حديث: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه) من أعلام النبوة، وفيه دلالة على فضل علي ﵁ باختياره لحمل الراية، وكذلك فيه دلالة على فضل سائر الصحابة لحرصهم على الخير وتطلعهم إلى تحصيله، وفيه فوائد أخرى مذكورة في هذا الباب.
[ ٢٨ / ١ ]
مسائل مستفادة من حديث بعث معاذ رضي الله تعالى عنه
[ ٢٨ / ٢ ]
النهي عن كرائم الأموال
قال المصنف ﵀: [المسألة الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال].
كرائم الأموال هي أطايبه وأحاسنه، وهذا يكون في زكاة بهيمة الأنعام، وكذلك في الثمار، أما النقود فهي تتساوى، والزكاة تجب في الخارج من الأرض، وتجب في الإبل وفي الغنم وفي البقر، وتجب كذلك في عروض التجارة، وتجب في النقدين الذهب والفضة، وكذلك أبدال الذهب والفضة من الأوراق النقدية، فهذه هي الأموال التي يجب فيه الزكاة، فتزكى الثمار والحبوب والتمور وغيرها مما فيه الزكاة، وهكذا سائمة الأنعام؛ لأن الزكاة في الأنعام ما تجب إلا إذا كانت سائمة في الحول أو أكثره، والسوم معناه ان ترعي بنفسها وما تتطلب علفًا، فلو كان إنسان له أغنام وضعها في حوش وصار ينفق عليها ويأتيها بالأعلاف فهذه ليست سائمة، ولا تجب فيها الزكاة، وإنما تجب فيها إذا باعها وصارت تجارة، وإنما التي يجب فيها الزكاة إذا كانت ترعى الحول أو أكثره.
ثم هذه هي التي فيها الكرائم لا يجوز للمُصَّدِّق العامل الذي يأخذ الزكاة أن يأخذ أطيبها وأكرمها، سواءٌ أكانت غنمًا أم إبلًا أم بقرًا، بل يجب عليه أن يأخذ الأوسط، لا يأخذ الأدنى الرديء، ولا يأخذ الأعلى الجيد، إلا أن يجود صاحب المال بما هو أجود وأطيب، فإذا جادت نفسه بذلك وأخرجه هو بنفسه وقال: خذوا هذا فيقول له العامل: هذا لا يجب عليك، والذي يجب عليك أقل من هذا.
فيقول له: هذا ولا بد.
فإذا قال: وإن كان فأنا طيبة نفسي بهذا فخذوه لأنه لله يأخذه العامل ولا يرده عليه.
أما إذا أخذ شيئًا طيبًا بدون اختياره فهذا ظلم، وهذا معنى قوله ﷺ: (وإياك وكرائم أموالهم) يعني: لا تأخذ في الزكاة من الكرائم والنفائس.
وقالوا: الكريمة: هي كبيرة الجرم، وكثيرة الشعر، وكثيرة اللحم والشحم، وغزيرة اللبن، وحسنة المنظر، فهي تكون أكثر قيمة من غيرها.
هذه هي الكريمة، فلا يجوز أن تؤخذ وإنما يؤخذ الوسط.
وكذلك في الثمار مثل الحبوب والتمور لا يأخذ من الأعلى ولا يأخذ من الأدنى، بل يأخذ من الوسط، وإذا كانت متنوعة يخرج من كل نوع قدره، هذا هو العدل، فمثلًا التمور بعضها قد يساوي الكيلو مائة ريال، وبعضها يساوي خمسة ريالات، فلا يأخذ من هذا ولا من هذا، وإنما يأخذ من هذا قدره ومن هذا قدره فقط، فإن كانت تموره أغلبها جيدٌ يجعل الرديء على حِدَة ويأخذ منه بقدره إذا كان يبلغ نصابًا، وإلا أخذ من المتوسط فقط.
وهكذا في الغنم لا يأخذ التيس الرديء أو العنز الجرباء، لا يجوز هذا، ولا يأخذ الكريمة الغالية الجيدة كثيرة اللبن، وإنما يأخذ الوسط، هذا هو العدل، والعدل هو الذي يحبه الله جل وعلا وقامت به السماوات والأرض، ومن العدل اتقاء الله، واجتناب مواقع العذاب التي هي دعاء المظلومين؛ فإن دعاء المظلوم مستجاب.
[ ٢٨ / ٣ ]
دعوة المظلوم لا تحجب
[المسألة السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب].
اتقاء دعوة المظلوم هذا مطلقة، ليست في الزكاة فقط، يجب على العبد أن يتقي الظلم مطلقًا، سواء بالقول أو بالفعل، والظلم في الواقع كثير من الناس، ولكن بعض الناس ما يتنبه له، وإلا فما يخلو إنسان من ظلم إلا نادرًا وقليلًا، فقد يكون الظلم في كلمة يتكلمها الإنسان، وقد قال الرسول ﷺ: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، هذا هو المسلم، أما الذي لا يسلم المسلمون من لسانه ولا من يده فهو مسلم إسلامه غير كامل، وإيمانه ضعيف، وإلا فما يخرج الإنسان عن الإسلام بكونه يظلم الناس بلسانه أو يده، ولكن الإسلام الذي يكون الإنسان به سالمًا من الظلم هو أن يكف لسانه ويده عن أذية المسلمين، مثل الكلام في الأعراض، فلان فيه كذا، وفلان يقول كذا، فهذا من أعظم الظلم، وهذا الذي قد لا يسلم منه أحد، وأناس كثير يشتغلون فيه، وبعض الناس يقول: إن هذا جائز لأنه واقع فيه.
وهذا في الواقع ظلم وإن كانوا واقعين فيه، فلا يجوز لأحد أن يتكلم في أخيه بالشيء الذي يكره وإن كان فيه، فإن الرسول ﷺ قال: (الغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره.
قالوا له: يا رسول الله! أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، والبهت هو أعظم الظلم -نسأل الله العافية- أن يقول فيه ما ليس فيه.
وربما يتعدى الأمر إلى النميمة، والنميمة أصعب من الغيبة، وقد جاء في الصحيح أن الرسول ﷺ قال: (لا يدخل الجنة نمام)، وفي رواية: (لا يدخل الجنة قتات)، والقتات هو النمام، والنميمة هي نقل الحديث للغير على وجه الإفساد، مثلًا يريد أن يضره فينقل كلامه إلى من يستطيع أن يضره، أو ينقله إلى صديق له أو غير صديق ولكن ليوغر صدره عليه ويجعله معاديًا له مبغضًا له، فإذا كان ينقل الحديث على هذا الوجه فهو نمام -نسأل الله العافية-، وهذا كثير جدًا.
ويجب أن يحرص الإنسان على سلامة نفسه، ولا يجوز للإنسان أن يوزع حسناته على الناس، يعمل بحسنات ثم يهديها إلى الناس؛ لأن القصاص يوم القيامة سيكون بالحسنات، يؤتى بالإنسان الذي قد عمل حسنات كثيرة فتؤخذ منه وتوزع على الناس الذين ظلمهم وتكلم فيهم بما يكرهون.
أما إذا تعدى الأمر إلى اليد وأصبح -مثلًا- يضرب أو يأخذ المال فهذا أمر عظيم، وقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)، أنه من اقتطع حق امرئ مسلم بغير حق فقد استوجب النار، فقيل له: وإن كان شيئًا يسيرًا! قال: (وإن قضيبًا من أراك) أي: وإن كان سواكًا.
فحقوق الناس بعضهم مع بعض مبنية على التقصي، وعلى ألا يترك منها شيئًا، وكل واحد يوم القيامة سيقاصص مع صاحبه، جاء في الأثر أن الإنسان يمسك الإنسان ويقول: يا ربي! خذ لي حقي من هذا.
فيقول الآخر: يا ربي! والله ما أعرفه، ما ظلمته بمال ولا بشيء! ما يعرفه، ولكنه ظلمه، وكيف عرف هذا أنه ظلمه؟ الله جل وعلا لا يخفى عليه شيء، أخبره بأن لك حقًا عند فلان، فيطلبه حتى إنه يقول: ما ظلمته بمال ولا بشيء! فيقول: نعم.
ولكنه رآني على منكر فلم ينهني عنه، فخذ لي حقي منه.
لأن حق المسلم على المسلم أن يناصحه (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) لا يؤمن الإيمان الواجب الكامل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وكذلك يحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، فهذا هو المؤمن المسلم.
والمقصود التنبيه على هذا الأمر؛ لأنه يتساهل فيه، ويقع فيه حتى طلبة العلم وللأسف، فطلبة العلم يقعون فيه كثيرًا، يكون واحدٌ يتكلم في الثاني، وربما صار ظلمًا وإن كان يتكلم بشيء واقع.
وفي المجالس وفي الاجتماعات كثيرًا ما يحدث الكلام في فلان وفلان، ويجب أن يتحاشى الإنسان الكلام في الشيء الذي فيه إثم، لماذا يكتسب الإثم بالشيء الذي لا يجدي شيئًا ولا ينفعه؟! الله جل وعلا يأمر المؤمنين بأن يجتنبوا الظن السيئ، وألا يأكل بعضهم لحم بعض، ويخبرهم أن مثل هذا كمثل المؤمن الذي يجد أخاه ميتًا فيجلس يأكل من لحمه بعد موته، فالكلام في عرضه مثل هذا، مثله الله جل وعلا بهذا، وهذا من أبشع ما يستبشع، كيف يكون هذا زاجرًا ومانعًا للإنسان من أن يقع في ذلك؟ والقالة التي هي الغيبة منتشرة في الناس كثيرًا، ويجب على الإنسان إذا جلس في مجلس، أو سمع من يتكلم في هذا أن ينصحه ويقول: دعوا هذا، تكلموا في الشيء الذي ينفع.
فإن لم ينتصحوا يجب عليه أن يقوم ويتركهم؛ لئلا يكون شريكًا لهم.
أما كون دعوة المظلوم لا تحجب فمعناه أنها تستجاب، أي أنها لا ترد، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، فالله جل وعلا سميع عليم لا يخفى عليه شيء، وسمعه يأتي على جميع الأصوات، حتى إنه يسمع دبيب النملة على الصفاة في ظلمة الليل -تعالى وتقدس-، وكذلك نظره لا يستره شيء، ولكن ما كل دعاء يستجيبه، وإن كان الإنسان في دعائه لا يخيب، بشرط أن تجتمع فيه مقتضيات الإجابة، والله عليم قدير، ولكن المظلوم يستجاب دعاؤه وإن كان فاجرًا؛ لأن الله جل وعلا لا يقر الظلم؛ فإن الله حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرمًا، فقال لهم: (لا تظالموا)، فإذا وجد الظلم فإن الله جل وعلا يستجيب للمظلوم إذا دعاه وينتصر له.
والدعاء كله مطلوب، ولكن هناك دعوة مستجابة مثل دعوة المظلوم، ومثل دعوة الوالد على ولده، فإنها تستجاب إذا دعا الوالد على ولده، وقد نهي أن يدعو الوالد على ولده.
وكذلك دعوة المسافر، ودعوة المنكسر القلب الذي يضطر ويقع في ضرورة، فإن هذا من مقتضيات ما يجب لربوبية الله جل وعلا، يقول جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، لا أحد إلا هو جل وعلا.
ثم إن المسلم إذا دعا فهو على خير، مطلق الدعوة فيها الخير، فالله جل وعلا كريم، وهو أعلم بمصالح العبد من نفسه، ولهذا جاء في الحديث أن كل داع ما يخيب، إما أن تستجاب دعوته، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم من الدعوة التي دعا بها، وإما أن تدخر له يوم القيامة، إحدى ثلاث خصال تكون حاصلة له، فلا يقول الإنسان: أنا دعوت ودعوت فما استجيب لي.
وإنما الكلام في كونه يقبل على الله، وكونه يقوم بمقتضى الدعاء، فإن الله يستجيب له وإن كان فاجرًا؛ لأن الظلم محرم والله لا يقره، ولهذا يقول العلماء: إن الدولة إذا كانت ظالمة فإنه لا يبقى لها زمن طويل وإن كانت مسلمة، والدولة إذا كانت عادلة فإنه يطول وقتها وإن كانت كافرة.
وهذا عجيب؛ لأن العدل هو الذي قامت به السماوات والأرض، فالظلم يعاقب عليه المسلم، والعدل يجازى به حتى الكافر، هذا لأن الله لا يقر الظلم، تعالى الله وتقدس.
فهذا معنى قوله ﷺ: (فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، وليس المعنى أن أدعية الناس غير مسموعة لله وأنه لا يراهم ولا يعلم حالهم، لا.
ولكن معناه أن دعاء المظلوم مستجاب.
[ ٢٨ / ٤ ]
من أدلة التوحيد حصول المشقة والمصائب على النبي ﷺ
[المسألة الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء].
هذا مأخوذ مما وقع له بغزوة خيبر صلوات الله وسلامه عليه، فإنه وقع لأصحابه جوع ومرض ووباء، ووقع لهم تعب وشدة، مع أنهم سادة أولياء الله مع سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
يقول: إن هذا من أدلة التوحيد.
كيف يكون هذا من أدلة التوحيد؟ لأن معناه أن الرسول ﷺ وأصحابه ليس عندهم تصرف في الكون في جلب الرزق ودفع الضر وإزالة الكرب، فإنه وقع فيهم هذا الشيء وما استطاعوا إزالته، واستسلموا وانقادوا لأمر الله جل وعلا، ورضوا بما هم فيه حتى فرج الله عنهم، فدل على أن التصرف كله لله وحده، والأمر كله لله، والعباد كلهم راجعون إليه وكلهم يتجهون إليه، حتى سيد الخلق رسول الله ﷺ هو عبد مكلف أمره الله جل وعلا بالعبودية، يعبد الله وهو أعظم الناس عبادة لله جل وعلا، فهذا معنى قوله: إن هذا من أدلة التوحيد.
فليس مع الله مدعو يكون له عبادة، فالعبادة تكون لله وحده، وهذا معنى التوحيد؛ إذ إن العبادة لا تجوز أن تكون إلا لمن يملك النفع والضر إذا عبده أثابه وإذا لم يعبده عاقبه، ويعلم ما في قلب الإنسان، ويستطيع دفع المضرات عنه وصرفها، وجلب المنافع إليه، سواءٌ أكانت غيبية أم كانت ظاهرة، أما إذا كان ليس كذلك فلا يصلح أن يكون معبودًا، وهذا لا يكون إلا لله وحده، فهذا معنى كون الذي وقع للنبي ﷺ ولأصحابه من أدلة توحيد الله جل وعلا.
وقد ذكر أنهم كانوا في شدة الحاجة في هذه الغزوة حتى طبخوا الحمير، أمسكوها وذبحوها وصاروا يطبخونها، فالرسول ﷺ لما رأى النيران قال: (ما هذه النيران؟ قالوا: إنها حمر.
-وجدوها فذبحوها فهم يطبخونها ليأكلوها- فأمر مناديًا ينادي: لتكسر الأواني التي فيها هذه الحمر.
فقالوا: يا رسول الله! نغسلها قال: نعم)، ولهذا جاء عن علي ﵁ (أن الرسول ﷺ حرم الحمر الأهلية يوم خيبر)، وهو لهذه القصة، فمن شدة حاجتهم طبخوها، ولكن ما أكلوا منها شيئًا، وأمر الرسول ﷺ أن تكفأ.
وكذلك كانت خيبر أرضًا موبوءة، فأصيبوا بالحمى وبالمرض حتى اشتكوا إلى النبي ﷺ، فأمرهم أن يبردوا الماء بالقرب ثم يصبوه على أبدانهم بين الصلاتين، أي: بين صلاة المغرب والعشاء، فشفوا بذلك.
والمقصود أن هذا كله يدل على أن الأمر كله بيد الله جل وعلا، وأن الرسول ﷺ لا يملك مع الله شيئًا، وإنما الأمر لله، وفي أحد شج رأسه، وكسرت البيضة التي على رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وقتل من أصحابه سبعون رجلًا، وصار الدم يسيل على وجهه، فقال وهو يسلته: (كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟)، ثم صار يدعو عليهم في القنوت في الصلاة، يقنت في الصلاة في الركعة الأخيرة بعد الركوع أو قبل الركوع، ويرفع يديه ويدعو: اللهم! العن فلانًا وفلانًا وفلانًا.
يسميهم بأسمائهم في الصلاة، والصحابة خلفه يقولون: آمين.
أي: اللهم استجب.
ومعلوم أن دعاء النبي ﷺ ليس كدعاء غيره، ثم بعد ذلك ينزل الله جل وعلا عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]، فتاب الله على أكثر الذين فعلوا هذه الأفاعيل، فأسلموا ودخلوا في الإسلام بعدما كانوا يسعون جهدهم في قتل رسول الله ﷺ.
والمقصود أن الله جل وعلا وحده هو المتصرف في الكون كله، وهذا معنى كون التوحيد يجب أن يكون لله وحده.
[ ٢٨ / ٥ ]
من أعلام النبوة
[المسألة التاسعة عشرة: قوله ﷺ: (لأعطين الراية) إلى آخره علم من أعلام النبوة].
سبق أن أعلام النبوة كثيرة، وأعلام النبوة علاماتها الدالة عليها؛ لأن الذي يخبر بالأمور الغائبة فتقع كما أخبر يكون هذا من الوحي، ولا يكون هذا لمشعوذ أو لساحر أو لكاهن أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يتمكن من ذلك، وإن صدق مرة فإنه يكذب مائة مرة.
أما الذي يقع الواقع على وفق خبره فهو رسول الله ﷺ، ومع ذلك ما يعلم الغيب صلوات الله وسلامه عليه، وإنما يعلم ما علمه الله جل وعلا فقط، فهو رسوله يأتيه الوحي، وقد انفلتت ناقته مرة فحبس الصحابة عليها يبحثون عنها، فتكلم أحد المنافقين كلامًا خبيثًا، فقال: هذا يزعم أنه يأتيه خبر السماء ويأتيه كذا وكذا وهو لا يدري أين ناقته! فنزل عليه خبر السماء بأن فلانًا يقول كذا وكذا، وإن ناقتك في مكان كذا قد حبستها شجرة أمسكت بخطامها.
فقال لهم: (إني -والله- لا أعلم من الغيب إلا ما علمنيه الله جل وعلا، وإن فلانًا قد قال كذا وكذا، وإن الله جل وعلا قد أعلمني أن ناقتي في مكان كذا قد أمسكتها شجرة، فاذهبوا وائتوا بها)، فالمقصود أنه صلوات الله وسلامه عليه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله.
ولما رميت أفضل نسائه وأحبهن إليه -بل أحب الناس إليه عائشة ﵂- بالفاحشة، وصار المنافقون يشيعون هذا بقي ما يقرب من شهر وهو لا يدري بالحقيقة، حتى نزل عليه الوحي ببراءتها، وقد استشار أسامة واستشار عليًا، فأما علي فقال: النساء كثير، وما جعل الله عليك من حرج.
وأما أسامة فقال: والله ما علمنا إلا خيرًا، أًهلَك، واسأل الجارية فإنها تصدقك.
والمقصود أنه ما كان يعلم من الغيب إلا ما علمه الله.
[المسألة العشرون: تفله ﷺ في عينيه ﵁ علم من أعلامها أيضًا].
يقول رحمه الله تعالى: تفله صلوات الله وسلامه عليه في عيني علي بن أبي طالب علم من أعلام النبوة، وسبق أن العلم معناه: الدلالة والآية الواضحة الدالة على صدقه صلوات الله وسلامه عليه، وأنه رسول من رب العالمين.
وذلك أن هذا شيء لا تناله قوى البشر ولا العادات التي جرت عليها أنظار الناس وتجاربهم، بل هو شيء خارق، فهو من قدرة الله جل وعلا، فالتفل في العين المريضة ما يزيدها إلا مرضًا، ومع ذلك لما تفل فيها صلوات الله وسلامه عليه برئت في الحال، وما احتاجت إلى وقت، بل في الحال، كأنها كانت محزومة فأطلقت، وهذا لا يكون إلا آية من آيات الله جل وعلا.
حتى العلاج الناجح ما يأتي ثماره في لحظه، ما يأتي إلا بعد وقت، فلا بد أن يكون هذا أمر لا تأثير له في للعلاج فيه ولا للبشر فيه، وإنما هو يكون من الله جل وعلا، وهذا معنى الآية ومعنى العلم، أي: شيء لا تأثير للبشر فيه، بل هو من الله جل وعلا بقدرته.
وسبق ذكر الشيء من أعلام نبوته صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا: إنه ينبغي للمسلم أن يحرص على قراءة سيرة الرسول ﷺ؛ فإنه يزداد بذلك إيمانًا ومحبة للرسول ﷺ.
[ ٢٨ / ٦ ]
فضيلة علي ﵁
[الحادية والعشرون: فضيلة علي ﵁].
فيه فضيلة لـ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، لكونه قال: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)، فأخبر صلوات الله وسلامه عليه أن عليًا يحبه الله ورسوله، وهذا من أعظم الفضائل، غير أنه سبق أن هذا ليس من خصائص علي بن أبي طالب ﵁، بل كل مؤمن تقي يحبه الله ورسوله، والصحابة أتقياء، ولكن السبب في كونهم حرصوا على ذلك أنه إذا شهد الرسول ﷺ لمعين بأنه يحبه الله ورسوله فكل واحد يحرص أن يكون ذلك؛ لأن الإنسان ما يثق بعمله وإن جاء بأحسن عمل حتى يأتيه الخبر من الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.
ثم إن فضائل علي كثيرة غير هذا، ولكن أبا بكر أفضل منه، وعمر أفضل منه، وثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر أنهم كان يفضلون الصحابة في حياة النبي ﷺ فيقولون: أفضلهم أبو بكر ثم عمر.
وفي رواية: ثم عثمان ثم يسكتون.
والرسول يسمع ذلك ويسكت.
وليس في هذا ما يدل على أن علي بن أبي طالب هو خليفة رسول الله ﷺ، بل الدلائل الدالة على أن الخلافة لـ أبي بكر كثيرة وواضحة، أما مجرد الدعاوى فإنها لا تغني من الحق شيئًا، وكل أحد يستطيع أن يدعي كما يدعي المدعي، وإنما الشأن في الدلائل الثابتة من النقل عن الرسول ﷺ الثابت الصحيح.
فمن المعلوم أنه صلوات الله وسلامه عليه لما مرض قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وقد روجع في هذا وقيل له: إن أبا بكر رجل يكثر البكاء، فإذا قام في مقامك لن يسمع الناس من البكاء.
قالت له ذلك عائشة، وكانت تكره أن يقوم أبو بكر مقام رسول الله ﷺ بعده؛ لأنه ما يقوم أحد بعد رسول الله ﷺ في مقامه فيكون مثله، فربما كره الناس من قام مقامه بعده، فلهذا كانت تحاول أن يكون الذي يصلي بالناس عمر، فقالت للرسول ﷺ: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف كثير البكاء إذا قام مقامك ما يملك نفسه من البكاء فلا يسمع الناس، لو أمرت عمر أن يصلي بالناس.
فقال ﷺ: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ثم ذهبت وأمرت حفصة أن تقول له مثل هذا القول، فذهبت حفصة وقالت له ذلك، فغضب صلوات الله وسلامه عليه وقال: (إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ثم بقي أبو بكر يصلي بهم طوال وقت مرض رسول الله ﷺ.
وقد خرج مرتين وهو يصلي بهم، وعلي موجود، وما قال: مروه أن يصلي بكم.
وكذلك الرؤيا التي رآها صلوات الله وسلامه عليه، قال: (رأيت كأني على بئر أنزع منها الماء فنزعت ما شاء الله أن أنزع، فجاء أبو بكر فنزع دلوًا أو دلوين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم جاء بعده عمر فتحولت الدلو غربًا، فما رأيت عبقريًا يفري فريه، فنزع حتى روي الناس وضربوا بعطن).
وكذلك لما جاءته امرأة فكلمته في شيء فأمرها بأمر فقالت: أرأيت -يا رسول الله- إن لم أجدك -كأنها تعني الموت-؟ فقال: (إذا لم تجديني فأتي أبا بكر)، وأشياء كثيرة جدًا.
[ ٢٨ / ٧ ]
فضل الصحابة
[المسألة الثانية والعشرون: فضيلة الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح].
فضائل الصحابة رضوان الله عليهم متوافرة وموجودة، وبنصوص، وفيها رد على من يدعي أن الصحابة كفروا وارتدوا؛ لأن هذه الفضائل هم الذين نقلوها، فلا تثبت لهؤلاء، وإنما تثبت لمن يرى أن الصحابة على الحق، فهم يتمسكون بالحق وأهل حق، أما المرتد فما هو أهل لأن يؤخذ عنه، وليس أهلًا لأن يصدق، فالذي ينقله يكون كذبًا، والدين ما يقبل من المرتدين والكفرة، وإنما يقبل من أهل الحق المتمسكين به.
ولا شك أن الثناء على الصحابة رضوان الله عليهم كثير في كتاب الله، كما قال جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقوله: ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، وكذلك قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:٢٩]، وكذلك قوله: ﴿والسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠].
فهل يقال -مثلًا-: إن الله يثني على قوم وقد علم أنهم يكفرون؟! أو إن الله لا يعلم فيثني على قوم وهم فيما بعد يكفرون ويرتدون، فيبقى ثناء الله على هؤلاء ليس في محله تعالى الله وتقدس؟!.
لو أن الرسول ﷺ أمر بأن يكون فلان هو الخليفة فهل يمكن أحدًا أن يمنع هذا، وهم يقاتلون ويبذلون أنفسهم وأموالهم دون رسول الله ﷺ وفي طاعته؟ لا أحد يستطيع أن يمنع ذلك أبدًا.
أما ما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا) ثم ترك ذلك، ثم قال مرة أخرى وقد اشتد مرضه: (ائتوني بكتاب أكتب لكم) فاختلفوا عنده، منهم من يقول: نأتي بالكتاب.
ومنهم من يقول: اشتد مرضه، فكيف يكتب؟! فعند ذلك قال: (قوموا عني، فما أنا فيه خير مما أنتم فيه) يعني الخلاف، فترك الكتاب.
والمقصود بالكتاب أنه يكتب لـ أبي بكر لئلا يقول قائل ويختلف مختلف، كما جاء صريحًا أنه قال لـ عائشة: (ادعي لي أباك وأخاك أكتب لهما كتابًا لئلا يقول قائل أو يدعي مدع)، ثم بعد ذلك قال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر)، فترك الكتابة، وتركها أولى لما أراد الله جل وعلا، حتى يتفق المسلمون على شيء يرونه بإجماعهم، وحصل ما أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه.
والواجب على المسلم محبة صحابة رسول الله ﷺ عمومًا، فيحبهم ويقدرهم ويعظمهم وينزههم عن المطاعن، وأن يعلم أنهم خير الأمة، ما كان في الأمة ولا يكون مثلهم، لا في أول الأمة ولا في آخرها؛ لأن الله أكرمهم بصحبة النبي ﷺ وبالقتال معه.
أما ما يروى عنهم من مطاعن في كتب التاريخ، وينقله بعض الذين في قلوبهم مرض، فهذه المطاعن التي تروى في كتب التاريخ أو غيرها لا تخلو إما أن تكون كذبًا صريحًا، أو يكون لها أصل ولكن زيد فيها وغير الكلام عن مواقعه، أو نقص منها الشيء الذي يبين الصواب.
والواقع منها هم معذرون فيه، مأجورون في فعلهم، والخطأ مغفور لهم؛ لأنهم مجتهدون، كما أخبر الرسول ﷺ أن المجتهد إذا اجتهد وأصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، هذا هو الذي يجب اعتقاده، وهذه عقيدة المسلمين نحو صحابة الرسول ﷺ.
[ ٢٨ / ٨ ]
الإيمان بالقدر
[المسألة الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن يسعى].
الإيمان بالقدر من أركان الدين الإسلامي، لا بد منه، والقدر هو عبارة عن قدرة الله جل وعلا، وهو في الواقع علم الله وقدرته وفعله، هذا هو القدر، وليس القدر إرغام الإنسان أن يفعل شيئًا وهو لا يريده كما يتصوره بعض الجهلة، وربما ترك العمل أو رضي بالمعاصي وأقام عليها، ثم يصبح يحتج بالقدر ويقول: هذا قدر.
وهذا لا يجوز.
الله جل وعلا ذم الذين احتجوا على شركهم بالقدر، الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، وأخبر أن هذا معارضة لشرع الله بقدره، فهم يقولون: إن مشيئة الله شاملة، فهو الذي جعلنا مشركين، ولو شاء لجعلنا موحدين، فنحن نرضى بمشيئته التي شاءها لنا.
فهذا الإنسان يعاند الله جل وعلا، مثل قول الشيطان لما أمر الله جل وعلا أن يسجد لآدم: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] أبى أن يسجد لآدم، لماذا؟ لأنه يرى أن رأيه أفضل مما يقوله الله جل وعلا ويأمر به، عناد ومكابرة واعتراض على الله جل وعلا، وكذلك الذي لا يؤمن بالقدر وينفي القدر -والقدر قدرة الله- أو يكفر به، وإن أقر بأن الله قدره لا يمتثل لذلك ولا يؤمن به، وكله شر.
والواجب على المسلم أن يجتهد في الشيء الذي ينفعه، سواءٌ أكان أمرًا شرعيًا، أم أمرًا عاديًا مما يخصه في معيشته وعمله، فيفعل السبب المشروع الذي شرعه الله له، فإن تخلف مراده ولم يحصل له مراده فلا يصبح يلوم نفسه، أو يلوم الأيام، أو يلوم الآخرين، وربما يغضب ويقول: فلان السبب، وفلان السبب، ولولا كذا لصار كذا.
عليه أن يعلم أن هذا هو الذي قدر، فيسلم للقدر، ويقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لو شاء الله لكان ذلك.
كما جاء في حديث أنس يقول: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنوات، وما سمعته يقول لي لشيء لم أصنعه: لمَ لم تصنع هذا؟ ولا لشيء صنعته: لمَ صنعت هذا؟! وإنما إذا تخلف الشيء الذي يريده قال: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وليس معنى هذا أن الإنسان يترك العمل، لا.
بل يعمل، ولكن يكون حسب ما أراد الله جل وعلا له وأراده منه رسوله صلوات الله وسلامه عليه، كما قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك ما تكره فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)، وعمل الشيطان هو التأسف على الفائت، وكذلك من لوم القدر التحسر عليه، والشيء الذي وقع لا يمكن رده ولا يمكن استدراكه، والشيء الذي قدره الله لا بد منه، وفي وصيته ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس يقول: (واعلم أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
فالقدر ركن من أركان الإيمان يجب الإيمان به، وهو عبارة عن كون الإنسان يؤمن بأن الله علم كل شيء قبل وجوده، فعلمه محيط بكل شيء، علم الأشياء في الأزل قبل وجودها، ثم كتبها، فكل ما يقع مكتوب في كتاب محفوظ عند الله، ثم هو الذي شاء وجودها وخلقها.
والقدر عبارة عن هذه الأمور: علم الله وقدرته ومشيئته، وكتابته التي لا يمكن أن تتخلف، وليس معنى هذا أن هذا العبد يكون مجبورًا على ذلك، بل العبد ما يدري ما كتب عليه، وما له علم بهذا، وقد أمر بالاجتهاد، فإن ترك العمل وترك الأسباب فهو الملوم واللوم عليه، وإن فعل الأسباب واجتهد فيها فلا لوم عليه، والشيء الذي يفوته ولم يفرط فيه يكون مأجورًا عليه، وإذا انضاف إلى ذلك الرضا بالقدر والتسليم فإنه يزداد أيضًا أجرًا على هذا، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] يعني: يؤمن بأن هذه المصيبة من عند الله ويسلم وينقاد لذلك ولا يعترض، فيزيده الله هداية في قلبه.
ولوم القدر لا يجدي شيئًا، وإنما يزيد الإنسان تحسرًا، ويزيده أيضًا خسارة وإثمًا بذلك، ولا يضر الله شيئًا، فإنه -مثلًا- لو أصيب الإنسان بمصيبة فمات ابنه أو أبوه أو أخوه أو زوجته أو قريبه، وصار يخمش وجهه ويشق ثوبه ويلطم أو يلعن أو يتأسف هل يفيده ذلك شيء؟ هل يرد عليه الفائت؟ بل يكون قد عصى الله، وإذا صبر واحتسب وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها.
فإنه يكون راضيًا بهذا ويثيبه الله ويخلف عليه، ويكون حصل على الخير، ويفوته ما أراده الشيطان منه، الشيطان يريد أن يخرجه عن طاعة الله، بخلاف ما إذا فعل كفعل الجهلة، فإنه يأثم ولا يحصل له شيء من الفائت، فالفائت فات.
ثم الأوامر التي يؤمر بها الإنسان مثل الصلاة وترك المعصية لا يجوز للإنسان أن يحتج على فعل المعصية أو ترك الطاعة بأن يقول: هذا قدر! لأن هذا عناد ومعاندة، أنت أمرت بهذا الفعل فامتثل، ولا تتركه وتقول: قدر.
وما يدريك أنه قدر قبل أن يقع؟! ولكن قولك: قدر معناه المعاندة وتبرئة نفسك، أي أنك تريد أن تبرر فعلك، وتجعل اللوم على الله، هذا هو الواقع، أنه يجعل اللوم على الله؛ لأنه هو الذي قدر هذا، وهذا يكون محاجة لله، بل مخاصمة، ولهذا الذين يحتجون بالقدر هم خصوم الله جل وعلا.
والإيمان بالقدر يكتسب به العبد زيادة إيمان وطمأنينة، وكذلك يكتسب به أيضًا صلة بالله، ويزداد خيرًا، وربما خلف عليه أفضل مما أخذ، جاء في الصحيح أن أم سلمة لما توفي زوجها، وكانت قد سمعت النبي ﷺ يقول: (من أصيب بمصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله وخلف عليه خيرًا منها) قالت: لما توفي أبو سلمة قلت هذا الذي سمعت من رسول الله ﷺ، ثم قلت لنفسي: وأي أحد خير من أبي سلمة؟! لن أجد أحدًا خيرًا من أبي سلمة فجاءها من هو خير منه، جاءها رسول الله ﷺ.
فهكذا الإنسان إذا امتثل أمر الرسول ﷺ ورضي حصل له الأجر، وحصل له الخير العاجل مع الآجل، بخلاف ما إذا تسخط ذلك وأبى قبوله فإنه يحصل له الوزر ولا يحصل على شيء من مطلوبه.
ثم إن هذا يكون عند أول الأمر، أما إذا تمادى الأمر فإن الإنسان يسلو كما تسلوا البهائم، يمر يوم ويومان وثلاثة أيام ثم ينسى مصيبته، مر الرسول ﷺ على امرأة تبكي وعلم أنها تبكي على فقد ولدها، فقال: (اتقي الله واصبري)، فلم ترض بهذا، وقالت: إليك عني؛ إنك لم تصب بمصيبتي.
وهي ما عرفت الرسول ﷺ، فتركها صلوات الله وسلامه عليه، ثم قيل لها: إن هذا الذي كلمك هو رسول الله ﷺ.
فندمت على هذا وجاءت إليه وقالت: يا رسول الله! أصبر.
فقال: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، أما إذا مضى الوقت فإن الإنسان ينسى شيئًا فشيئًا، ثم يسلو كما تسلوا البهائم، البهيمة إذا فقدت ولدها صارت تصيح عليه ثم تخف شيئًا فشيئًا، والإنسان مثل ذلك، فيصبح مأزورًا غير مأجور، ولا اعتاض شيئًا مما فقد.
فالعاقل يجب عليه أن يتميز، لا سيما المؤمن يجب أن يتميز عن غيره، وأن يعلم أنه يصاب بما وقع له، وينبغي للمؤمن إذا أصابته مصيبة أن يتذكر مصيبته برسول الله ﷺ، فهي فوق جميع المصائب فيتسلى بذلك.
[ ٢٨ / ٩ ]
من آداب الجهاد
[المسألة الرابعة والعشرون: الأدب في قوله ﷺ: (على رسلك)].
الأدب في القتال من آداب الإسلام التي علمها رسول الله ﷺ أمته، فما يكون هناك ضجيج، ولا يكون هناك طيش ولا تهور، وإنما يكون هناك سكينة وطمأنينة وثقة بالله جل وعلا؛ لأن الله وعد المؤمنين بنصره، فإذا ترسموا طريق رسول الله ﷺ وصاروا خلفه لا بد أن ينصروا على كل حال، أما إذا خالفوا وأبوا السير على نهج رسول الله ﷺ فالأمر يأتي من قبل أنفسهم، فالأدب يؤخذ عن رسول الله ﷺ قولًا وفعلًا.
[المسألة الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
المسألة السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا].
يعني أنه مستحب وليس واجبًا، إذا بلغت القوم الدعوة يستحب أن يدعوا مرة أخرى قبل أن يُبدأوا بالقتال، ويجوز أن يُبدأوا بالقتال قبل أن يدعوا؛ لأن الرسول ﷺ دهم بني المصطلق وهم غافلون، ما دعاهم بل أغار عليهم، فقتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وأخذ أموالهم وهم غافلون؛ وذلك لأن الدعوة سبقت إليهم، دعوا فأبوا أن يقبلوها، فيجوز هذا، ولكن يستحب أن يدعوا مرة أخرى، والمؤمنون إذا كانوا متبعين للحق فهم لا يرهبون من عدوهم، بل يكون عندهم ثقة بنصر الله جل وعلا، وهم لا يمكن أن يصيبهم إلا إحدى الحسنين: إما الشهادة وهي أعلى ما يطلبه المؤمن، وإما النصر والظفر، فلا بد من واحدة من هاتين الخصلتين، وكل واحدة منها محبوبة إلى المؤمنين.
فلا يرهبون من كونهم يُعلِمون الكافرين بأنهم سيقاتلونهم، ويحذرونهم من سطوة الله جل وعلا التي تكون بأيدي عباده المؤمنين، يحذرونهم أولًا، ويطلبون منهم أن يدخلوا في الإسلام؛ لأن هذا هو المقصود بالقتال، المقصود في القتال في قتال الناس إيصال الإسلام إليهم، فإذا امتنعوا من ذلك قوتلوا.
[ ٢٨ / ١٠ ]
الدعوة بالحكمة
[المسألة السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة بقوله ﷺ: (أخبرهم بما يجب)].
الدعوة بالحكمة، والحكمة مطلوبة في كل شيء حتى مع عدوك، وكما أن العدل مطلوب حتى مع العدو فلا يجوز أن يأتي الإنسان بخلاف الحكمة فإنه لا ينجح، وإنما ينجح إذا أتى بالحكمة، ومعنى الحكمة: أن يوقع الأمور مواقعها.
فيضع الأمور في مواقعها من الكلام والفعل، يضعها في مواضعها التي تليق بها، هذه هي الحكمة.
ودعوة الناس تختلف، فمنهم من يكون يريد مجرد بيان الحق، فهذا يبين له الحق ويوضح، وإذا وضح له الحق رضي به واتبعه، ومنهم من يكون عنده أمور وموانع كرئاسة أو ما أشبه ذلك، فهذا يدعى بالترغيب والترهيب، ومنهم من يكون عارفًا للحق ومعاندًا فمثل هذا الكلام معه ما يجدي، وإنما تجدي معه القوة، فهذا يقاتل، ولكن مع ذلك يبين له الحق لعل الله جل وعلا أن يهديه، ويكون مراد الإنسان الداعي أن يقوم بالواجب الذي أوجبه الله عليه، وأن يجتهد في أن ينقذ الله على يده من يشاء الله إنقاذه من النار، هذا هو المقصود بالدعوة والجهاد.
[ ٢٨ / ١١ ]
حق الله في الإسلام
[المسألة الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام].
معرفة حق الله في الإسلام هو من واجبات الإسلام التي أوجبها الله جل وعلا، يجب على الإنسان أن يعرف ذلك، ويعرف لوازمه ويعرف شروطه، ويختلف باختلاف الناس، فمن الناس من تجب عليه الزكاة فيجب أن يعرف وجوب الزكاة ونصابها والشيء الذي يخرجه ولمن يخرجه.
وكذلك بعضهم يحتاج إلى المعاملات، فيجب عليه أن يعرف أحكام المعاملة، وهكذا حقوق الإسلام تختلف باختلاف الناس.
[ ٢٨ / ١٢ ]
ثواب من اهتدى على يده رجل واحد
[المسألة التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يده رجل واحد].
يقول: (لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)، رجل واحد، فكيف إذا اهتدى به خلق كثير، ماذا يكون له؟! تكون الفضائل والأجور التي يكتسبها ما لها قدر، وإنما يعرفها الله جل وعلا، إذا اهتدى على يديه رجل واحد خير له من أموال الدنيا الحسنة الجميلة، فكيف إذا اهتدى على يده مئات أو عشرات؟! يكون هذا الخير لا يمكن أن يقاس بالدنيا أبدًا، فهو ينقذ هؤلاء من النار، والله جل وعلا يخبرنا أن الإنسان إذا أحيا نفسًا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعًا، ومعلوم أن الحياة في الواقع هي حياة الإيمان، ما هي الحياة الطبيعية البهيمية، إن الحياة الحقيقة هي حياة الإيمان ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]، فهذا مثل المؤمن مع الكافر، فالمؤمن مثله مع الكافر كمثل الحي والميت، والذي يُضل على يده رجلًا فكأنه قتل الناس جميعًا، الذي يُضل رجلًا واحدًا فيخرجه من الإسلام كمن يقتل الناس جميعًا، عليه من الإثم قدر هذا كله، ومعلوم أن من قتل رجلًا واحدًا مؤمنًا بلا حق فإن الله قد توعده باللعن والغضب ودخول جهنم خالدًا فيها.
[ ٢٨ / ١٣ ]
الحلف على الفتيا
[المسألة الثلاثون والأخيرة: الحلف على الفتيا].
الحلف يكون لمصلحة، والرسول ﷺ أقسم في هذه القضية وقال: (والله لئن يهدي الله بك)، فهذا يدل على مشروعية الحلف ولو لم يطلب منك الحلف، إذا كان هناك شيء واثق منه الإنسان، فيذكره للتأكيد، وقد يكون المخاطب عنده تردد، أو يكون هذا الأمر عظيمًا فيحلف عليه لعظمته وتأكيده، وإنما يكون الحلف لمصلحة السامع الذي يسمع.
[ ٢٨ / ١٤ ]