًا لهم فيما يفعلونه، بل هذا أولى من الأول، فهو نبه بالأدنى على الأعلى.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] على الإسلام ولم يكن في زمانه أحد على الإسلام غيره.
قلت: [ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم من أنه كان إمامًا يقتدى به في الخير] هذا في أول الأمر، ففي أول دعوته وأول أمره ما كان على الإسلام غيره، ثم إنه آمن له لوط وهو ابن عمه، فأرسله الله جل وعلا إلى أمة من الناس كما قص الله جل وعلا علينا ذلك، ثم وهبه الله جل وعلا الأبناء الذين صاروا هم آباء الرسل، فكل رسول جاء بعد إبراهيم من أولاده، إلى خاتمهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إلا أن الرسل السابقين من بني إسرائيل كلهم من أولاد إسحاق، وأما محمد صلوات الله وسلامه عليه فهو من ولد إسماعيل، فإسماعيل الذي هاجر به هو ابن هاجر التي وهبتها زوجته سارة له، فلما حصل الحمل ووجد غارت؛ لأنها لم تحمل بعد، فغارت من ذلك، فأمره الله جل وعلا أن يهاجر بها، فذهب بها ومعها ابنها طفل يرضع إلى مكة، ولم يكن فيها أنيس ولا جليس، فوضعهما عند مكان البيت وولى راجعًا إلى الشام، وصارت تناديه يا إبراهيم! إلى من تتركنا؟! فلما لم يجبها قالت له: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم.
عند ذلك رجعت وقالت: إذًا لا يضيعنا الله.
فرجعت، وكان معها جراب فيه تمر وسقاء فيه ماء، فصارت تأكل من التمرات وتشرب من الماء حتى نفد، فلما نفد التمر والماء نشف ضرعها، فعطش الصبي فأدركه الموت وصار يعاني شدة، فكرهت أن تجلس عنده تنظر وهو يموت، فنظرت فإذا أقرب مرتفع إليها هو الصفا، وصعدت لعلها ترى أحدًا وتطلع، فلما لم تر أحدًا نزلت متجهة إلى المروة، ولما وصلت إلى بطن الوادي ركضت ركض المجهود، وسعت سعيًا شديدًا إلى أن وصلت إلى المروة، وصعدت فصارت تتطلع فما رأت شيئًا، وفعلت هذا سبع مرات، وفي السابعة سمعت صوتًا فقالت لنفسها: صه.
ثم سمعت فقالت: لقد أسمعت، فإن كان عندك فأغث.
فنظرت فإذا جبريل ﵇ عند الصبي، فذهبت إليه، فبحث الأرض فنبع الماء، فصارت تكفكف التراب عليه لئلا يسيل، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ: (رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت عينًا معينًا)، ثم صارت تشرب وتدر على صبيها، ثم جاء قوم من جرهم ونزلوا في أسفل الوادي، ورأوا الطير تحوم، فأرسلوا واردهم فأخبرهم بالماء، فجاؤوا يستأذنونها أن ينزلوا عندها فأذنت وقالت: لا حق لكم في الماء تعني: ما تملكون شيئًا منه، وتشربون ولا تملكون.
فشب إسماعيل ﵇، وتزوج منهم، وتعلم العربية منهم.
[ ١٦ / ٦ ]
السابقون إلى الجنة وكيف حققوا التوحيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩]].
هذا أيضًا من أوصاف المؤمنين الذين يسبقون إلى الجنة، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧]، والخشية: هي انفعال القلب تأثرًا بحب الله جل وعلا وإقبالًا عليه ورجاء لثوابه وخوفًا من عذابه، ثم التزام أوامره والابتعاد عن نواهيه.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:٥٨]، والإيمان يقتضي العمل، والآيات يقصد بها الآيات الكونية والآيات الشرعية، والكونية تستلزم الإيمان بالأقدار وأنها تكون لله جل وعلا، وأن كل شيء يوجد فهو بقدر الله جل وعلا وتكوينه وإرادته، فهم يؤمنون بذلك، والشرعية تستلزم التزام الأمر واجتناب النهي ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩]، فمدحهم باجتناب الشرك وتركه، وهذا يدلنا على أن الذي يجتنب الشرك كله دقه وجله قليله وكثيره يكون من خواص المؤمنين، فيكون من الذين حققوا التوحيد فيسبقون إلى الجنة، وهذا هو وجه الاستدلال بالآية على الباب، وهو أن من حقق التوحيد دخل الجنة؛ لأنه أثنى عليهم باجتناب الشرك، فدل على أن اجتناب الشرك كله يقتضي أن يكون الإنسان محققًا للتوحيد، ويكون توحيده خالصًا لله جل وعلا، فيكون من السبعين ألفًا الذين يسبقون إلى الجنة.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بالصفات التي أعظمها أنهم بربهم لا يشركون، ولما كان المرء قد يعرض له ما يقدح في إسلامه من شرك جلي أو خفي نفى ذلك عنهم، وهذا هو تحقيق التوحيد الذي حسنت به أعمالهم وكملت ونفعتهم.
قلت: قوله: حسنت وكملت.
هذا باعتبار سلامتهم من الشرك الأصغر، وأما الشرك الأكبر فلا يقال في تركه ذلك، فتدبر.
ولو قال الشارح: صحت لكان أقوم].
يعني أن الشرك الأكبر اجتنبوه فسلموا من الكفر والخلود في النار فقط، وليس فيه أنهم دخلوا في السبعين ألفًا وسبقوا إلى الجنة؛ لأن اجتناب الشرك الأكبر لا يقتضي اجتناب الأصغر، ولا ترك الذنوب التي يعاقب عليها الإنسان.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن كثير ﵀: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩] أي: لا يعبدون مع الله غيره، بل يوحدونه، ويعلمون أنه لا إله إلا الله، أحد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأنه لا نظير له].
يعني أن هذا يقتضي التوحيد بأقسامه، فقوله: (يعبدونه وحده) مع قوله: (وأنه أحد صمد لا نظير له) يشير بالأول -أنهم يعبدونه- إلى الإخلاص في العبادة وتوحيد الإلهية، ويشير بالثاني إلى الإخلاص في توحيد الصفات والأسماء، وأنه جل وعلا أحد صمد لا شريك له في أحديته وصمديته أيضًا، فيسلم من الشرك في الأقسام الثلاثة كلها.
[ ١٦ / ٧ ]