بعث النبي ﵊ معاذًا إلى اليمن داعيًا ومعلمًا وقاضيًا وجابيًا، وأوصاه بوصايا عظيمة، وقد أخذ منها العلماء أحكامًا كثيرة وفوائد عديدة، فينبغي الحرص على فهم هذا الحديث والتفقه فيه.
[ ٢٣ / ١ ]
بعض العلماء لا يعرف معنى لا إله إلا الله أو لا يعمل بما دلت عليه
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وفيه: أن الإنسان قد يكون عالمًا وهو لا يعرف معنى (لا إله إلا الله)، أو يعرفه ولا يعمل به.
قلت: فما أكثر هؤلاء لا كثرهم الله تعالى!].
هذه من المسائل التي أخذت من الحديث السابق؛ لأنه ﷺ بعد قوله: (إنك تأتي قوم أهل كتاب) قال: (ادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله)، وهذا معناه أنهم لا يعرفون شهادة ألا إله إلا الله وهم من أهل الكتاب وهم علماء، ولهذا يقول الشارح: [فما أكثر هؤلاء لا كثرهم الله]، وهو يشير إلى الذين يعبدون غير الله وهم يقولون: (لا إله إلا الله)، تجد أحدهم -مثلًا- يطوف بالقبر، ويستنجد بصاحبه، ويسأله كشف الكروب، ويسأله ربما غفران الذنوب، ويسأله إزالة الخطوب التي قد تقع، ويدعوه بما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، وهو يقول: (لا إله إلا الله)! فهذه مناقضة تمام المناقضة؛ لأن معنى (لا إله إلا الله): إبطال كل دعوة لغير الله جل وعلا، ومعناها أن الدين كله لله، وقوله لهذه الكلمة يكون مثل المستهزئ الذي يستهزئ بهذا القول؛ لأنه يأتي بفعله ما يناقضها، والفعل أبلغ من القول بغير شك، فلهذا لا يقع أحد من المسلمين في الاستنجاد بالأموات وسؤالهم إلا وهو مناقض لهذه الشهادة تمام المناقضة مهما كانت، سواءٌ سموا الاستنجاد والدعوة توسلًا أو شفاعةً أو محبةً للصالحين، أو غير ذلك من الأسماء التي يزينون بها الشرك، وإلا فهي شرك صريح أعظم من شرك مشركي العرب الذين بعث فيهم الرسول ﷺ بدرجات، وذلك أن مشركي العرب ما كانوا يدعون الأصنام والأشجار والأحجار عند الكربات، وما يدعونها لكشف الخطوب، وإذا وقع خطب فإنهم يقبلون على الله جل وعلا يدعونه وحده، كما قال الله جل وعلا محتجًا عليهم: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] يعني أنهم يعتقدون أنه لا يكون ذلك إلا لله وحده، ويعلمون هذا تمامًاَ.
ولهذا احتج الله به عليهم، بخلاف هؤلاء الذين يدعون المقبورين ويتجهون إليهم، عندما يقعون في الشدائد يخلصون الدعاء لهم، وينسون الله جل وعلا، وهذا لم يقع للمشركين الأولين، بل شرك هؤلاء أعظم بكثير من شرك الأولين، هذا وهم يقولون: (لا إله إلا الله)، والسبب في هذا أنهم ما علموا معنى (لا إله إلا الله)، ولا علموا معنى العبادة، ولا علموا معنى التأله، لا يعرفون ما معنى الإله، ويظنون أن الإله هو الذي يخلق ويرزق وهو الذي يدبر الكون فقط، وليس هو الذي تألهه القلوب وتدعوه وترجوه وتخافه وتحبه، ما عرفوا هذا، فلكونهم جهلوا اللغة العربية التي جاء بها القرآن وجاء بها الرسول ﷺ وقعوا في المتناقضات، ووقعوا في الشرك فهذا هو السبب.
[ ٢٣ / ٢ ]
الصلاة أعظم واجب بعد الشهادتين
قال الشارح: [وقوله ﷺ: (فإن هم أطاعوك لذلك) أي: شهدوا وانقادوا لذلك: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) فيه أن الصلاة أعظم واجب بعد الشهادتين.
قال النووي ما معناه: إنه يدل على أن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، ولا يلزم من ذلك ألا يكونوا مخاطبين بها، ويزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، والصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه، وهذا قول الأكثرين.
اهـ].
ما الفائدة بكونهم مخاطبين بفروع الشرع؟ ليس هناك فائدة إلا زيادة عذابهم فقط، ومعنى مخاطبتهم بها أنهم يعذبون على ترك الواجبات، ويعذبون على فعل المحرمات، هذا معنى المخاطبة، أي: أنه إذا فعل محرمًا أو ترك واجبًا يكون مرتكبًا لجريمة، ويدل على هذا قوله جل وعلا في ذكر الكافرين عندما سئلوا وهم في النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢]؟ كان الجواب ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٦]، فذكروا أنهم ما يصلون، ولا يؤدون الزكاة، وكانوا لا يتركون محرمًا إلا وفعلوه: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٥]، فبين بهذا أنهم يعاقبون على ترك الصلاة وترك الزكاة وغيرها، وأن هذا هو الذي سلكهم في سقر، وإن كان الأصل في هذا هو الكفر وعدم الإيمان، هذا هو الأصل، ولكنهم يعذبون على البقية.
أما كون الصلاة هي أعظم الواجبات بعد الإيمان بالله وشهادة ألا إله إلا الله فهذا تدل عليه أدلة كثيرة من الشرع، منها: أن الله جل وعلا قرن الصلاة بحقه في مواضع متعددة، كقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣]، وقال في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]، بدأ الأعمال بالصلاة وختمها بالصلاة، وكذلك في سورة سأل: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٣]، ثم ذكر أوصافهم وختمها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٢٤ - ٣٥]، فهذا كله يدلنا على عظم الصلاة، حيث إنها تبدأ في ذكر الأعمال الصالحة ويختم بها ذكر الأعمال الصالحة.
[ ٢٣ / ٣ ]
كفر تارك الصلاة
في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وهذا يدل على أن ترك الصلاة كفر، ولا فرق بين تركها كسلًا وتهاونًا أو تركها جحودًا وكفرًا بها؛ لأن كل من جحد ما ثبت عن النبي ﷺ فإنه يكون كافرًا، حتى سنية السواك، فإذا ثبت عند إنسان أن الرسول ﷺ أمر بالسواك وجعله سنة، ثم جحد ذلك فإنه يكون كافرًا وإن جحد سنة، فلا فرق بين الشيء الواجب والشيء المسنون في الجحود، وإنما الكلام في التهاون والكسل، فالصلاة إذا تركها تهاونًا بها وكسلًا وعدم مبالاة فإنه يكون خارجًا من الدين -نسأل الله العافية- وكثيرٌ من الناس يتهاونون بالصلاة وللأسف، وبعضهم قد يصلي إذا فرغ من شغله، وبعضهم لا يصلي ولا يبالي، فالذي لا يصلي ليس بمسلم، ولا يجوز أن تكون زوجته مسلمة، وإن كانت عنده زوجة مسلمة فيجب أن تؤخذ منه ويفرق بينه وبينها؛ لأنه ليس كفؤًا لها، ولا يجوز أن يكون الكافر زوجًا لمسلمة، كما أنه لا يجوز للمسلم أن يكون زوجًا لكافرة إلا ما استثني من أهل الكتاب.
[ ٢٣ / ٤ ]
تعظيم قدر الصلاة
جاءت أحاديث كثيرة تدل على تعظيم الصلاة، منها قوله صلوات الله وسلامه عليه: (أول ما يحاسب عنه العبد الصلاة، فإن صلحت صلاة فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت لم ينظر في سائر عمله)، ومنها أنه صلاة الله وسلامه عليه كان في سياق الموت يوصي بها ويقول: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم)، والأحاديث في هذا كثيرةٌ جدًا عن النبي ﷺ في تعظيم الصلاة، فيجب على المسلمين أن يهتموا بها غاية الاهتمام، وألا يتهاون المسلم في شيء من صلواته؛ لأن الصلاة -كما جاء في الحديث- آخر ما يفقد من الدين، وإذا فقدت الصلاة فقد ذهب الدين كله، (أول ما يفقد من الدين الأمانة، وآخر ما يفقد الصلاة)، والأمانة ما كلٌ يستطيع القيام بها، وقد أخبر الله جل وعلا أن الأمانة عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان لأنه ظلوم جهول، لهذا السبب، وإذا اجتمع الظلم والجهل أصبح كل شر يحتمل أن يكون في شخص ظلوم جاهل لا يبالي ولا يقدر الأمور ولا ينظر في العواقب، فيجتمع عليه كل شيء، نسأل الله العافية.
والمقصود أن الصلاة أمرها عظيم جدًا، ومن ذلك ما جاء في الحديث أن الله يسأل الملائكة الذين وكلوا بحفظ أعمالنا في الليل والنهار؛ لأنه يتعاقب جماعة منهم علينا بالليل وجماعة منهم بالنهار، فيجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيصعد الذين باتوا ويبقى الذين يريدون أن يبقوا في النهار حتى تأتي صلاة العصر، فإذا صعدوا سألهم الله جل وعلا وهو أعلم: (كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون)، والمشكلة إذا كانوا نيامًا أو يلعبون فما الجواب؟ هذه مشكلة، أتيناهم وهم يلعبون.
أو تركناهم وهم يلعبون أو نائمون، وهذا في المصلين فقط، أما غيرهم فقد علم ماذا يكون مصيرهم عند الله جل وعلا.
والمقصود أن هذا يدل أيضًا على تعظيم الصلاة، ولهذا أمر بإقامتها في آيات كثيرة، وكلما جاء ذكر الصلاة يقول جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣]، ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام:٧٢]، وما جاء في القرآن (صلوا) أو (أدوا الصلاة)، بل (أقيموا)، فالإقامة يقصد بها أن يؤتى بها تامة بشروطها وما يلزم لها، لا مجرد قيام كل إنسان فيها؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وربه، وإذا دخل في الصلاة فقد دخل على الله جل وعلا، وإذا رفع يديه عند التكبير وقال: (الله أكبر) يقول العلماء: هذا عبارة عن رفع الحجاب بينه وبين ربه، فإنه يخاطب ربه جل وعلا، فليتأدب مع الله وليحضر قلبه؛ لأن الله ينظر إليه ويسمع كلامه، وهو قريب منه، ولهذا يقول ﷺ: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فعلى الإنسان أن يهتم بصلاته.
[ ٢٣ / ٥ ]
مصارف الزكاة
قال الشارح: [وقوله ﷺ: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلوات، وأنها تؤخذ من الأغنياء وتصرف إلى الفقراء، وإنما خص النبي ﷺ الفقراء لأن حقهم في الزكاة آكد من حق بقية الأصناف الثمانية].
من الأصناف الثمانية الفقراء والمساكين، والمساكين صنف آخر، وقد اختلف العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين، فمنهم من يقول: إن المسكين أكثر حاجة.
ومنهم من يقول: الفقير أكثر حاجة.
والذين قالوا: إن المسكين أكثر حاجة يستدلون بقول النبي ﷺ: (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، وإنما المسكين الذي لا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس) وهذا معناه أنه ما عنده شيء.
واستدل الذين قالوا: إن الفقير أكثر حاجة بأن الله بدأ به، والله جل وعلا لا يبدأ إلا بما هو أهم، ولأنه جلا وعلا قال في سورة الكهف: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]، فأخبر أنهم مساكين ولهم سفينة، فدل على أن المسكين يكون عنده مال.
ولهذا قالوا: الفقير أشد حاجة.
فعرفوه وقالوا: الفقير الذي لا يجد شيئًا، والمسكين الذي يجد نصف الكفاية.
مثلًا نصف كفاية السنة، وأما الفقير فهو الذي لا يجد إلا أقل من ذلك.
والعاملون هم الذين يعملون على الزكاة، فمن أرسلوا لجباية الزكاة وأخذها من أصحابها فإنهم يعطون أجر عملهم من الزكاة.
وقوله: «وفي سبيل الله» يعني: في الجهاد.
يشتري بالزكاة أسلحة، وكذلك يشري بها ما يحمل الناس، ويعطى منها الذين يجاهدون.
وقوله: «وابن السبيل» يعني: المسافر الذي يترك بلده ويسافر وتنقطع نفقته أو تقل.
فإنه يعطى من الزكاة وإن كان غنيًا في بلده، فيعطى منها الشيء الذي يوصله.
وقوله: «والغارمين» الغارم هو الذي يتحمل الأموال في سبيل الإصلاح وغير ذلك.
والمؤلفة قلوبهم هم رؤساء الكفار، وهذا خاص بهم فقط، ولا يجوز إعطاء كافر من الزكاة إلا هؤلاء، فإذا كان للكفار رؤساء ولو أسلموا أسلم بهم ناس كثير فإنهم يعطون منها تأليفًا لهم وترغيبًا لهم في الدخول في الإسلام.
(وفي الرقاب): أي: يشترى الرقيق من مالكيهم ويعتقون من الزكاة.
فهؤلاء هم أهل الزكاة.
[ ٢٣ / ٦ ]
من أحكام صرف الزكاة
قال الشارح ﵀: [وفيه: أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه أو نائبه، فمن امتنع من أدائها إليه أخذت منه قهرًا].
هذا يدل عليه حديث فيه أن الإمام من المسلمين هو الذي يأخذ الزكاة أو نائبه الذي ينيبه، ثم إذا أخذها فقد برئت ذمة صاحبها.
[وفي الحديث دليل على أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد، كما هو مذهب مالك وأحمد.
وفيه أنه لا يجوز دفعها إلى غني، ولا إلى كافر غير المؤلَّف، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون، كما هو قول الجمهور؛ لعموم الحديث].
الحديث يدل على أن الزكاة لا تجوز للغني، ولذا روي عن النبي ﷺ أن الله جل وعلا هو الذي تولى قسمة الزكاة بين الأصناف الثمانية، فلا يجوز أن يتعدى المسلم بزكاته أحد هذه الأصناف.
أما كونه يجوز أن يدفع الزكاة لصنف واحد منها فقد أخذ من قوله ﷺ: (فأخبرهم أن الله جلا وعلا افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)، والفقراء صنف واحد من أصناف الصدقة؛ فإن الله جل وعلا قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] ثم عطف عليهم بقية الثمانية.
وكونها لا تجوز لكافر فقوله: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)، فالضمائر تعود على المسلمين، فالكافر لا تؤخذ منه الصدقة، وكذلك لا يعطاها، ولكن خص من ذلك الكافر الذي يتألف لدخوله في الإسلام، وليس كل كافر، وإنما الرؤساء الذين إذا أسلموا أسلم بإسلامهم أناس كثير؛ لأن الله جل وعلا يقول في الآية: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٦٠] يعني أنهم يعطون ولو كانوا كفارًا تأليفًا لهم وترغيبًا لهم في الدخول في الإسلام.
قال الشارح: [والفقير إذا أفرد في اللفظ تناول المسكين، وبالعكس كنظائره كما قرره شيخ الإسلام].
يعني أنه إذا قيل: (الفقير) دخل فيه المسكين، وإذا قيل: (المسكين) دخل فيه الفقير، أما إذا اقترنا كما في الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] فكل واحد يفسر بنوع من أنواع الناس، ولا يكون هذا داخلًا في هذا، فيكون هذا مثل الإيمان والإسلام، فإذا جاء أحدهما دخل فيه الآخر، أي: إذا جاء مفردًا دخل فيه الآخر، كقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] فهذا يدخل فيه الإيمان كله، أما إذا اجتمعا -كما في حديث جبريل- فإن لكل منهما معنىً، فإنه سأله عن الإسلام أولًا، ثم سأله عن الإيمان، ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة التي تكون في القلب، وهكذا الفقير والمسكين، وهذا له نظائر في لغة العرب.
[ ٢٣ / ٧ ]
حرمة أخذ كرائم أموال الناس عند قبض الزكاة
قال الشارح: [قوله: (وإياك وكرائم أموالهم) بنصب (كرائم) على التحذير، جمع كريمة، قال صاحب المطالع: هي الجامعة للكمال الممكن في حقها من غزارة لبن، وجمال صورة، وكثرة لحم وصوف، ذكره النووي.
قلت: وهي خيار المال وأنفسه وأكثره ثمنًا].
الكرائم لا يجوز أن تؤخذ في الزكاة؛ فإنه ظلم، وإنما المتعين أن يؤخذ من الوسط، لا يؤخذ من نفائس الأموال وخياره، ولا من شراره وأردئه، وهذا يكون في الأموال إذا كانت حبوبًا أو ثمارًا أو كانت ماشية، أما إذا كانت من الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما فهذا غالبًا لا يكون فيه تفاوت.
قال الشارح: [وفيه: أنه يحرم على العامل في الزكاة أخذ كرائم المال، ويحرم على صاحب المال إخراج شرار المال، بل يخرج الوسط، فإن طابت نفسه بالكريمة جاز.
[ ٢٣ / ٨ ]
التحذير من الظلم
قوله: (واتق دعوة المظلوم) أي: اجعل بينك وبينها وقاية بالعدل وترك الظلم.
وهذان الأمران يقيان من رُزِقَهُما من جميع الشرور دنيا وأخرى.
وفيه تنبيه على التحذير من جميع أنواع الظلم.
قوله: (فإنه -أي: الشأن- ليس بينها وبين الله حجاب) هذه الجملة مفسرة لضمير الشأن، أي: فإنها لا تحجب عن الله فيقبلها.
وفي الحديث أيضًا قبول خبر الواحد العدل، ووجوب العمل به، وبعث الإمام العمال لجباية الزكاة، وأنه يعظ عماله وولاته، ويأمر بتقوى الله تعالى، ويعلمهم، وينهاهم عن الظلم ويعرفهم بسوء عاقبته، والتنبيه على التعليم بالتدرج، قاله المصنف.
قلت: ويبدأ بالأهم فالأهم].
قوله: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) فسر عدم الحجاب بأنها تقبل، فالمظلوم إذا دعا أجابه الله جل وعلا.
والتقوى المقصود بها مخافة الله وإقامة العدل، فإذا كان الإنسان يخاف ربه جل وعلا فإنه يفعل المأمور ويترك المحذور، فمن رزق ذلك فإنه يكون عنده وقاية تقيه من عذاب الله جل وعلا.
ومن أسباب العذاب العاجل -وليس الآجل- الظلم، والظلم أنواع: قد يكون بأخذ الأموال، وقد يكون بالاستطالة في الأعراض، وقد يكون بالاحتقار والازدراء، أي أنه قد يكون بالفعل وقد يكون بالقول، وقد يكون بغير ذلك، فالواجب على العبد أن يتقي ربه، وألا يرى نفسه فوق الناس وأحسن من الناس، فإنه إذا رأى نفسه بهذه الصورة فإنه يزدري كثيرًا من الناس ويظلمهم، سواءٌ بالفعل أو بالقول، ومعلوم أنه ليس كل أحد يستطيع الظلم بالفعل، وإنما يستطيع ذلك من كان بيده شيء من أمور المسلمين العامة، ولو لم يكن الأمر له فيه استقلال، فإنه إذا كان بهذه المثابة استطاع أن يظلم، فيظلم نفسه أولًا بعدم أداء الواجب، ثم يظلم عباد الله لعدم قضاء الأمور التي أنيطت به، والسبب في هذا عدم مخافة الله جل وعلا، ثم كونه لا يتقي أسباب العذاب الذي سوف يكون عاجلًا.
وقد يقول قائل: إننا نرى كثيرًا من الناس يظلمون وما رأينا عذابًا عاجلًا يصيبهم! ف
الجواب
جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ليملي الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) يملي له ليزداد عذابه، ما يملي له لأنه ترك معاقبته، بل ليزداد عذابًا، ولكن لو رجع وتاب إلى الله فإن الله تواب رحيم جل وعلا، ولهذا ذكر في كتابه المشركين ثم عرض عليهم التوبة فقال: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ [المائدة:٧٤]، يقول لهم هكذا: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ بعدما ذكر طغيانهم مما يدل على كرمه وجوده جل وعلا.
فالمقصود أن الظلم سبب عاجل للعذاب، وإذا وقع الظالم في شدة لم يفلت منها، فيأخذه الله جل وعلا أخذًا قريبًا جدًا، ومهما امتد به العمر أو فسح له في الأجل فهو قريب، وإذا أخذه لم يفلته، فأخذ الله أليم شديد جل وعلا.
[ ٢٣ / ٩ ]
معنى قوله: (ليس بينها وبين الله حجاب)
فسر قوله ﷺ: (فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) بأنها تستجاب، وهذا مقتضى سياق الحديث؛ لأنه لما قال: (اتق دعوة المظلوم) أردفه بقوله: (فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، وتقوى دعوة المظلوم.
بأن يجتنب الظلم ويتقي الله جل وعلا، وليس معنى ذلك إبطال الحُجُب لله جل وعلا، فقد ثبت أن لله حُجُبًا يحتجب بها عن خلقه، وهي مما يجب الإيمان به، ففي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وقد سأل أبو ذر ﵁ النبي ﷺ لما عرج به إلى السماء فقال له: هل رأيت ربك؟ فقال: (نور أنى أراه؟)، وفي رواية: (رأيت نورًا) يعني أنه رأى الحجب التي أخبر عنها بقوله: (حجابه النور)، والله جل وعلا لا أحد يراه في الدنيا، فقد أخبر ﷺ عن الدجال الكذاب الأكبر الذي سيخرج ويزعم أنه رب الناس، ثم قال صلوات الله وسلامه عليه: (واعلموا أن أحدًاَ منكم لن يرى ربه حتى يموت)؛ لأن تركيب الخلق كلهم في هذه الحياة الدنيا تركيب ضعيف، ما يستطيع أحد أن يقوم برؤية الله جل وعلا، فإنه لو كشف الحجاب لأحرق نور وجهه وبهائه وجماله كل الخلق، كما قال: (لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره)، وسبحات وجهه أي: بهاؤه وجماله جل وعلا.
فالحجب ثابتة كما أخبر رسول الله ﷺ، وهي حجب حقيقية يجب الإيمان بأن الله جل وعلا احتجب بها عن خلقه.
[ ٢٣ / ١٠ ]
رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
في يوم القيامة يكشف الله هذه الحجب، فينظر إليه عباده المتقون الأبرار فيرونه، يرون وجهه جل وعلا، وهو أعلى نعيمٍ في الجنة، وقد جاء هذا متواترًا عن رسول الله ﷺ، وجاء في القرآن، يقول جل وعلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ثبت في صحيح مسلم من حديث صهيب أن الرسول ﷺ فسر الحسنى بالجنة، والزيادة بالنظر إلى وجه الله جل وعلا، ويقول جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فهؤلاء المحجوبون عن الله هم الكفرة والفجرة، فإذا حجب الفجرة والكفرة فإن المؤمنين والمتقين يرون ربهم ولا يحجبون عنه.
ويقول جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فـ (ناضرة): بهية جميلة، ظهر بهاؤها ونعيمها.
فهي ناضرة من (النضرة)، (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) من النظر، فهي تنظر إلى الله جل وعلا، فهذا أعلى نعيم لأهل الجنة.
وقد ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن الصحابة سألوه فقالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: (هل تضامون في القمر ليلة البدر -يعني: ليلة أربع عشرة- ليس بينكم وبينه حجاب؟ قالوا: لا.
قال: فإنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر)، فهذا كلام واضح جلي، ولو تكلف أحد من الناس أن يأتي بكلام أبلغ من هذا وأوضح منه وأفصح منه ما استطاع، فالذي ينكر الرؤية بعد هذا قد ضل.
[ ٢٣ / ١١ ]
خطر مخالفة أمر النبي ﵊
من ترك قول رسول الله ﷺ فهو على خطر عظيم، بل يجوز أن يكون في جهنم، فقد جاء ما يؤيد هذا عن رسول الله ﷺ، فجاء في قصة فتح خيبر قضيتان كلاهما تؤيد هذا: الأولى: أن الرسول ﷺ لما خرج من المدينة قال لمن معه: (من كان معه بعير ضعيف أو صعب فليرجع) يعني: من كان معه بعير ضعيف أو صعب لا يستطيع أن يتحكم به فليرجع.
فأبى رجل كان معه بعير صعب أن يرجع، فشرد به فسقط فاندق عنقه، فجيء به إلى النبي ﷺ ليصلي عليه فقال: (ماله؟ قالوا: كان على بعيرٍ صعب.
فقال لـ بلال: ألم آمرك أن تؤذن في الناس: من كان معه بعير ضعيف أو صعب فليرجع؟ فقال: بلى.
أذنت فيهم.
فقال: لا أصلي عليه.
ثم قال: لا يدخل الجنة من عصى رسول الله ﷺ).
الثانية: لما حضر القتال مع اليهود في خيبر صف أصحابه وقال: (لا يقاتلن أحد منكم حتى آمره)، فخرج يهودي ليبارز فانتدب له واحدٌ من المسلمين فقتله اليهودي، فقالوا: شهيد.
فجاؤوا به إلى النبي ﷺ فقال (هل قتل بعد ما قلت: لا يقاتلن أحد؟ قالوا: نعم.
قال: لا يدخل الجنة من عصى رسول الله ﷺ)، فكيف إذا جاء أمر صريح واضح جلي وخالفه مسلم؟! فإنه على خطر عظيم، فالأمر ليس سهلًا، وكثير من الناس يتساهل في أمر رسول الله ﷺ، والواجب على المسلم أن يعظّم أمر رسول الله ﷺ أكثر من أمر أي أحد من الخلق، وأن يمتثل أمره ويجتنب نهيه، وإلا فهو على خطر عظيم، فكيف بالذي يخالفه صراحة وعنادًا لأجل أن مذهبه لا يتبنى هذا القول فقط؟ فمعنى ذلك أنه قدم إمامه على رسول الله ﷺ، ومن كان كذلك يجوز أن يذهب به يوم القيامة إلى جهنم ويقال له: اتبع ما كنت تعظمه.
ففي يوم القيامة كل من كان يتولى شيئًا يؤتى به فيساقان معًا إلى جهنم.
قوله في هذا الحديث: (إنه ليس بينها وبين الله حجاب) معناه: إن الله قريبٌ سميعٌ، إذا دعاه المظلوم استجاب دعوته.
وأوقع في الظالم هذه الدعوة التي صدرت من المظلوم.
وهذا يدلنا على أن الظلم وإن كان قليلًا فإن الله يستجيب للمظلوم؛ لأن كون الساعي الذي أُمر بأخذ الصدقة يأخذ شاة حسنة جميلة وقد أمر أن يأخذ شيئًا متوسطًا، فهذا أظلم والفرق ليس كثير، فيمكن أن الفرق شاة فقط؛ لأن بعض الشياه تساوي اثنتين، فكون مثل هذا ظلم، مع أنه لا يأخذها لنفسه وإنما يأخذها للفقراء، ومع ذلك يكون ظالمًا يستحق أن الله يستجيب لمن أُخذ منه ذلك ويوقع به عقابه، فكيف بالذي يظلم الناس ظلمًا صريحًا ليس له فيه شبهة؟ فهذا أحق بأن يعاقب، وأحق بأن يُجاب للمظلوم عليه، وهذا في الواقع محاربة لله جل وعلا، ومن يحارب الله فإن الله يغلبه تعالى الله وتقدس.
[ ٢٣ / ١٢ ]
سبب عدم ذكر الصوم والحج في حديث معاذ
قال الشارح: [واعلم أنه لم يذكر في الحديث الصوم والحج، فأشكل ذلك على كثير من العلماء، قال شيخ الإسلام ﵀: أجاب بعض الناس أن بعض الرواة اختصر الحديث، وليس كذلك؛ فإن هذا طعن في الرواة؛ لأن ذلك إنما يقع في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام وبعضهم لم يذكره، فأما الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيهما كذلك.
ولكن عن هذا جوابان: أحدهما: أن ذلك بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله تعالى الشهادتين، ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي، ولهذا لم يذكر وجوب الحج كعامة الأحاديث، إنما جاء في الأحاديث المتأخرة.
الجواب الثاني: أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض التي يقاتل عليها كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة الصلاة والصيام لمن لم يكن عليه زكاة، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصوم، فإما أن يكون قبل فرض الحج، وإما أن يكون المخاطب بذلك لا حج عليه.
وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان ظاهرتان، بخلاف الصوم فإنه أمر باطن من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة ونحو ذلك مما يؤتمن عليه العبد، فإن الإنسان يمكنه ألا ينوي الصوم وأن يأكل سرًا، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته، وهو ﷺ يذاكر الأعمال الظاهرة التي يقاتل الناس عليها.
ويصيرون مسلمين بفعلها].
لا يصلح أن يقال: (يذاكر)؛ فالرسول لا يذاكر أحدًا، والمعنى: يذكر لهم الأعمال التي يقاتل عليها.
قال الشارح ﵀: [فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة دون الصوم وإن كان واجبًا، كما في آيتي براءة نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس، وكذلك لما بعث معاذًا إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصوم؛ لأنه تبع وهو باطن، ولا ذكر الحج؛ لأن وجوبه خاص ليس بعام، ولا يجب في العمر إلا مرة.
انتهى بمعناه.
وقوله: (أخرجاه) أي: البخاري ومسلم، وأخرجه أيضًا أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].
[ ٢٣ / ١٣ ]