أمر الله عباده أن يبتغوا عنده الرزق، وألا يلجئوا إلى غيره في ذلك، وأن تكون عبادتهم خالصة له، وأخبر أنه لا أضل ممن يعبد ويدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، وهم عن دعائهم غافلون، بل إذا حشر العابد والمعبود كانوا أعداءً لبعضهم.
[ ٤٨ / ١ ]
شرح قوله تعالى: (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧]].
سبق بيان معنى قول الله جلَّ وعلا: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًَا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٦ - ١٠٧] ثم أضاف إلى ذلك بعض الآيات، ومنها: قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت:١٧] ففي هذه الآية يبين جلَّ وعلا أن الطلب هو المسألة ومنه: طلب الرزق، والرزق من الله جلَّ وعلا وحده، وعطف العبادة على ذلك مما يدل على أنه عبادة، ولهذا قدم المعمول مما يقتضي الحصر: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧] وهذا يدل على وجوب ابتغاء الرزق عند الله فقط، ولا يجوز أن يُطلب من غيره؛ لأنه جلَّ وعلا هو رب العباد، وهو الذي يتولى أرزاقهم وحده، فهذا يدل على أنه عبادة، فطلب الرزق من الله عبادة يثاب عليه، وطلبه من غيره يكون شركًا بالله جلَّ وعلا، وليس معنى ذلك أن اتخاذ الأسباب التي يرتبها ربنا جلَّ وعلا على المسببات شركًا وإن كان كل شيء بأمره؛ ولكن لا يجوز للإنسان أن يعتمد على السبب ويظن أنه هو المؤثر، وهو الذي يتحصل به ما يطلبه، وإنما يفعل السبب لأن الله جعله سببًا، ولو شاء جلَّ وعلا لعطَّله، ولم يأتِ الأثر الذي يترتب عليه إلا بمشيئه جلَّ وعلا.
والمقصود أن الإنسان يفعل السبب الشرعي الذي أمره الشرع به، ويعتمد على الله جلَّ وعلا في حصول المطلوب، وكثيرًا ما يتخلف المسبَّب عن سببه إذا أراد الله جلَّ وعلا ذلك.
إذًا: فقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧]: الابتغاء هو الطلب، ويكون بالمسألة، ويكون بالفعل، ويكون باتجاه القلب، وهذه الأشياء تجتمع عند الإنسان المؤمن: فيتجه قلبه إلى ربه ويسأله التوفيق، ويفعل السبب، ويحتسبه ثوابًا عند الله جلَّ وعلا يجزيه على ذلك.
قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت:١٧]: هنا عطف عام على خاص كما سبق في الآية الأولى أن العبادة أعم من ابتغاء الرزق، فابتغاء الرزق جزء من العبادة، والعبادة: «وَاعْبُدُوهُ» تكون من عطف العام على الخاص، فهذه نظير الآية الأولى، وهي تدل على وجوب حصر الدعاء في الله جلَّ وعلا، سواءً كان دعاء مسألة أو دعاء عبادة، والآية في دعاء المسألة واضحة، أنه أمر بابتغاء الرزق عند الله.
قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ﴾ [العنكبوت:١٧] يأمر تعالى عباده بابتغاء الرزق عنده وحده دونما سواه، ممن لا يملك لهم رزقًا من السماوات والأرض شيئًا، فتقديم الظرف يفيد الاختصاص، وقوله: «وَاعْبُدُوهُ» من عطف العام على الخاص؛ فإن ابتغاء الرزق عنده من العبادة التي أمر الله بها.
قال العماد بن كثير رحمه الله تعالى: «فَابْتَغُوا» أي: فاطلبوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧] أي: لا عند غيره؛ لأنه المالك له وغيرُه لا يملك شيئًا من ذلك.
«وَاعْبُدُوهُ» أي: أخلصوا له العباده وحده لا شريك له، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت:١٧] أي: على ما أنعم عليكم ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ﴾ [العنكبوت:١٧] أي: يوم القيامة سيجازى كل عامل بعمله].
ومما يستفاد من الآية أيضًا: أن الرزق الذي ينعم الله جلَّ وعلا به على عباده يجب أن يكون عونًا على الطاعة، فإن لم يستعمل لذلك فإن الإنسان مستحق لعذاب الله جلَّ وعلا، ويكون وضعه غير صحيح؛ لأنه لم يُخلق لذلك، وإنما خلق ليعبد الله ويستعين به على ذكر الله جلَّ وعلا وطاعته، والوضع الذي يكون على غير ذلك ويكون على غير أمر الله مسخط للرب جلَّ وعلا، فيجب على العباد عمومًا، أن يكون هذا وضعهم وهذه حالتهم، وأن يكونوا في حال حصول الرزق متعبدين به لله جلَّ وعلا طائعين به لله، متقوين به على التقرب إليه، وهذا -المعنى- يدخل في قول الرسول ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)؛ لأن الصحة والفراغ لا تدومان للإنسان، فيلزم أن يستغل الإنسان صحته وفراغه، وهذا من أعظم الرزق، ومن أعظم النعم التي ينعم بها الرب جلَّ وعلا على عبده، فينبغي عليه أن يستعملهما في اكتساب الطاعات والأجور وتحصيل الباقيات الصالحات التي تبقى عند الله جلَّ وعلا.
[ ٤٨ / ٢ ]
شرح قوله: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦].
]: قوله جلَّ وعلا: «وَمَنْ أَضَلُّ» (من) هنا: استفهام، والاستفهام معناه: أنه ليس هناك ضلال، فهذا استفهام يدل على أن من فعل هذا الفعل قد تناهى في الضلال، وليس وراء هذا الضلال ضلال.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥]، وهذه صفة كل مدعو بدعاء لا يستطيع تلبيته وإجابة المطلوب فيه، سواء كان حيًا أو ميتًا، وسواءً كان عاقلًا أو جمادًا، فإن معنى: ﴿مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف:٥] أي: لا يحصل له الرد والالتفات والاهتمام بدعوته، أما حصول الشيء المطلوب فإنه لا يحصل من هؤلاء، بل وصوله مستحيل، وهذا يكون فيمن كان غائبًا غالبًا، ويكون فيمن كان ميتًا، أما من كان حاضرًا فهو إما أن يكون طاغوتًا من أكبر الطواغيت مثل الشيطان الذي يدعو الإنسان إلى أن يعبده، ويغره ثم يتبرأ منه فيكون كاذبًا، وإن استجاب له فهي استجابة وهمية؛ ولكن الاستجابة الحقيقية إذا سأله الله، وقال له: هذا يدعوك وهذا يعبدك.
ويقول للعابد: اطلب من هذا المعبود ما كنت تطلبه منه في الدنيا، فهنا تكون الإجابة بالتبري، ولعن كل واحد منهما الآخر، ويتبرأ منه ويلعنه ويصبح له عدوًا كافرًا بفعله، وهذا ضلال متناهٍ ليس بعده ضلال، ولهذا قال الله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥]، والاستجابة يوم القيامة ليست في حصول المطلوب، وإنما هي أن يلعنه ويتبرأ منه، ويكفر به ويصبح عدوًا له، كما قال الله جلَّ وعلا في الآية الأخرى في قصة إبراهيم: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًَا﴾ [العنكبوت:٢٥]، وهذا لأنه استعمل النعم واستعمل حياته في غير ما خلقت له، بل عكس القضية تمامًا، فصار هذا جزاؤه، الذي استحقه، وهذه الآية عامة في كل مدعو من دون الله، فإنه لن يستطيع الإجابة الحقيقية ولا يتحصل الداعي على حقيقة دعوته إلا يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة اطلع على ذلك تمامًا، وعرف أنه ليس عنده إلَّا الضلال والخسران، وهناك تكون الحسرة، ويتبين له أنه في سعيه وعمله متبع للشيطان، مبتعد عن ربه جلَّ وعلا الذي خلقه لعبادته.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥] يعني: في هذه الدنيا غافلون عن دعوته؛ لأنه إما غائب وإما ميت وإما جماد لا يدري ماذا يُدعى، فهو غافل؛ لأنه مسخر في شيء يسير فيه مطيعًا لله جلَّ وعلا، لا يدري عن الذي يدعوه شيئًا، فهو غافل عنه، أما إن كان من العقلاء فإن كان صالحًا فهو لا يرضى بهذا، ويكفر بذلك في الدنيا قبل الآخرة؛ ولكن إذا كان لا يطلع فهو لا يعلم، وإنما يُسأل يوم القيامة، ولهذا يسأل الله جلَّ وعلا الملائكة يوم القيامة عمن يدعونهم فيقول إذا حشرهم وجمعهم: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠] فيسأل المعبود قبل العابد، فيقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:٤١] يعني: الشياطين التي أمرتهم بهذه العبادة، وكذلك الآيات الأُخَر التي تبين هذا المعنى، فالمعبود غافل؛ لأنه إما أن يشتغل بطاعة الله وتسخير الله جلَّ وعلا، أو أنه ميت لا يدري عن داعيه شيئًا ولا يحس به، أو أنه جماد لا يحس ولا يشعر، وليس عنده شعور ولا إحساس.
إذًا: إذا كان يوم القيامة وحصحص الحق هناك يتبين لهذا الداعي أنه من أضل خلق الله، بل هو أضلهم كما في هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف:٦] الحشر هو: الجمع، والمقصود بالحشر: إحياؤهم بعد أن ماتوا، ثم جمعهم في مكان واحد على الأرض، والحشر يدل على الجمع الذي يكون بقوة، ولا يكون لهم فيه اختيار.
فالمحشورون لا اختيار لهم في ذلك، لأنه من الله جلَّ وعلا، فهم في ذلك في أشد الخوف، وهذا هو اليوم الذي ينذرنا ربنا جلَّ وعلا إياه كثيرًا ويخوفنا به، ويخبرنا أنه يوم ثقيل على الكافرين، وفي ذلك اليوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع ذات الحمل حملها، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج:٢]، كأنهم سكارى ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:٢] ولكنهم يخافون عذاب الله ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] أي: في ذلك اليوم، فهناك يتبين من هو المالك من هو الذي يتصرف من الذي بيده الأمر كله، وكل الخلق ليس عندهم شيء كلهم ضعفاء كلهم تحت قهره داخلين كل واحد منهم يأتي ربه فردًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا في أشد الخوف، حتى إن رسل الله يخافون في ذلك اليوم.
﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف:٦]، أي: كان الذي يزعم أنه يقربه إلى الله زلفى وأنه يتوسط له، وأنه يشفع له عدوًا له! ومعلوم أن العدو لا يريد نفع عدوه بل يريد أن يضره.
﴿كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [الأحقاف:٦] يعني: بدعائهم الذي يدعونه «كَافِرِيْنَ» وهذا يدلنا على أن الدعاء عبادة؛ لأنه ذكر في الآية الأولى لفظ الدعاء: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو﴾ [الأحقاف:٥]، وفي الآية الأخرى التي تليها ذكر أنه عبادة: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] يعني: الدعاء الذي سبق، فدلت الآية صراحةً بأن الدعاء عبادة، بل هو أفضل العبادة وخيرها كما سبق، وهذه الآية من أوضح الأدلة على بطلان دعوة غير الله، وأنها ضلال، بل ضلال متناهٍ ليس بعده ضلال.
[ ٤٨ / ٣ ]
شرح قوله: (وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين)
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] نفى سبحانه أن يكون أحد أضل ممن يدعو غيره، وأخبر أنه لا يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة، والآية تعم كل من يُدعى من دون الله، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًَا﴾ [الإسراء:٥٦] وفي هذه الآية أخبر أنه لا يستجيب له وأنه غائب عن داعيه.
﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦]: فتناولت الآية كل داعٍ وكل مدعوٍّ من دون الله.
قال أبو جعفر بن جرير في قوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف:٦] يقول تعالى ذكره: وإذا جمع الناس ليوم القيامة في موقف الحساب كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداءً؛ لأنهم يتبرءون منهم، ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦] يقول تعالى ذكره: وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا لعبادتهم جاحدين؛ لأنهم يقولون يوم القيامة: ما أمرنا بعبادتنا ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرأنا إليك منهم يا ربنا، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًَا بُورًَا﴾ [الفرقان:١٧ - ١٨].
قال ابن جرير: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان:١٧] من الملائكة والإنس والجن، وساق بسنده عن مجاهد قال: عيسى وعزير والملائكة] وهذه أفراد من المجاميع الكثيرة التي تُعبد، كعيسى وأمه وعزير وإنما هو مثال فقط، والمقصود: أن الآية تعم كل معبود من دون الله، وكل مدعو يدخل فيها؛ لأن ربنا جلَّ وعلا خاطب الخلق عمومًا، خاطب أمة محمد ﷺ عامة من أولهم إلى آخرهم، فكل من أوقع شيئًا من العبادة لغير الله جلَّ وعلا فهو داخل فيه؛ لكن عادة السلف أنهم ينصون على الشيء الظاهر المعروف للسامع الذي يسمع قولهم، ومرادهم بهذا أن يقاس عليه ما هو داخل فيه من نظائره الكثيرة، فيُتَنَبَّه لذلك، وهذا جاء تفصيله في أحاديث الرسول ﷺ، ومنها: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ وذكر حديث الشفاعة ثم قال: (فيأت الله جلَّ وعلا).
يعني: يأتي إليهم وهم الوقوف في العرض، كما قال الله جلَّ وعلا: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠] وقال جلَّ وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًَّا صَفًَّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٢ - ٢٣].
(فيأتي الله جلَّ وعلا ويخاطب الناس كلهم عمومًا، يخاطبهم ويسمعون قوله جلَّ وعلا، يقول: يا عبادي! أليس عدلًا مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ فيقولون: بلى يا رب! فيؤتى بكل معبود عُبِد في الدنيا على هيئته: أما إن كان المعبود ملَكًا أو نبيًا -مثل: عيسى أو رجلًا صالحًا من عباد الله- فإنه يؤتى بشيطان على مثاله الذي كانوا يعبدونه أو يتخيلونه؛ -لأن الشيطان هو الذي أمرهم، وهم -في الواقع- عبادتهم وقعت عليه، أما عباد الله من الملائكة ومن الأنبياء والصالحين، فهم برآء من ذلك لا يرضون به بل يكفرون به- ثم يقال لهم: اتبعوهم، -ولا توجد محاسبة هنا لهؤلاء، هذا هو حسابهم- فيتبعونهم إلى جهنم فيلقون فيها جميعًا، كما قال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، ويبقى المؤمنون وفيهم المنافقون فيأتهم الله) وذكر بقية الحديث.
والمقصود هنا: قول الله جلَّ وعلا في هذا الحديث: (أليس عدلًا مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟) فالذي كان يدعو شيئًا في الدنيا ويجعله واسطة له عند الله يؤتى به في ذلك اليوم، ويؤتى بالشيطان الذي سول له هذا وأمره به -إذا كان ذلك المدعو صالحًا من عباد الله جلَّ وعلا- ثم يقال له: (اتبع إلى ما يوردك إليه: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨]) فيكون هؤلاء قادتهم إلى جنهم، نسأل الله العافية.
[ ٤٨ / ٤ ]
الدعاء في الكتاب والسنة
قال الشارح ﵀: [قال ابن جرير: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان:١٧] من الملائكة والإنس والجن، وساق بسنده عن مجاهد قال: عيسى وعزير والملائكة، ثم قال: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة -الذين كانوا هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله- وعيسى: تنزيهًا لك يا ربنا وتبرئةً مما أضاف إليك هؤلاء المشركون: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان:١٨] نواليهم ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًَا بُورًَا﴾ [الفرقان:١٨] «أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ» [سبأ:٤١].
انتهى.
قلت: وأكثر ما يستعمل الدعاء في الكتاب والسنة، واللغة، ولسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء: في السؤال والطلب، كما قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم: الصلاة لغةً: الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] الآيتين، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًَا وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام:٦٣] وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًَا أَوْ قَائِمًَا﴾ [يونس:١٢] وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت:٥١] وقال: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت:٤٩] الآية، وقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] الآية، وفي حديث أنس مرفوعًا: (الدعاء مخ العبادة) وفي الحديث الصحيح: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة) وفي آخر: (من لم يسأل الله يغضب عليه) وفي حديث: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه]: هذه الأحاديث وإن كان فيها من الضعيف مثل: (الدعاء مخ العبادة)، ومثل قوله: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) إلا أنه ليس المقصود الاعتماد على ذلك، وإنما المقصود الاستشهاد بهذا، وما زال العلماء ﵏ يستشهدون بالضعيف؛ ولكنهم لا يعتمدون عليه، وذلك حينما يكون متفقًا مع الصحيح في المعنى فإنه يكون شاهدًا؛ لأنه قد يكون أوضح في العبارة وأبين.
وأما قوله: إن الصلاة هي: الدعاء، فالمقصود بها: في لغة العرب الذي نزل بها القرآن، وليس المقصود في لغة الرسول ﷺ حينما يقول: الصلاة؛ لأنه جعل الصلاة على أشياء مخصوصة تشمل الدعاء وتشمل القيام والركوع والتكبير، ولهذا تعرَّف الصلاة بأنها: أفعال مخصوصة تُفتَتح بالتكبير وتُختَتم بالتسليم، فهو شيء خاص؛ ولكن الأصل فيها أنها الدعاء؛ لأن الله جلَّ وعلا يقول: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، فالمراد بقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: يدعو لهم، فالصلاة هنا: الدعاء، وهي مأخوذة من هذا؛ لأنها -في الواقع- دعاء، فالقيام يكون دعاء عبادة، والركوع دعاء عبادة، والسجود دعاء عبادة، والقراءة والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد وكل ما فيها يكون دعاءً، إلَّا المسألة حينما يقول: رب اغفر لي وارحمني وارزقني واهدني وما أشبه ذلك فهذا دعاء مسألة، ويلزم منه دعاء العبادة؛ لأن السائل يلزم أن يكون خاضعًا خائفًا راجيًا: خائفًا من ذنوبه راجيًا ثواب ربه، وهذه هي العبادة.
أما دعاء العبادة: فكونه يقوم خاشعًا لله يركع ويسجد ويقرأ ويكبر ويهلل؛ فإنه بهذه الأفعال يطلب من الله الإثابة، ويهرب من العذاب بذلك، وهذا هو الطلب في الحقيقة، فكل فعل يفعله الإنسان يريد التقرب به إلى الله فهو داخل في هذا.
[ ٤٨ / ٥ ]
أحاديث الدعاء
قال الشارح رحمه الله تعالى: (الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض) رواه الحاكم]: هذا الحديث أيضًا ضعيف؛ ولكن مثلما قلنا: ليس هذا للاعتماد وإنما هو للاعتضاد، يُعتضد به ولا يُعتمد عليه.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقوله: (سلوا الله كل شيء حتى الشسع إذا انقطع) الحديث]: والشسع هو: ما يدخل فيه إصبع الرجل من النعل إذا انقطع، وكذلك السير الذي يكون فوق القدم إذا انقطع، يسأل الإنسان ربه إصلاحه أو بدله، والمعنى: أنه يسأل كل شيء، وجاء في كلام السلف أنهم يقولون: (اسأل ربك حتى ملح العشاء)، والمعنى: اسأل ربك كل شيء، وكل ما تريده وتحتاجه، فتوجه إلى ربك في طلبه جلَّ وعلا؛ لأنه هو الذي يملك كل شيء، أما الخلق فهم لا يملكون شيئًا ولا يتحصل على أيديهم لك إلَّا ما أراده الله جلَّ وعلا، فهو الذي يسخرهم ويجعلهم أسبابًا، وسؤاله يهيئ هذه الأمور كلها، فيكون عبادة، ويكون الإنسان ممتثلًا لأمر ربه جلَّ وعلا في ذلك ومطيعًا وعابدًا، ويكون في حصول ذلك قد جاء من الطريق الصحيح الشرعي؛ لأن الرزق منه ما هو من طريق محرم فيكون الإنسان معاقبًا عليه، ومنه ما هو من طريق شرعي يُثاب عليه الإنسان ويُحمد على فعله.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس ﵄: أفضل العبادة الدعاء، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] الآية رواه ابن المنذر، والحاكم وصححه]: يعني: أفضل العبادة: الدعاء.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وحديث: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلَّا أنت المنان) الحديث]: الأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا، وجاء بهذا الحديث ليبين أن الرسول ﷺ كان كثيرًا ما يسأل ربه ويستغفره ويتوب إليه، ولا يفتر عن ذلك صلوات الله وسلامه عليه، ويأمر الناس ويحضهم على هذا.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وحديث: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلَّا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا أحد)، وأمثال هذا في الكتاب والسنة أكثر من أن يُحصر في الدعاء الذي هو السؤال والطلب، فمن جحد كون السؤال والطلب عبادة؛ فقد صادم النصوص وخالف اللغة واستعمال الأمة سلفًا وخلفًا.
وأما ما تقدم من كلام شيخ الإسلام وتبعه العلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى من أن الدعاء نوعان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، وما ذُكِر بينهما من التلازم وتضمُّن أحدهما للآخر، فذلك باعتبار كون الذاكر والتالي والمصلي والمتقرب بالنسك وغيره طالبًا في المعنى، فيدخل في مسمى الدعاء بهذا الاعتبار، وقد شرع الله تعالى في الصلاة الشرعية من دعاء المسألة ما لا تصلح الصلاة إلَّا به، كما في الفاتحة وبين السجدتين وفي التشهد، وكذلك دعاء العبادة كالركوع والسجود، فتدبر هذا المقام يتبين لك جهل الجاهلين بالتوحيد]: كونه هو العبادة: كالركوع والسجود، أما دعاء المسألة فمثل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٥ - ٦] (اهدنا): هذا دعاء مسألة، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وكذلك قوله: (رب اغفر لي وارحمني واهدني) إلخ، فهذا دعاء مسألة، وكذلك ما يقال في آخر التشهد: (أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر) إلخ، فهو دعاء مسألة، ودعاء العبادة في الصلاة أكثر.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [فتدبر هذا المقام يتبين لك جهل الجاهلين بالتوحيد، ومما يبين هذا المقام ويزيده إيضاحًا: قول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًَّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] وهذا الدعاء المشهور أنه دعاء المسألة، قالوا: كان النبي ﷺ يدعو ربه ويقول مرةً: (يا الله) ومرةً: (يا رحمان) فظن المشركون أنه يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية، ذكر هذا عن ابن عباس ﵄]: الآية: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:١١٠] يعني: أنك إذا دعوت الله باسم من أسمائه فأنت على حق وصواب وعابد لله جلَّ وعلا.
[ ٤٨ / ٦ ]
فضل دعاء السر
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وقيل: إن الدعاء هنا: بمعنى التسمية، والمعنى: أي اسم سميتموه به من أسماء الله تعالى، إما الله وإما الرحمن: ﴿فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، وهذا من لوازم المعنى في الآية، وليس هو عين المراد، بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن، وهو دعاء السؤال ودعاء الثناء.
ثم قال: إذا عُرف هذا فقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًَا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] يتناول نوعي الدعاء، لكنه ظاهر في دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ولهذا أمر بإخفائه]: إن الذي يُخفى هو دعاء المسألة؛ لأن السلف رضوان الله عليهم كانوا يحرصون على أن يكون عملهم بينهم وبين ربهم فقط، فيُخفون السؤال، ولهذا جاء في وصف ذلك أن دعاءهم كان خفية بينهم وبين ربهم جلَّ وعلا، لا يُظهرونه؛ لأن هذا أقرب إلى الإخلاص وامتثالًا لأمر الله، (وَخُفْيَةً) يعني: في الخفاء، خفية وجاء أيضًا: (وخيفة) يعني: خوفًا أن لا يقبل عمل الإنسان أو يعاقَب على ذنبه، فيكون بين الخوف والرجاء، يخاف من ذنوبه، ويرجو ثواب ربه جلَّ وعلا، وكان أحدهم يكون في فراشه بجوار زوجته، وهو يسأل ربه، ويتضرع إليه، ويبكي وهي لا تشعر بذلك، مبالغةً في إخفاء العمل؛ لأن هذا أقرب إلى الإخلاص لله جلَّ وعلا، بخلاف الذين يحبون أن يُظهروا أعمالهم، بل يطلبون ذلك، ويميلون إليه، فإن هذا العمل قد يكون حابطًا؛ لأنه أريدَ به وجوه الناس، وما أريدَ به وجه الناس وثناؤهم فإن الله لا يقبله، وإنما يقبل الشيء الخالص الذي لا يدخله إرادة النفوس وحظوظها الدنيوية، وإنما يكون تعبُّدًا خالصًا لله جلَّ وعلا، ولهذا يقول جلَّ وعلا في الأمم الذي قبلنا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، فهو أمر من الله بأن يكون الدين كله خالصًا لله جلَّ وعلا.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال الحسن: بين دعاء السر ودعاء العلانية سبعون ضعفًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولم يُسمع لهم صوت، إن كان إلَّا همسًا بينهم وبين ربهم، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، يتناول نوعي الدعاء، وبكل منهما فُسرت الآية، قيل: أعطيه إذا سألني، وقيل: أثيبه إذا عبدني.
] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] (أجيب): فسرت كلمة (أجيب) بأثيب، وفسرت بأعطي، فإذا كانت بمعنى (أعطي) فيكون الدعاء دعاء مسألة، وإن فسرت بمعنى (أثيب) فيكون الدعاء دعاء عبادة، والآية تعم هذا وهذا، وليس أن هذا يحتمل أن يكون معناها المسألة، ويحتمل أن يكون معناها العبادة، بل كلاهما داخل فيها؛ لأن دعاء المسألة: عبادة، ودعاء العبادة: عبادة من أفضل العبادات، والله جلَّ وعلا يطلب من الخلق ذلك، ولهذا بين الرسول ﷺ هذا بفعله وبقوله، وكذلك الصحابة الذين تعلموا العلم، وتلقوا القرآن عن رسول الله ﷺ.
[ ٤٨ / ٧ ]
الحقيقة والمجاز في ألفاظ القرآن
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وليس هذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هذا استعمال في حقيقته الواحدة المتضمنة للأمرين جميعًا، وهذا يأتي في مسألة الصلاة، وأنها نقلت عن مسماها في اللغة، وصارت حقيقة شرعية، واستعملت في هذه العبادة مجازًا؛ للعلاقة بينها وبين المسمى اللغوي، وهي باقية على الوضع اللغوي]: هذا على القول بالمجاز، وأن المجاز موجود، والصواب أن المجاز هذا محدَث، لم يعرفه أهل اللغة الذين تكلموا فيها وتواضعوا عليها، وإنما جاء به الأعاجم الذين جاءوا بعد فساد الألسنة، وزعموا أن أصل الوضع على الحقيقة ثم نُقل إلى غير ذلك المعنى، وهذا يحتاج إلى دليل، ولن يستطيع الإنسان أن يأتي بدليل على هذا، وقالوا مثلًا: قوله جلَّ وعلا: ﴿جِدَارًَا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] الأصل أن الإرادة للعاقل فقط، هذا الذي وضعت عليه اللغة، ثم نقل ذلك من باب الاستعارة، فجعلت الإرادة للجدار من هذا الباب -من باب الاستعارة- وهو من نوع المجاز، ويقال لهم: من أين لكم هذا؟ الجدار له إرادة تناسبه، وكل شيء له إرادة، فميله هذا هو الإرادة، وهو الذي يُفهم من اللغة، وكذلك قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨٢]، زعموا أن القرية هي المباني والمباني لا تُسأل، وإنما جاءت الاستعارة وجاء المجاز من ذلك فاستعمل، والسؤال يوجه في الأصل إلى من يرد على السؤال ويعقله، ثم نقل إلى ما لا يعقل من باب المجاز، وكذلك قوله: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢]، العير: هي الإبل، والعير لا يتجه إليها السؤال، فوجه السؤال إليها وأريد سائقيها وقائديها وراكبيها من باب الاستعارة، وللعلاقة التي بين هذا وهذا، فيقال أيضًا: هذه دعوى، والذين وضعوا اللغة يفهمون هذا الخطاب بدون هذه الأشياء ولا تخطر لهم ببال، فالقرية في اللغة ما تسمى قرية بمجرد الحيطان إلَّا بقيد، مثلما قال الله جلَّ وعلا: ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩]، (قرية خاوية على عروشها) إذا كانت مقيدة بهذا فنعم، أما إذا قيل: قرية، فلا تكون قرية إلا وفيها سكان، وإلا فلا تسمى قرية، وكذلك لفظة (العير) فالإبل بمفردها لا تسمى عيرًا، وإنما تسمى كذلك إذا كان معها السائق والقائد والراكب ومن يصلحها ويدبرها، هنا تسمى عيرًا، فيكون المفهوم من قوله: (اسأل العير)، يعني: اسأل جميع من فيها، ولا تخص واحدًا أو اثنين، فليس هناك مجاز ولا غيره.
ثم هؤلاء طردوا هذا في جميع ما جاء في القرآن فقالوا أيضًا في الشيء الذي يكون باطلًا قطعًا في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًَّا صَفًَّا﴾ [الفجر:٢٢] قالوا: هذا من المجاز، وكذلك في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠] قالوا: أيضًا هذا مجاز، والله لا يجيء، وإنما المراد: وجاء أمر ربك، أو جاء عذاب ربك، أو ما أشبه ذلك، وعلى هذا الأساس نفوا صفات الله جلَّ وعلا، ولهذا قال البعض: إن المجاز واقع في اللغة إلَّا في صفات الله؛ لأنه تبين لهم أن هذا باطل قطعًا، وأنه يتضمن الإلحاد، فقالوا هذا القول، وهذه دعوى أيضًا، فإذا كان المجاز في اللغة فسيقال أنه أيضًا في القرآن فلا يخص شيئًا دون شيء؛ ولكن الصواب مثلما قال العلماء الذين أنكروا هذا: أن هذا أسلوب من أساليب اللغة العربية، وتسميته مجازًا اصطلاح حادث اصطلح عليه، ولا يوافَقون على ذلك، والذين أنكروه هم الذين معهم الحق.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وضُم إليها أركان وشرائط، فعلى ما قررنا لا حاجة إلى شيء من ذلك، فإن المصلي من أول صلاته إلى آخرها لا ينفك عن دعاء: إما دعاء عبادة وثناء أو دعاء طلب ومسألة، وهو في الحالين داعٍ.
(انتهى ملخصًا من البدائع)].
[ ٤٨ / ٨ ]