لا تجوز الرقى والتمائم إلا ما استثناه أهل العلم بشروطه، أما التولة فلا تجوز مطلقًا؛ لأنها نوع من السحر، والرقية بالقرآن والأذكار جائزة، بل مستحبة، وقد جاء الوعيد الشديد لمن علق وترًا أو غيره معتقدًا أن ذلك يدفع العين، وحرمت تلك الأشياء لأنها تنافي التوحيد.
[ ٣٧ / ١ ]
ما جاء في الرقى والتمائم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الرقى والتمائم].
يقول ﵀: باب ما جاء في الرقى والتمائم، الرقى: جمع رقية، والتمائم: جمع تميمة، والرقى منه ما هو ممنوع وشرك، ومنها ما هو مشروع ومستحب.
وكذلك التمائم منها ما هو منصوص عليه بأنه من الشرك، ومنها ما هو مختلف فيه، ولهذا جعل الترجمة مبهمة فقال: ما جاء في الرقى والتمائم، يعني: من النهي ومن الجواز، وهذا الباب من الأبواب التي يفسر بها التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله؛ لأنه يذكر في هذا الباب ما يضاد التوحيد، أو ما ينقصه ويذهب بكماله، ويكون هذا من باب التفسير.
والرقى المحرم منها: هو ما كان بغير أسماء الله جل وعلا مثل: أسماء الشياطين وأسماء الجن وغير ذلك مما هو ممنوع، أو مثل: الاستعاذة بغير الله، والاستعانة بغير الله، وكذلك ما كان من كلام لا يعرف معناه.
والتمائم كذلك، فإذا كانت التميمة التي تعلق يكتب بها كتابات لا يعرف معناها، أو كتابات بأسماء الجن وأسماء الشياطين، أو أسماء الذين يستعان بهم، أو بحروف مقطعة وكلمات لا تؤدي إلى معنى مفهومٍ واضح أو بكلامٍ غير عربي، وما أشبه ذلك؛ فهذا ممنوع، وهو من المحرمات التي لا يجوز أن يستعملها المسلم.
وأما إن كانت التميمة بآيات من القرآن، وبأدعية، وبأسماء الله وأوصافه: فإن هذا فيه خلاف بين العلماء، منهم من أباح ذلك وأجازه، ومنهم من منعه، وسيأتي ذلك.
وسبق أن قلنا: إن التميمة سميت تميمة من باب التفاؤل، حتى يتم لصاحب المقصد مقصده، وهذا من عادة العرب في التسمية، والرسول ﷺكما سبق- دعا على الذي يعلق تميمة بأن الله لا يتم له مراده، سواء كان ما قاله النبي دعاء أو خبرًا -كما سبق.
وسيأتي: أن الرقية جائزة في أمور نص عليها رسول الله ﷺ، مثل: العين والحمى، وتجوز في غيرهما أيضًا، ولكن بشروط ثلاثة: الشرط الأول: أن تكون بأسماء الله وصفاته.
الشرط الثاني: أن تكون بكلام مفهوم معروف.
الشرط الثالث: ألا يعتقد أنها تؤثر بنفسها، وإنما المؤثر هو الله جل وعلا، فيكون ذلك من الأسباب المشروعة.
وأما التميمة: فقد تكون مكتوبة أو غير مكتوبة كأن تكون من خرز وودع ومما يعتقد بأن فيه نفعًا كأن يكون من نحاس، أو من فضة، أو من صفر، وقد تكون من حبال، والناس يختلفون في هذا كثيرًا، حتى إن بعضهم يعلق نعلًا! ويزعم أن هذا النعل إذا علقه في السيارة أو في البيت أو في الدكان، أو المصنع أو غير ذلك؛ فإنه يمنع من عين الحاسد، وبعض الناس يعتقد أنه يمنع وصول الجن، وهي عقائد جاهلية موروثة عن الجاهلية.
وبعضهم يجعل ذلك لأمور معينة يعني: أمراضًا معينة، حتى لا يصيبه هذا المرض المعين، وهذه أيضًا وراثة عن الجاهلية، وقد سبق أنه كان في الجاهلية ناس يعلقون حبالًا بأعضادهم وأيديهم، ويقولون: إنها تمنع من الواهنة، وبعضهم يجعل ذلك حلقًا من الصفر ويقول: إنها تمنع من الواهنة، والواهنة شيء يشبه الروماتيزم، قد يصيب الإنسان في كتفه، وبعضهم يقول: هي ما يسمى بعرق النسا، ولكن ليس ذلك، والإنسان قد يتوهم أمراضًا وهمية، ويكون الوهم أشد مرضًا من المرض العادي الحقيقي، ثم إذا تعلق بشيء من ذلك، ووجد الشفاء توهم أنه بسبب ذلك، فيتعلق بهذا الأمر، وقد يأتي الشيطان ويفتن كثيرًا من الناس كما سيأتي، فإنه قد يمسك عضوًا من أعضاء الإنسان أو يؤلمه بشيء مما يستطيعه، فإذا تعلق بشيء أو علق شيئًا زال عنه ما يجده، ومن ثم استمر في هذا الشيء المعلق، فيصبح قد تعلق بغير الله، فيقع في الشرك؛ لأن الشيطان حريص جدًا على إغواء الإنسان.
والله جل وعلا يخبرنا أنه من يتوكل على الله فإنه يكفيه جل وعلا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه، ولا يضره شيء، ولكن الذي يتعلق قلبه بغير الله، يوكل إلى ذلك الشيء الذي تعلق عليه ويضره، ويتسلط عليه الشيطان، وتتسلط عليه العوارض الأخرى؛ جزاءً لكونه أعرض عن الله جل وعلا.
فأراد المؤلف ﵀ أن يبين شيئًا من هذه الأمور في هذا الباب؛ لأن هذا قد يقع فيه كثير من العوام ومن الجهلة، ولا سيما النساء، فإنهن يعلقن على الأطفال هذه الأمور، وقد يغترون بمن يدعي شيئًا من المعرفة، فيذهبون إليهم، ويكتبون لهم طلاسم فيها أسماء شياطين، وفيها استعانة بجن، وقد يأمرونهم بأمور شركية، فأراد أن يبين -﵀- أن هذا من الأمور التي قد تنافي التوحيد، وقد تقدح فيه وتنقصه، فيكون ذلك من تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
[ ٣٧ / ٢ ]
حكم تعليق القلادة إذا كان من أجل الدفع أو النفع
قال المصنف: [في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ (أنه كان مع رسول الله ﵌ في بعض أسفاره، فأرسل رسولًا: ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت)].
كان أبو بشير ﵁راوي هذه القصة- في مسير من مسيرات رسول الله ﷺ، فأرسل رسولًا كلفه بأن يعلم الناس ويبلغهم بألا يبقى في رقبة بعير قلادة -أو قال: قلادة من وتر- إلا قطعت وأزيلت، يعني: أن الراوي شك: هل قال الرسول ﷺ: قلادة مطلقًا بدون قيد، أو أنها قيدت بأنها قلادة من وتر؟ وهذا سئل عنه الإمام مالك فقال: لا أعرف كراهتها إلا أن تكون من وتر؛ وذلك أن القلائد قد تتخذ للزينة، فقد توضع على البعير لأجل الزينة، وتكون من حبل أو من غير ذلك، وقد يوضع حبل في الرقبة حتى يمسك البعير به أو غير ذلك، فإذا كان لأجل ذلك فهذا لا مانع منه، ولهذا قال: إلا إذا كانت من وتر، فإنها تتخذ للاعتقاد.
والضابط في هذا: أن القلادة إذا وضعت في البعير، أو في غير البعير من آدمي وغيره، إن كان يرجى من وضعها نفع، أو دفع لما يتوقع من الضر، فلا يجوز وضعها مطلقًا من أي نوع كان؛ لأن هذا تعلق بغير الله جل وعلا.
أما إذا كانت للزينة أو لغرض بأن تقاد هذه الدابة به، أو أن يعلق على رقبتها حبلًا، حتى إذا احتيج إلى ربطها به، أو عقلها به صنع ذلك، فهذا لا بأس به.
فيكون المعنى أنها مقيدة بالوتر وبما أشبه ذلك مما يقصد به النفع أو الدفع، فإذا كان كذلك فهي ممنوعة، ويكون من نوع الشرك، وهو تعلق بغير الله؛ لأن هذا لا يمنع ولا يدفع، قلادة تعلق بالرقبة أو بغير ذلك أي فائدة فيها من دفع الضر أو منع وقوع الضر؟! ومن اعتقد أن الضر يرفع بعد وقوعه أو يدفع قبل وقوعه، فقد وقع في الشرك، فهو محرم من أي نوع كان من القلائد، هذا بالنسبة للقلادة وهي نوع من أنواع التمائم.
قال الشارح ﵀: [قوله: باب ما جاء في الرقى والتمائم أي: من النهي وما ورد عن السلف في ذلك.
قوله: وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري (أنه كان مع النبي ﵌ في بعض أسفاره، فأرسل رسولًا: ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر -أو قلادة- إلا قطعت) هذا الحديث في الصحيحين.
قوله: (عن أبي بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة، قيل: اسمه قيس بن عبيد قاله ابن سعد، وقال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، وهو صحابي شهد الخندق، ومات بعد الستين، ويقال: إنه جاوز المائة.
قوله: (في بعض أسفاره) قال الحافظ: لم أقف على تعيينه.
قوله: (فأرسل رسولًا) هو زيد بن حارثة روى ذلك الحارث بن أبي أسامة في مسنده قاله الحافظ.
قوله: (ألا يبقين) بالمثناة التحتية والقاف المفتوحتين، وقلادة مرفوع على أنه فاعل، والوتر -بفتحتين- واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره، وقلدوا به الدواب؛ اعتقادًا منهم أنه يدفع عن الدابة العين.
قوله: (أو قلادة إلا قطعت) معناه: أن الراوي شك هل قال شيخه: قلادة من وتر أو قال: قلادة وأطلق ولم يقيده؟ ويؤيد الأول ما روي عن مالك أنه سئل عن القلادة؟ فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر، ولـ أبى داود (ولا قلادة) بغير شك.
قال البغوي في شرح السنة: تأول مالك أمره ﵊ بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد، ويعلقون عليها العوذ، ويظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي ﵌ عنها، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئًا.
قال أبو عبيد: كانوا يقلدون الإبل الأوتار؛ لئلا تصيبها العين فأمرهم النبي ﵌ بإزالتها؛ إعلامًا لهم بأن الأوتار لا ترد شيئًا، وكذا قال ابن الجوزي وغيره.
قال الحافظ: ويؤيده حديث عقبة بن عامر رفعه: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له) رواه أبو داود، وهى ما علق من القلائد خشية العين ونحو ذلك انتهى].
[ ٣٧ / ٣ ]
حديث: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)
قال المصنف ﵀: [وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود].
ابن مسعود ﵁ دخل على زوجته ومد يده إليها ووجدها ربطت بيدها خيط فقطعه، وقال: ما أغنى آل عبد الله عن الشرك، فقالت: تقول هذا وعيني لا تزال تقذف، فأختلف إلى اليهودي الفلاني فيرقى لي فيها فيذهب، يعني: القذف، قال: ذاك الشيطان يضع أصبعه في عينك، فإذا ذهبتِ إليه ورقى لك أزاله، يكفيك أن تقولي: أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، ثم ذكر الحديث وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
المقصود بالرقى التي فيها الاستعانة بغير الله -كما سبق- أو فيها ذكر الشياطين والجن، أو فيها مثلًا طلسمات لا تعرف، مثل الخطوط التي يخطها بعض الناس، أو فيها التصريح بالاستعانة بأسماء معينة من أسماء الشياطين، كما يفعله كثير ممن يأكل أموال الناس بالباطل، ويستعمل الشرك في ذلك.
أما التمائم فهنا أطلق، قال: التمائم مطلقًا، والتمائم كل ما علق ويقصد به الشفاء من مرض وقع، أو يقصد به منع ما يتوقع من عين أو ألم أو غير ذلك، كل ذلك تميمة.
أما التولة فهي: نوع من أنواع السحر، يسميه النساء محبب، ويزعمن أنه إذا اتخذ حبب الزوج إليها، أو يحببها إلى الزوج، والسحر لا ينفك عن الشرك، ويكون بواسطة الشياطين، فأخبر أن هذه الأمور الثلاثة شرك، فيكون هذا إما منافيًا للتوحيد أو يكون قادحًا فيه ومنقصًا له، بحسب ما يقوم في قلب الإنسان وفعله.
وسيأتي التفصيل في الرقى، وأن السلف اختلفوا فيه، وقد سبق في الباب الثاني أن النبي ﷺ لما سئل عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب وهم من السبعين ألفًا، أخبر أنهم: هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، فجعل الاسترقاء -الذي هو طلب الرقية من الغير- من موانع السبق إلى الجنة بغير حساب، ولكن هذا لا يدل على أنه إذا قام بالإنسان ذلك، وسعى له أنه يكون مشركًا، أو يكون ممنوعًا من دخول الجنة، وإنما يدل على أنه لا يدخل الجنة بغير حساب، وقد قيل: إن السبب في ذلك تعلق قلبه بغير الله في كونه طلب من غير الله جل وعلا -من المخلوقين- أن يرقيه، بخلاف ما إذا رقى نفسه أو رقي له بغير أن يطلب، فإنه ليس ممنوعًا بالشروط السابقة للرقية.
وقد تكون الرقية مستحبة، ويؤجر عليها الإنسان، إذا رقى نفسه موقنًا ومستعينًا بالله، بأسمائه وبصفاته وبآياته، ومستعيذًا بذلك، وسيأتي أن الرسول ﷺ أمر بالاستعاذة بكلمات الله التامات، وقال: (من نزل منزلًا وقال: أعوذ بكلمات الله التامة لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك) وكلمات الله يقصد بها: الكلمات الشرعية التي يأمر بها وينهى، وهي كلامه الذي في القرآن، ويقصد بها: كلماته الكونية التي تكون بها الأشياء، وهي التامة التي لا يجاوزها بر ولا فاجر، بخلاف الشرعية، فإن أكثر الخلق يجاوزونها يعني: يعصون ما أمرت به، ويخالفون مقتضاها، أما الكونية فلا أحد يجاوزها.
ويدل هذا على جواز الاستعاذة بكلام الله، فهو من صفات الله جل وعلا.
[ ٣٧ / ٤ ]
الخلاف في تعليق القرآن حرزًا
جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه إذا كان الحرز من القرآن ومن آيات الله جل وعلا وأسمائه وصفاته فلا بأس به، وكان يكتب تعويذات من الآيات التي فيها المعاني العظيمة، مثل آية الكرسي، ومثل المعوذتين، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ويعلقها.
وجاء كذلك عن أم المؤمنين عائشة ﵂ ما يدل على جواز هذا، وفي رواية عن الإمام أحمد قال: إن هذا يجوز، وابن القيم ﵀ في كلامه -في زاد المعاد- ما يدل على أنه يجوز ذلك عنده، وهو قول طائفة من السلف.
القول الثاني: أنه ممنوع مطلقًا، وهذا قول ابن مسعود وأصحابه الذي تعلموا عليه، وكذلك يدل عليه ما جاء عن حذيفة وعبد الله بن عكيم وغيرهم من الصحابة، وهذا القول هو الراجح، وهو رواية عن الإمام أحمد أيضًا، وهو الصواب لأمور ثلاثة: الأمر الأول: أن النصوص التي جاءت في المنع من التميمة مطلقة، ليس فيها تقييد أنه إذا كان من كذا وكذا فهو جائز، ويجب أن تؤخذ النصوص على إطلاقها، وعلى الذي يقيدها أن يأتي بالدليل، ولا دليل على ذلك، وهذا إذا أخذناه وحده يكفي في المنع.
الأمر الثاني: أن تعليق شيء من آيات الله وأسمائه وأوصافه لا يخلو المعلق له من امتهانه، فقد ينام ويضعه تحت رأسه، وقد يدخل به إلى مكان قضاء الحاجة، ولا سيما إذا كان على صبي، أو من لا يعقل، أو من لا يقدر الله حق قدره، فيكون فيه امتهان، حتى آل الأمر بكثير من الناس أنهم يكتبون مصاحف صغيرة جدًا، فيضعونها على رقابهم أو في جنوبهم على أنها تمائم، وهذا موجود ويباع في المكاتب، ويتخذ لهذا الغرض، فهذا من امتهان كلام الله جل وعلا وكتابه -نسأل الله العافية.
الأمر الثالث: أن هذا قد يكون وسيلة إلى تعليق ما لا يجوز.
لهذه الأمور الثلاثة نقول: إن الراجح والصواب المنع مطلقًا من تعليق التمائم، وهذا أسلم للإنسان، وأبعد له من الوقوع في المحرمات، وهي أيضًا داعية لغيره لأن يفعل شيئًا من ذلك فيقع المحذور؛ لهذا جاءت النصوص كلها تدل على أن التميمة ممنوعة مطلقًا، والعلم عند الله جل وعلا.
[ ٣٧ / ٥ ]
الرقية: حكمها وأقسامها
قال الشارح: [وعن ابن مسعود ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود، وفيه قصة، ولفظ أبي داود: عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: إن عبد الله رأى في عنقي خيطًا فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه ثم قطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) فقلت: لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلانٍ اليهودي، فإذا رقى سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك عمل الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقي كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: (أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا) ورواه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبى].
وهذا يدل على أمرين: الأمر الأول: جواز الرقية، فهي جائزة كما كان الرسول ﷺ يقول: (أذهب البأس، رب الناس، واشف أنت الشافي) وهذه رقية، وسبق أنه صلوات الله وسلامه عليه جاء عنه في الحديث أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة) وسبق أن معنى هذا الحديث أن الرقية من هذين الأمرين -من العين والحمة- تنفع أكثر من غيرهما، وأن هذا مثل قول الإنسان: لا فتى إلا فلان، ولا كريم إلا فلان، وليس المعنى أنه ينفي الكرم عن جميع الناس أو الفتوة عن جميع الفتيان، وإنما يريد أن يخبر أن هذا هو الكامل في فتوته، وهو الكامل في الكرم، ولا ينفي أن يكون غيره كريمًا أو فتى، فهذا مثله، والمعنى أن الرقية الناجحة الشافية الكاملة من شيئين: الأول: العين وهي إصابة العائن للآخر بعينه، وأن الرقية من ذلك تنفع وتجدي، وهذا أمر مجرب ومعلوم.
والثاني: الحمة، والحمة: هي ذوات السموم كالعقرب والحية وما أشبه ذلك، فإن الرقية منها من أنجح ما يكون، ولا سيما إذا صدرت من مؤمن مخلص موقن بما يقول، وقد جاء في الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه ذهب مع طائفة من الصحابة في سرية، أرسلهم الرسول ﷺ لغرض من الأغراض في سبيل الله، وأنهم استضافوا حيًا من العرب، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل ممكن، فلم يجدوا له شفاءً، ثم قال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط -يقصدون أصحاب الرسول ﷺ- لعل أن يكون عندهم رقية، فجاءوا إليهم يطلبون ذلك، فقال لهم أبو سعيد: نعم أنا أرقي، ولكن أنتم لم تضيفونا، فلن أرقيه إلا بجعل تجعلونه لنا، قالوا: نعم، واتفقوا على أن يجعلوا له قطيعًا من الضأن، فأقبل يقرأ الفاتحة ويتفل عليه، فقام كأنما كانت يده مربوطة بحبل فانحل الحبل، وصار يمشي لا بأس به، شفي تمامًا! ثم لما قدموا على النبي ﷺ أخبروه، فأخبره أنه رقاه بفاتحة الكتاب، فقال: (وما يدريك أنها رقية؟) يعني: الفاتحة رقية ناجحة، فهذا يدل على أن ما قاله صلوات الله وسلامه عليه يشفى به الإنسان عاجلًا، وهذا أمر مجرب.
ولكن ليس كل راق يحصل منه هذا الأمر، وإنما يحصل من المؤمن الموقن الصادق، فإذا رقى من كانت هذه صفته، لا يمكن أن يتخلف الشفاء المرغوب فيه، وإن كان المرقى عليه كافرًا، ولا يلزم أن يكون مؤمنًا كما في هذه القصة.
[ ٣٧ / ٦ ]
أقسام الرقية
الأمر الثاني الذي يدل عليه حديث ابن مسعود: أن التمائم والرقى التي فيها تعلق بغير الله جل وعلا نوع من الشرك، فتحمل الرقية على الشيء الشركي الذي فيه الاستعانة بغير الله، ويستنتج من ذلك أن الرقية تنقسم إلى أقسامٍ ثلاثة: القسم الأول: رقية جائزة بل مستحبة، وهي الرقية بأسماء الله وصفاته وآياته، فإذا رقى الإنسان بذلك على نفسه أو على غيره فلا بأس، وأما إذا طلب الرقية فإنها تكون جائزة أيضًا، ولكن ذلك يمنع من دخول الجنة بلا حساب.
القسم الثاني: الرقية الشركية، وهي ما كانت بأسماء الشياطين، أو بأسماء الجن، أو ما أشبه ذلك من الاستعانة بغير الله.
القسم الثالث: الرقية التي يتوقف فيها حتى يتبين أمرها، وهي ما كانت مجهولة المعنى، فهذا يكون ممنوعًا في الجملة، ولا تجوز أن تكون الرقية إلا بالشيء المفهوم الذي يعرف ما هو.
وأما التمائم فليس فيها تفصيل على القول الصحيح.
وأما التولة فهي نوع آخر خارج عن ذلك، ولا أحد يجيز شيئًا من السحر إلا ما سيأتي من قول ابن المسيب ﵀ في النشرة، والنشرة هي: حل السحر عن المسحور، فقد قال: إن ذلك لا بأس به إذا أريد به النفع، يعني: إذا أرادوا به الإصلاح وإزالة الأذى، هذا نقل عن ابن المسيب، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله.
قال الشارح: [قوله: (إن الرقى) قال المصنف: هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة.
يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها شركًا هي التي يستعان فيها بغير الله، وأما إذا لم يذكر فيها إلا أسماء الله وصفاته وآياته والمأثور عن النبي ﵌ فهذا حسن جائز أو مستحب.
قوله: فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة كما تقدم ذلك في باب من حقق التوحيد].
وجاء الترخيص أيضًا في غير العين والحمة، ولا يفهم من الترخيص أنه مجرد رخصة، بل جاء ما يدل على أنها مستحبة يثاب الإنسان عليها، وجاء الترخيص أيضًا من الدم، والمقصود بالدم الرعاف، وجاء أيضًا من النملة، وهي بثرة تخرج في جسد الإنسان، والأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في الترخيص في الرقية ليست خاصة بالعين والحمة، بل جاءت أيضًا في غيرهما.
قال الشارح: [قوله: فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة كما تقدم ذلك في باب من حقق التوحيد، وكذا رخص في الرقى من غيرها كما في صحيح مسلم عن عوف بن مالك قال: (كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا) وفي الباب أحاديث كثيرة.
قال الخطابي: وكان ﵇ قد رقى ورقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهة والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرًا أو قولًا يدخله شرك].
قوله: (إنه رقى) فكان يرقي بعض أهله صلوات الله وسلامه عليه، وأما كونه رقي فإن جبريل ﵇ رقى النبي ﵊، جاء إليه وقال: باسم الله أرقيك، الله يشفيك.
.
إلى آخره.
فالرقية حصلت له بدون طلب منه، فهذا يدل على الجواز مطلقًا إن لم يكن مستحبًا، والإنسان عليه أن يتحصن بأسماء الله وصفاته، وينبغي أن يكون له ورد من ذلك في أول النهار وآخره، يذكر من آيات الله، ومن أسماء الله ما يكون له حصنًا، وقد جاءت أحاديث كثيرة جدًا في أن من قال حين يمسي كذا وكذا لم يضره شيء، ومن قال حين يصبح كذا وكذا لم يضره شيء، وقد أفرد هذه الأمور العلماء بكتب مؤلفة، ومن أفضل ما كتب في ذلك وأحسنه ما كتبه الإمام النووي ﵀ في كتابه الأذكار، فإن هذا الكتاب مما لا يستغني عنه المسلم، وينبغي له أن يراجعه دائمًا، ويقرأ فيه، ويحفظ ما ينبغي حفظه منه.
فالمقصود: أن هذا من الباب الذي يتزود به المؤمن ويتحصن به، كونه يلجأ إلى الله بأسمائه وصفاته جل وعلا، ويتعوذ بها ويتحصن به، فهو أمر مرغوب فيه، وفيه فضل عظيم؛ لأنه عبادة لله جل وعلا.
قال الشارح: [قلت: من ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أن ذلك من قبل الجن ومعونتهم، وبنحو هذا ذكر الخطابي.
وقال شيخ الإسلام: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلًا عن أن يدعو به، ولو عرف معناه؛ لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارًا فليس من دين الإسلام].
يكره الدعاء بغير العربية أو -مثلًا- طلب مسائل العلم؛ لأن الإنسان لا يفهم خطاب الله جل وعلا، وكلام رسوله ﷺ إلا بالعربية؛ ولهذا صار تعلم اللغة العربية واجب من واجبات الدين؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يفهم كلام الله، وكلام رسوله ﷺ إلا بذلك، وإذا كان الإنسان لا يعرف اللغة العربية، والأمر ضروري يضطر إليه، فيجب عليه أن يتعلم.
[ ٣٧ / ٧ ]
شروط جواز الرقية
قال الشارح: [وقال السيوطي: وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى.
قال المصنف ﵀: التمائم: شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فقد رخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁، والرقى: هي التي تسمى العزائم، وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﵌ من العين والحمة، والتولة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته].
التولة من أنواع السحر الذي يصنعه من لا خلاق له، والسحر لا يكون إلا بواسطة الشيطان، بأن يطيعه الإنسان، وقد يسجد له، وقد يقرب له قربانًا، فينتفع بذلك، وهو من استمتاع بعض الجن ببعض الإنس، كما أخبر الله جل وعلا أنهم يقولون يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨] يعني: بعضهم ينتفع ببعض، هذا يقدم منفعة، وهذا يقدم منفعة، وهذا نوع منه، وقد ذكر العلماء أن السحر لا يمكن أن يحصل من دون شرك؛ لأن السحر كله بواسطة الشيطان.
قال الشارح: [قوله: (التمائم) قال المصنف: شيء يعلق على الأولاد من العين، وقال الخلخالي: التمائم: جمع تميمة، وهى ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام لدفع العين، وهذا منهي عنه؛ لأنه لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وبأسمائه وصفاته].
التمائم تكون من الخرزات أو من العظام، وكل ما علق من أي نوع كان ويقصد به النفع فهو تميمة؛ لأن العبرة بالمقاصد، وليس بذوات الأشياء، مقاصد القلوب والنيات هي العبرة، فيعتبر مقصد الإنسان ونيته، فإذا علق شيئًا يقصد به دفع المؤذي من مرض أو ما أشبه ذلك، أو رفعه بعد نزوله فهو تميمة، وهو نوع من الشرك.
[ ٣٧ / ٨ ]
ترجيح المنع من تعليق التمائم ولو كانت من القرآن
قال الشارح ﵀: [اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك.
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه.
قلت: هذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل: الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم.
الثاني: سد الذريعة؛ فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
الثالث: أنه إذا علق فلابد أن يمتهنه المعلق؛ لحمله معه في حال قضاء الحاجة، والاستنجاء ونحو ذلك.
وتأمل هذه الأحاديث وما كان عليه السلف رضي الله تعالى عنهم يتبين لك بذلك غربة الإسلام، خصوصًا إن عرفت عظيم ما وقع فيه الكثير بعد القرون المفضلة من تعظيم القبور، واتخاذ المساجد عليها، والإقبال إليها بالقلب والوجه، وصرف جل الدعوات والرغبات والرهبات وأنواع العبادات التي هي حق الله تعالى إليها من دونه كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٦ - ١٠٧] ونظائرها في القرآن أكثر من أن تحصر].
مقصده بهذا القول، أنه إذا كانت التمائم منعت لكونها تعلقًا بغير الله جل وعلا، وجعلت من الشرك؛ فكيف بمن يذهب إلى القبور، ويدعو أصحابها، أو يعكف عندها طلبًا للبركة من تربتها، أو ممن سكنها، وهم رفات رميم مرتهنون بأعمالهم، أو يذهب يطوف بها تعبدًا وتقربًا، أو يظن أن العبادة عندها أفضل من عبادة الله عند غيرها؟! فإن كل هذا إما شرك أو وسيلة للشرك الأكبر الذي يكون منافيًا للتوحيد، فالتوحيد يكون بأن الإنسان لا يتعلق بغير الله جل وعلا، ويخلص اتجاهه وعمله لله وحده، في فعله وفي نيته ومقصده، والذي يكون بهذه المثابة هو الذي يكون مخلصًا، ويكون سالمًا من التعلقات بالمظاهر الأخرى سواء كانت تمائم أو غير تمائم.
ويقول: إن هذا الموحد يكون غريبًا؛ لأن هذه الأمور من التعلق بالقبور وقعت حتى من بعض العلماء الذين هم قدوة، فإذا كان هذا يقع منهم فكيف بالعامة؟! وهذا مما يجعل الدين الإسلامي غريبًا، وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ)، ومعلوم أنه بدأ برسول الله ﷺ فقط، ثم كان الناس يدخلون في الإسلام واحدًا بعد آخر.
وفي هذا الحديث جاء ذكر ثلاثة أشياء: الرقى والتمائم والتولة، وقد فسرت في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود راوي الحديث، وأخبر أن الرقى والتمائم معروفة، وهي كل رقية بقراءات وتعويذات سواء كانت بأسماء الله أو آياته أو بغير ذلك، فهذا يطلق عليه أنه رقية، ولكن الشرك هو ما كان فيه تعوذ بغير الله جل وعلا، أو فيه طلب شفاء لمرض نزل أو لشيء يتوقع من غير الله جل وعلا.
وأما التمائم: فهي الحروز التي يكتب فيها أو بدون كتابة، سواء كانت توضع على موضع معين كاليد والرجل أو الرقبة، أو يؤتى بالحرز ويوضع في الجيب أو غير ذلك، وسواء كانت فيه كتابة أو ادعي أنه بطبعه وخاصيته يدفع وينفع.
والتولة نوع من السحر، وهي التي تسمى بالعاطف، يعني: يعطف الإنسان على غيره بأن يحببه إليه، ولا سيما بين الزوجين، فإن هذا معروف إلى اليوم، تصنعه المرأة وتزعم أنه يعطف زوجها عليها، ويجعلها محبوبة له، وهو نوع من السحر.
والسحر لا يكون إلا بواسطة الشياطين، وله تأثير في الأبدان وفي الأفكار والعقول، قد يفسد العقل وقد يفسد البدن وقد يقتل، ولكنه كما قال الله جل وعلا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، فالشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر، وهو صنعة يمكن تعلمه، ولكن بواسطة الشيطان وهو أنواع كثيرة، وكل نوع منه محرم، وسيأتي وصفه والكلام فيه في باب مستقل، وكذلك العلاج منه والذي يسمى بـ (النشرة) سيأتي له باب مستقل.
فهذه الأمور الثلاثة أخبر الرسول ﷺ في هذا الحديث أنها شرك، والشرك هو أعظم الذنوب على الإطلاق، كما أخبر الله جل وعلا أن كل ذنبٍ تحت مشيئته قد يغفره إذا شاء إلا الشرك، فإن الله لا يغفره لمن يموت عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨]، فالمشرك الذي يموت على الشرك هو في النار قطعًا بدون استثناء.
والشرك أنواع: منه الشرك الأكبر، ومنه الشرك الأصغر، والشرك الأصغر كيسير الرياء، وكالحلف بغير الله جل وعلا، ومثل هذا إذا مات الإنسان عليه لا يكون من أهل النار، ولكنه يأثم، ويستحق أن يعاقب؛ لأن هذا أعظم من الكبائر، أعظم من الزنا، ومن السرقة كما قال العلماء، ومع ذلك لا يخرج الإنسان من دين الإسلام.
والتمائم سبق أنها سميت تمائم أخذًا من أنه سيتم مراد الواضع لها، فهي سميت بذلك من باب التفاؤل، يعني: تفاءلوا عندما وضعوا هذا الشيء بأنه سيتم مقصود الواضع لدفع الأذى أو لجلب النفع، فمن هذا المعنى سميت تميمة، وقد قال الرسول ﷺ: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له)، وسبق أن هذا إما أن يكون دعاء وإما أن يكون خبرًا، وكلاهما يدل على نقيض مراد الواضع لذلك؛ وذلك أن من وضع التميمة فإن قلبه قد تعلق بغير الله، والتفت إلى غيره، وهذا نوع من الشرك، ونوع من رجاء النفع من المخلوق، والتعلق به، والنفع والدفع لا يكون إلا من الله جل وعلا، فهذا هو وجه كون التميمة شركًا.
أما الرقية: فإنها إذا كانت بتعوذ بالشياطين أو بالملائكة أو بالأولياء والصالحين الغائبين أو الميتين الذين لا يقدرون على أن يوصلوا إليه ما طلب منهم، أو يعيذوه مما استعاذ منه؛ فإن هذا من الشرك.
وإذا كانت الرقية بآيات الله وأوصافه جل وعلا فهي مستحبة كما سبق، وقوله: خص الدليل منها ما كان بآيات الله وأوصافه فإنه جائز، بل هو مستحب، وأما التميمة التي فيها القرآن أو صفات الله جل وعلا فقد اختلف فيها العلماء على قولين: أحدهما: أنه جائز بالشروط التي ذكرها السيوطي وقال: إنها بالإجماع، وهي ثلاثة: الأول: أن تكون بآيات الله وأسمائه.
الثاني: أن تكون بكلام عربي معروف المعنى.
الثالث: أن يكون الذي وضعها يعتقد أنها لا تؤثر بنفسها، وإنما المؤثر هو الله جل وعلا.
فذكر أن عبد الله بن عمرو بن العاص يريد هذا النوع، وقال: إنه ظاهر ما روي عن عائشة، وجمهور السلف والتابعين على أنه لا يجوز، ورجح هذا بأمور ثلاثة: أحدها: أن الأدلة مطلقة لم تخص شيئًا من ذلك، فمن ادعى الخصوصية فعليه الدليل، ولا دليل على هذا.
الأمر الثاني: إذا قيل بالجواز فإنه يجر إلى ما لا يجوز، فيكون وسيلة إلى المحرم، والوسائل لها أحكام المقاصد، إذا كان المقصد محرمًا فالوسيلة محرمة، وإذا صارت النتيجة تئول إلى شيء محرم، فالسبب أن الذي يجر إليها يكون حرامًا، وهذه قاعدة معروفة قررها العلماء، وقد دل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على هذه القاعدة كقوله جل وعلا: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] يعني: لا تسبوا أصنامهم وتذموها وتعيبوها؛ فإنهم إذا سمعوا ذلك سبوا إلهكم الذي هو الله، فنهوا عن هذا من أجل ما يئول إليه.
وفي الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال ل عائشة: (لولا أن قومك حديثي عهد بالشرك لنقضت الكعبة، وجعلتها على أساس إبراهيم، وجعلت لها بابًا لاصقًا في الأرض من الشرق، وآخر من الغرب؛ لأن قومك لما أرادوا بناء البيت قصرت بهم النفقة، ورفعوا الباب حتى لا يدخلها إلا من يريدون) فذكر أن ذلك كان فيه مصلحة، وأمر محبوب، ولكن منعه من ذلك كون المشركين حديثي العهد بالشرك، فخاف أنه إذا نقضها صار ذلك فتنة لهم، فترك ذلك، إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على هذه القاعدة.
الأمر الثالث: أن المعلق لا يخلو من الامتهان، كأن يستنجي الإنسان وهو عليه، أو يدخل به الحمام ليقضي حاجته، وما أشبه ذلك، ولا سيما إذا كان على طفل أو إنسان لا يفقه، فإنه لا يخلو من هذا.
فهذه الأمور الثلاثة رجح بها المنع، يقول: وهو مذهب جمهور العلماء، وهذا أحوط للإنسان، وأسلم لدينه، فالإنسان إذا توكل على الله واعتمد عليه فإن الله جل وعلا يكفيه ويشفيه من كل ما يقع فيه ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢].
قال الشارح: [قوله: التولة، فسرها ابن مسعود راوي الحديث كما في صحيح ابن حبان والحاكم قالوا: يا أبا عبد الرحمن! هذه الرقى والتمائم قد عرفناها فما التولة؟ قال: شيء تصنعه النساء، يتحببن به إلى أزواجهن.
قال الحافظ: التولة: بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففًا، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهي ضرب من السحر، والله أ
[ ٣٧ / ٩ ]
حديث: (من تعلق شيئًا وكل إليه)
قال الشارح: [وعن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: (من تعلق شيئًا وكل إليه) رواه أحمد والترمذي].
سبق أن لفظة تعلق تكون بفعل القلب، وتكون بفعل الجوارح، وغالبًا تطلق على فعل القلب، ولا سيما في مثل هذا الذي يرجى منه النفع الغيبي ومن الأمر الذي لا يشاهد، فإن هذا يراد به تعلق القلب.
(من تعلق تميمة) يعني: تعلق قلبه بها، بأن رجا أنها تدفع عنه الضر أو تجلب له النفع، ومن فعل هذا فقد رجا غير الله، والتفت إلى غيره، وهذا كما سبق نوع من الشرك.
قال الشارح: [وعبد الله بن عكيم هو بضم المهملة مصغرة، ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي، قال البخاري: أدرك زمن النبي ﷺ ولا يعرف له سماع صحيح، وكذا قال أبو حاتم، قال الخطيب: سكن الكوفة وقدم المدائن في حياة حذيفة، وكان ثقة، وذكر ابن سعد عن غيره أنه مات في ولاية الحجاج.
قوله: (من تعلق شيئًا وكل إليه) التعلق يكون بالقلب، ويكون بالفعل، ويكون بهما (وكل إليه) أي: وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه].
قوله: (شيئًا) هذا عام، (من تعلق شيئًا وكل إليه)، والمقصود أن الذي يتعلق بغير الله فإن الله يكله إلى ذلك الغير، وإذا وكل الإنسان إلى غير الله فإنه يوكل إلى عوره وإلى ضيعة، فلا يحصل له مقصوده، بخلاف الذي يتعلق بالله جل وعلا، فإنه يكون ناجحًا يحصل له مراده، ويكون مطيعًا في ذلك لله جل وعلا، ويأتيه الخير من حيث لا يحتسب.
ففرق بين من تعلق بالله ومن تعلق بالمخلوقات التي لا تنفع نفسها فضلًا عن غيرها من الأمور التي يتوقع نفعها، أو الأمور التي يتوقع ضررها بأن تدفع، فإن هذا لا يكون إلا بيد الله جل وعلا كما في حديث عبد الله بن عباس: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك) فالأمور كلها بيد الله.
ولكن إذا كان الإنسان يقينه ضعيفًا، وإيمانه ضعيفًا، فإن تعلقه بالله يصبح ضعيفًا، وتجده يتشبث بأدنى سبب يتوهمه، فإذا كان هكذا فإن الله لا يبالي في أي وادٍ هلك.
بخلاف الذي يكون إيمانه قويًا، وثقته بالله قوية، فإنه لا يضره أي توهم يمر به من الشيطان أو من غيره، فإنه يعتمد على الله بعد فعل السبب، فالأسباب مطلوب فعلها، ولكن لا يعتمد عليها، وإنما الاعتماد على الله جل وعلا، فهو إذا شاء جعل السبب مؤثرًا، وإذا شاء أبطل السبب وإن كان قويًا، ويصبح لا تأثير له.
فالمقصود أن الأمور كلها بيد الله، فما حصل لك من خير فهو من الله، وإن كان هناك أسباب فالأسباب سببها الرب جل وعلا.
فيجب على العبد أن يكون تعلقه بالله وحده، وألا يلتفت إلى المخلوقات، ولا يعلق قلبه بها، فلا يرجو نفعها أو أن تدفع عنه ضرًا، وهذا لا ينافي كونك تستعيذ بمن يقدر على إعانتك ممن هو حاضر عندك، ويستطيع أن يساعدك على عمل ما، فإن هذا غير ممنوع (من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه)، والمسلمون كالجسد الواحد يشد بعضه بعضًا، فلا بد من التعاون، ولكن المقصود بالمنع الأمور الغيبية التي يتوقع نفعها كالشفاء من المرض، وكدفع الآفات، وما أشبه ذلك، فهذه يجب أن يكون التعلق فيها بالله وحده.
قال الشارح: [فمن تعلق بالله، وأنزل حوائجه به، والتجأ إليه، وفوض أمره إليه؛ كفاه، وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير؛ ومن تعلق بغيره، أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه ونحو ذلك؛ وكله الله إلى ذلك، وخذله، وهذا معروف بالنصوص والتجارب قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]].
معنى حسبه: يعني: كافيه، من يتوكل على الله فإن الله يكفيه كل ما خافه، ويعطيه ما أمله ورجاه.
قال الشارح: [وقال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا أبو سعيد المؤدب قال: حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت: حدثني حديثًا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز، قال: (نعم، أوحى الله ﵎ إلى داود: يا داود! أما وعزتي وعظمتي! لا يعتصم بي عبد من عبادي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له من بينهن مخرجًا، أما وعزتي وعظمتي! لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا قطعت أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالى بأيّ أوديتها هلك)].
[ ٣٧ / ١٠ ]
حديث: البراءة ممن عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم
قال الشارح: [وروى أحمد عن رويفع قال: قال رسول الله ﷺ: (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا بريء منه)].
هذا من أحاديث الوعيد التي يتوعد من فعل ما ذكر فيها بأن الرسول ﷺ برئ منه، أو بأن الله يفعل به كذا وكذا، إما أن يلقيه في النار، أو يغضب عليه، أو يلعنه، أو أن من فعل كذا وكذا فليس منا، وما أشبه ذلك، وللعلماء في هذا مذهبان سنذكرهما إن شاء الله.
قوله: (لعل الحياة ستطول بك) قد وقع ما ترجاه الرسول ﷺ، ومثل هذا الأسلوب قد يأتي لأمر مجزوم به متيقن، ومع ذلك يقول: لعله كذا وكذا، وهو عارف أنه سيقع؛ لأن هذا أسلوب عربي استعمله القرآن، وكذلك استعمله الرسول ﷺ.
وقوله: (أخبر الناس) هذا ليس خاصًا بـ رويفع، وإنما هو عام لكل من كان عنده علم من شرع الله جل وعلا مما بينه الرسول ﷺ، فإنه يجب أن يخبر الناس بذلك، إذا كانوا محتاجين إليه، ومثل هذا إذا كان واحدًا فإنه يتعين عليه، أما إذا كانوا جماعات عندهم هذا العلم، فإن الأمر يكون بالنسبة إليهم من فروض الكفاية، يعني: إذا قام به من يكفي للبيان والإيصال فيسقط الإثم عن البقية، ولا يلزم كل واحد بعينه أن يبين ويوصل ذلك إلى الناس.
وهذا عام في كل ما احتاج إليه الناس من أمر دينهم، والخطاب وإن كان لشخص بعينه فقد علم من قواعد الشرع أنه يقصد به كل من حمل شيئًا عن الرسول ﷺ، فيجب عليه أن يبينه للناس إذا كانوا محتاجين إليه.
[ ٣٧ / ١١ ]
حرمة تقلد الوتر
وقوله: (أخبر الناس أن من تقلد وترًا، أو عقد لحيته أو استنجى برجيع دابة فإن محمدًا برئ منه)، أما الوتر: فقد تقدم أنه أحد أوتار القوس، وهو السلاح المعروف قديمًا، فإذا اخلولق الوتر الذي يرمون به علقوه على دوابهم، وربما علق على الصبيان، ويزعمون أنه يدفع عنهم عين الإنسان، وكذاك أذى الجان، وهذا هو النفع الغيبي الذي قلنا: إنه إذا علق لأجل النفع الغيبي، أو الدفع الغيبي فإنه يكون من الشرك؛ فلهذا أخبر الرسول ﷺ أنه برئ ممن فعل هذا، ومن تبرأ منه الرسول ﷺ فأقل ما يقال فيه: إنه فعل جريمة من الجرائم التي يستحق عليها عقاب من الله جل وعلا.
[ ٣٧ / ١٢ ]
حرمة عقد اللحية
الأمر الثاني: عقد اللحية، وعقد اللحية فسره العلماء بشيئين: أحدهما: ما كان من فعل بعض المتكبرين والمتجبرين من الأعاجم ومن العرب، فكانوا في القتال يعقدون لحاهم ويفتلونها ويعقدونها على هيئة معينة؛ ليكون ذلك شوهة بحيث من رآهم خاف، ويكون منظرهم مخيفًا، وهم يفعلون هذا تكبرًا وتجبرًا.
المعنى الثاني: أن المقصود معالجة الشعر حتى يتعقد ويتجعد، ويكون له عقد من نفسه؛ ليكون هذا من باب التجمل والتزين بتعقيد الشعر، وقد جاء في حديث آخر النهي عن عقد اللحية في الصلاة؛ لما فيه إما من الكبر والتجبر على عباد الله، أو لما فيه من التأنث والتأنق والتشبه بالنساء التي تتجمل وتتزين وليس هذا من شأن الرجال.
[ ٣٧ / ١٣ ]
حرمة الاستنجاء برجيع دابة أو عظم
المقصود برجيع الدابة: روث الدواب من الإبل والبقر وغيرها، فلا يجوز للإنسان إذا قضى حاجته أن يتمسح بروث الدواب؛ فإن هذا من المحرمات، وقد أخبر الرسول ﷺ أنه بريء ممن فعل هذا، وقد جاءت علة النهي في أحاديث معروفة عن الرسول ﷺ، وفيها أنه أخبر أن الرجيع علف دواب الجن من المسلمين، فإن الرسول ﷺ أخبر أنه التقى بالجن، ودعاهم إلى الله، وأنهم أسلموا، وسألوه الطعام لهم ولدوابهم، فقال ﷺ لهم: (لكم كل عظم ذكر عليه اسم الله جل وعلا، تجدون عليه لحمًا أوفر ما كان) هذا لهم، فلهذا حرم الاستنجاء بالعظام من أجل ذلك؛ لأن هذا يفسدها على الجن.
وأما دوابهم فأرواث دواب الإنس يكون علفًا وطعامًا لدوابهم، وهذا خاص بالمؤمنين من الجن، أما الكافرون منهم فإنهم لا يجدون من ذلك شيئًا، وإنما يطعمون ما يطعمهم الله جل وعلا حلالًا أو حرامًا.
أما ما يجيء من الوعيد في الحديث كأن يقول: فإن محمدًا ﷺ برئ منه أو يقول: فإنه ليس منا، أو يقول: من فعل كذا وكذا فقد كفر، كما في السنن: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول: فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ)، وكذلك قوله: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ)، وكذلك: قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠] وما أشبه ذلك كثير؛ فإن للعلماء في هذا مذهبين مشهورين: المذهب الأول: أنه لا بد من تأويل ذلك؛ لأن الفاعل لهذه الأمور لا يكون كافرًا، فقالوا في مثل قوله ﷺ: (إن محمدًا بريء منه) يعني: بريء من فعله، أو أنه برئ منه في هذه الحال، فإذا راجع ربه، وتاب، وأقلع عن ذلك الذنب، فإنه لا يكون بريئًا منه، وفي مثل قوله: (من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) يعني: أنه كفر دون كفر، لا يكون كفرًا مخرجًا من الملة والدين رأسًا، وقالوا: في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ يعني: لو جازاه، ولكن الله يعفو، وهكذا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ وما أشبه ذلك، وهذا مشهور في كتب التفسير، وفي شروح الأحاديث إذا نظرت فيها، فإنهم يشرحونها بمثل هذه الألفاظ.
المذهب الثاني: مذهب كثير من المحققين يقولون: هذا التأويل خطأ، وإنما الواجب أن تبقى هذه النصوص كما جاءت مع اعتقاد أن الفاعل لها لا يكون كافرًا، ولا يكون خارجًا من الملة، ولكن لا يجوز لنا أن نتأولها؛ لأن تأويلها يكون فيه محذوران: الأول: الخطر في ذلك، لأننا لا ندري مراد الله ومراد الرسول ﷺ من هذا، فإذا عينا شيئًا فإننا نكون على خطر، فقد يكون هذا الشيء الذي عيناه ليس هو مراد الله ولا مراد رسوله ﵊.
الثاني: أن هذه النصوص إذا تركت كما جاءت فإن هذا يكون أدعى للانزجار والابتعاد عن اقتراف مثل هذه الذنوب، وهذا هو الراجح، فإذا جاءت مثل هذه الأخبار فإنها تترك كما جاءت، مع الاعتقاد بأن الفاعل لهذه الأمور ليس كافرًا وليس خارجًا من الدين، والله أعلم.
قال الشارح: [الحديث رواه الإمام أحمد عن يحيى بن إسحاق والحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن ابن لهيعة، وفيه قصة اختصرها المصنف، وهذا لفظ الحسن: قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا عياش بن عباس عن شييم بن بيتان قال: حدثنا رويفع بن ثابت قال: كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ يأخذ جمل أخيه على أن يعطيه النصف مما يغنم، وله النصف، حتى إن أحدنا ليصير له النصل والريش وللآخر القدح، ثم قال لي رسول الله ﷺ الحديث.
ثم رواه أحمد عن يحيى بن غيلان قال: حدثني المفضل قال: حدثنا عياش بن عباس أن شييم بن بيتان أخبره أنه سمع شيبان القتباني الحديث.
ابن لهيعة فيه مقال، وفي الإسناد الثاني شيبان القتباني قيل فيه: مجهول، وبقية رجالهما ثقات.
قوله: (لعل الحياة ستطول بك) فيه علم من أعلام النبوة، فإن رويفعًا طالت حياته إلى سنة ست وخمسين، فمات ببرقة من أعمال مصر أميرًا عليها وهو من الأنصار، وقيل: مات سنة ثلاث وخمسين.
قوله: (فأخبر الناس) دليل على وجوب إخبار الناس، وليس هذا مختصًا بـ رويفع، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس وجب إعلامهم به، فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية قاله أبو زرعة في شرح سنن أبي داود.
قوله: (أن من عقد لحيته) بكسر اللام لا غير، والجمع لحى بالكسر والضم قاله الجوهري.
قال الخطابي: أما نهيه عن عقد اللحية فيفسر على وجهين: أحدهما: ما كانوا يفعلونه في الحرب، كانوا يعقدون لحاهم، وذلك من زي بعض الأعاجم يفتلونها ويعقدونها قال أبو السعادات: تكبرًا وعجبًا.
ثانيهما: أن معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل التأنيث، وقال أبو زرعة العراقي: والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة كما دلت عليه رواية محمد بن الربيع وفيه: أن من عقد لحيته في الصلاة.
قوله: (أو تقلد وترًا) أي: جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته، وفي رواية محمد بن الربيع (أو تقلد وترًا) يريد تميمة.
فإذا كان هذا فيمن تقلد وترًا فكيف بمن تعلق بالأموات، وسألهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات الذي جاء النهي عنه وتغليظه في الآيات المحكمات؟! قوله: (أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا بريء منه) قال النووي: أي: بريء من فعله، وهذا خلاف الظاهر، والنووي كثيرًا ما يتأول الأحاديث بصرفها عن ظاهرها فيغفر الله تعالى له.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: (لا تستنجوا بالروث ولا العظام فإنه زاد إخوانكم من الجن)، وعليه لا يجزئ الاستنجاء بهما كما هو ظاهر مذهب أحمد؛ لما روى ابن خزيمة والدارقطني عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ نهى أن يستنجى بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران)] يعني: لو أن الإنسان استنجى بالعظم أو بالروث فإن طهارته غير مجزئة، هذا إذا اقتصر على الاستجمار، أما إذا استنجى بالماء، فإن هذا لا أثر له، وإن كان فعله محرمًا؛ لأن نهي الرسول ﷺ يدل على الفساد، فكل ما نهى عنه من هذا القبيل، ثم ارتكب ذلك النهي، فإنه لا يجزئه إذا رتب عليه عبادة.
والاستجمار يكفي الإنسان إذا استجمر بثلاثة أحجار أو بغير الأحجار مما يزيل وينقي، ولا يجب الاستنجاء بالماء، بل يتوضأ ويبدأ بوجهه بعد الاستجمار، ويغسل يديه، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه، وبهذا يكون قد كمل وضوءه.
وهذا أمر كان مشهورًا عند الصحابة، بل كثير منهم ما كان يعرف إلا هذا، وما كانوا يعرفون الاستنجاء بالماء، حتى أن الله جل وعلا لما أنزل قوله لأهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] قال لهم الرسول ﷺ: (إن الله قد أحسن عليكم الثناء، فما هذه الطهارة؟ قالوا: ما هو إلا أننا رأينا اليهود يغسلون أدبارهم بعد قضاء الحاجة، ففعلنا ذلك، فقال: هو ذاكم فعليكموه)، والمقصود أن الإنسان يجزئه في الوضوء الاستجمار إذا استعمل الشيء الطاهر المأذون فيه، أما إذا استجمر بعظم أو بروث وإن كان منقيًا مزيلًا للخارج، ثم تطهر بعد هذا ولم يستنج، فإن طهارته باطلة؛ لنهي الرسول ﷺ عن ذلك.
[ ٣٧ / ١٤ ]
أثر ابن جبير: (من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة)
قال الشارح: [وعن سعيد بن جبير قال: (من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة) رواه وكيع، وهذا عند أهل العلم له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون هذا مرسلًا؛ لأن سعيدًا تابعي، وفيه فضل قطع التمائم؛ لأنها شرك.
ووكيع هو ابن الجراح بن وكيع الكوفي ثقة إمام صاحب تصانيف منها الجامع وغيره، روى عنه الإمام أحمد وطبقته، مات سنة سبع وتسعين ومائة].
وفي هذا الحديث الحث على إزالة المنكر، والإنسان إذا أزاله فإنه يؤجر على ذلك، ولا سيما إذا كان من نوع الشرك، ولهذا قال: (من قطع تميمة من إنسان كانت كعدل رقبة) يعني: مثل الذي يعتق الرقبة، وليس المقصود قطع التميمة فقط، بل المقصود بقطع التميمة أيضًا تنبيه الذي علقها، وتعليمه أن هذا قد يؤدي به إلى الخلود في النار إذا أشرك بالله ومات على هذا، فهو ينقذه من هذا الفعل الذي قد يكون سببًا لخلوده في النار، فيكون بذلك كمن أعتق رقبة، وعتق الرقبة فضله عظيم، حث الله جل وعلا عليه، وأخبر أن من أعتق إنسانًا فإن الله يعتقه من النار.
فإذا كان الأمر هكذا فكيف بمن ينقذ خلقًا كثيرًا من هذه الورطات؟ فإنه يكون له أجر عظيم، له أجر بعددهم، كأنه أعتق هؤلاء الذي أرشدهم وأخبرهم بأن هذا الأمر الذي وقعوا فيه شرك، وأنهم لو استمروا على ذلك وماتوا عليه لكانوا هالكين، ففي هذا الترغيب لدعوة من يقع في المحذورات، ولكن الدعوة يجب أن تكون برفق وبحكمة وبعلم، ومعرفة بالأحكام التي تترتب على هذا؛ لأن الإنسان إذا لم يدع بحكمة وبرفق فإنه قد يفسد أكثر مما يصلح، وإذا كان يدعوهم بقوة وعنف فإنهم يأبون قبول كلامه، ويكون ذلك داع لهم بالتمسك بما هم عليه؛ ولهذا كان الرسول ﷺ في أول الأمر يأتي إلى أحد الكفار، ويعرض عليه الدعوة عرضًا فيقول: يا أبا فلان! ألا تسمع مني؟ فإن قال: بلى، كلمه، وإن قال: لا، تركه، فهكذا ينبغي للإنسان أن يتأسى برسول الله ﷺ، وقد أمره الله جل وعلا بأن يصبر صبرًا جميلًا، وأن يصفح عمن أذاه، سواء كانت الأذية بالكلام أو بالفعل، حتى يكون عنده قوة يستطيع أن يمنع المعاند بها بعد أن تبين له الحق، فإن مثل هذا لا يفيد معه الكلام، وإنما يفيد معه الحديد الذي قرنه الله جل وعلا بالكتاب، فإن الله أنزل الكتاب وأنزل الحديد، فالحديد للمعاند المتكبر الذي تبين له الحق فأبى قبوله وحاربه، أما الإنسان الذي يكون جاهلًا، وربما يكون قصده الحق ولكن أخطأه؛ فمثل هذا يجب أن يستعمل معه اللين والرفق والبيان بأسلوب يجعله يقبل ما معه، ولا سيما إذا كان بينه وبينه، ليس على رءوس الأشهاد، فإن الرسول ﷺ كان إذا رأى من أحد أمرًا فيه مخالفة لا يخصه بعينه، بل يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) فيأتي بالكلام مجملًا عامًا حتى لا يكون على من وجه إليه ذلك حرج، فمن نصح أمام الناس فإنه يتضايق من ذلك، فالمسلم يجب عليه أن يقتدي برسول الله ﷺ، ويجب عليه أن ينظر في المصلحة التي قصد منها الأمر بالمعروف، والمقصود من الأمر بالمعروف ثلاثة أمور: أحدها: أن تبرأ ذمتك؛ لأنك إذا رأيت منكرًا ولم تغيره، فإن الله سوف يسألك عنه يوم القيامة، فإذا قال الإنسان: خفت الناس، يقول الله جل وعلا: أنا أحق أن تخافني، ففي هذا خلاص نفسه.
الأمر الثاني: امتثال أمر الله جل وعلا، وأداء للدعوة تأسيًا بالرسول ﷺ، فإن الله جل وعلا يقول له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] فأتباع الرسول لا بد أن يكون لهم نصيب من دعوته ﷺ.
الأمر الثالث: رحمة بهذا الإنسان الذي وقع في هذه المخالفة، فترحمه وتخشى عليه أن يقع في العذاب، فأنت تحاول أن تنقذه، هذا هو مقصود الأمر بالمعروف، وليس المقصود به فضيحة الناس وتشهيرهم بأمور لا يريدونها، فإن هذا لا يجوز.
لهذا كان من أعظم ما يفيد ويجدي في الأمر بالمعروف أن تأتي إلى الإنسان وتنصحه بينك وبينه، وتقول له بنصح وحسن نية سرًا بينك وبينه: اتق الله، هذا لا يجوز، وتأتيه أيضًا بأسلوب ليس خشنًا حتى يقبل منك، فالله جل وعلا يقول لموسى لما أمره أن يذهب إلى فرعون هو وأخوه هارون: ﴿فقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]؛ لأن فرعون كان يقول: أنا ربكم الأعلى، ومع هذا يأمر الله جل وعلا موسى أن يقول له قولًا لينًا؛ ولهذا امتثل موسى ذلك، وعرض عليه عرضًا فيه اللين والهدوء، أما القسوة وخشونة الكلام فهذا لا يجدي شيئًا.
[ ٣٧ / ١٥ ]
أثر إبراهيم: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن
قال الشارح: [وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن].
إذا جاء مثل هذا عن السلف: كانوا يكرهون كذا وكذا، فإن المقصود بذلك التحريم؛ لأن عندهم الكراهة للشيء تعني التحريم، وليس الكراهة التي اصطلح عليها المتأخرون وهي كراهة التنزيه، فهذه لم تكن معروفة عند السلف، وإنما هذا اصطلاح حادث فيما بعد، فإن الفقهاء المتأخرين قسموا الكراهة إلى قسمين: كراهة تحريم، وكراهة تنزيه، أما بلسان السلف فهي قسم واحد، وهي للتحريم فقط.
[وإبراهيم هو الإمام إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي يكنى أبا عمران ثقة من كبار الفقهاء، قال المزي: دخل على عائشة، ولم يثبت له سماع منها، مات سنة ست وتسعين وله خمسون سنة أو نحوها.
قوله: كانوا يكرهون التمائم إلى آخره، مراده بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود كـ علقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وغيرهم، وهو من سادات التابعين وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم من حكاية أقوالهم كما بين ذلك الحافظ العراقي وغيره].
[ ٣٧ / ١٦ ]
مسائل باب ما جاء في الرقى والتمائم
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: المسألة الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
المسألة الثانية: تفسير التولة.
المسألة الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
المسألة الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
المسألة الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء هل هي جائزة أم لا؟ المسألة السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب من العين لا يجوز أيضًا.
المسألة السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترًا.
المسألة الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
المسألة التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده أصحاب عبد الله].
[ ٣٧ / ١٧ ]