حرم الشرع الغلو لما يفضي إليه من محذور، والغلو في الصالحين يفضي إلى الشرك كما وقع من قوم نوح الذين غلوا في بعض الصالحين فصوروهم ثم عبدوهم، وقد وقع مثل ذلك في هذه الأمة حتى عكفت على القبور وقدمت لها القرابين.
[ ٥٧ / ١ ]
حكم الغلو في الصالحين
قال المصنف ﵀: [باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو: الغلو في الصالحين].
يقول رحمه الله تعالى: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم: الغلو في قبور الصالحين.
لما ذكر في الأبواب السابقة الأمور التي يكون الإنسان فيها قد خالف ما جاء عن الله جلَّ وعلا لكونه عبد غيره أو جعل شيئًا من العبادة لغيره، أراد أن يبين الأسباب التي تدعو إلى هذه الأمور، فذكر أن سبب ذلك هو الغلو، والغلو يكون في قبور الصالحين، فعلى هذا لا يجوز الغلو في قبور الصالحين.
والغلو معناه: تجاوز الحد المشروع، سواء بالحب والفعل، أو بالمدح والقول، أو بالذم والبغض، فكل ما تجاوز به الإنسان ما شرعه الله جلَّ وعلا فقد غلا، سواء كان قصده وإرادته الخير وكان الدافع له الحب في الصالحين، أو كان الدافع له البغض والكراهية، سواء فعل ذلك فعلًا أو قاله قولًا، فكل ما فيه تجاوز المشروع فهو غلو.
فالغلو مأخوذ من (غلا) يعني: ارتفع على الشيء المقرر شرعًا والمأمور به، ومنه: الطغيان؛ لأنه قريب من الغلو.
ولهذا جاء النهي في كتاب الله جلَّ وعلا لأهل الكتاب ولنا عن الغلو في الدين، وقصر هذا هنا على قبور الصالحين، وذلك أن قبور الصالحين تميل إليها النفوس أكثر من غيرها، وتكون فتنة لمن رفعها فوق ما أمر الشارع بها، سواء بالفعل بأن بنى عليها أو جعل عندها فُرُشًا أو أسرجها أو ما أشبه ذلك؛ فإن هذا يكون مدعاةً لعبادتها، أو أنه أكثر من التردد إليها والزيارة لها والجلوس عندها، أو أنه تحرى أن يدعو الله أو يعبد الله عندها، ورأى أن هذا محل للإجابة، فإن هذا أيضًا من الغلو الذي هو تجاوُز الحد الذي حده النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد ثبت في الصحيح من حديث علي ﵁ أنه قال لـ أبي هياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟! ألَّا تدع قبرًا مشرفًا إلَّا سوَّيته، ولا صورةً إلَّا طمستها).
وكان الرسول ﷺ يبعث الرسل نحو القبور التي شُيدت لتُسَوَّى بالأرض، ولا يكون لها ما يدعو إلى الالتفات إليها، وجذب النفوس والجلوس عندها أو قصدها؛ لأن هذا فتنة.
وسيذكر المؤلف أيضًا أن الغلو في الصالحين هو الذي كان به مبدأ الكفر بالله جلَّ وعلا والشرك، ولهذا خصه بذلك في باب، وإن كان هناك أسباب أخرى غير هذا.
قوله: (وتركهم دينهم) يعني: أن الشيء الذي يبدأ أولًا مشروع، ثم يزداد بالغلو -الذي هو تجاوز المشروع- إلى أن يصل إلى ترك الدين والخروج منه نهائيًا، وهذا عام سواء في الاعتقادات أو في العمل الذي يتم وهو فعل الإنسان، كما حصل للذين يمرقون من الدين الإسلامي كمروق السهم من الرمية بسبب الغلو، وقد وقع مثل ذلك في صدر هذه الأمة، بل في وقت الصحابة رضوان الله عليهم، كالذين غلوا في حب علي ﵁، فتجاوزوا الحد حتى ألَّهوه وقالوا: إنه هو الله، قالوا هذا في حياته، بل قابلوه بذلك، فغضب لله جلَّ وعلا وأمر بإحراقهم، فقُذفوا في النار أحياءً، وقد اتفق الصحابة على أنه يجب أن يُقتلوا، وكان علي ﵁ لشدة غضبه لله قتلهم قتلًا بالنار.
ولم ينتهِ هذا الأمر عند ذلك الفعل الذي أراد أن يكون حاسمًا؛ لأن الدعايات الباطلة ولأن ميل النفوس إلى تعظيم من فيه الصلاح شيء متأصل فيها، ويزداد بالتحريض من دعاة الباطل الذين يريدون التفرقة بين المسلمين وإيقاد الفتن، وهذه الأشياء عملت عملها، واستمر الأمر إلى اليوم.
[قوله: (باب: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين).
قوله: (تركهم) بالجر، عطفًا على المضاف إليه.
وأراد المصنف رحمه الله تعالى بيان ما يئول إليه الغلو في الصالحين من الشرك بالله في الإلهية الذي هو أعظم ذنب عُصي الله به، وهو ينافي التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص (شهادة ألَّا إله إلَّا الله)].
[ ٥٧ / ٢ ]
معنى قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)
قال المصنف ﵀: [وقول الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]].
سبق أن الأوامر التي وجهها الله جلَّ وعلا لأهل الكتاب حول الأمور التي ذمهم عليها وأخبر أنهم فعلوها وتركوا بذلك دينهم، أننا نحن المقصودون بها، ومن المعلوم لدى المسلمين أن خطاب الله جلَّ وعلا يعم كل من على وجه الأرض؛ لأن رسول الله ﷺ أُرسل إلى الناس كافة، وليس هذا خاصًا بأهل الكتاب؛ ولكن المفروض في أهل الكتاب الذين أُنزل عليهم الكتاب من الله أن يكونوا قدوة للناس في فعل الحق وسلوكه، وإذا ضل هؤلاء فغيرهم أولى أن يضلوا.
وقول الله جلَّ وعلا: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) هذا نداء من الله جلَّ وعلا لهؤلاء، والنداء في ضمنه طلب الالتفات والعطف والنظر والاهتمام، فإن الله جلَّ وعلا ينبههم إلى هذا الأمر المهم.
قوله: (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) يعني: لا تتجاوزوا الأوامر والنواهي التي جاءت من عند الله جلَّ وعلا.
فأما مجاوزة الأوامر فبالتشدد والمبالغة عند من يرى أنه أهل للاجتهاد والارتفاع عن هذا الشيء، فمجاوزة الأمر بالتشدد من الغلو.
وأما في النهي فهو مثل ذلك أيضًا، بأن يتجاوزه إلى غير المنهي عنه، فيقع في المحظور.
ويقابل هذا الجفاء والمعصية، فإن الأمر يجب أن يكون على وفق ما جاءت به الرسل، ويكون مرادًا به وجه الله جلَّ وعلا، فلا يكون فيه تقصير، ولا يكون فيه غلو وزيادة؛ لأن الإنسان عبد، والعبد عليه أن يمتثل أمر سيده بدون نقص ولا زيادة.
قوله: (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) هذا عام يشمل الدين كله، وهو خطاب لكل من تأتى له الخطاب من أهل الكتاب وغيرهم، ومعلوم أن الكتب السابقة لكتابنا قد نُسخت بالقرآن، ولكن الكتب التي جاءت من عند الله بعضُها يصدِّق بعضًا، وهي في العقائد وعبادة الله متفقة ومتحدة لا تختلف، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، فالأولون والآخِرون أُمروا بهذا، وكتب الله اتفقت على ذلك، ولهذا أمرهم ألَّا يتجاوزوا الحدود، فقال: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١].
وقوله: (وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) يدلنا على أن الغلو يكون بالفعل وبالقول.
وقولهم على الله غير الحق قد بُيِّن في أماكن متعددة من القرآن نذكر بعضًا منها: منها ما هو كفر صريح كقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، وقولهم: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] وما أشبه ذلك.
ومنها ما هو أقل من الكفر.
ومنها ما هو معصية.
وقد أخبر الله جلَّ وعلا عن أشياء مما كانوا يفعلونها، ومن الأمور التي تجاوزوا الحدود وغلوا فيها، فمنها تغييرهم حدود الله جلَّ وعلا وتبديلها بأشياء من عندهم، فقد كانوا يبدلونها بأشياء يتفقون عليها وأوضاع يتواضعونها مع معرفة ذلك ووضوحه في كتاب الله جلَّ وعلا عندهم، فهذا أيضًا من الغلو في الأمر؛ حيث تركوه مع وضوحه غالين في محبتهم لأنفسهم ولأهوائهم، ومحبتهم لما يكون سائغًا فعله بينهم جميعًا.
وكذلك غيرهم ممن كان متبعًا لرسول الله ﷺ، فإنه وقع فيهم الغلو، ولهذا عُبدت القبور، ونُصبت عليها القباب، ووُضعت لها الأستار، وجُعل لها السَّدَنَة الذين يدعون الناس إلى عبادتها، ويحضونهم على تقديم النذور، وإن كانوا هم الذين ينتفعون بذلك، ويوجدون الحكايات التي لا تستسيغها العقول من أن هؤلاء الأموات يتصرفون، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يزورون من يشاءون، وأشياء عجيبة جدًا، وكلها من الغلو الذي بسببه تُرك الدين.
[ ٥٧ / ٣ ]
تحريق علي بن أبي طالب ﵁ للرافضة الذين ألهوه
قال الشارح ﵀: [الغلو هو: الإفراط بالتعظيم بالقول والاعتقاد، أي: لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، فتنزِّلوه المنزلة التي لا تنبغي إلَّا لله.
والخطاب وإن كان لأهل الكتاب فإنه عام يتناول جميع الأمة، تحذيرًا لهم أن يفعلوا بنبيهم ﷺ فعل النصارى في عيسى، واليهود في العزير، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، ولهذا قال النبي ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) ويأتي.
فكل من دعا نبيًا أو وليًا من دون الله فقد اتخذه إلهًا، وضاهى النصارى في شركهم، وضاهى اليهود في تفريطهم؛ فإن النصارى غلوا في عيسى ﵇، واليهود عادَوه وسبوه وتنقَّصوه، فالنصارى أفرطوا، واليهود فرَّطوا، وقال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] ففي هذه الآية وأمثالها الرد على اليهود والنصارى.
قال شيخ الإسلام ﵀: ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى وغلا في الدين بإفراط فيه أو تفريط فقد شابههم، قال: وعلي ﵁ حرَّق الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خُدَّت لهم عند باب كِندة، فقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم؛ لكن ابن عباس مذهبه أن يُقتلوا بالسيف من غير تحريق، وهو قول أكثر العلماء].
باب كِندة: باب من أبواب الكوفة، وهو منسوب إلى قبيلة كِندة؛ لأن العرب لما سكنوا في هذا البلد صار لكل قبيلة حي ومكان معين يُضاف إليهم، والمسجد يُضاف إليهم، والباب الذي يُدخل منه عليهم يُضاف إليهم.
والسر في هذا هو: عبد الله بن وهب بن سبأ اليهودي الذي جاء من صنعاء في ذلك الوقت وهو على يهوديته؛ ولكنه أظهر الإسلام ليمكر بالإسلام، وذكروا أنه من الدهاة الذين يتقنون الفجور، فصار ينشر في الناس: أنه ما مات نبي إلَّا وله وصي، وصار يقول لهم: إن وصيَّه هو علي بن أبي طالب، ثم تمادى به الأمر إلى أن قال: إن عليًا هو الإله، وصار يدعو الناس إلى هذا ويزينه، فاستجاب له أشباه الأنعام الذين يتبعون كل ناعق، فصاروا ينمُّون هذا في أفكارهم حتى ارتسم في أذهانهم ورسخ في قلوبهم، وقاموا وواجهوا عليًا بذلك، فلما خرج من بيته ليصلي قابلوه وقالوا: أنت هو.
قال: ويلكم! ومن أنا؟! قالوا: أنت إلهنا.
قال: هذا الكفر! إن لم ترجعوا فسوف أقتلكم.
وحدد لهم ثلاثة أيام، وفي اليوم الثاني قابلوه بمثل ذلك، وفي اليوم الثالث كذلك، عند ذلك أمر بالحفَر أن تُحفر، وأمر أن يوضع فيها الحطب وتوقد نارًا، فأمسكهم وقذفهم فيها أحياءً، وكان يقول: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا أجَّجت ناري ودعوت قنبرًا وقنبر هو: مولىً من مواليه، يعني: دعاه ليساعده على ذلك، وهرب ابن سبأ.
وقد اتفق الصحابة في ذلك الوقت على وجوب أن يُقتلوا إن لم يتوبوا؛ لأن هذه الدعوى ما ادعاها إلَّا شُذَّاذ من الناس، فهي كفر صريح.
ولكن ما انحسم الأمر، بل ذهب هذا الخبيث وصار ينشر في الناس أفكارًا رديئة جدًا تخالف الدين الإسلامي، فذهب إلى الشام فطُرد منه، ثم ذهب إلى مصر فباض وفرَّخ فيها، وصار الغوغاء الذين أتوا لمحاصرة أمير المؤمنين عثمان ﵁ يقومون بدعوته وتحريضه، كما أن الذين أتوا من العراق كانوا أنصارًا له على هذا.
وقد ذكر المؤرخون أشياء واضحة في هذا الأمر؛ ولكن تترك الأمور على الظاهر الذي يظهر للناس فقط، والأشياء تتبين وتتضح.
ثم لما قتل علي ﵁ صار ينشر في الناس أن عليًا ﵁ ما قتل ولا يمكن أن يموت، بل صعد إلى السحاب وسوف يرجع، والرعد الذي تسمعون هو صوته، في خرافات كثيرة، وصار كثير من الناس يتأثر بهذه الأفكار السيئة الرديئة.
والمقصود: أن هذا كله دعا إليه الغلو في الحب، وإلَّا كيف يصدق الإنسان عقله أن رب العالمين يحل في مخلوق يأكل ويشرب وينام ويحتاج حاجاتٍ كثيرة ويكون فقيرًا ثم في النهاية يموت، ويصير ترابًا؟! وقد سبق إلى هذا النصارى حيث زعموا أن عيسى بن مريم هو (ابن الله) أو (الله) تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا! والمعلوم أنهم من بني آدم ولهم عقول؛ ولكن كما قال الشاعر: يُقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسنِ بل كما قال الله ﷿: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًَا﴾ [فاطر:٨] فالذي يُزَيَّن له سوء العمل يراه حسنًا، فيرى القبيح حسنًا، والأمورُ بيد الله، والهدايةُ بيد الله، كما قال النبي ﷺ: (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمان) فلا يستغرب الإنسان من أن فكر بني آدم يتغير ويصير أقل من أفكار الصبيان! ولا سيما والإنسان خُلق وجُبِل على العبادة، فإذا ترك الطريق المستقيم الذي جاء به الرسول فلابد أن تستهويه الشياطين وتضله، ويعبد المظاهر التي تحيط به، والتي يزينها له الشيطان، وأكثر الناس على ذلك؛ ولكن عباداتهم تختلف، والإنسان لا ينفعك عن عبادةٍ، والنفس إذا لم تُشغل بالسنة والحق شغلت صاحبها بالباطل والبدعة، ولابد.
[ ٥٧ / ٤ ]
قصة عبادة الأصنام بدأت من الغلو
قال المصنف رحمه الله تعالى: [في الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًَّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًَا﴾ [نوح:٢٣] قال: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسَمُّوها بأسمائم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت)]:
[ ٥٧ / ٥ ]
غلو النصارى في المسيح
الآية التي قبل هذا هي في نهي الله جلَّ وعلا أهلَ الكتاب أن يغلوا في دينهم وألَّا يقولوا على الله إلَّا الحق، يقول جلَّ وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النساء:١٧١] وهذا لرد باطلهم، ومعلومٌ أن الرسول هو المأمور الذي أمره المرسِل أن يمتثل أمره، وأن يؤدي إلى عباده ما أمره به، فالرسول عبدٌ مطيع لمرسِلِه، فعيسى لما خالفَ في خلقه العادة التي أجرى الله جلَّ وعلا عليها بني آدم من كون الإنسان يتولد من أب وأم، وعيسى ولدته مريم ﵍ ولم يمسها بشر، ومن المعروف أن خلق بني آدم تنوَّعَ للدلالة على قدرة الله جلَّ وعلا: فأبو البشر آدم خلقه الله جلَّ وعلا من طين ليكون آية لنا، ولنعرف ذلك ونستدل به على إعادتنا بعدما نكون ترابًا، فإننا إذا راجعنا إلى أصلنا ترابًا نُعاد مرةً أخرى، ونُخرَج من التراب أحياءً كما كنا، فيكون هذا دليلًا لنا، وجعل ذلك جلَّ وعلا حجةً على الذين ينكرون البعث بعد الموت، وهو أمر قد تواردت عليه الأمم، وجاءت به أخبار الله التي لا يمكن أن يتطرق إليها شك أو ريب، ومن المؤسف أن كثيرًا من المسلمين صارت تنطلي عليهم أفكار الملاحدة الذين يشككون فيما يذكره الله جلَّ وعلا، وقد يكون الذين جاءوا بهذه الأفكار قد رجعوا عنها، وكأنهم يضحكون على الناس.
فالمقصود: أن الله جلَّ وعلا أخبرنا أنه خلق آدم من تراب.
وأخبرنا أنه خلق زوجه منه، امرأة خُلقت من ذكر، وهذا ليس أغرب من خلق البشر من التراب؛ ولكن قدرة الله جلَّ وعلا صالحةٌ لكل شيء، ولا تُحَدُّ بِحَد.
ثم صار خلق سائر بني آدم من ذكر وأنثى على الشيء الذي يتعارفونه.
وجاء القسم الرابع وهو: خلق ذكر من أنثى بلا أب، وهو عيسى ﵇.
كل ذلك تنوُّعٌ في قدرته تعالى، وبيان على أنه لا يعجزه شيء.
فلما رأوه جاء مخالفًا لما اعتاده الناس غلوا فيه، وقالوا: إنه (ابن الله)، تعالى الله وتقدس عن الزوجات وعن الحاجات، وهؤلاء -قبحهم الله- جعلوا الله بمنزلة المخلوق المحتاج، ومنهم من يقول: (عيسى هو الله)، يعني: أن الله دخل في أحشاء الأنثى، وبقي في ظلمات الأحشاء تسعة شهور، ثم خرج من فرجها ضعيفًا، ثم تسلط عليه اليهود -على حد زعمهم- فأخذوه وقتلوه وصلبوه! أيُّ عقول هذه التي تزعم أن هذا (هو الله)؟! تعالى الله وتقدس.
فلهذا أخبر عن قولهم أنه كفر صريح، وأخبر أنه رسول أكرمه الله جلَّ وعلا بالرسالة، فصار الناس في وقته طائفتين: طائفة: غلت فيه بالحب والثناء والمدح حتى جعلوه إلهًا، فقالوا: (هو ابن الله) أو (هو الله) أو (هو ثالث ثلاثة: الله والمسيح وأمَّهُ)، يعني: جعلوا المخلوق الضعيف مشاركًا لله جلَّ وعلا في خصائصه.
الطائفة الأخرى: غلت في الجفاء والبغض وهم اليهود، حتى رموا والدته بأنها زانية، وأنه ابن زنىً، قبحهم الله، ثم حاولوا قتله، فابتلاهم الله جلَّ وعلا وألقى شَبَههُ على رجل منهم فقتلوه وصلبوه وزعموا أنه هو عيسى، وقد بين الله جلَّ وعلا أنهم ما قتلوه ولا صلبوه كما قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وسينزل في آخر الزمان، ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلَّا الإسلام، ثم يموت ويُدفن، ثم بعد ذلك يبعثه الله جلَّ وعلا مثل سائر الخلق.
ولهذا بين الله جلَّ وعلا أن خصائص المخلوقين موجودة في عيسى وأمِّه، ولكنه جعل عيسى رسولًا وأمَّه صديقة، فهما يحتاجان ما يحتاجه البشر ولهذا قال: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] والذي يأكل الطعام لا يصلح أن يكون إلهًا، والذي يحتاج إلى الطعام فيأكله، لابد أن يأتي بلازم المأكول من قضاء الحاجة، وهذا نقص فيه، فلو احتبس فيه ما أكله لمات.
هذه هي عقيدة النصارى تعالى الله وتقدس عنها! وكل هذه أفكار سيئة جدًا، وتنقُّصٌ لله جلَّ وعلا غاية التنقُّص، ولهذا كفَّرهم الله جلَّ وعلا بذلك.
[ ٥٧ / ٦ ]
غلو قوم نوح في الصالحين
ثم ذكر بعد هذا القصةَ التي ذكرها البخاري في صحيحه: فقوله: (في الصحيح) يعني: في صحيح البخاري: عن ابن عباس أن وَدًا وسُواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا كانت أسماء رجال صالحين في قوم نوح، وهؤلاء كانوا قبل بعث نوح ﵇ على الإسلام كما جاء في الصحيح عن ابن عباس قال: إن عشرة قرون قبل نوح كلهم كانوا على التوحيد.
يعني: أن أولاد آدم سلكوا الحق بعده، وآدم نبي كريم قد كلمه الله جلَّ وعلا بلا واسطة، وأنزله إلى الأرض بالرسالة إلى بنيه.
وكان بنوه على الحق، ومضَوا وقتًا طويلًا على الإسلام لم تحدث فيهم مخالفة، ولم يعبدوا غير الله، حتى طرأت هذه الحادثة، ووُجِد منهم هؤلاء: وَد وسُواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء كانت لأناس صالحين، يعني: كانوا مجتهدين، وكانوا قدوة في قومهم، فماتوا واحدًا بعد الآخر في زمن متقارب، فأسف عليهم قومهم وجزعوا؛ لأنهم كانوا يقتدون بهم، فإذا رأوهم في اجتهادهم وعملهم الصالح زاد عملهم واجتهدوا كاجتهادهم.
فلما علم الشيطان بأسفهم جاء إليهم بصورة الناصح وهكذا يفسد الشيطان دين الإنسان بكونه يظهر له بأنه يزين له الباطل، وربما جاءه بحق وله فيه أغراض ونظرات بعيدة كما في هذه القصة، فقال لهم: ألَّا تصوِّرون صورهم، وتنصبونها في المجالس التي تجلسون فيها -يعني: مجالس التعبد والذكر- حتى إذا رأيتموهم -رأيتم هذه الصور- تذكرتم أفعالهم، فاجتهدتم كاجتهادهم؟! فاستحسنوا هذه الفكرة وفعلوا ذلك، وبقوا على هذا وقتًا إلى أن ماتوا.
[ ٥٧ / ٧ ]
عبادة قوم نوح لتماثيل الصالحين
ثم جاء أبناؤهم، وربما أبناء أبنائهم، ونُسي السبب الذي من أجله صُوِّرت هذه الصور، فجاء دور الشيطان أيضًا مرةً أخرى، فأتى إليهم وقال: آباؤكم ما صوروا هذه الصور إلَّا للتبرك والاستشفاع وطلب الوساطة بها، وقد كانوا يستسقون بها ويجعلونها واسطةً لهم عند الله! فعُبدت، وهذا أول شرك وقع في الأرض.
وهذا الشرك سببه: الغلو، والحب الزائد في الصالحين، فزِيد في الحق حتى تُرك الدين، ووقع الناس في عبادة غير الله جلَّ وعلا.
ولهذا السبب أرسل الله ﷿ نوحًا ﵇، وصار يدعوهم إلى عبادة الله وحده وترك هذه الأصنام، وبقي -كما ذكر الله جلَّ وعلا- يدعوهم ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا ألف سنة إلَّا خمسين عامًا، فلم يستجيبوا له، بل صار بعضهم يوصي بعضًا بالتمسك بهذه الأصنام، ويؤكدون على ذلك كما قال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًَا * وَمَكَرُوا مَكْرًَا كُبَّارًَا * وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًَّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًَا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًَا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًَا﴾ [نوح:٢١ - ٢٤].
فقوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣] يعني: يقول بعضهم لبعض ويوصي بعضهم بعضًا: إياكم أن تتأثروا بدعوة نوح! إياكم أن تتركوا آلهتكم لقول نوح! تمسكوا بها! ولهذا أكَّدوا ذلك: (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ)، فجعلوها آلهة، والآلهة هي المألوهة التي تألهها القلوب وتحبها وتعظمها وترجو نفعها ودفع الضر بها، وهذا عام، ثم صاروا يخصون هذه الأصنام، فهم: أولًا: أوصوا بالتمسك بالآلهة عمومًا: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح:٢٣].
ثم أكدوا الوصية بهذه الأصنام الخمسة: وَد وسُواع ويغوث ويعوق ونسر.
إلى أن أيس نوح ﵇ من استجابتهم، وكان يرجو أن يولد لهم أولاد يستجيبون لدعوته، فصار كلما وُلد مولود علَّموه عبادة الأوثان وحذَّروه من اتباع نوح ﵇، ولهذا قال تعالى حاكيًا عنه: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًَا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًَا كَفَّارًَا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] أي: أن أولادهم كانوا فجارًا وكفارًا.
ثم بسبب تمسكهم بعبادة غير الله أهلكهم الله جلَّ وعلا بالغرق الذي جاء على جميع الأرض، ولم يَبقَ على الأرض حي إلَّا من كان في سفينة نوح فقط.
ثم إن الذين كانوا في السفينة نموا وكثروا، وقد ذكر الله جلَّ وعلا في كتابه أن ذرية نوح هم الباقون، فصار الناس الذين بقوا هم أولاد نوح وكان أولاده أربعة، فانتشروا في الأرض وصار منهم الأمم الكبيرة.
فوقع فيهم الشرك مرة أخرى بأسباب الله أعلم ما هي؛ ولكن هذا من أعظمها، فأرسل الله جلَّ وعلا إليهم الرسل تدعوهم إلى التوحيد وتنهاهم عن الشرك وعبادة غير الله جلَّ وعلا، وكل أمة تعصي رسولها وتأبى من اتباعه وإخلاص الدين لله جلَّ وعلا، فكان الله جلَّ وعلا يهلكهم بعذاب عام يعمهم، كما وقع لقوم نوح، وقد ذكر الله جلَّ وعلا بعض قصصهم؛ لأن الله لم يقص علينا قصص كل الرسل، وإنما قُصَّ علينا بعضهم، ولهذا يقول جلَّ وعلا: ﴿وَرُسُلًَا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] إنما ذُكر لنا ما فيه الكفاية وفيه المعتبر.
وقد جاء أن هذه الأصنام التي كانت في قوم نوح وُجدت في العرب، ذكر ذلك ابن عباس، وذكره محمد بن إسحاق في السيرة، وذكره ابن الكلبي في كتابه (الأصنام) وذكره عمر بن شبه في (تاريخه)، وذكره الأزرقي أيضًا، وغيرهم من الذين كتبوا في هذا، ذكروا أن هذه الأصنام حملها الطوفان وألقاها في قرب جدة على الساحل، فسَفَتْ عليها السَّوافي فاندفنت، ومرت عليها العصور الطويلة الكثيرة جدًا.
[ ٥٧ / ٨ ]
أول من جعل الأصنام من العرب
ثم بعدما كان العرب على دين إسماعيل، وكانوا مستقيمين على الحق، صار فيهم رجل من كبار خزاعة -وهو عمرو بن لحي الخزاعي - مطاعًا فيهم ورئيسًا لهم، وذكروا أنه كان له شيطان يأتيه بالأخبار كحال الكُهَّان، فجاء إليه يومًا وأمره أن يذهب إلى هذا المكان، وقال له: إنك تجد فيه أصنامًا مُعَدَّة فخذها ولا تهب، وادعُ إلى عبادتها العرب تُجَب، في سجع يقوله له، فذهب فوجد أن الشيطان قد استخرجها لهم، ففرقها في قبائل العرب بعدما دعاهم إلى عبادتها في الموسم فأجابوه، فصار كل صنم في قبيلة من قبائل العرب، وصاروا يعبدونه.
وبقيت إلى أن بعث الله جلَّ وعلا خاتم رسله محمدًا ﷺ فحطمها، وكُسِّرت بدعوته.
ثم إن الأمر ما انتهى عند ذلك، فقد استحدث العرب أصنامًا أخرى، كما سبق أنهم عبدوا اللات والعزى، وعبدوا مناة وهُبل، وعبدوا الحجارة، وعبدوا أصنامًا كثيرة، وقد جاء في الصحيح أنها: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخَلَصة) وذو الخلصة: صنم لدوس، وقد وقع ذلك كما أخبر الرسول ﷺ.
وكذلك من هذه الأصنام ما يكون بصورة رجل صالح من القبور، ولا يزال الناس يشاهدون ذلك إلى الآن، فهذه المشاهد التي يُطاف عليها، وتُقصَد من أماكن نائية عنها، وتُراق عندها الدماء، وتُقدم لها النذور، وتَسمَع إذا وصلتَ إليها دعوات الناس مرتفعةً، يدعون أصحابَها بالابتهال والخضوع والذل، وينادون المقبور بأن يفعل بهم كذا، ويعطيهم، ويمنعهم من العدو، ويهب لهم ما يريدونه من ولد أو رزق أو ربما غفران الذنوب يدعونه وقد أصبح رميمًا تحت التراب!! وهؤلاء الذين يُدعَون أمثال: البدوي وأمثال: الدسوقي وأمثال: عبد القادر الجيلاني وأشباههم ليسوا من خيار الناس وأفاضلهم، بل هناك كثيرٌ من الصالحين ومن أولياء الله قُبروا في مصر وفي الشام وفي العراق وفي الحجاز وفي اليمن وفي أماكن متعددة ولكن في زمن الاستقامة؛ وما كان الشيطان يطمع في أن يدعو الناس إلى عبادة هؤلاء، وإنما زين لهم الشيطان عبادة هؤلاء لما فرغت قلوبهم من التوحيد الخالص لله جلَّ وعلا، فدعاهم إلى ذلك فاستجابوا له.
ومن العجائب أنه قد يُعبد طاغوت من الطواغيت الذي كان ينكر شرع الله، بل كان يدعو إلى مسخه، مثل ابن عربي الطائي الذي كان في الشام، فقبره لا يزال معروفًا إلى الآن يُعبد ويُعظم ويُطاف عليه، وهو الذي يقول: إن فرعون على الحق وإن موسى على الباطل، وهو الذي يقول: إن الرسل ضيَّقوا على الناس، وإن الناس أخطئوا في تخصيصهم العبادة بـ (اللات والعزى ومناة) وما أشبه ذلك، أما لو عبدوا كل شيء لكانوا على الحق والصواب، وهو الذي يقول: إذا صار أهل النار إلى النار صارت عليهم عذْبًا، وصارت نعيمًا لا يتأثرون بعذابها، وأشياء عجيبة جدًا من مسخ دين الله! بل قال: إنه لا فرق بين الزوجة والأم، ولا بين الخمر واللبن، فكله حلال، فمن كان هذه بعض أقواله كيف يُعظم ويُعبد؟! ولكن الجهل وإضلال الشيطان لهؤلاء هو الذي جعلهم يعبدونه.
وكل هذا بسبب تقصيرهم وبسبب تركهم ما جاء به الرسول ﷺ والتعمُّق فيه والتمسك به، فالجهل هو الذي يكون سببًا لكل ضلال.
ومن المعلوم أن الله جلَّ وعلا قد خلق خلقه لعبادته، فالعبادة حقه لا يجوز أن يكون شيء منها لغيره، فإن جُعل شيء من العبادة لغيره فقد حرم الله جلَّ وعلا الجنة على هذا الذي جعل بعض العبادة لغيره، وأخبر أنه لا يغفر ذلك له إذا مات عليه.
ثم كيف يسوغ للعاقل وهو يعلم أن الله حرم الجنة على المشرك ألا يهتم بمعرفة الشرك ولا يبحث عنه؟! حتى انقلبت الأوضاع وصار الشرك عند كثير من الناس هو الحق والصواب، وهو الدين الذي يُدان به، بل ويُزعم أنه الدين الذي جاء به الرسول ﷺ، وأصبح تجريد التوحيد لله وحده وتجريد المتابعة لرسوله ﷺ باطلًا، وأصبح صاحبه ضالًا تجب محاربته ويجب نبذه، فانعكست الأمور تمامًا، وكل هذا بسبب الجهل والتفريط، وكون الإنسان يفرط في أمر الله جلَّ وعلا الذي أوجبه عليه، والإنسان هو الذي يقع عليه اللوم؛ لأنه لا حجة له، فقد بين الله جلَّ وعلا الحق بيانًا جليًا، والرسول ﷺ لم يترك شرًا يمكن أن يُبعِد عن الله إلَّا وحذَّرنا منه ولا خيرًا يقرِّبنا إلى الله إلَّا وبينه ووضحه لنا وأمرنا به، فإذا تركنا ما جاء به فنحن الملومون، ونحن الذين قامت عليهم الحجة وليس لهم على ربهم عذر ولا حجة، بل الحجة لله؛ لأنه أرسل الرسول وأنزل الكتاب، ولازال كتاب ربنا بيننا، فهل نتخذ كتابه للتبرك أو للرقى وطرد الجن وما أشبه ذلك؟! هذا لا يكفي، بل هذا شبه اللعب، ونحن بهذا كأننا اتخذناه للدنيا ولمصلحة أبداننا فقط.
وإنما يجب أن نصلح به القلوب أولًا، ثم نصلح به كل أوضاعنا وعلاقاتنا، وإلَّا فسوف يسألنا الله جلَّ وعلا: كيف يأتيكم كتابي ولا تتفهمونه ولا تعملون به؟! فما العذر؟ أيقول الإنسان: يا رب! ما أدري ماذا قلتَ؟! وهل يكون هذا عذرًا؟! أيقول: يا رب! أنا ما فهمتُ قولك؟! أيكون هذا عذرًا والله جلَّ وعلا يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ويقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] يقول علماء التفسير في هذه الآية: هل مِن طالب علم فيُعان؟! فالله قد يسَّره، ولكن الإعراض هو الذي يحول بين الإنسان وبين ذلك، وهكذا إذا لم يهتم وإنما يجعل الاهتمام بأمور الدنيا، وسوف يُسأل كل إنسان عن كتاب ربه: ماذا عمل به؟! ولماذا ما اتبع الرسول؟! فليعد للسؤال جوابًا، وليكن الجواب صوابًا، وإلَّا فهو يستحق العذاب، نسأل الله العافية.
[ ٥٧ / ٩ ]
الفرق بين الصنم والوثن
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: في الصحيح أي: في صحيح البخاري، وهذا الأثر اختصره المصنف.
ولفظ ما في البخاري: عن ابن عباس ﵄ قال: (صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعدُ، أما وَد فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت بهمدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر لآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحين في قوم نوح) إلخ.
وروى عكرمة والضحاك وابن إسحاق نحو هذا.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: (أن يغوث ويعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسْقون المطر، فعبدوهم).
قوله: (أن انصبوا) هو بكسر الصاد المهملة.
قوله: (أنصابًا): جمع نُصُب، والمراد به هنا: الأصنام المصورة على صورة أولئك الصالحين التي نصبوها في مجالسهم، وسمَّوها بأسمائهم.
وفي سياق حديث ابن عباس ما يدل على أن الأصنام تسمى أوثانًا، فاسم الوثن يتناول كل معبود من دون الله، سواء كان ذلك المعبود قبرًا أو مشهدًا أو صورةً أو غير ذلك] سبق أن بعض العلماء فرَّق بين الوثن والصنم فقال: الصنم هو: ما نُحت على صورة إنسان أو حيوان وكان مجسَّدًا، سواء كان منحوتًا أو منجورًا أو مبنيًا أو ما أشبه ذلك.
أما الوثن فهو أعم، وتعريفه هو: كل معبود من دون الله، سواء كان شيئًا مجسدًا على صورة إنسان أو على صورة أسد أو غير ذلك، فالقبر يكون وثنًا؛ ولكن نقول: لا يسمى صنمًا على هذا القول، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم أوثانًا).
ومنهم من لا يفرق ويقول: الوثن يطلق على الصنم، والصنم يطلق على الوثن، وقد جاء في القرآن ما يدل على هذا، فإن في قصة إبراهيم: مرةً سمَّوها أصنامًا ومرةً سمَّوها أوثانًا، فهذا يدل على أنها تُطلق على هذا مرةً وتُطلق على هذا مرةً أخرى.
[ ٥٧ / ١٠ ]
الجهل سبب من أسباب الوقوع في الشرك
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (حتى إذا هلك أولئك) أي: الذين صوروا تلك الأصنام.
قوله: (ونُسي العلم) ورواية البخاري: (وتنسَّخ).
وللكشمهيني: (ونُسخ العلم) أي: درست آثارُه بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله.
قوله: (عُبدت) لما قال لهم إبليس: إن من كان قبلكم كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر، هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وأمرهم بها، فصار هو معبودهم في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًَّا كَثِيرًَا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٢]]: الجِبِلُّ هم: الجماعات الكثيرة، فقوله تعالى: ﴿جِبِلًَّا كَثِيرًَا﴾ يعني: جماعات كثيرة أضلها الشيطان، فلماذا لم تعتبروا بذلك؟! ولماذا لم تتبعوا الرسل وتهتدوا بهديهم، وتتفكروا بعقولكم؟! ولماذا لم تستدلوا بآيات الله جلَّ وعلا القائمة المشاهَدة وكذلك المقولة المسموعة؟!
و
الجواب
أنه لا عذر لهم في ذلك.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وهذا يفيد الحذر من الغلو ووسائل الشرك؛ وإن كان القصد بها حسنًا، فإن الشيطان أدخل أولئك في الشرك من باب الغلو في الصالحين والإفراط في محبتهم، كما قد وقع مثل ذلك في هذه الأمة: أظهر لهم الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم ليوقعهم فيما هو أعظم من ذلك من عبادتهم لهم من دون الله.
وفي رواية: أنهم قالوا: (ما عظّم أوّلنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله) أي: يرجون شفاعة أولئك الصالحين الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم وسموها بأسمائهم، ومن هنا يُعلم أن اتخاذ شفعاء ورجاء شفاعتهم بطلبها منهم شرك بالله، كما تقدم بيانه في الآيات المحكمات].
[ ٥٧ / ١١ ]