لقد مدح الله ﷾ الموفين بالنذر في كتابه الكريم فقال: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) ولا يمدح الله ﷾ إلا ما هو عبادة شرعًا؛ ولهذا فلا يجوز صرف النذر لغير الله سبحانه، والنذر سواء كان مجازاة أو إبرارًا تترتب عليه الأحكام الخمسة: الحرمة والكراهة والإباحة، والوجوب والاستحباب.
[ ٤٣ / ١ ]
بعض الأحكام المتعلقة بالنذر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة فسأل النبي ﷺ فقال: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه أبو داود وإسناده على شرطهما].
هذا الحديث نص في المسألة التي بوب عليها، وهو أن هذا الرجل أتى إلى النبي ﷺ وأخبره أنه نذر أن ينحر إبلًا ببوانة، وبوانة: هضبة، يقول بعض أهل الغريب: إنها في أسفل مكة، ويقول أبو السعادات بن الأثير: إنها تقع شمال ينبع، وهي المعروفة إلى اليوم بهذا الاسم، تقع بين ينبع وبين أملج على ساحل البحر، ولا تزال تعرف بهذا الاسم بوانة، وهي المقصودة في هذا الحديث، وهذا عين هذا المكان؛ لأنه عين أن يذبح هذه الإبل في هذه الهضبة.
[ ٤٣ / ٢ ]
متى يجب الوفاء بالنذر
جاء في رواية أنه نذر إن ولد له مولود ذكر أن يذبح على بوانة خمسين رأسًا من الغنم، أو قال: من الإبل، وأنه أتى إلى النبي ﷺ يستفتيه في حجة الوداع، يعني: في آخر حياته صلوات الله وسلامه عليه، فقال: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟) والوثن: عام في كل ما يعبد من دون الله سواء كان ميتًا أو كان حجرًا أو غير ذلك، يعني: كان قبرًا أو شجرًا أو حجرًا أو غير ذلك، وسبق بيان الفرق بين الوثن والصنم: فالصنم ما كان على صورة حيوان أو إنسان، وأما الوثن: فهو أعم سواء كان شجرًا أو حجرًا أو قبرًا أو غير ذلك، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فقوله: (هل كان فيها وثن؟) عام في كل ما يعبد من دون الله، وهذا استفصال منه واستفسار، فقالوا: لا، لم يكن فيها شيء من ذلك، فقال: (هل كان فيها عيد من أعياد الجاهلية؟) العيد اسم لما يعود ويتكرر، سواء يعود بالفعل، أو يعود بالزمن، أو مكان يعاود إليه، وهذا كله جاءت النصوص به، وكلها تسمى عيدًا، الأفعال مع الوقت كقول ابن عباس: (شهدت العيد مع رسول الله ﷺ) يقصد الصلاة مع الوقت.
وأما المكان فمثل قول النبي ﷺ: (لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ أينما كنتم) (لا تجعلوا قبري عيدًا) يعني: لا تتردوا إليّ (وصلوا عليّ أينما كنتم) هذا يكون في المكان.
وأما في الزمن فمثل ما جاء أن يوم الأضحى ويوم الفطر عيد المسلمين، وكذلك يوم الجمعة يسمى عيدًا، فهذا يقصد به الزمن، ولكن لا بد أن يتبعه فعل، فقوله: (هل كان فيها عيد من أعيادهم؟) يشمل هذا كله، سواء كان مكانًا يجتمعون فيه، أو كان مكانًا يعملون فيه أي: عمل من أعمال الجاهلية، سواء من الأعمال العادية أو التعبدية؛ يكون عيدًا من أعيادهم، فلا يجوز أن يوافقوا على هذا، وفي هذا دليل على أنه يجب مخالفة الكفار في كل أفعالهم وأعيادهم التي يتخذونها سواء كانت عادات أو عبادات، فلابد أن يخالفوا في هذا؛ لأنه مطلوب شرعًا، ولأن النصوص دلت على هذا.
فلما ذكر له أنه لم يكن فيها وثن ولا عيد من أعيادهم، قال له: (أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) يقول العلماء: إنه إذا جاء الحكم مذكورًا بالفاء، مرتبًا على وصف سابق، فإنه يكون علة فيه، ويجب أن تتوافر تلك الصفات وإلا لا يكون الحكم ثابتًا، والحكم هنا: الوفاء بالنذر، والصفة التي ذكرت كونه لم يكن فيه وثن ولا عيد، فدل هذا على أنه لو كان فيه وثن أو عيد أنه يكون نذر معصية، ونذر المعصية الوفاء به حرام؛ لقوله ﷺ: (فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله) (لا وفاء) هذا نفي، أي: لا يجوز الوفاء بالنذر في معصية الله.
فدل على أن الإنسان إذا خصص مكانًا لأداء النذر فيه، وكان خاليًا من هذه الموانع حيث لم يكن محلًا للتعبد في الجاهلية ولو كان سابقًا ولو كان قديمًا، ولو كان قد زال وذهب؛ فإن الوفاء بهذا النذر معصية، أو كان فيها عيد كالأسواق التي يترددون إليها للعب والاجتماع وما أشبه ذلك من أعيادهم التي يعتادونها، فإنه لا يجوز الوفاء بهذا.
[ ٤٣ / ٣ ]
نذر الطاعة ونذر المعصية
النذر يكون طاعة ويكون معصية، فالنذر إذا كان طاعة وجب الوفاء به، وقد أثنى الله جل وعلا على الذين يوفون بالنذر كما قال الله جل وعلا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] اليوم الذي يخافونه هو يوم القيامة، فهو الذي يكون شره مستطيرًا يعني: ظاهرًا وجليًا، يخافون ذلك اليوم، وهو الوقوف بين يدي الله جل وعلا، فقرن خوفهم الذي يقتضي الإيمان باليوم الآخر بالوفاء بالنذر، فدل على أن الوفاء بالنذر عبادة، والله جل وعلا لا يثني ويمدح إلا على فعل يحبه ويرضاه، فيكون عبادة.
فالنذر إذا كان طاعة وقربة يجب الوفاء به، ولا يجوز أن يصرف النذر لغير الله جل وعلا؛ لأن النذر عبادة، وهذا معصية، وإذا كان معصية فلا يجوز الوفاء به، كأن ينذر الإنسان مثلًا أن يشرب خمرًا، أو ينذر مثلًا ألا يكلم أخاه، أو ينذر مثلًا ألا يعطي فلانًا حقه أو ما أشبه ذلك، فإن هذا نذر بمعصية لا يجوز الوفاء به، بل يحرم الوفاء به.
[ ٤٣ / ٤ ]
حكم من نذر نذر معصية
اختلف العلماء فيمن نذر نذر معصية هل يلزمه كفارة؟ الصواب أنه يلزمه كفارة يمين لحديث عائشة: (لا وفاء لنذر في معصية الله، وعليه كفارة يمين) والحديث رواه أهل السنن الأربع، وهو حديث صحيح.
القول الثاني: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أنه لا يلزمه شيء.
ولكن الصواب هو ما دل عليه حديث عائشة أنه يلزمه كفارة يمين إذا نذر نذْر معصية، ولا يجوز أن يفي بهذا النذر، وعليه أن يكفر كفارة يمين.
وقوله: (فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم) أيضًا إذا نذر الإنسان أن يتقرب بشيء لا يملكه فإنه لا وفاء له بذلك؛ لأنه أيضًا لا يملك ذلك، وهو في الواقع خرج عما هو مأمور به مثل أن يقول: إن شفي مريضي فعليّ أن أتصدق ببيت فلان، أو بمال فلان، أو أن أعتق عبد فلان أو ما أشبه ذلك، فهذا إذا عين المال أنه مملوك لغيره فإنه لا وفاء له بهذا النذر، وهل يلزمه كفارة مثل السابق؟ تلزمه كفارة يمين.
وإذا نذر مثلًا في شيء لا يملكه وأطلق، فقال: عليّ أن أتصدق بألف ريال إذا شفي مريضي أو قدم غائبي، أو مثلًا: إن حصل لي كذا وكذا عليّ أن أذبح ناقة، أو أن أتصدق مثلًا بألف ريال، وليس ذلك عنده، فإنه يلزمه ويكون في ذمته، إذا وجد ذلك لزمه أن يفي به، وإن لم يجده يكون دينًا عليه.
ولكن هذا لا تلزمه كفارة يمين، وإنما يكون هذا المنذور في ذمته.
[ ٤٣ / ٥ ]
مسائل باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
[فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٨].
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض وكذلك الطاعة.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال].
قوله ﵀: [فيه مسائل] يعني: في الباب الذي سبق مسائل في المعنى المراد من كون المكان الذي يذبح فيه لغير الله لا يجوز الذبح فيه لله جل وعلا، فذكر منها أولًا: تفسير قوله تعالى: (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا)، والمقصود نهي الله جل وعلا لنبيه ﷺ عن القيام والتعبد لله في المسجد الذي قصد به الإضرار بالمسلمين، وقصد به أن يكون محلًا لمأوى المحاربين لله جل وعلا ولرسوله، فصار ذلك المكان مكان معصية لا يقام فيه للتعبد لله جل وعلا.
وقوله: (أَبَدًا) يدل على أن هذا الحكم مستمر في هذه البقعة أبدًا، وأخذ من هذا: أن المعصية تؤثر في الأماكن كما أن الطاعة تؤثر في الأماكن، ومن ذلك كون المساجد أحب بقاع الأرض إلى الله جل وعلا لتأثير الطاعة فيه.
ومنه كون البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة وآل عمران يفر منه الشيطان، ولا يدخله أبدًا، وما أشبه ذلك كثير، هذا من تأثير الطاعة في المكان.
وأما كون المسألة المشكلة ترد إلى المسألة الواضحة، أو أن المسألة التي فيها إجمال ترد إلى المسألة التي يكون فيها التفصيل فهذا أخذ من قوله ﷺ: (هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية؟ هل كان فيه عيد من أعيادهم؟) فلما أخبر أنه ليس فيه شيء من ذلك، أخبره بالحكم، وهو أنه يجب الوفاء بهذا النذر.
والمسألة المجملة هي قوله: (إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة)، فهذا شيء مجمل، يحتمل أن تكون في بوانة وثن، ويحتمل أن يكون فيها عيد من أعياد الجاهلية فجاء التفصيل.
والمقصود بهذا أن المفتي يجب عليه أن يستفصل من المستفتي في كلامه؛ لأنه قد يكون هناك تفصيل، والحكم يختلف باختلاف الإجمال والتفصيل.
[الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع].
يعني: كون المكان يخصص بأن يذبح فيه لله جل وعلا كذا وكذا؛ جائز إذا لم يكن هناك مانع من الموانع التي فهمناها من هذا الحديث، وهكذا الصلاة، والاعتكاف، والصوم، وما أشبه ذلك له هذا الحكم إلا أنه لو نذر أن يعتكف في مسجد من المساجد غير المساجد الثلاثة فإنه لا يتعين، بل يعتكف في أي مسجد من المساجد؛ لأنه إذا كان هذا يتطلب سفرًا فإن حديث الرسول ﷺ دل على المنع، وهو الحديث المتفق عليه: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) يعني: لا تشد الرحال لأداء العبادة (إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى) ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀ عن رجل نذر أن يأتي مسجد قباء، فقال: يأتي مسجد الرسول ﷺ ويكفي، فسئل عن رجل نذر أن يأتي المدينة، فقال: إن كان أراد الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ يلزمه ذلك وإلا لا يجوز لقوله ﷺ: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد).
فالمقصود أن تخصيص البقعة بالنذر إذا كانت خالية من الموانع فلا بأس بها، وذلك جائز.
[المسألة السادسة: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية ولو بعد زواله.
المسألة السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله].
العيد قد مر أنه اسم لزمن يعود ويتكرر، ويكون اسمًا للمكان، ويكون اسمًا للعمل، كالأعمال التي تفعل في وقت معين، والأعياد في هذه الأزمان -أعياد الجاهلية- كثيرة جدًا، أصبح لكل مناسبة عيدًا، وسواء سموه عيد الشجرة أو عيد المعلم، أو غير ذلك، كلها أعياد جاهلية؛ لأن الإسلام ليس فيه إلا عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى، ولهذا قال الرسول ﷺ: (إن الله أبدلكم بأعياد الجاهلية عيدين في الإسلام: الفطر والأضحى) فالمسلمون ليس لهم إلا هذين العيدين.
والذي يشارك في الأعياد الأخرى هو يشارك في أفعال الجاهلية مخالفًا أمر الرسول ﷺ؛ فيكون بذلك آثمًا.
لا بأس بكون الناس يهتمون بأمر الزراعة أو يهتمون بأمر الصحة، أو يهتمون بأمور دينهم وديناهم، ولكن لا يجعل يومًا معينًا يسمى عيدًا، وإنما هذا الشيء النافع يكون الاهتمام به مطلقًا؛ لأن الشيء الذي يهم المسلمين في أمر دينهم أو دنياهم أمر مطلوب منهم شرعًا، ولا يكون مخصصًا في وقت من الأوقات؛ لأن تخصيصه في وقت من الأوقات أو يوم من الأيام اتباع لأعداء الإسلام، فيكون فيه مشابهة، فيكون ممنوعًا من هذا الباب ومن هذه الناحية، فهو ممنوع من باب المشابهة، أي: مشابهة الكفار.
ومعلوم أن الإنسان إذا رأى من يوافقه في عمل من الأعمال أو في لباس وهيئة فإنه يحب الميل إليه، ويجد شيئًا من المودة له، وهذا شيء جبلت عليه النفوس، ومن هنا جاء الشرع بالنهي عن التشبه بالكفار، قال ﷺ: (من تشبه بقوم فهو منهم).
[المسألة الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية].
هذا إذا كان فيها وثن أو كان فيها عيد، فيصبح نذر معصية، ودل هذا على أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به، بل يحرم أن يفي الإنسان بنذر المعصية، إذا نذر مثلًا: أن يشرب الخمر، حرام عليه أن يفي بنذره أو نذر ألا يصلي حرام عليه أن يفي بنذره، لا وفاء بنذر في معصية الله جل وعلا.
[المسألة التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده].
يعني: لو لم يقصد المشابهة ولو في الصورة فإنه ممنوع للمسلم أن يكون مشابهًا للكافر ولو في مجرد صورة العمل والفعل من غير أن يقصد موافقتهم في ذلك؛ لأن قوله: (من تشبه بقوم فهو منهم) عام؛ ولأن نهي الرسول ﷺ عن التشبه بالكفار مطلق، حتى جاء النهي في العبادة، لما قيل له ﷺ: (إن اليهود يصومون يوم عاشوراء، قال: لئن عشت إلى السنة القابلة لأصومن التاسع) يعني: مخالفة لهم، ومخالفتهم مطلوبة.
[المسألة العاشرة: لا نذر في معصية].
يعني: أن النذر في المعصية محرم لا يجوز، وكذلك الوفاء به.
[المسألة الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك].
وذلك كونه ينذر شيئًا لا يملكه، كأن ينذر مثلًا أن يتصدق بمال فلان، أو بعبد فلان، أو بسيارة فلان أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز الوفاء به، وهل يلزمه بذلك كفارة؟ فيه خلاف بين العلماء، منهم من يقول: يلزمه كفارة يمين كنذر المعصية، وقد جاء الحديث في هذا، ومنهم من يقول: لا يلزمه شيء لقوله ﷺ في هذا الحديث: (لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) ولم يذكر كفارة.
ولكن من المعلوم أنه إذا جاء حديث آخر يثبت حكمًا زائدًا على الحديث الذي قبله أو الحديث المروي أنه لا يكون هناك معارضة فيؤخذ بالحكم الزائد، ويبقى العمل بالجميع.
[ ٤٣ / ٦ ]