من صفات الله تعالى الثابتة بالكتاب والسنة صفة الكلام، فالله ﷿ لم يزل متصفًا بصفة الكلام، يكلم من شاء من خلقه متى شاء، وهذه هي عقيدة السلف الموافقة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومن خالفها فقد ضل عن سواء السبيل.
[ ٥٢ / ١ ]
حديث (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [في الصحيح: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، فيسمعها مسترق السمع -ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصَفَه سفيان بكفه فحرَّكها وبدَّد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيُلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟! فيصدَّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء)].
[ ٥٢ / ٢ ]
إثبات كلام الله لملائكته وبعض عباده
قوله: (إذا قضى الله الأمر في السماء) أي: إذا تكلم، والأمر هو كلامه ووحيه.
وقوله: (كأنه سلسلة على صفوان): الصفوان هو: الصخر الأملس، والسلسلة: حِلَقٌ الحديد، يُدخَل بعضُها في بعض، فإذا جُرَّت على الصفوان صار لها صوت، وهذا تشبيه للصوت المسموع، وليس تشبيها لله جلَّ وعلا، وإنما هو للصوت الذي يُسمع، وهذا كقول الرسول ﷺ لما سئل: (هل نرى ربنا؟ قال: نعم، ترونه كما ترون القمر ليلة البدر ليس بينكم وبينه سحاب) فشبَّه الرؤية في وضوحها وجلائها برؤية القمر في وقت تمامه وكِبَره، وهنا شبَّه الصوت الذي تسمعه الملائكة كصوت السلسلة التي تُجر على الصفا، ومعنى ذلك: أنهم سمعوا صوتًا لم يميزوا شيئًا من المعاني فيه، وقد علموا أنه صوت كلام الله إذا أمر، ولهذا السبب صُعقوا وصاروا يسألون بعدما زال الصعق عنهم: ماذا قال الله؟ علموا أنه قول الله.
وقوله: (ينفذهم ذلك) يعني: أن هذا يمضي فيهم كلهم، كلهم يسمعون، وكلهم يصعقون.
وكذلك يدل أيضًا على أن الله جلَّ وعلا إذا أوحى بالأمر أن السماء نفسها تشعر بذلك وتعلمه، ثم يصيبها رجفة شديدة خوفًا من الله جلَّ وعلا، وهذا دليل واضح على أن الله يتكلم تعالى وتقدس؛ ولكن كلامه يتعلق بمشيئته، يتكلم إذا شاء بما يشاء، ويكلم من يشاء، ولقد جاءت الأدلة بإثبات كلامه جلَّ وعلا لملائكته ورسله، بل لأفراد الناس من أهل الجنة، يكلم بعضَهم بمفرده، ففي صحيح البخاري: أن النبي ﷺ كان يومًا جالسًا مع أصحابه، وكان عندهم أعرابي، وقال ﷺ: (إن رجلًا من أهل الجنة يستأذن ربه ويقول: يا رب! أريد أن أزرع، فيقول الله جلَّ وعلا له: ألست فيما تريد وما تشتهي؟ فيقول: بلى يا رب، ولكني أريد الزرع، فيقول الله جلَّ وعلا: دونك فازرع، فيزرع وينبت الزرع ويخرج، ثم يستوي، ثم يتكدس حبًا كأمثال الجبال، فيقول الله جلَّ وعلا: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يملأ بطنك إلَّا التراب.
عند ذلك قال الأعرابي: يا رسول الله! تجد هذا إما أنصاريًا أو مهاجريًا، أما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك النبي ﷺ).
فالمقصود: أن الله يكلم بعضَ عباده من أهل الجنة، وفي الصحيح أيضًا: (آخر من يخرج من النار -من أهل التوحيد؛ لأن أهل التوحيد العصاة منهم من يدخل النار تطهيرًا لذنوبه ثم يُخرج من النار- رجل يحبس قرب النار ووجهه مقبل على النار، فيدعو ربه: يا رب! يا رب! اصرف وجهي عن النار، يا رب! اصرف وجهي عن النار، لا أسألك غير هذا.
فيقول الله جلَّ وعلا: لعلك أن تسأل غيره! فيقول: لا وعزتك، لا أسألك غير هذا، فيصرف الله جلَّ وعلا وجهه عن النار.
ثم تُرفع له شجرة خضراء حسناء فإذا رآها يصبر ما شاء الله أن يصبر، ثم يقول: يا رب! أوصلني إلى تلك الشجرة لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، ويدعو ربه، فيقول الله جلَّ وعلا له: يا ابن آدم! ألم تعطِ العهود والمواثيق ألا تسأل غير ما سألت؟ فيقول: يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك، والله يعلم أنه يرى ما لا صبر له عليه، فيعذره، فيقول: لعلك إن أعطيتك ما سألت أن تسأل غيره! فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيعطي ربه العهود والمواثيق أنه لا يسأل غير هذا السؤال، فيوصله إلى هذه الشجرة فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ويأكل من ثمارها، ثم تُرفع له شجرة هي أحسن منها، فيراها ويتصبر ولكنه لا يصبر، فيقول: يا رب! أوصلني إلى تلك الشجرة؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، ويدعو ربه، ويقول الله جلَّ وعلا له: يا ابن آدم، ويلك! ما أغدرك! ألم تعطِ العهود أنك لا تسأل غير ما سألت؟ فيقول: يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك، فيقول الله جلَّ وعلا له: لعلك تسأل غيرها! فيقول: لا وعزتك، والله لا أسألك غيرها، ويعطي العهود والمواثيق أنه لا يسأل غيرها، فيعطيه الله جلَّ وعلا ذلك، ويوصله إليها، فإذا وصل إليها رأى الجنة، فإذا رآها انفتح بابها، ورأى ما في داخلها، عند ذلك لا يصبر، فيقول: يا رب! يا رب! أدخلني الجنة، ويسأل ما شاء الله أن يسأل، فيقول الله جلَّ وعلا: ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! -ما أكثر غدرك! - ألم تعطِ العهود أنك لا تسأل غير ما سألت؟ فيقول: يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك، فيقول: اذهب فادخل الجنه، فيذهب، فإذا وصل إلى الجنة خُيِّل إليه أنها ملأى -أنها مملوءة لم يبق فيها مكان- فيعود ويقول: يا رب! إنها ملأى -لم يبق فيها مكان- فيقول الله جلَّ وعلا: أترضى أن يكون لك مثل الدنيا؟ فيقول: يا رب! أتسخر بي وأنت رب العالمين؟! عند ذلك ضحك الرسول ﷺ فقال: ألا تسألوني ممَّ أضحك! قالوا: مم تضحك يا رسول الله؟! قال: أضحك من ضحك رب العالمين، فإنه إذا قال: أتسخر بي وأنت رب العالمين؟! يضحك الله ويقول: لا؛ ولكني على ما أشاء قدير، لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها معها)، وهذا هو أدنى أهل الجنة منزلة، فهذه محاورة بين الرب جلَّ وعلا وبين العبد.
وهكذا إذا شاء الله أن يتكلم تكلم، ولا يمنعه أحد من الكلام تعالى وتقدس، فالذين لا يصفونه بالكلام ويزعمون أنهم يعظمونه بذلك؛ في الواقع أنهم يعطِّلوه عن صفاته التي وصف بها نفسه، وتعرَّف بها إلى عباده تعالى وتقدس، فعباده عرفوه بذلك أنه يتكلم ويُكلم ويخاطب، ويحاسب عباده يوم القيامة، ويقررهم بذنوبهم، ويعفو عمن يشاء، ويعذب من يشاء، ويأمر ملائكته بما يشاء، فهو جلَّ وعلا يتكلم بما شاء، والكلام من صفاته الثابتة، وهي من صفات الكمال.
[ ٥٢ / ٣ ]
خضوع الملائكة وذلهم عند سماع كلام الله
قال الشارح: [قوله: (في الصحيح): أي: في صحيح البخاري.
قوله: (إذا قضى الله الأمر في السماء) أي: إذا تكلم الله بالأمر الذي يوحيه إلى جبريل بما أراده، كما صُرِّح به في الحديث الآتي، وكما روى سعيد بن منصور وأبو داود وابن جرير عن ابن مسعود: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجَرِّ السلسلة على الصفوان).
وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: (لما أوحى الجبار إلى محمد ﷺ دعا الرسولَ من الملائكة ليبعثه بالوحي، فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كُشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله؟ فقالوا: الحق، وعلموا أن الله لا يقول إلَّا حقًا).
قوله: (ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله) أي: لقول الله تعالى، قال الحافظ: (خَضَعانًا) بفتحتين: من الخضوع، وفي رواية: بضم أوله وسكون ثانيه، وهو مصدرٌ بمعنى: خاضعين.
قوله: (كأنه سلسلة على صفوان) أي: كأن الصوت المسموع سلسلة على صفوان وهو: الحجر الأملس.
قوله: (يَنْفُذُهم ذلك) هو: بفتح التحتية، وسكون النون، وضم الفاء والذال المعجمة، (ذلك) أي: القول، والضمير في (ينفذهم): للملائكة، أي: ينفذ ذلك القولًُ الملائكةَ أي: يخْلُص ذلك القول ويمضي فيهم حتى يفزعوا منه، وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس: (فلا ينزل على أهل سماء إلَّا صُعقوا)]: في هذه الأوصاف دلائل واضحة على ذل الملائكة لله جلَّ وعلا وخضوعهم، وأنهم لهم أجنحة يطيرون بها إلى حيث أراد الله جلَّ وعلا من أوامره التي يأمرهم بها؛ لأنهم عباد مُكرَمون: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩].
[ ٥٢ / ٤ ]
استراق الشياطين للسمع من العنان
قوله في الحديث: (إذا تكلم جلَّ وعلا بالوحي الذي يوحيه إلى الملائكة فإن مسترقي السمع يركب بعضُهم بعضًا -يعني: الشياطين- فيستمعون ماذا قالت الملائكة الذين أُمروا بالأمر الذي يأمرهم الله جلَّ وعلا به، فيأخذون الكلمات من الملائكة مما يتحدثون بها، فيُلقيها الأعلى للذي تحته لأنهم يركب بعضُهم بعضًا، كما فعل سفيان - حيث صفَّ أصابعه وبدَّدها يعني: فرَّق بينها وحرَّكها.
إذًا: الشياطين يركب بعضُهم على بعض حتى يصلوا إلى العنان، فهم لا يصلون إلى السماء؛ ولكن جاء في صحيح البخاري: (أن الملائكة تنزل إلى العنان) والعنان هو: السحاب، تنزل الملائكة لإنزال الغيث وتصريف السحاب؛ لأن السحاب يُصرَّف من الملائكة، فما ينزل قطر المطر إلَّا بتكليف، فيتكلمون بالأمر الذي أمروا به، فتكون الشياطين راكبة بعضها على بعض، ويستمعون ماذا تقول الملائكة، فيأخذ الأعلى الكلمة التي يسمعها فيلقيها إلى من تحته، والذي تحته يلقيها إلى من تحته بسرعة خوفًا من الشهاب الذي ينزل عليهم، فإذا فعلوا ذلك نزل عليهم الشهاب، وربما أصاب الشيطانَ فقتله، وربما خبله.
قال الشارح: [وعند أبي داود وغيره مرفوعًا: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيُصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل) الحديث.
قوله: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ): تقدم معناه.
قوله: (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا الْحَقَّ) أي: قالوا: قال الله الحق، علموا أنه لا يقول إلَّا الحق.
قوله: (فيسمعها مسترق السمع) أي: يسمع الكلمة التي قضاها الله، وهم الشياطين يركب بعضهم بعضًا.
قوله: (ومسترق السمع هكذا -وصفه سفيان بكفه-) أي: وصف ركوب بعضهم فوق بعض، وسفيان هو: ابن عيينة أبو محمد الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعون سنة.
قوله: (فحرفها): بحاء مهملة وراء مشددة وفاء.
قوله: (وبدَّد) أي: فرَّق بين أصابعه.
قوله: (فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته) أي: يسمع الفوقاني الكلمة، فيلقيها إلى آخر تحته، ثم يلقيها إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن.
قوله: (فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها) الشهاب هو: النجم الذي يُرمى به، أي: ربما أدرك الشهابُ المسترقَ وهذا يدل على أن الرمي بالشهب كان قبل المبعث، لما روى أحمد وغيره -والسياق له في المسند من طريق معمر -: أنبأنا الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ جالسًا في نفر من أصحابه -قال عبد الرزاق: من الأنصار- قال: فرُمي بنجم عظيم؛ فاستنار، قال: ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول: لعله يولد عظيم أو يموت عظيم -قلتُ للزهري: أكان يُرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم.
ولكن غلظت حين بُعث النبي ﷺ- قال: فإنها لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح هذه السماء الدنيا، ثم يستخبر أهلُ السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماءً، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع، فيرمون، فما جاءوا به على وجهه فهو حق؛ ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون.
قال عبد الله: قال أبي: قال عبد الرزاق: ويُخطف الجن ويرمَون.
وفي رواية له: لكنهم يزيدون فيه ويقرفون ويُنقصون).
قوله: (فيكذب معها مائة كذبة) أي: الكاهن أو الساحر]: في هذا الحديث إضافة إلى ما سبق أن الملائكة عباد يمتثلون أمر الله جلَّ وعلا، ويخضعون لقوله، ويذلون له، ويزيد خضوعهم وذلهم عندما يسمعون كلام الله بالوحي، خوفًا من أن تقوم الساعة، بأن يأمر الله جلَّ وعلا إسرافيل بالنفخ في الصور، وكل هذا خوف من عذابه جلَّ وعلا، وخشية منه، مع أنهم يطيعونه ولا يعصونه فيما أمرهم به، بل يفعلون ما يؤمرون، ومع ذلك يخافون خوفًا شديدًا.
والملائكة كما سبق هم من أعظم خلق الله جلَّ وعلا، يدل على هذا ما ذكره الله جلَّ وعلا في صفاتهم، مثلًا: جبريل ﵇ اقتلع مدائن قوم لوط، وحملها على طرف جناحه، وطار بها حتى صار الذين في عنان السماء من الملائكة -يعني: في السحاب- يسمعون نباح الكلاب، وصياح الديكة، عند ذلك قلبها وجعل عاليها سافلها، ثم أُمطروا بحجارة من سجيل، وكذلك صاح بقوم صالح صيحة؛ فتقطعت قلوبهم في أجوافهم، صيحة واحدة! وهذا يدل على قوته وعِظَمه، ومع ذلك يخضع لله ذليلًا خاشعًا حتى قال الرسول ﷺ فيما يُروى عنه في حديث الإسراء والمعراج: (أنه رآه لاصقًا كالحلس من خشية الله جلَّ وعلا)؛ لأن من كان بالله أعرف كان له أخوف.
وكل هذا يدل على أنه لا يجوز قصدهم أو التوجه إليهم بشيء من العبادة، وإنما العبادة تكون لله جلَّ وعلا وحده، وكذلك غيره من الملائكة، وقد جاء في خلقهم وعِظَم ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ.
وما ذكره من أن الله جلَّ وعلا يتكلم بالوحي يدلنا على أن كلامه تسمعه الملائكة، وأنهم في أول الأمر يسمعون شيئًا لا يفقهونه، ويعلمون أنه كلام الله؛ ولكن لا يدرون ماذا قال؛ ولهذا يسألون جبريل ﵇ الذي أُمر بأمر الله جلَّ وعلا أن يمضي بالوحي حيث أمره الله جلَّ وعلا، فيجيبهم قائلًا: قال الحق، ثم يجاوبونه كلهم: قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، وهو جلَّ وعلا يقول إذا شاء، ويتكلم ويقول بما شاء، وكلامه يتعلق بمشيئته إذا شاء أن يتكلم تكلم، وهذا من صفات الكمال التي يوصف بها ربنا جلَّ وعلا.
[ ٥٢ / ٥ ]
تحمل الشياطين للمخاطر من أجل إضلال الناس
قوله: (فيسمعها مسترق السمع) المعنى: أن مسترقي السمع هم الشياطين ومعهم الجن؛ لأن الشياطين من الجن وهم مَرَدَتُهم، كما أن الإنس منهم شياطين؛ فمن تمرد منهم وخرج عن قوله فهو شيطان، ولهذا يقول الرسول ﷺ لـ أبي ذر: (استعذ بالله من شياطين الإنس والجن)، كذلك قال الله جلَّ وعلا: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًَا﴾ [الأنعام:١١٢]، فإذًا: يكون الشياطين من الإنس كما يكونون من الجن.
وكونه يسترق السمع ليس معنى ذلك أن الشياطين يصلون إلى السماء، فهم لا يستطيعون ذلك، ولكن الملائكة ينزلون في السحاب حسب أمر الله جلَّ وعلا وتدبيره لهم، فيتكلمون فيما بينهم بأمرٍ مما أُمروا به من أمر الله، فتخطفها الشياطين، ووصف: أن الشياطين يركب بعضُهم بعضًا لأجل أن يسترقوا هذه الكلمة، مع أن فيها خطورة، ومع ذلك يرتكبون الخطر لأجل أن يضلوا الناس، مما يدل على حرصهم على إضلال بني آدم، فإذا تراكبوا لاستراق السمع، وسمعوا كلمةً أخذها الذي يليهم بسرعة، ثم ألقاها على من تحته حتى لا يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، إلى أن تصل إلى آخر واحد في الأرض، فيذهب بها مسرعًا إلى وليه من الإنس الذي هو الكاهن أو الساحر، ويقُرُّها في أذنه كما تقُرُّ الدجاجة، فيزيد معها مائة كذبة، والزيادة هذه يحتمل أن تكون من الكاهن أو الساحر، ويحتمل أن تكون من الشيطان.
وقوله: (فإذا حدث بالحديث -الذي من الكذب- يصدقه الناس لأجل هذه الكلمة الواحدة، وقد زاد معها مائة كذبه، فإذا خالف خبرُه الواقع قالوا: ألم يقل يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟!) يعني: يستدلون بهذه الكلمة الصادقة على أن كل ما يقوله حق وصدق، وهذا من الغرور، وهذا يدل على أن النفوس تقبل الباطل بكلمة واحدة، فمثلًا الكلمة الواحدة تكون حقًا، فيُنقل إلى الناس فيها مائة كلمة تكون كذبًا، فهذا من لبس الحق بالباطل، وذلك لأن الأمر لو كان كله باطلًا ما قُبل، ولكن قد يكون فيه شيء من الحق، وهذا يدلنا على أن الشيء إذا كان فيه نفع أو حق لا يدل على أنه جائز، وقد قال الله جلَّ وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] فأخبر أن في الخمر والميسر منافع للناس، وكون فيهما منافع للناس لا يدل على حِلِّهما، ولا على جوازهما، فكذلك الشرك الذي يقع من الكاهن أو الساحر وإن كان فيه منفعة فهو ممنوع ومحرم شرعًا.
[ ٥٢ / ٦ ]
السماء محروسة من قبل مبعث النبي ﷺ
معنى قول الزهري: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع في الجاهلية، ثم إن السماء حُرست: أن الحراسة كانت من قديم؛ ولكن شُدِّد فيها ومُنعت منهم السماء نهائيًا، فأصبحوا لا يجدون مكانًا يجلسون فيه ليركب بعضُهم بعضًا، بل يُرمون من أول الأمر، ولا يُنظَرون إلى أن يسترقوا؛ حفاظًا على الوحي الذي يوحيه الله جلَّ وعلا إلى رسوله محمد ﷺ، قال الله جلَّ وعلا في ذلك عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًَا شَدِيدًَا وَشُهُبًَا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًَا رَصَدًَا﴾ [الجن:٨ - ٩] هذا في وقت مبعث النبي ﷺ، حُرست السماء بالشهب فأصبح الجن والشياطين لا يستطعيون أن يصلوا إلى شيء من استراق السمع، شُدِّد فيها تشديدًا عظيمًا، فأصبحوا يُرجمون، ولهذا جاء في الخبر: أنه: (لما حدث ذلك قال الشيطان -يسأل أبناءه وأولياءه-: ما ترون؟ -أي: ما السبب؟ صاروا يبحثون عن السبب- فذهب طائفة منهم ووجدوا رسول الله ﷺ يقرأ القرآن في وادي نخلة قرب مكة، فاستمعوا فقالوا: هذا هو السبب هذا هو السبب الذي منعتم به من الاستراق) أما قبل ذلك فالاستراق والرمي بالشهب كان منذ خلق الله جلَّ وعلا السماوات، وقد ذكر ذلك جلَّ وعلا في كتابه في عدد من الآيات: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًَا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٥] فأخبر جلَّ وعلا أنه زين السماء -يعني: نضَّرها- بالنجوم كالقناديل المعلقة زينة، وأنها رجوم للشياطين يُرجمون بها، وكذلك في الآية الأخرى في قوله جلَّ وعلا: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًَا رَصَدًَا﴾ [الجن:٩] (يجد له شهابًا رصدًا) يعني: أنه مرصود له، فأخبر أنها مرصودة لكل شَيْطَانٍ مَارِدٍ؛ وأنهم: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًَا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات:٨ - ٩] هذا في الشهب والنجوم، والتي يُرمى بها ليست هي من النجوم المرئية المشاهَدة التي تُرى ويُستدل بها؛ ولكن الذي يُرمى به شيء لا يُرى، أو يرمى بقسم منها بحيث يبقى المشاهَد المعيون، وهي كثيرة جدًا.
وقوله: في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وكذلك رواه مسلم في صحيحه (أن الرسول ﷺ كان في أصحابه يومًا، فرُمي بشهاب فاستنار فقال: ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟ فقالوا: كنا نقول إذا رُمي به: إنه يولد عظيم أو يموت عظيم -يعني: من الناس، ملك أو رئيس أو ما أشبه ذلك- فقال رسول الله ﷺ: إنه لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن مسترق السمع إذا ركب بعضُهم بعضًا يسترقون السمع رُمي بها، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها إلى وليه فقتله، وربما أذهب عقله فخبله -فيصبح ليس له عقل- وربما أخطأه) وهذا لحكمة يريدها الله جلَّ وعلا، وإذا أراد الله شيئًا لا يخطئه.
فهذا دليل على أنها من قديم، وكذلك الآن لا تزال يُرمى بها وإن كان الوحي قد انقطع، وكذلك في الأوقات التي لا يكون فيها وحي إلى نبي من الأنبياء يُرمى بها، فهي باقية كما كانت قبل ذلك منذ خلقت السماوات والأرض، وأوجدت لرمي الجن، فإنها رجوم لهم يُرجَمون بها، فأحيانًا يحترق الشيطان إذا أصابه الشهاب فيحرقه نهائيًا، وأحيانًا يصيبه ويذهب بقوته إما ببعض جسده، وإما أن يذهب بعقله لقوة رميه، فهو شيء عجيب جدًا.
قوله: (فيكذب معها مائة كذبة) يعني: يحتمل الأمرين: إما أن الشيطان يكذب على الكاهن أو الساحر، وإما أن الساحر أو الكاهن هو الذي يكذب كذلك، فيصبح كل واحد يكذب مائة، وهذا يدل على أن الكاهن أو الساحر لا يخبر بهذه الأمور من عند نفسه، وإنما يجعل له مستندًا وهو ما أخذه من الشيطان، والشيطان قد يكون كاذبًا وقد يكون صادقًا، وأنه يزيد على ذلك حتى يُصدَّق، وهذا يدل أيضًا على أن الكُهَّان والسحرة لهم صلة بالشياطين، هذا هو القول الصحيح من أقوال العلماء، وهو أن السحر لا يتأتى إلَّا بواسطة الشياطين، ولا يمكن أن يأتي الشيطان إلى الكاهن أو الساحر بغير شيء يقدمه الكاهن أو الساحر للشيطان، لا بد أن يقدم له عبادة، أن يعبده ويخضع ويركع له، ويذل له ويسجد، أما إذا لم يفعل شيئًا من ذلك فلا يأتيه، وإنما يأتيه إذا خضع وذل وعبَده سواءً كان كاهنًا أو ساحرًا.
وأما كون الملائكة يتكلمون بالوحي في العنان، فهذا فيما بينهم، يذكرون الشيء الذي أُمروا به، سواءً كان شيئًا يخص بعض الناس من مرض أو موت أو ولادة مولود أو ما أشبه ذلك، أو شيئًا يخص جميع الناس مثلًا كإنزال المطر أو الرياح أو ما أشبه ذلك؛ لأنهم مأمورون بهذه الأشياء، وقد أوحيت إليهم، فيخطفها الشيطان ويفرح بها حتى يضل بني آدم بذلك.
[ ٥٢ / ٧ ]
تلبيس الشياطين الحق بالباطل
قال الشارح: [قوله: (فيكذب معها مائة كذبة) أي: الكاهن أو الساحر، وكذبة: بفتح الكاف، وسكون الذال المعجمة]: كَذِبة وكِذْبة كلها سواء.
قال الشارح: [قوله: (فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا): هكذا في نسخة بخط المصنف، كالذي في صحيح البخاري سواء.
قال المصنف: وفيه: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة! وفيه: أن الشيء إذا كان فيه شيء من الحق فلا يدل على أنه حق كله، فكثيرًا ما يلبِّس أهلُ الضلال الحقَّ بالباطل ليكون أقبل لباطلهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢]]: ولولا لبس الحق بالباطل ما انطلى كلام أهل الباطل على أحد؛ ولكنهم يلبسون الكلام، ويزينون الأفعال حتى تنطلي على الناس الذين لا يميزون بين الحق والباطل، ولهذا الله جلَّ وعلا يحب البصر والبصيرة عند الفتن، والفتن تكون بالأقوال والأفعال والشهوات والشبهات، وأعظمها فتن الشبهات، وهذه التي يضل بها كثير من الناس، وسبب ذلك تلبيس الكلام بعضه ببعض والتلبيس معناه: أن يحرف الدليل الذي يدل على الحق ويصرفه حتى يكون دليلًا على الباطل، وهذا كثير في الناس جدًا، وهو من الإرث الذي ورثوه عن اليهود، والله جلَّ وعلا ذكر عن اليهود أنهم يلبسون الحق بالباطل، وأحيانًا يكتمون الحق، فإذا لم يُكتم وأظهروه خلطوه بباطل حتى لا ينتفع به المنتفع، أو يضل الذي يسمعه ويأخذه، والله جلَّ وعلا لا يقبل باطلًا، وإنما الذي يقبله الحق المحض الخالص.
[ ٥٢ / ٨ ]
أهل الكلام ونهاية المطاف
قال الشارح: [وفي هذه الأحاديث وما بعدها وما في معناها إثبات علو الله تعالى على خلقه على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء بكلام تسمعه الملائكة، وهذا قول أهل السنة قاطبة سلفًا وخلفًا، خلافًا للأشاعرة والجهمية ونفاة المعتزلة، فإياك أن تلتفت إلى ما زخرفه أهل التعطيل! وحسبنا الله ونعم الوكيل!] أما كونه يدل على علو الله جلَّ وعلا فهذا ظاهر؛ لأنه ذكر النزول، وذكر أن أول من يسمع حملة العرش الذي هم قرب العرش؛ لأن العرش حوله ملائكة يطوفون به، ويسبحون بحمد الله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] ثم بعد ذلك ينفذ إلى أهل السماء السابعة، ثم للتي تليها وهكذا، فهو يدل على علو الله، وعلو الله جلَّ وعلا أمر فطري؛ ولهذا جعل العلماء مسألة العلو من صفات الذات، يعني: أن علو الله ذاتي، بمعنى: أنه لا ينفك عنه بحال من الأحوال، ويكون دائمًا هو الأعلى في أي وقت كان، ولا يمكن أن يكون شيء فوقه، تعالى الله وتقدس، والشبه التي أوجدها نفاة العلو هي شبه تطرأ على النفوس والفطر، وإلَّا فالخلق كلهم مفطورون على أن الله عال على خلقه، ولهذا علمهم المرشد إلى الهدى الرسول ﷺ أن يقول أحدهم: سبحان ربي الأعلى في سجوده، إذا جعل رأسه أخفض شيء من بدنه، ووضعه على الأرض، يقول: سبحان ربي الأعلى؛ لأنه هو العالي على كل شيء تعالى وتقدس، وكذلك كل عبد من عباد الله سواءً كان مسلمًا أو كان كافرًا، إذا احتاج واضطر إلى دعوة الله جلَّ وعلا فإنه يدعو الله من فوق، ما تجده يلتفت يمينًا أو شمالًا، ولا أسفل، بل يمد يديه فوق، يقول: يا رب! يا رب! ولا أحد علمه هذا، وإنما هذا شيء موجود في فطرته، ولهذا لما كان إمام الحرمين عبد الملك الجويني في هذا المسجد الشريف -مسجد الرسول ﷺ- يقرر ويتكلم في العلم ويقول: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه قبل خلق المكان، ويتكلم بمثل هذه الكلمات التي توهِم، فقام رجل أمامه وقال: دعنا من هذا الكلام الذي لا نفهمه، وكثير منا لا يدري ما حقيقته، ولكن أخبرني: عن شيء أجده أنا في نفسي، ويجده كل واحد حتى أنت تجده في نفسك، ما هذه الضرورة التي في قلوبنا إذا دعا أحدنا ربه رفع يديه إلى السماء وقال: يا رب! يا رب؟! كيف ندفعها؟ فوضع يده على رأسه، ونزل من على الكرسي الذي كان عليه، وصار يبكي ويقول: حيَّرني الرجل! فلا يدري ماذا يقول وماذا يجيب لأن عقيدته على خلاف الحق، والوحي الذي جاء من عند الله يتفق تمامًا مع الفطرة التي فُطر عليها الناس، وما أكثر ما يذكر الله جلَّ وعلا الأدلة الواضحة الجلية التي تدل على علوه! كما يقول جلَّ وعلا: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، في أشياء لا حصر لها، كلها أدلة صريحة واضحة على علو الله جلَّ وعلا، ومع ذلك يحاول أهل البدع الذين اعتاضوا عن الوحي المعصوم بالآراء التي تخطئ كثيرًا، وتضل كثيرًا، وصارت عقوبتهم أن تحيَّروا، ثم هذا الذي يقول ذلك عند الموت يتحيَّر، وهذا الجويني عفا الله عنا وعنه كان -في الواقع- يطلب الحق ولكنه ما وجده، ولا قيَّض الله جلَّ وعلا له من يبينه له؛ لأن الإنسان إذا تلقى شيئًا من مشايخه وفي بيئته يصعب أن يهتدي إليه لمجرد أن يسمع نصًا، لأنه يستبعد كثيرًا أن يكون المشايخ الذين تلقى عنهم العلم من الصغر تركوا هذه النصوص ولم يفهموها، أو خالفوها، فيحاول أن تكون النصوص متفقة مع ما يقولونه، فكان عند وفاته يقول: يا أصحابي! لا تشتغلوا بالكلام، فوالله لو كنتُ أظن أنه يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به، ويقول: هأنذا قد تركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت البحر الخضم، والآن إن لم يتداركني ربي فالويل لي، ويقول: هأنذا أموت على عقيدة عجائز نيسابور؛ لأنه من أهل نيسابور.
وكذلك غيره من الأذكياء مثل الفخر الرازي عفا الله عنا وعنه، فإنه حار في آخر حياته، وهو أيضًا من ذلك البلد، وقد كان كثير الكلام جدًا؛ وكثير التأويل لكلام الله الصريح، ويصرفه عن ظواهره، وفي النهاية ذكر أنه ألف كتابًا سماه: كتاب اللذات، ثم جاء إلى العلم وقال: لذة العلم، وتكلم بكلام يدل على أنه ما استفاد شيئًا من العلم، وقال فيه: وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذىً ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال إلى آخر ما قال.
فدل على أنه حائر ما استفاد شيئًا.
وذكر المؤرخون أنه كان له تلميذ من أذكى تلامذته، وصار هو خليفته والمرجع في المسائل التي يُختلف فيها في الكلام ونحوه بعد وفاة شيخه، وكان له صديق من الحنابلة، فدخل مرة عليه وهو في مجلسه وحده، وكان مستغرقًا في التفكير، فدخل عليه وسلم، فلم يشعر به لاستغراقه في تفكيره ونظره، فأعاد السلام الرجل مرةً أخرى، فلم يشعر، فأعاد مرة ثالثة، فلم يشعر، فقال في نفسه: ما دهاه؟! وهَمَّ أن ينصرف، عند ذلك رفع رأسه إليه وقال: يا فلان! ماذا تعتقد؟ فضحك عليه ساخرًا فقال: ماذا أعتقد؟! أعتقد ما يعتقده المسلمون والحمد لله، فأطرق رأسه وجعل يبكي، ويقول: والله ما أدري ماذا أعتقد؛ لأنه اشتغل بالكلام، وترك كتاب الله، وحديث رسوله ﷺ الذي فيه الهدى والنور.
وذكروا في ترجمة الرازي أيضًا أنه مرةً في نيسابور كان معه أكثر من ثلاثمائة تلميذ خلفه، خرج بهم إلى السوق، وعجوز في بابها واقفة تنظر، فسألت واحدًا منهم فقالت: من هذا الملك؟ فقال: ليس هذا ملكًا، هذا فخر الدين الرازي يعرف على وجود الله ألف دليل، يقول هذا الكلام ليعظمه في نفسها، فضحكت ساخرةً منه وقالت: يعرف ألف دليل؟! وهل وجود الله يحتاج إلى ألف دليل؟! والله لو لم يكن عنده ألف شك ما احتاج إلى أن يعرف ألف دليل! وهذا الجويني الذي يقول: هأنذا أموت على عقيدة عجائز نيسابور، يعني: أنهن يمتن على الفطرة التي فُطِرن عليها، أحسن من الذين توغلوا في علم الكلام الذي يزيد في الشكوك والحيرة.
فلا ينكر علو الله إلَّا من كان بهذه المثابة، تحيَّر وأصبح عنده من الشكوك والريب ما يدفع به النصوص، وإلَّا فالأدلة على وصف الله جلَّ وعلا بأنه يتكلم، وبأنه يسمع ويبصر، وبأنه يَرى، وبأنه يُرى يوم القيامة يراه المؤمنون، بل رؤيته هي أفضل النعيم، وبأنه فوق، وبأنه: (ينزل إلى سماء الدنيا -كما أخبر الرسول ﷺ- كل ليلة ويبسط يده يقول: هل من تائب فيُتاب عليه؟ هل من مستغفر فيُغفر له؟ هل من سائل فيُعطى؟ حتى يطلع الفجر) وهذا كل ليلة.
[ ٥٢ / ٩ ]
الإيمان بصفات الله فرض فيجب تعليم الناس ما تيسر من ذلك
جاء في رواية في الصحيح: أنه جلَّ وعلا يقول: (لا أسأل عن عبادي غيري، هل من تائب فيُتاب عليه؟ هل من طالب فيُعطى؟ هل من مستغفر فيُغفر له؟) وهذا من كرمه جلَّ وعلا وجوده، وإلَّا فهو ليس بحاجة إلى أحد من الخلق، هو الغني بذاته عن جميع خلقه.
وقد كان الرسول ﷺ يخطب في المجامع مبينًا صفات ربه جلَّ وعلا؛ لأن الإيمان بها فرض، فهو يعلم الناس ويخبرهم بذلك، حتى ولو كان في الجمع أعرابي، والأعراب عندهم جرأة بالأسئلة التي لا يستطيع الصحابة أن يسألوا عنها؛ ولهذا يقول عبد الله بن عمر: (إني لأفرح أن يأتي الأعرابي العاقل فيسأل رسول الله ﷺ ونحن نسمع)، وفي رواية: (كان يعجبنا أن يأتي الأعرابي العاقل فيسأل رسول الله ﷺ ونحن نسمع)، فيستفيدون من هذا، ومرة كان يتكلم صلوات الله وسلامه عليه وعنده أعرابي، ولعلهم شكوا إليه تأخر المطر، فقال لهم: (إن الله جلَّ وعلا ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب، فقال له الأعرابي: يا رسول الله! أوَيضحك ربنا؟! قال: نعم.
فقال: إذًا: لا نُعدم خيرًا من ربنا إذا ضحك، فأقره الرسول ﷺ على ذلك) وهذا دليل على أنهم كان إذا سمعوا من الرسول ﷺ شيئًا يأخذوه على ظاهره، وأن الظاهر هو المراد، والمعطلة ما يقبلون هذه الأشياء، ويقولون: هذا لا يجوز، لا يجوز أن نصف الله جلَّ وعلا بالضحك؛ لأن الضحك كذا، ولأنه كذا، ولأنه كذا، ويأتون بأمور من خصائص المخلوقين، ويجعلونه المانع من وصف الله جلَّ وعلا بهذه الأمور، ومعنى ذلك أن التشبيه أولًا ارتسم في نفوسهم وإن لم يتكلموا به، يعني: أنهم ما عرفوا من أوصاف الله جلَّ وعلا إلَّا ما عرفوه من أنفسهم، فصاروا ينفون هذا الذي استقر في نفوسهم، والله جلَّ وعلا ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في وصفه ولا في أفعاله، بل ولا في حقه الذي أوجبه على خلقه، فيجب ألَّا يساوَى بأحد من خلقه تعالى وتقدس.
هذا؛ وعلو الله جلَّ وعلا ثابت، والأدلة عليه كثيرة، وهي أنواع وليست أفرادًا فقط، وليس المسلم بحاجة إلى أن يستدل على ذلك؛ لأنه فُطر على هذا، ولأنه يؤمن بكتاب الله وبأحاديث رسوله ﷺ، وإنما يحتاج الاستدلال على ذلك لمَن تغيرت فطرته بالكلام الباطل الذي يزيده شكًا وحيرة.
هذا؛ والله جلَّ وعلا يتكلم، وكلامه أزلي، والأزل هو: القِدم الذي لا مبدأ له ولا أول له، يعني: الشيء الماضي الذي لم يكن له مبتدأ، هذا معنى الأزل، والله جلَّ وعلا أول بلا بداية، فليس لله بداية، كما أنه جلَّ وعلا آخر بلا نهاية، وهو جلَّ وعلا أول بصفاته، كان قبل خلق هذا الخلق المشاهَد لنا من السماوات والأرض ومن فيهن، ولا يجوز أن يُعطل عن كونه لا يتكلم ولا يسمع ولا يرى، بل هو جلَّ وعلا أزلي بجميع صفاته تعالى وتقدس، يعني: أنه لم يكتسب صفةً جديدة لم تكن له تعالى وتقدس.
ويقال: جنس الكلام: أزلي لا مبدأ له، وأفراده حادثة، مثل تكلمه جلَّ وعلا بالقرآن، فالله تكلم بالقرآن في أوقات معينة، مثل قوله جلَّ وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١].
فـ خولة جاءت إلى النبي حينما ظاهر منها زوجها وهو كبير مسن، وهي كذلك قد كبرت، فجاءت إلى النبي ﷺ تستفتيه وتقول: (يا رسول الله! كيف أصنع؟ ترك صبية، إن ضممتهم إليَّ جاعوا، وإن تركتهم عنده ضاعوا، كيف أصنع؟! فيقول: ما أراكِ إلَّا قد بنت منه، فقالت: إلى الله أشكو، فأنزل الله جلَّ وعلا هذه الآيات)، تقول عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، والله إني كنت في طائفة من البيت، وإنه يخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله جلَّ وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]، والبيت الذي تريده عائشة ﵂ عبارة عن غرفة واحدة، وهي الغرفة التي فيها قبره صلوات الله وسلامه عليه، وهي غرفة عائشة ما اتسعت إلَّا للقبور الثلاثة؛ قبر النبي ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر فقط، هذا هو البيت، فهي غرفة صغيرة، ومع ذلك تقول: كان يخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله جلَّ وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] وهو فوق عرشه تعالى وتقدس، وهذا شيء معلوم، فإنه لا يخفى على الله جلَّ وعلا شيء، يسمع دبيب النملة على الصفاة في ظلمة الليل.
[ ٥٢ / ١٠ ]
تعليم النبي ﵊ لأصحابه الصفات
في سنن أبي داود: (أن النبي ﷺ كان في خطبة يخطب ويتكلم على المنبر، فقرأ قول الله جلَّ وعلا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًَا بَصِيرًَا﴾ [النساء:١٣٤] فوضع إصبعًا واحدةً على عينه والأخرى على أذنه)؛ ليبين أن هذا حقيقة، فالله يرى ويسمع حقيقةً، فهو يعلم المؤمنين ذلك، وهؤلاء النفاة لا يقرون مثل هذا.
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: (كان النبي ﷺ جالسًا فجاء حبر من اليهود فقال: يا رسول الله! إن الله يضع السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك أنا الملك أين ملوك الدنيا؟! فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لما قال، وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًَا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
وفي رواية: أن هذا الحبر اليهودي كان يشير بالأصابع ويقول: (يضع السماوات على ذِه، والأراضين على ذِه، ويشير بأصابعه) وقد جاء هذا مسلسلًا بالأئمة، روَوه هكذا.
والمقصود أن ذكر الصفات في تعليم الرسول ﷺ وخطاباته كذكرها في كتاب الله، فإن الله ذكرها كثيرًا في كتاب الله، فلهذا يقول بعض العلماء: تأويل نصوص المعاد أسهل وأيسر من تأويل نصوص الصفات؛ لأن نصوص المعاد ليست كثيرة كنصوص الصفات، والصحابة رضوان الله عليهم اتفقوا على الإيمان بها ولم يوجد بينهم خلاف في ذلك أبدًا، ولن يستطيع الإنسان أن يأتي بمسألة من مسائل الصفات فيها خلاف، أما ما يشغِّب به بعض المشغِّبين الذين فُتنوا باتباع الشبهات من قولهم: إنه وُجد الخلاف بينهم؛ لأنهم اختلفوا هل رأى الرسول ﷺ ربه أو لم يره ليلة المعراج؟ فهذا ليس من هذا الباب، فهم اختلفوا في هذا أثبت أم لم يثبت؟ أما الصفات فما اختلفوا فيها.
فعلى كل حال فالصفات هي التي تعرف الله جلَّ وعلا بها إلى عباده؛ لأن الله غيب، ما أحد يراه، وليس كمثله شيء فيُقاس على الشيء المشاهَد، فلا يمكن أن يكون هناك طريق للتعرف على صفاته جلَّ وعلا إلَّا بالوحي فقط، فالوحي هو الطريق الوحيد، لا العقل ولا غيره.
[ ٥٢ / ١١ ]