أخوف ما يخاف على الصالحين الشرك الأصغر، وهو الرياء، وهو أعظم من كبائر الذنوب كالزنا والربا، فيجب على المسلم معرفة التوحيد ليحقق الإخلاص الذي هو طريق الخلاص.
[ ٢٠ / ١ ]
الخوف من الشرك الأصغر
قال المصنف ﵀: [وقال الخليل ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، وفي الحديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه، فقال: الرياء)].
قال الشارح ﵀: [أورد المصنف هنا الحديث مختصرًا غير معزو، وقد رواه الإمام أحمد والطبراني والبيهقي، وهذا لفظ أحمد، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا ليث عن يزيد -يعني: ابن الهاد - عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟)، قال المنذري: ومحمود بن لبيد رأى النبي ﷺ، ولم يصح له منه سماع فيما أرى، وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال: له صحبة.
ورجحه ابن عبد البر والحافظ، وقد رواه الطبراني بأسانيد جيدة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج، مات محمود سنة ست وتسعين -وقيل: سنة سبع وتسعين- وله تسع وتسعون سنة].
[ ٢٠ / ٢ ]
تعريف الصحابي وبيان فضله
الصحابي هو من رأى النبي ﷺ مؤمنًا به مات على ذلك، وقد يكون الصحابي صغيرًا، وقد يراه ولا يسمع منه، فما يحمل عنه العلم، ولكنه يحمل عن الصحابة.
والصحابة كلهم عدول بتعديل الله إياهم، فلا يجوز النظر في أحدهم هل هو ثقة أو غير ثقة؛ لأن الله رضيهم لصحبة نبيه، وأثنى عليهم في كتابه، فتعديل الله أولى وأحق من تعديل الخلق، وإنما يكون النظر فيمن عداهم، وهذا الحكم في الصحابة ينطبق عليهم سواءٌ تحمل أحدهم الحديث بنفسه أو تحمله عن غيره؛ لأنه لا يتحمل إلا عن الصحابة، أما لو قدر أن صحابيًا أخذ عن تابعي فهذا لا بد من النظر فيه هل التابعي هذا ثقة أو غير ثقة، أما الصحابة فلا ينظر فيهم؛ لأنهم كلهم عدول بتعديل الله جل وعلا لهم، وإذا كان محمود بن لبيد قد رأى النبي ﷺ وهو مؤمن به فهو من الصحابة، ولكن إذا كان -كما قال بعض العلماء- لم يسمع من النبي ﷺ فتكون أحاديثه بواسطة الصحابة قد سمعها من غيره، فإذا قال: قال الرسول كان قد أسقط الواسطة، ولا حاجة إليها؛ لأنه أخذ عمن هو عدل، ولا ينظر فيه، فيكون الحديث في ذلك صحيحًا لا مطعن فيه.
فالقول الصحيح في تعريف الصحابي عند العلماء أنه: من رأى النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، وهذا القيد الأخير يخرج الذين ارتدوا إذا وجد ذلك، ولم يعلم أن أحدًا من الصحابة ارتد إلا اثنين أو ثلاثة فقط خذلهم الله جل وعلا وماتوا كفارًا، أحدهم كان يكتب الوحي، فكان إذا جاء مثل (وكان الله عزيزًا حكيمًا) يقول للنبي ﷺ: أكتب (عزيزًا حكيمًا) أو (سميعًا عليمًا) أو (سميعًا بصيرًا)؟ فيقول: اكتب ما تشاء فوقع في نفسه أن الرسول ﷺ ما يدري، فصار يقول: أنا الذي أكتب ما أريد، والرسول لا يعلمني شيئًا.
فوقع في نفسه الغرور، وجاءه الشيطان وغره، فارتد وهرب إلى الكفار، فأدركه الموت فصار كلما دفنوه لفظته الأرض، حتى أصبح آية من آيات الله، كلما دفن أخرجته الأرض ولفظته، فترك على وجه الأرض تأكله الكلاب، وهذا واحد.
أما الثاني فهو ابن أبي السرح، وقد رجع وتاب، ولا أعلم أحدًا غيرهما، أما قوله ﷺ الذي في الصحيحين: (إني أكون قائمًا على الحوض أذود عنه رجالًا، فيأتي قوم أعرفهم، فإذا عرفتهم حال بيني وبينهم رجل، فأقول: إلى أين؟ فيقول: إلى النار والله.
فأقول: أليسوا بأصحابي؟! فيقول: إنك لا تعرف ما صنعوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم، فأقول: سحقًا سحقًا) فالمقصود أنه عرفهم من أمته، وليسوا من أصحابه، وقد عرفهم بآثار الوضوء، ولا يلزم أن يكونوا في جهنم خالدين، ولكنهم يحرمون من ورود الحوض ويدخلون في النار، ثم بعد ذلك يخرجون إذا لم يكن معهم شرك كغيرهم.
أما الصحابة فقال أبو زرعة ﵀وكذلك ابن حزم -: إنهم في الجنة قطعًا، وهم أولى من يكونوا فيها؛ لأنهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ، ومات رسول الله ﷺ وهو راض عنهم، وهم الذين نشروا الدين وبلغوه الأمة بعد الرسول ﷺ.
ولهذا ما تجد منهم من مات في المدينة أو في بلده إلا النادر، ولو حسب الذين ماتوا في المدينة ما يتجاوزون مائة من الصحابة، هذا مع أن الصحابة كثير، قال أبو زرعة: كانوا مائة ألف الذين مات عنهم الرسول، وقال غيره: ثلاثمائة ألف الذين مات عنهم رسول الله ﷺ.
وكلهم أين ماتوا؟ بعضهم في شرق الأرض، وبعضهم في غربها، وبعضهم في شمالها، كلهم خرجوا إلى الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، فماتوا في بلاد شاسعة جدًا، يتعجب الإنسان كيف وصلوا إلى تلك البلاد وهم على أرجلهم وعلى خيولهم وعلى ركائبهم، وذلك لأن أحدهم يخرج ولا يريد أن يرجع، يخرجون إلى الجهاد في سبيل الله وهم يقولون: قد حملنا ربنا جل وعلا رسالة لا بد أن نبلغها خلقه أو نقضي دونها.
أي: نموت دونها.
هذا شأنهم، وهذا ما كانوا يقولونه دائمًا رضوان الله عليهم، فلهذا حبهم إيمان وبغضهم كفر ونفاق.
[ ٢٠ / ٣ ]
الشرك الأصغر مخوف على الصحابة
قال الشارح ﵀: [وقول النبي ﷺ: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر.
فسئل عنه فقال: الرياء) قال الشارح ﵀: هذا من شفقته ﷺ بأمته ورحمته ورأفته بهم، فلا خير إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا شر إلا بينه لهم وأخبرهم به ونهاهم عنه، كما قال ﷺ فيما صح عنه: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم) الحديث، فإذا كان الشرك الأصغر مخوفًا على أصحاب رسول الله ﷺ مع كمال علمهم وقوة إيمانهم فكيف لا يخافه وما فوقه على من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟ خصوصًا إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله! وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عن حذيفة بن اليمان عن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الشرك أخفى من دبيب النمل، قال أبو بكر: يا رسول الله! وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله أو ما دعي مع الله؟ قال: ثكلتك أمك! الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل) الحديث، وفيه: (أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان).
انتهى من الدر].
الشرك الخفي قسيم للشرك الأصغر، وقد يكون قسمًا ثالثًا؛ لأن الخفي قد يكون كبيرًا وقد يكون صغيرًا، وسمي خفيًا لأنه لا يعلمه إلا الله، فالمقصود بهذا شرك النيات، الشرك الذي يكون في المقاصد والنية، فهذا تنطوي عليه نية الإنسان، لهذا قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، مثل الآية التي هي قوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، فهذا من الشرك الخفي وهو شرك أكبر، كما جاء تفسيره عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم فسروه بمن يعمل أعمالًا ظاهرها صالح يراد بها وجه الله وهو في نيته لا يريد بها إلا الدنيا فقط، ومثل العلماء لذلك بأشياء كثيرة، كمن يصلي إمامًا للناس من أجل الراتب الذي يأخذه، ولو انقطع ذلك لترك الإمامة، ومقصودهم بذلك إذا كان هذا الشيء الذي يأخذه من الناس أنفسهم وليس من بيت المال؛ لأن هذا من الأمور التي ينفق عليها بيت المال؛ لأنها من مصارف المسلمين العامة، ولكل أحد حق فيها، ولكن إذا قدر أن أناسًا يقومون بالتبرع لإمام يصلي، فهذا الذي يصلي لأجل ذلك في الواقع يصلي لأجل الدنيا، وإن كان ظاهر عمله أنه صالح وأنه يريد نيل الآخرة؛ لأنه إذا صار العمل فيه اشتراك بين الرب جل وعلا وبين مقاصد أخرى أو وجوه الناس فهو متروك، فالله يتركه لصاحبه، فهذا شرك خفي، وكذلك إذا كان الإنسان يعلم وقصده في التعليم أن يظهر على الناس ويشار إليه ويعظم ويقال: إنه عالم.
إنه كذا وكذا.
فهذا مراده، ولكن هذا في نيته، فنيته خفية ما يعلمها إلا الله، وهذا بينه وبين الله، والناس ليس لهم إلا الظاهر، فمثل هذا أيضًا من الشرك الخفي، وقد يكون أكبر، وقد يكون أصغر إذا كان الأمر تابعًا، والعمل لا يقبل إلا إذا كان خالصًا لله جل وعلا، أما إذا كان فيه إشراك لغير الله جل وعلا فهو مردود على صاحبه، والله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه، فهو طيب لا يقبل إلا طيبًا تعالى وتقدس.
يقول الله في الحديث القدسي الذي يرويه رسوله ﷺ عنه: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، وسبق الحديث أنه يقول جل وعلا للمرائي يوم القيامة: (اذهب إلى من كنت ترائيهم في الدنيا فاطلب أجرك عندهم)، ومعنى هذا أنه يرد العمل على صاحبه، وهذه مشكلة في الواقع، فيجب أن تخلص الأعمال كلها لله، أما إذا جاءت أمور أخرى فيجب ألا تكون مقصودة، كالذي -مثلًا- يأخذ المال ليحج يريد الحج ويريد المال، فالذي يأخذ هذا المال والأمر في نيته خفي ونيته خفية إن كان قصده بالحج المال وما يريد إلا المال فهذا حج باطل وعمل شركي، ولا يقبل منه، أما إن كان يأخذ المال ليتقوى به وليذهب إلى المناسك والمشاعر المعظمة، ويدعو الله لعل الله جل وعلا أن يقبله ويقبل من دفع المال فهذا حجه صحيح ونيته سليمة، فالمقصود أن هذا من الشرك الخفي، فهو يتعلق بنية الفاعل، فالذي يفعل الأفعال التي ظاهرها صالحة، ولكن النية لا يعلمها إلا الله، ولهذا سمي شركًا خفيًا.
ومنه أيضًا حب الرئاسات، وحب المدح والثناء، فإن هذا يسمى الشهوة الخفية؛ لأن النفوس تحب ذلك وتشتهيه، وغالبًا مثل هذه الأمور يتوصل إليها بالأعمال الصالحة، وإذا كان الإنسان يقصد بالعمل الصالح أن يصل إلى هذه المقامات فعمله شرك، وهو على حسب ما يقوم في نفسه، إن كان يريد بقصده ونيته هذا الشيء فهو من الأمور المعظمة، أما إن كان الأمر مشتركًا بين هذا وهذا فهذا للغالب عليه، وقد يكون العمل مردودًا لهذا الاشتراك.
[ ٢٠ / ٤ ]
حديث: (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار)
قال المصنف ﵀: [وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار) رواه البخاري].
الند هو المنادد، أي: المناظر والمماثل ولو في صفة من الصفات و(ند الشيء) نظيره ولو في صفة من الصفات، ولا يمكن أن يكون المخلوق مماثلًا للخالق في وجوه شتى، وإنما قد يكون المشرك يجعله مماثلًا له في الفعل الذي يفعله، ولا يلزم أن يعتقد أنه منادد لله، بل إذا جعل له شيئًا مما يجب لله فقد جعله ندًا، كما قال الرجل للرسول ﷺ: (ما شاء الله وشئت.
فقال: أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده)؛ لأنه شرك بينه وبين الله بالواو التي تقتضي الجمع والمشاركة، ولو بالفعل، وإن كان فعله متميزًا وفعل الله متميزًا عنه، ولكن الجمع الظاهر يقتضي ذلك، ولهذا قال: (أجعلتني لله ندًا؟).
وكذلك إذا أضاف الإنسان الأمور إلى الأسباب الظاهرة، فإنه يكون قد جعل لله ندًا، ولهذا جاء في الحديث عندما أمطروا ليلة الحديبية وصلى بهم النبي ﷺ الصبح وقال: (أتدرون ماذا قال ربكم البارحة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك مؤمن بالكوكب وكافر بي)، ومعلوم أن الناس لا يعتقدون أن الكواكب هي التي تنزل المطر، ولكن يضيفون المطر إلى طلوعها أو غروبها فقط، ويقصدون بذلك أن هذا الوقت جاء فيه المطر، فأضافوه إلى الكوكب وإلى النوء، فأصبحت هذه الإضافة -وإن كانت بهذه المثابة- من الكفر؛ لأنها تنديد، وذلك أنهم أضافوا رحمة الله ونعمته إلى غيره من المخلوقات، ومثله أن يقول: لولا الله وفلان لصار كذا وكذا.
أو يقول مثلًا: لولا البط في الدار لدخل اللصوص.
ولكن البط ينبه، ومثل أن يقول مثلًا: لولا أن السيارة جديدة ما وصلنا في هذا الوقت إلى هذا المكان.
وما أشبه ذلك من إضافة النعم التي تحصل للإنسان إلى الأسباب، فهذا من التنديد بالألفاظ، وهو نوع من أنواع الشرك؛ لأن الشرك يكون باللفظ، ويكون بالفعل، ويكون بالنية والقصد، وإذا سلم الإنسان من هذه الأمور من الأفعال التي تكون مُشّرَّكة بين الله وبين المظاهر الأخرى من المقاصد والأقوال، إذا سلم من الأفعال المشركة والمقاصد والأقوال فقد سلم من الشرك دقيقه وجليله، فالشرك جليل ودقيق، وظاهر وخفي، ويجب على الإنسان أن يعتني بهذا الأمر أشد العناية، والرسول ﷺ كان يعتني بذلك، ويعلم الأمة هذه الأمور، ويحذرهم من الشرك، كما قال في هذا الحديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، وكذلك الحلف بغير الله فإنه من هذا القبيل، كأن يحلف بالنبي أو يحلف بأبيه أو بأمه أو بالأمانة أو بالكعبة أو ما أشبه ذلك؛ فإن الحلف بغير الله من التنديد وشرك الألفاظ، وإن كان لم يقصد بالحلف أن هذا المحلوف به يستطيع أن يوقع العذاب به إذا كان كاذبًا، أما إذا كان يعتقد هذا فهذا من الشرك الأكبر؛ لأن هذا معناه أنه جعل لهذا المحلوف به ما لله جل وعلا، والله وحده هو الذي يطلع الغيب ويعلم ما في النفوس، وإذا كان الإنسان كاذبًا فإن الله جل وعلا يعاقبه ويعذبه على ذلك، إذا كان الإنسان إذا حلف بالمخلوق يعتقد أن المخلوق بهذه المثابة صار حلفه ليس من الشرك الأصغر بل من الشرك الأكبر، ولهذا يقول ابن عباس في قوله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يقول: أتدري ما الأنداد؟ الأنداد أن تقول: لولا الله وفلان، لولا البط في الدار لدخل اللصوص.
لولا الكلب لعدى علينا السبع.
لولا كذا لصار كذا.
وهذا يقوله الناس ويكثر في أقوالهم، فهم يجعلون ما يحصل لهم من الخير بسبب أمر من الأمور التي قد تكون سببًا وقد لا تكون سببًا، والأسباب كلها بيد الله هو الذي جعلها أسبابًا، وإذا شاء أن يعطلها عطلها، وإذا شاء أن يوجد موانع تمنع حصول ما يترتب على السبب أوجد ذلك، فالأمر بيده، ويجب أن يرد الشيء إليه، ولهذا يستحب إذا أراد الإنسان أن يضيف شيئًا إلى شيء أن يقول: لولا الله ثم كذا وهذا في الأمر الذي يكون سببًا لحصوله، أما الأمر الذي يتعلق بنفس الإنسان وبفعله فالشيء الذي مضى لا يعلق، فلا يقال لمن يسأل: متى قدمت؟ أو على أي شيء قدمت؟ فيقول: قدمت إن شاء الله أمس.
أو قدمت إن شاء الله على الطائرة.
أو قدمت إن شاء الله على السيارة.
هذا ما يعلق بالمشيئة؛ لأن هذا قد حصل، والأمور التي حصلت ومضت قد علمنا أن الله شاءها، ولولا مشيئة الله ما حصلت، فيقول: قدمت على كذا وكذا بدون أن يقول: إن شاء الله، وإنما يقال هذا في الأمور المستقبلة، وكذلك إذا كان السبب الذي يذكر لا يجوز أن يكون مستقلًا، فيجب أن يقول: لولا الله ثم فلان، ثم كذا وكذا؛ لأن هذا فعل وقع بسبب، بخلاف الشيء الذي يقع من الإنسان نفسه وقد مضى، فإن هذا علمنا أن الله شاءه، ولولا مشيئته ما حصل.
[ ٢٠ / ٥ ]
معنى الند
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم ﵀: الند الشبيه، يقال: فلان ند فلان ونديده أي: مثله وشبيهه انتهى].
المقصود شبيهه بالفعل أو شبيهه بالحق الذي جعل له، أو شبيهه بالقصد الذي قصد إليه، أما أن أحدًا يقول: إن المخلوق شبيه لله جل وعلا فهذا لا يقوله مؤمن، لا أحد يقول ذلك، فالمخلوق لا يكون ندًا لله، والكفار المشركون الذين بعث فيهم الرسول ﷺ ما كانوا يقولون: إن الأشجار والأحجار والمقبورين والملائكة والجن والأنبياء إن أحدًا منهم شبيه لله، ما كانوا يقولون هذا أبدًا، ولكن كانوا يقولون: هؤلاء وسائطنا إلى الله، ويسمونها آلهة، بمعنى أنها تقبل الوساطة وتشفع، فهم يتألهونها من هذا المعنى، ولهذا يقول الله جل وعلا عنهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣]، ومعنى هذا أنها ليس لها شيء من معنى هذا الاسم، فتسميتها آلهة كذب وضعوه على غير موضعه؛ لأن الإله هو الذي يملك ويخلق ويرزق، يملك للمتأله النفع والضر، أما هؤلاء فليس لهم من ذلك شيء، وكذلك قوله جل وعلا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يعني: ما نقصد عبادتهم لأنهم يستحقون العبادة، أو لأنهم آلهة يعبدون، أو لأنهم شركاء مع الله، لا.
بل كما يقول كثير ممن يتوسل بالقبور اليوم: نجعلهم وسيلة لنا، نتوسل بهم، هذا معنى كلام أهل الجاهلية: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) يعني: يشفعوا لنا.
هذا معناه وحقيقته، والشرك الذي وقع في بني آدم أصله طلب الشفاعة فقط، لا أحد أبدًا من بني آدم اعتقد أن مخلوقًا يساوي الله جل وعلا ويشابهه، ولا يعقل هذا، وإنما لما صرفوا ما هو من حق الله إلى هذه المخلوقات صاروا بذلك مؤلهين لها عابدين لها جاعلينها أندادًا لله في هذا الفعل فقط، هم الذين اعتقدوا هذا، وإلا فهي في الواقع ليس لها من هذا المعنى شيء، وهو كذب وزور.
فمعنى قول ابن القيم أن يجعله شبيهًا ونظيرًا لله في عقيدته أن يجعل له ما لله، هذا هو المقصود، وإلا هو في نفسه لا يعتقد أن أحدًا من الخلق يكون شبيهًا لله جل وعلا وتقدس.
فمعنى قوله جل وعلا: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يعني: في الدعاء، وفي الشفاعة، وفي التشفع ولهذا قال قبل ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] يعني: إنكم تعترفون أنه ليس مع الله خالق خلقكم، ولا معه خالق خلق من قبلكم، فكيف إذًا تدعون معه غيره؟ فالدعاء يجب أن يكون لمن يتصرف التصرف الكامل بالإيجاد وبالنفع، وكذلك بدفع الضر، أما إذا كان الذي يقصد بالدعاء ما يستطيع أن يفعل ذلك فهذا ضلال.
ثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢] يعني: هل أحد مع الله تعالى فعل ذلك؟ هم يعترفون تمامًا أن هذا مما انفرد الله جل وعلا به وحده، ثم قال: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢] يعني: إنكم تعترفون أن هذا فعل الله وحده، وليس معه من يفعل ذلك.
ثم بعد هذا يقول: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يعني: أنتم تعلمون أنه هو الفاعل لما ذكر وحده، ولا مشارك له في ذلك، وإذا كان ليس له مشارك في ذلك فكيف تدعون غيره؟ هذا المدعو فقير مثلكم، لا يستطيع أن يجلب لنفسه نفعًا ولا يدفع عنها ضرًا، فهو مثلكم، فلماذا تتجهون إليه بالدعاء وتزعمون أنه يشفع لكم؟! فهذه الأنداد قصدت في الدعاء وفي الشفاعة، وكونهم يدعونهم ليشفعوا لهم؛ ولهذا يقول العلماء في قوله جل وعلا عن الكفار لما كانوا في جهنم يخاطبون من كانوا يدعونهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] يقولون: ما سووهم برب العالمين في الخلق والإيجاد والفعل والصفات، وإنما سووهم برب العالمين في المحبة والدعاء فقط، وهذا هو التنديد الذي وقع للمشركين قديمًا وحديثًا.
وفي الآية الأخرى يقول جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فأخبر أن الأنداد في الحب فقط، (يحبونهم كحب الله) ليس في الخلق والإيجاد والتصرف، أما هذا فما قاله أحد من الخلق، وكثير من الناس اليوم يعتقد أن المشركين كانوا يعتقدون أن الحجارة تخلق وترزق وتحيي وتميت وكذلك الشجر، هذا ما اعتقده عاقل أبدًا، والمشركون القدامى أعقل من هؤلاء بكثير، ولهذا كانوا إذا وقعوا في الشدائد ووقع لهم اضطرار أخلصوا الدعاء لله جل وعلا وتركوا كل ما يقصدونه من دون الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، يخلصون له الدعوة وحده، أما هؤلاء ففي الواقع أنهم إذا وقعوا في الكربات أخلصوا الدعاء لغير الله، فتجد أحدهم يبكي ويضرع ويخشع عند القبر، يبكي بكاءً ما يكون في المسجد بين يدي الله؛ لأنه يخاف صاحب القبر أكثر من خوفه من الله! فهؤلاء ما فعل مثل فعلهم أحد من المشركين كـ أبي جهل وإخوانه.
وعلى كل حال فالتشبيه والتنديد يجب أن يفهم أنه في الدعاء وفي الطلب وفي المحبة، لا في كونهم شبهوا المخلوق بالله جل وعلا وجعلوه شبيهًا له في الإيجاد والإعدام والتصرف، أو في الصفة أو الذات، هذا ما قاله أحد من الخلق.
[ ٢٠ / ٦ ]
التحذير من الشرك الأكبر
قال الشارح ﵀: [وقوله ﷺ: (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا -أي: يجعل لله ندًا في العبادة، يدعوه ويسأله ويستغيث به- دخل النار)، قال العلامة ابن القيم ﵀: والشرك فاحذره فشرك ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران وهو اتخاذ الند للرحمن أيًا كان من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ويحبه كمحبة الديان].
إذا جاء الرجاء والخوف فلا بد أن يكون هناك محبة، إذا كان الإنسان يرجو الشيء أو يخافه فلا بد أن يكون معه محبة، إلا أن يكون المخوف ظالمًا متجبرًا فإنه يخافه وقلبه يلعنه، فمثل هذا ليس فيه شيء من العبادة، وخوفه هذا يكون خوفًا طبيعيًا ليس خوف عبادة، وإنما هو الخوف إذا كان مخالطًا له الحب والرجاء، وكذلك إذا كان يرجو شيئًا ولا يحبه قلبه فإن هذا لا يكون عبادة، وإنما هذا لأنه سبب فقط، والإخلاص أن يكون الإنسان خوفه ورجاؤه لربه جل وعلا لا يخاف غيره.
ومعنى ذلك أنه ينظر إلى الأسباب على أنها أسباب جعلها الله جل وعلا أسبابًا، ويجوز أن يوجد بها ما رتب عليها ويجوز ألا يوجد، وإذا حصل شيء من الأمور بسبب من الأسباب على يد إنسان يشكره لأنه سبب، لا لأنه هو الذي استقل بذلك، بل يشكره ويحمده لأن الله جل وعلا جعله سببًا، ولكن حبه ونظره في التصرف والإيجاد والنعمة إلى الله وحده جل وعلا، فالأسباب لا تنافي الإخلاص في النظر إليها، فالاعتماد على السبب شرك، وتعطيل السبب وعدم الالتفات إليه قدح في الشرع وفي العقل؛ لأن الله جل وعلا جعل لكل شيء سببًا، وأمرنا ببذل الأسباب، ولكن أمرنا أن نعتمد عليه ونعلم أن الإيجاد والإعدام والإنعام وكذلك المنع والعطاء من الله، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى جل وعلا.
فأما أن يكون الإنسان يخاف من سبع أو من حية أو من ظالم أو ما أشبه ذلك فهذا أمر جبلي طبعي طبع الإنسان عليه، ولا يلام على ذلك؛ لأن المحذور هو أن يكون مع الخوف محبة وتأله، بأن يتألهه قلبه، وهذا الذي لا يجوز أن يكون إلا لله وحده، ومثله الحب، ومثله الرجاء، بل كل أفعال القلب من هذا القبيل، فيجب أن يفرق بين ما هو جائز وما هو ممنوع، فربنا جل وعلا أخبرنا عن موسى ﵇ أنه خرج من بلد فرعون وقومه خائفًا يترقب، خائفًا منهم يترقب وينظر ويتلفت، وهذا من الأسباب، وخوفه منهم ليس عبادة لله، ولكن لأنهم ظلمة، ولأنهم يستطيعون أن ينفذوا ما يقولون وما يفعلون وما يريدون فعله، فهو يخافهم لأنهم ظلمة، وكثير من الناس يقول: الذي لا يخاف الله خف منه، فهذا الكلام باطل، فلا تخف منه، لا تخف إلا من الله جل وعلا، ولكن إذا كان الإنسان تحت يدي ظالم متسلط فإن خوفه منه خوف طبيعي، ولا يكون ذلك ضائرًا له، وليس خوفه خوفًا قلبيًا يختلط بالحب وبالرجاء، بل هو يخافه وقلبه يلعنه.
[ ٢٠ / ٧ ]
نوعا اتخاذ الند
قال الشارح ﵀: [واعلم أن اتخاذ الند على قسمين: الأول: أن يجعله لله شريكًا في أنواع العبادة أو بعضها -كما تقدم-، وهو شرك أكبر.
والثاني: ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرياء، فقد ثبت أن النبي ﷺ لما قال له رجل: (ما شاء الله وشئت قال: أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده)].
النوع الثاني لا يخرج الإنسان من الدين الإسلامي، النوع الثاني يكون تنديدًا ولكنه شرك أصغر، وإذا وقع من الإنسان فالإنسان يكون مسلمًا، وليس خارجًا من الإسلام بذلك، ولكنه في الواقع ارتكب ذنبًا عظيمًا يجب عليه أن يتوب منه، فإن مات وهو غير تائب بل مصر على هذا الأمر فأمره إلى الله، ولا يقال: إنه في النار.
بل يكون أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه بدون عذاب، ثم مآله إلى الجنة، بخلاف القسم الأول الذي هو الشرك الأكبر، فمن مات عليه فهو في النار قطعًا خالدًا فيها، ولا يمكن أن يدخل الجنة؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا أن الجنة حرام على المشركين، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢]، فالجنة حرام على من يموت على الشرك الأكبر، فالله جل وعلا أخبرنا أن من يموت على الشرك أن الله لا يغفر له، ففي هذا الحال نقطع قطعًا يقينيًا بأن من يموت على الشرك الأكبر أنه خالد في النار، وإن كان يصلي، وإن كان يزكي، وإن كان يقول: (لا إله إلا الله)، لا يفيده كل هذا؛ لأن المقصود بـ (لا إله إلا الله) وبالأفعال هذه أن تقوم على الإخلاص، فالذي يفعل الشرك ويكفر ويقول: (لا إله إلا الله) معناه أنه ما عرف معنى (لا إله إلا الله)، ولم يأت بما دلت عليه، وإنما جاء بالمتناقضات، فهذا لا يفيده، مع أن اليهود يقولون: (لا إله إلا الله)، وهم في النار.
ولا يغتر الإنسان بما يفهمه بعض الجهلة من أن من قال: (لا إله إلا الله) حرم على النار، وأنه يخرج من النار من قال: (لا إله إلا الله)، فالمقصود في هذا غير مشرك؛ لأن من شرط (لا إله إلا الله) أن تقع من غير مشرك؛ لأنها تنفي الشرك، وإلا فما هي الفائدة في قولها إذا كان الإنسان يقولها وهو يشرك؟ وقد علم هذا في وضعها، ولكن يعلمه أهل اللغة، أما الذين فسدت ألسنتهم وأصبحوا لا يفهمون معنى الكلام فهم يقولون: (لا إله إلا الله) وهم يعبدون أصحاب القبور، فيأتون بالمتناقضات، وقد مر معنا أن الرسول ﷺ قال لعمه عند موته: (قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)، فقال له جلساء السوء أصحابه المشركون: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وما معنى هذا؟ معنى هذا أنه لو قال هذه الكلمة لخرج من دينهم ودخل في دين آخر، وهذا هو الذي تنفعه كلمة (لا إله إلا الله)، الذي يفهم أنه إذا قالها خرج من دين الكفار كله ومن دين المشركين كله ودخل في دين محمد صلوات الله وسلامه عليه الذي جاء به، فلما أعاد عليه أعادوا عليه الكلام، ففي النهاية قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقولها ومات على ذلك.
فلا يجوز للمسلم أن يكون أبو جهل وعتبة بن ربيعة أعلم منه بمعنى (لا إله إلا الله)، وللأسف فإن كثيرًا ممن يدعي الإسلام أولئك أعلم منهم بـ (لا إله إلا الله)؛ لأنهم أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم فعلموه، لهذا لما قال لهم النبي ﷺ: (قولوا: لا إله إلا الله) قالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا.
أنكروا هذا لأنهم يعلمون أنهم إذا قالوا هذه الكلمة اتجهوا إلى إله واحد فقط وهو الله وحده.
[ ٢٠ / ٨ ]
دعاء غير الله شرك أكبر
قال الشارح ﵀: [وفيه بيان أن دعوة غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، كطلب الشفاعة من الأموات؛ فإنها ملك لله تعالى وبيده، ليس بيد غيره منها شيء، وهو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيمن لقي الله بالإخلاص والتوحيد من أهل الكبائر، كما يأتي تقريره في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى].
الشفاعة في الواقع هي أصل الشرك قديمًا وحديثًا؛ لأنه لا أحد من الخلق يقول: إن أحدًا من هذه التي تدعى ويتجه إليها مثل الله في التصرف وفي الإيجاد وفي الخلق أو في الذات أو في الصفات، لا أحد يقول هذا، وإنما يعتقدون أنها مقربة لهم عند الله، وأنهم إذا طلبوا منها شيئًا فهي تطلب بدورها من الله، والله يعطيها لكرامتها عليه، هذا هو أصل عقيدة المشركين قديمًا وحديثًا، وقد بين الله جل وعلا أن هذا باطل، وأن الشفاعة لا تقع إلا بإذنه ولمن رضيه.
فالشفاعة التي جاءت في القرآن جاءت على قسمين: شفاعة منفية، وهي التي يزعم المشركون أنها تقع لأصنامهم ولمن يدعونه ولو لم يأذن الله جل وعلا، فهذه نفيت، قال الله جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤]، فأخبر أن الشفاعة كلها له، ولا يوجد شفاعة يملكها غيره، وهذا لا ينافي كون الله جل وعلا يأذن لمن يشاء أن يشفع، ولكن إذنه بشفاعة الشافع لا يقع إلا بشرطين قد ذكرهما الله جل وعلا في القرآن: الشرط الأول: إذنه لمن يشفع أن يشفع كما قال جل وعلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهذا استفهام إنكاري، يعني: لا يمكن أن يقع هذا الشيء من شافع يشفع إلا أن يأذن الله له.
فهذا شرط.
الشرط الثاني: أن يكون الله راضيًا عن المشفوع له، كما قال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].
فالإذن والرضا شرطان، يقول الله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨]، فقوله: (إلا من أذن له الرحمن) يعني: في الشفاعة، وقوله: (وقال صوابًا) يعني المشفوع له قال صوابًا، يعني: قال الحق وقال التوحيد، ورضي الله عنه.
فلا بد من هذين الشرطين، وبذلك يبطل ما يتعلق به هؤلاء الذين يزعمون أن أحدًا من الخلق يشفع لهم ولو لم يأذن الله جل وعلا، وكثير من الناس يزعم أنه إذا اتجه إلى النبي ﷺ ودعاه يكفيه هذا، وقد نشرت بعض الكتب التي يكتبها بعض من يعد من العلماء، وقال فيها: نحن نعبد الله ونعبد الرسول.
يصرح صراحة ويقول: نعبد الله ونعبد رسوله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح:٩]، فجعل التسبيح للرسول كالتعزير والتوقير، وهذا فهم عجيب وكذلك يقول: إننا نتجه إلى الله وإلى رسوله، وإننا نطلب الشفاعة من الرسول.
ويجعلها مستقلة، وكذلك يقول هذا بعض الشعراء وغيرهم الذين جعلوا حظهم من رسول الله ﷺ أنهم يمدحونه، كما يقول صاحب البردة: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم وأين الله؟ يعني: إذا ما أخذ الرسول بيده زلت قدمه.
ثم يقول: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم عجيب! يعني الدنيا والآخرة من جملة جود النبي ﷺ، ومن جملة جوده ما خط في اللوح المحفوظ، وما خطه القلم الذي أمره الله جل وعلا أن يكتب كل شيء، إذًا: فماذا بقي لله جل وعلا؟! ما بقي له شيء، ثم يقول: ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم معناه: إني ألوذ بك من غضب الله.
وهذا شيء ما وصل إليه شرك المشركين، نسأل الله العافية، والعجيب أن كثيرًا من الناس يجعل هذه القصيدة وردًا له يقولها مساء وصباحًا، ويتقرب بقولها وذكرها وحفظها وتلاوتها إلى الله جل وعلا، وهي شرك صريح، نسأل الله العافية، وكثير من الشعراء غير هذا هكذا يقولون، يأتي عند قبر النبي ﷺ ويكشف رأسه تعبدًا ويقول في شكواه: هذه علتي وأنت طبيبي ليس يخفى عليك في القلب داء يجعل الرسول ﷺ يعلم ما في القلوب، وهو يزعم أنه من العلماء، وإذا أنكر عليهم منكر قالوا: هذا لا يحب الرسول، هذا لا يرى شفاعة الرسول وهذا مصداق قول الرسول ﷺ: (لتتبعن سنن من كان قبلكم قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن) حتى قال: (لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، ولماذا ذكر جحر الضب دون الجحور الأخرى؟ لأن الضب جحره من أعسر الجحور؛ فإنه يكون ملتويًا ويكون نازلًا إلى أسفل مع تلويه، فالدخول فيه صعب جدًا، ويقول: لو دخلوا في هذا الحجر لدخلتم خلفهم، ويقول في الرواية الأخرى: (لو أن أحدًا منهم أتى أمه على قارعة الطريق لكان من هذه الأمة من يفعل ذلك)، وهم قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالوا: إنه الله، وقالوا: إنه ثالث ثلاثة، قالوا ذلك، ولكن هؤلاء ما تجرءوا أن يصرحوا بذلك، وإنما أخذوا المعاني التي هي لله جل وعلا وجعلوها للنبي ﷺ دون الألفاظ، فهذا في الواقع أمر صعب، وصعوبته من هذا التركيب في هذا الكلام: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة) فكلمة (شيئًا) هنا نكرة عمت الشرك كله كبيره وصغيره وجليه وخفيه، تعم الكبير والصغير والخفي والظاهر، جميع الشرك، فمن لقي الله غير مشرك به في شيء من هذه الأمور دخل الجنة بدون أن يعذب؛ لأنه رتب الدخول على اللقاء، واللقاء يكون بعد المحشر، إذا بعثهم الله جل وعلا من قبورهم وجمعهم في صعيد واحد يقفون وقوفًا طويلًا في يوم عسير ثقيل، كما أخبر الله جل وعلا بأنه يوم عسير ويوم ثقيل، ولكننا ننساه، ثم بعد ذلك يأتي الله جل وعلا ليقضي بينهم، فكل واحد يلاقي ربه، كما قال ﷺ: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) كل واحد يكلمه على كثرة الخلق، والعجيب أنه يكلمهم في لحظة واحدة كلهم، فهو سريع الحساب جل وعلا، وكل واحد يرى أنه يكلمه وحده وهو يكلم الخلق كلهم؛ لأنه جل وعلا لا يقاس تكليمه ولا فعله بفعل الخلق تعالى وتقدس، فإذا لقي الله وهو لم يشرك به شيئًا فبعد هذه المكالمة يذهب إلى الجنة بلا عذاب إذا كان لا يشرك بالله شيئًا.
الوجه الثاني الخطر كونه قال: (ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار)، وهذا من الأدلة التي استدل بها من يقول: إن الشرك كبيره وصغيره غير مغفور لمن مات عليه، أما إن كان كبيرًا فصاحبه خالدًا في النار، وأما إن كان صغيرًا فلا بد من تعذيبه، ولهذا قال في هذا الحديث: (ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار)، فدل على أن الذي يلقى الله ومعه شيء من الشرك وإن كان صغيرًا أنه يدخل النار، ثم بعد ذلك إذا كان الشرك صغيرًا يخرج من النار إلى الجنة، أما إن كان كبيرًا فيبقى فيها أبدًا.
وهذا في الواقع يخاف منه، وهذا سبب إيراد المؤلف له في باب الخوف من الشرك؛ لأنه أخبر أن من لقي الله ومعه شيء من الشرك فإنه يدخل النار، وهو نص صريح واضح في هذا، ولكن هذا لمن مات من غير توبة، ولهذا قال: (من لقيه يشرك به شيئًا دخل النار) يعني أنه لقيه مصرًا على هذا الشرك الصغير فإنه يدخل النار، أما إذا كان الشرك كبيرًا فيكون خالدًا فيها.
[ ٢٠ / ٩ ]
فضل جابر بن عبد الله وأبيه ﵄
قال الشارح ﵀: [قوله: عن جابر هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام -بالمهملتين- الأنصاري ثم السلمي -بفتحتين- صحابي جليل هو وأبوه، ولأبيه مناقب مشهورة ﵄، مات بالمدينة بعد السبعين وقد كف بصره وله أربع وتسعون سنة].
أبوه عبد الله بن حرام قتل في غزوة أحد، وقد كان تخلف عن غزوة بدر فأسف على ذلك، وقال: إن قدر الله جل وعلا غزوة أخرى فسيرى ما أصنع.
فهاب أن يقول شيئًا غير هذا، فلما جاءت غزوة أحد قال لولده: يا بني! ما يصلح أن أخرج أنا وأنت ونترك البنات -وقد كان له سبع بنات-، ولست بمؤثرٍ لك الخروج يعني: أنا أولى منك بأن أخرج فخرج مع الرسول ﷺ، فلما حصل ما حصل من انتكاس الصحابة وقتل من قتل منهم وصاح الشيطان بأعلى صوته: قتل محمد، تقدم إلى الكفار فقاتل حتى استشهد ﵁، فلما أتي به عند رسول الله ﷺ كان جابر يبكي والناس ينهونه، يقول: والرسول ﷺ يبصرني ولا ينهاني.
ثم إنه قال لي: (أتدري ماذا قال الله لأبيك؟ إنه لما لقيه قال: يا عبدي! تمن علي.
فقال: كيف أتمنى وقد أعطيتني ما أريد، وما لا أتصور؟ فقال: تمن.
فلما رأى أنه لا بد قال: يارب! أريد أن تحييني مرة أخرى فأقتل في سبيلك.
قال: أما هذه فليس إليها من سبيل.
قال: فأبلغ عني من خلفي)، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران:١٦٩] إلى آخر الآية، فالمقصود أن الله كلمه بدون واسطة بعد موته.
[ ٢٠ / ١٠ ]
حديث: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة)
قال الشارح ﵀: [وقوله: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا) قال القرطبي ﵀: أي: لم يتخذ معه شريكًا في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة، ومن المعلوم أن من الشرك المجمع عليه عند أهل السنة أن من مات على ذلك فلا بد له من دخول الجنة وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة، وأن من مات على شرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آماد.
قال النووي ﵀: أما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحوده وغير ذلك، وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرًا عليها دخل الجنة أولًا، وإن كان صاحب كبيرة مات مصرًا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفا الله عنه دخل الجنة أولًا وإلا عذب في النار ثم أخرج من النار وأدخل الجنة].
هذا في الأمور الأخرى غير الشرك، وكلام النووي هذا مما أجمع عليه، أي: أن من مات وهو مشرك أو كافر من أي صنف كان فنقطع قطعًا جازمًا للآيات وأحاديث الرسول ﷺ القطعية أنه خالد في النار، أما الذي يموت بغير شرك فإن لم يكن صاحب كبائر وكان صاحب صغائر فإنه يدخل الجنة بلا عذاب، أما إن كان مصرًا على كبائر الذنوب ومات عليها فهذا أمره إلى الله إن شاء عذبه على الكبائر وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة بلا عذاب.
ومعلوم أن العذاب الذي يقع للإنسان كله تكفير، والعذاب قد يكون في القبر، وقد يكون في بعض الأوقات في قبره ثم ينقطع عذابه في القبر إذا كان ذنبه ليس كبيرًا، والله جل وعلا لا يعذب إلا على قدر الذنب، ولكن الذنوب قد تكون عند الإنسان صغيرة وهي عند الله كبيرة، ثم بعض الناس قد لا يكفي تعذيبه في القبر طيلة ما كان في قبره وإن كان ترابًا؛ لأن المقبور يصبح بدنه ترابًا بعد سنوات، ولكن الروح ما تموت، فتعذب الروح مع حبات التراب التي صارت ترابًا من البدن، فيذوق بدنه العذاب مع الروح، وهذا من أمور الآخرة التي أخبرنا بها، ويجب أن نؤمن بها.
ثم بعض الناس يتصل تعذيبه بالموقف؛ لأن الموقف أيضًا نوع من العذاب، فالناس يقفون فيه حفاة عراة عطاشًا جائعين، والشمس فوق رءوسهم، ويعرقون عرقًا عظيمًا، وهذا كرب شديد، فهو نوع من العذاب يكون مكفرًا للذنوب، ولهذا جاء أن بعض الخلق يكون الموقف عليه سهلًا ميسورًا وليس طويلًا، فما كلهم يكون بهذه الصفة، وبعضهم لا يكفي كونه يعذب في الموقف، وأهل الموقف يقولون فيه: ربنا اقض بيننا ولو إلى النار.
هكذا يقولون من شدة الوقوف والكرب، يرون أن المصير إلى النار أسهل منه، وإن كانت القاعدة أن كل ما بعد الموت أشد مما يلقى الإنسان إذا كان كافرًا، فالنار أشد من الوقوف بلا شك، ولكن هكذا يتصورون، فإذا كان لا يكفي تعذيبه في الموقف أدخل النار، ثم دخول النار يتفاوت، فمن الناس من يكون دخوله مجرد دخول فقط، يغمس فيها فيخرج، ومنهم من يبقى وقتًا، والوقت يتفاوت أيضًا، فمنهم من يطول بقاؤه، ومنهم من يبقى طوال الدنيا منذ خلقت إلى أن تفنى ثم بعد ذلك يخرج، ومنهم من يكون أقل من ذلك بحسب ذنوبهم، فالأمر في هذا يتفاوت تفاوتًا عظيمًا جدًا حسب الإجرام والكبائر العظيمة، ولكن إذا كان الإنسان مات على التوحيد وهو يشهد أن لا إله إلا الله وليس عنده شرك، وإن كان قد أتى بمعاصٍ كثيرة وكبائر كثيرة فمآله إلى الجنة وإن عذب.
[ ٢٠ / ١١ ]
مسائل باب الخوف من الشرك
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: المسألة الأولى: الخوف من الشرك.
المسألة الثانية: أن الرياء من الشرك].
المسألة الأولى: الخوف من الشرك، يعني: أن الخوف من الشرك يجب أن يهتم الإنسان به؛ لأن الشرك -كما سبق- فيه أشياء خفية قد يقع فيها الإنسان وهو لا يدري، فينبغي أن يهتم الإنسان به، ويتعرف على مسائل الشرك وما جاء عن الرسول ﷺ من تحذيره أمته من الشرك، فإنه صلوات الله وسلامه عليه حريص على هداية الأمة، ويعز عليه عنتها، الشيء الذي يشق عليها يشق عليه صلوات الله وسلامه عليه، فلهذا بين كل ما يخاف أن يقعوا فيه، بينه ووضحه، فإذا رجع الإنسان إلى بيان الرسول ﷺ تبين له ذلك، فليس فيه خفاء في الواقع، وإنما الخفاء عند الجاهل الذي يجهل ما جاء به الرسول ﷺ، والجاهل يخاف عليه أن يقع فيه.
وأما قوله: إن الرياء من الشرك فهذا الرياء قد يكون من الشرك الأصغر، وقد يكون من الأكبر، إن كان الرياء يسيرًا قليلًا فهذا من الشرك الأصغر الذي يقول العلماء عنه: إذا خالط عملًا من الأعمال أبطل ذلك العمل خاصة، وأما سائر عمل الإنسان فإنه لا يبطل، وإنما يبطل العمل الذي قارنه، هذا إذا كان يسيرًا، وإذا كان الرياء عرض للإنسان ثم أعرض عنه وجاهد نفسه في تركه فمثل هذا لا يضره، ولكن الذي يضره إذا استرسل معه، أي: استدعاه واستمر معه في عمله، فهذا يبطل العمل بلا شك؛ لأن الأحاديث جاءت فيه صريحة عن النبي ﷺ، أما إذا كان الرياء كثيرًا أو كان هو الباعث على العمل فهذا يكون من الشرك الأكبر، ولكن هذا لا يقع للمسلم، المسلم لا يبعثه على العمل الرياء، وإنما يكون هذا للمنافق، نسأل العافية، كما أخبر الله جل وعلا عن المنافقين بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، ومن علامة ذلك أنهم إذا كانوا عند الناس جدوا في العمل وأدوه، وإذا صاروا وحدهم لم يعملوا، فهذا من صفات المنافقين، أما المسلم الموحد فإنه لا يقع منه ذلك، وإنما يخاف عليه الرياء اليسير، أي: الشرك الأصغر.
[المسألة الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
المسألة الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين].
وذلك أن الخطاب وجهه الرسول ﷺ إلى أصحابه، وأصحابه هم أصلح الأمة على الإطلاق، فإذا خافه صلوات الله وسلامه على أصحابه فغيرهم أولى أن يخاف عليهم، ولهذا قال: إنه يخاف منه على الصالحين.
[ ٢٠ / ١٢ ]
قرب الجنة والنار
[المسألة الخامسة: قرب الجنة والنار].
يعني قرب الجنة والنار من العبد، وهذا مأخوذ من قوله: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار)، فليس بين الإنسان والجنة أو النار إلا الموت على نوع من هذه الأنواع، موت على التوحيد وعدم الشرك، وموت على الشرك بالله جل وعلا -نسأل الله العافية-، فالذي يموت على التوحيد مخلصًا لا يشرك بالله شيئًا يدخل الجنة بعد الموت، وليس معنى ذلك أنه منذ مات يذهب به إلى الجنة لا.
فالجنة ما تكون إلا يوم القيامة، ولا يدخلها الناس إلا بعد الحساب، وأول من يستفتح باب الجنة هو رسول الله ﷺ، ولا تفتح لأحد قبله، وإنما يشفع للمؤمنين في دخولهم الجنة، أي: الذين خلصوا من النار ومن الحساب.
ولكن معنى ذلك -كما جاء في الحديث- أنه إذا وضع في قبره وجاءه الملكان يحاسبانه يقولان له: من ربك؟ وما نبيك؟ وما دينك؟ وفي رواية: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فأما المؤمن الموقن فإنه يجيب بغير تردد وتلعثم، وإذا أجاب وثبته الله جل وعلا بالقول الثابت فإنه يفتح له باب إلى الجنة، ويقال له: انظر إلى مسكنك في الجنة.
ثم يأتيه من هذا الباب من ريحها وروحها ما يستأنس به، ولهذا يقول إذا رأى ذلك: يا رب! أقم الساعة حتى أذهب إلى منزلي.
ولا يذهب إليه إلا بعد قيام الساعة وبعد الحساب، فهذا معنى دخول الجنة، أي: أنه بعد الموت والحساب سيكون مآله إلى الجنة، ويكون في القبر آمنًا من العذاب، وكذلك يوم يبعث ويوقف بين يدي الله لا يخاف العذاب كما يخافه غيره.
وأما صاحب النار فكذلك، ولكن يأتيه نصيبه من النار في القبر، فيكون القبر نارًا نسأل الله العافية! وليست النار على ما نعهدها نحن، قد يقول قائل: أنا أذهب إلى القبور، وكثيرًا ما تحفر المقابر التي قبر بها الناس، ولا يرى فيها أثر عذاب ولا أثر نعيم، نقول: نعم ما يرى هذا ولا يشاهد؛ لأنه أمر غيبي؛ ولهذا يقول الرسول ﷺ: (لولا ألا تدافنوا، لدعوت الله أن يريكم من عذاب القبر)، ولكن لو رأينا شيئًا من عذابه ما استطاع أحد أن يدفن أحدًا من الهول العظيم، وأحيانًا يظهر الله جل وعلا لبعض من يشاء من عباده شيئًا من ذلك، إما موعظة له ورحمة به ليتعظ، وإما آية يظهرها حتى يرتدع غيره، ويكون عظة لغيره، وقد شاهد الناس أشياء كثيرة جدًا من هذا النوع، من عذاب القبر ونعيمه، وأما كونه يشاهد النار أو آثار النار فلا، فما تشاهد، وهذه النار جعلها الله جل وعلا أمرًا غيبيًا، وإلا فالتراب نفسه الذي يهال عليه يصبح نارًا لا تطاق، ومع ذلك أهل الدنيا لا يشاهدون هذا، وقدرة الله لا تحد بشيء، وإذا ظهرت الأمور وصارت تشاهد بطل المعنى الذي يكون الإنسان مستحقًا للثواب عليه إذا آمن بالغيب، وهذه ثمرة الإيمان بالغيب بالأخبار التي نخبر بها غيبًا، بل قد يقبر اثنان في قبر واحد أو ثلاثة، فيكون أحدهما منعمًا والآخر معذبًا، وهذا لا يصل إليه من عذاب هذا شيء، وهذا لا يصل إليه من نعيم هذا شيء، وهم في قبر واحد.
فالله جل وعلا قدرته فوق هذا كله، والمقصود أنه إذا مات فإنه يعرض على النار، ويفتح له باب إلى النار مثلما يفتح للمؤمن باب للجنة، ويقال: انظر إلى مقعدك من النار، ثم يأتيه من حرها ومن لهبها ومن عذابها من هذا الباب ما يأتيه، مما يعذبه ويحرقه إلى قيام الساعة؛ ولهذا إذا شاهد ذلك يقول: يا رب! لا تقم الساعة؛ لأنه يعلم أن ما بعد يومه أشد من يومه هذا، فهذا معنى قوله: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار) يعني: يكون بعد موته ولبثه في القبر مآله إلى الجنة أو النار، والمقصود أن ما يكون للناس في القبر أمر قد كثرت الأدلة عليه من الكتاب ومن السنة؛ ولهذا فرض علينا رسولنا ﷺ أن نقول في كل صلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر)، وإن كان ليس فرضًا لازمًا لا تصح الصلاة إلا به، ولكنه من الواجب على المصلي الذي علمنا إياه رسولنا ﷺ، فقال: (إذا تشهد أحدكم التشهد الأخير فليقل: اللهم إني أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)، فهذا مما شرعه لنا رسولنا ﷺ، وقد جاءت أحاديث كثيرة في إثبات عذاب القبر والاستعاذة منه، كما أنه ظهر لخلق كثير ما يظهره الله جل وعلا لمن يشاء من عذاب القبر، أشياء كثيرة جدًا، ومن تتبع الأموات ونظر أحوالهم وجد ذلك لا محالة، يجد ويشاهد، ولكن هذا لا يكون متعظًا به إلا من يريد الله جل وعلا هدايته.
[ ٢٠ / ١٣ ]
من لقي الله وهو يشرك به شيئًا دخل النار ولو كان من أعبد الناس
[المسألة السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.
المسالة السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار ولو كان من أعبد الناس].
عرفنا أن (شيئًا) نكرة تعم القيل والكثير، والدقيق والجليل، فإذا قال: (لا يشرك به شيئًا)، فمعنى ذلك أنه يدخل فيه حتى الرياء، حتى الشرك الأصغر، وإذا كان الإنسان عنده شرك أصغر يشمله هذا ويدخل فيه، وقوله كذلك: (يشرك به شيئًا) نفس المعنى، فكلمة (شيء) نكرة تعم كل ما أطلق عليه أنه شرك، سواء أكان كبيرًا أم صغيرًا.
[ ٢٠ / ١٤ ]
سؤال الخليل له ولبنيه الوقاية من عبادة الأصنام
[المسألة الثامنة: المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام].
أي أن الخليل ﷺ يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] يدعو ربه جل وعلا أن يجعله في جانب بعيد عن عبادة الأصنام هو وبنيه، وعلل هذا بقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٦] فخاف -وهو نبي كريم يوحي الله جل وعلا إليه- أن يقع في الشرك، وذلك أن الله جل وعلا خلق الإنسان، وخلق له قوى وفكرًا، وجعل الأمر إليه، وقال له: هذا طريق الخير فافعله، وهذا طريق الشر فاجتنبه، فالجزاء يتعلق بأفعاله الاختيارية التي يفعلها باختياره، والإنسان قد لا يملك نفسه، فقد يزين له شيء هو من أسوء الأمور عند الله فيتبعه، فهو إن لم يهده الله ضال، وإن لم يجعل الله جل وعلا له نورًا يهتدي به فإنه يتخبط في الظلمات، وإن كان يعمل بحريته حسب ما أعطيه من الأفكار والنظر والقوة على العمل أو الإحجام عنه، فهذا جعله الله إليه، وهو الذي صار مناط التكليف، ومناط التكليف كونه يفعل باختياره، وإذا فقد الاختيار صار غير مكلف، ولكن هذا الاختيار لقصور الإنسان في الإرادة وفي القوة وفي المآل يخاف أنه يجني، ويقع في الأمور التي تعرض له وتزين له من الباطل، سواء من شهوات أو أهواء أو دنيا أو شيطان، والشيطان قد يكون من شياطين الإنس، وقد يكون من شياطين الجن، فأسباب الانحراف كثيرة جدًا تحيط بالإنسان إن لم يعافه الله جل وعلا من ذلك ويتفضل عليه وإلا ضل، فإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه شاهد هذه الأمور، واستحضر هذا المشهد أنه إن لم يهده الله ويعصمه فإنه يقع فيما وقع فيه الكثير من الناس.
والإنسان إذا نظر إلى الناس اليوم رأى أن أكثرهم على الضلال، وإن كانوا يسمون الوقت هذا وقت النور ووقت العلم ووقت الازدهار والحضارة، ولكنها حضارة في أمور معينة مادية، أمور الدنيا، وهذه لا تجدي عن الآخرة شيئًا، أما السعادة التي يسعد بها الإنسان في حياته الدنيا وفي آخرته فأكثر الخلق أخطأها وما استطاع أن يصل إليها، وهذه بيد الله، والإنسان عليه أن يسأل ربه هدايته، مع أن الله لا يظلم أحدًا، وكل الخلق بالنسبة للأوامر والنواهي سواء، فما خص قومًا دون آخرين بأن خفف عنهم شيئًا من الأوامر أو أباح لهم بعض المنهي عنه، فالخلق كلهم سواء، وإنما المهتدي من هداه الله جل وعلا وحبب إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه المعاصي والذنوب وجعله راشدًا، وهذا فضل الله يعطيه من يشاء، وإذا منع الله جل وعلا فضله عبدًا وكله إلى نظره وإلى قوته وبصيرته وعلمه، فلا يستطيع أن يهتدي بذلك.
[ ٢٠ / ١٥ ]
عدم الاغترار بالكثرة
[المسألة التاسعة: اعتباره بحال الأكثر؛ لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٦]].
هذه مسألة ليست سهلة، لا يتساهل بها الإنسان، كونه يرى أكثر الناس على عمل من الأعمال فيقتدي بكثرة الناس، وهذا معروف الآن، فالإنسان يقول: الناس كلهم يفعلون هذا، فكيف لا أفعل شيئًا يفعله الناس؟! فأصبحت حجة، وهذه الحجة توارثها العالم كله من أوله إلى آخره، كما قالت الأمم لرسلها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، وفرعون يقول لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١] يعني: لماذا عملت الشيء الذي تنهانا أنت عنه، فهي أشركت فما بالها؟ فإذا قال له: إنهم ضالون قال: كيف الناس كلهم يضلون وتبقى أنت وحدك؟! ويصعب على الكثير من الناس اتباع الحق؛ لأن تابعه قليل، فهذا الذي يشير إليه ما ذكره الله جل وعلا عن الخليل: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٦]، فالناس ينظرون إلى الكثرة غالبًا ويتبعونها، وما يميزون بين الأمر هذا والأمر هذا، كما هو فعل أهل الحق، ولهذا يقول العلماء: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين نهجه، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين.
أي: لا يغرك كثرة الناس فتغتر بهم، وكذلك لا يغرك قلة من يعمل بالحق، اعمل الحق وأحبه واتبعه، وإن كان الذي معه قليل؛ فإن الله جل وعلا فرق بين الحق والباطل، فإذا عرف الإنسان الحق وجب عليه أن يتمسك به ولو كان وحده، ولو بقي وحده.
[ ٢٠ / ١٦ ]
تفسير (لا إله إلا الله)
[المسألة العاشرة: فيه تفسير (لا إله إلا الله) كما ذكره البخاري].
مقصوده: أن معنى (لا إله إلا الله): ترك الشرك رأسًا مع عبادة الله، هذا هو التفسير الذي يشير إليه، وليس تفسير (لا إله إلا الله) أن يقول الإنسان: (لا إله إلا الله)، وهو يأتي بخلاف ما وضعت له، بأن يكون -مثلًا- يتعلق بأصحاب القبور، ويدعوهم ويطلب منهم المدد والعون، ويتوسل بهم وهو يقول: (لا إله إلا الله)، فهذا أفعاله تناقض أقواله، فتفسيرها هو ترك الشرك كله، والإتيان بعبادة الله جل وعلا.
[ ٢٠ / ١٧ ]
فضيلة من سلم من الشرك
[المسألة الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك].
يشير إلى الآية التي أثنى الرب جل وعلا على الذين هم بربهم لا يشركون، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩]، فأثنى عليهم لكونهم اجتنبوا الشرك.
[ ٢٠ / ١٨ ]