لقد جاءت الشريعة بسد ذرائع الشرك، وبينت أن الغلو في الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله، فالواجب على المؤمن أن يجتنب الغلو بأنواعه، سواء في الأمكنة أو في الأزمنة أو في الأشخاص؛ وهو من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر الذي يخلد صاحبه في النار.
[ ٦٣ / ١ ]
الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله.
].
الغلو: تجاوز الحد في الشيء المشروع، ومقصود المؤلف بهذا الباب أمور: الأول: التحذير من الغلو في القبور.
الثاني: أن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها.
الثالث: أنها إذا عبدت صارت أوثانًا ولو كانت قبور أنبياء وصالحين.
الرابع: التنبيه على العلة في التحذير من الغلو فيها وتجاوز الحد، وأن العلة: عبادة غير الله جل وعلا، والحفاظ على التوحيد.
هذا هو مقصود المؤلف من عقد هذا الباب وإلا فهو قريب من الذي قبله.
قال المصنف: [روى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبرى وثنًا يعبد.
اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)].
هذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلًا، وقد جاء من غير هذا الطريق، وهو حديث ثابت عند من يحتج بالمرسل؛ لأن رواته ثقات، وعند من لا يحتج به فإنه جاء ما يعضده من طرق أخرى مرفوعة وكذلك له شواهد تعضده.
[ ٦٣ / ٢ ]
الفرق بين الوثن والصنم
قوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد)، هذا دعاء يدعو به الرسول ﷺ حتى لا يكون قبره معبودًا، وفي هذا دليل على أنه لو عبد لسمي وثنًا، وهذا الذي أراد المؤلف أن ينبه عليه أخذًا من هذا الحديث: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) والفرق بين الوثن والصنم: أن الأوثان كل ما عبد من غير صورة، مثل الججر والشجر والقبر وما أشبه ذلك من المعبودات التي يطلب منها البركة ويطلب منها النفع ودفع الأذى وما أشبه ذلك، وهذه الأمور من خصائص الله جل وعلا، ولا يجوز طلبها من غيره.
والصنم: هو ما كان مصورًا على صورة آدمي، أو صورة حيوان، هذا هو الفرق.
أما إذا افترقا بأن جاء ذكر أحدهما دون الآخر فإنه يدخل فيه الآخر، ولكن إذا اجتمعا لفظًا افترقا في المعنى، كنظائرهما في اللغة العربية وهي كثيرة.
وقال بعض العلماء: لا فرق بين هذا وهذا، فيطلق الوثن على الصنم، والصنم على الوثن، واستدلوا بقصة إبراهيم مع قومه ففي موضع قال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] وفي موضع سماها أوثانًا، وفي موضع آخر سماها أصنامًا، فدل على أنه لا فرق بين هذا وهذا، والصواب أن هناك فرقًا، ويجوز أن تكون معبودات قوم إبراهيم فيها الأوثان وفيها الأصنام، فمرة يعبر عن هذا، ومرة يعبر عن هذا.
وكلها شر سواء كانت وثنًا أو صنمًا، وكلها يقع فيه الشرك الأكبر الذي من مات عليه يكون خالدًا في جهنم، ولا يجوز أن يكون عند المسلم شعبة من شعب الشرك، والشرك شعب كثيرة، ولكن الشرك الأصغر قد لا يسلم منه أحد إلا نادرًا إلا الذين حققوا التوحيد وخلصوه من شوائب الشرك والبدع والذنوب، أما أكثر الناس فإنهم لا يسلمون من شوائب الشرك الأصغر، وهذا لا يخرجهم من الدين الإسلامي، ولكنه فيه خطورة؛ لأنه قد يكون وسيلة إلى ما هو أكبر منه، ويترتب عليه عقاب، لا سيما على قول كثير من العلماء الذين يقولون: إن الشرك لا يغفر كبيره وصغيره، وليس معنى هذا القول أن الشرك كله يكون كفرًا، وليس هذا مرادهم، ولكن مرادهم: أن الشرك إذا كان أكبر فإنه مخرج من الدين وهذا لا إشكال فيه، أما إذا كان أصغر فمقصودهم بذلك: أنه لا بد من العقاب عليه قبل دخول الجنة، يعني: ما يعفى عنه، ولا يكون مثل بقية الذنوب التي قال الله جل وعلا فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وهم يستدلون بهذه الآية ويقولون: إن الله جل وعلا استثنى من المعاصي كلها الشرك، والشرك يدخل فيه القليل والكثير، كما يدخل فيه الكبير والصغير، يقولون: فدل ذلك على أن الشرك الأصغر غير مغفور لصاحبه، ولا بد من عقابه وإن كان مسلمًا، ومعنى ذلك: أن الذي يموت على الشرك الأصغر بدون توبة يناله العقاب، أما على القول الآخر فإن كل ما يكون غير مخرج من الدين الإسلامي فإنه داخل في الاستثناء الذي ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
والمقصود: أن قوله ﷺ: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) قاله صلوات الله وسلامه عليه خوفًا من وقوع ذلك، وهذا يدل على أنه ﷺ كان يتوقع أن يحصل شيء من ذلك، ولو لم يتوقع ذلك لما دعا بهذا الدعاء.
الثاني: أن هذا يدل على أنه لو عبد لسمي وثنًا (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد).
الثالث: أن عبادته ليست السجود له، أو الاعتقاد بأنه يخلق من العدم أو أنه يحيي ويميت، أو أنه يتصرف في السماوات والأرض وفي المخلوقات، ليس هذا المراد، وإنما المراد: أن يتوجه إليه، ويسأله مع الله، ويعتقد أنه ينفع ويدفع ويجلب للسائل خير الدنيا والآخرة، ويدفع عنه شرور الدنيا والآخرة، هذا هو المقصود، وهذا يحصل من كثير من الناس الذين يجهلون الأمر، والنبي صلوات الله وسلامه عليه بين عن ربه جل وعلا بيانًا شافيًا، ولم يترك للناس عذرًا حتى يقول قائلهم: أنا أجهل هذا الأمر.
[ ٦٣ / ٣ ]
اشتداد غضب الله على الذين يتخذون القبور مساجد
يجب على المسلم أن يتتبع ويطلب بيان رسول الله ﷺ، ومن البيان قوله المتقدم، وقوله ﷺ: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وهذا يدلنا أيضًا على أمور: الأول: أن الله يغضب على بعض الناس، وأن غضبه قد يكون شديدًا، وقد يكون أقل من ذلك، يعني: أن غضبه يتفاوت على حسب الذنوب.
الثاني: أن معنى قوله: (اتخذوها مساجد) أي: محلًا للسجود، يعني يصلون عندها، فجعلوها محلًا للعبادة، يعني: أنهم يتحرون العبادة عندها، وهذا ليس بشرك ولكنه من وسائل الشرك التي توقع فيه؛ لأنه إذا صلى عند القبر تحرى الصلاة عنده، وتحرى الدعاء عنده، ويوشك أن يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يعبد القبر، ويسأل من فيه، فلهذا منعت العبادة عند القبور.
الثالث: أن الأمور التي جاءت في ذم اليهود والنصارى ومن سبق من الأمم إنما المقصود بها تحذيرنا نحن أن نقع فيما وقعوا فيه.
الرابع: أنه إذا حصل منا شيء يشابه ما حصل منهم فالحكم سواء لا يختلف، يعني: ما قيل فيهم يقال فينا، وما أصابهم يصيبنا، وقد يكون أشد، وذلك أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء، ومن خالف أفضل الأنبياء يكون عذابه أشد وأعظم، وهو صلوات الله وسلامه عليه بالغ في التحذير من ذلك.
الخامس: أنه لا فرق بين قبور الأنبياء وغيرها في جعلها محلًا للعبادة، وبهذا يتبين لنا معنى قول الرسول ﷺ: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا) كما في الصحيح، وأن المعنى لا تجعلوها شبيهة بالقبور ليس فيها عبادة؛ لأنه متقرر في الشرع أن المقبرة لا يتعبد فيها، والقبور لا تفعل العبادة فيها، فإذا ترك البيت من العبادة: من تلاوة القرآن والصلاة والذكر وما أشبه ذلك؛ صار شبيهًا بالمقبرة؛ ولهذا أمر بالتعبد فيها بالصلاة والقراءة، (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا)، وبهذا يتبين لنا أن المقصود: منع الأمة أن تتعبد عند القبور بعبادة تقصد بها وجه الله، فكيف إذا قصد صاحب القبر بالعبادة؟! فالمنع من أجل ألا يقع شيء من الشرك؛ لأن هذا هو الشرك الأكبر الذي إذا فعله الإنسان ومات عليه يكون خالدًا في جهنم.
قال الشارح ﵀: [قوله: روى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
هذا الحديث رواه مالك مرسلًا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: الحديث.
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم به، ولم يذكر عطاء، ورواه البزار عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا، وله شاهد عند الإمام أحمد بسنده عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
قوله: روى مالك في الموطأ هو: الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، وأحد المتقنين للحديث حتى قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر مات سنة تسع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقيل: أربع وتسعين وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة.
قوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) قد استجاب الله دعاءه كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان].
هذا قاله ابن القيم في زمنه في القرن السابع؛ لأنه توفي سنة سبع مائة وواحد وخمسين ﵀، وتغير الوضع عن ذلك الوقت، ولكن الأمور تتعلق بالنيات، إذا كان الإنسان خلف القبر وقصد الصلاة إليه وإن كان من مسافات بعيدة؛ فلا ينفعه إذا كان بينه وبينه حائط أو حيطان، وإنما المقصود منع التوجه إليه.
[ ٦٣ / ٤ ]
دفن النبي ﵊ في بيته وليس في المسجد
النبي صلوات الله وسلامه عليه في بيته، فقبره في بيته وليس في المسجد، وإنما كان في بيته، وبيته ﷺ كان على حائط المسجد.
فإنه صلوات الله وسلامه عليه لما أتى إلى المدينة مهاجرًا ونزل في قباء أول ما نزل، ثم بعد ذلك جاء متجهًا إلى المدينة وكان الأنصار متوزعين في أماكن متفرقة في المدينة، كل فخذ منهم لهم أماكن، وكانوا يتعرضون له، وكل قوم يقولون: إلينا يا رسول الله، يودون أن يسكن عندهم، وكان راكبًا على ناقته ويقول: (دعوها فإنها مأمورة)، حتى جاءت إلى هذا الموضع فبركت، ولما بركت لم ينزل عنها؛ لأنه كان يتوقع أن تقوم أيضًا، فتلحلحت ثم وضعت رقبتها على الأرض، وعند ذلك نزل، وكان بيت أبي أيوب الأنصاري قريبًا من ذلك المكان، فبادر وأخذ رحل الرسول ﷺ وأدخله في بيته، فلما طلب منه بعض الأنصار أن يذهب معهم قال: (المرء مع رحله).
فنزل عند أبي أيوب، وكان بيت أبي أيوب مكونًا من دورين على حسب الحال، فجعل الرسول ﷺ تحت ليكون أسهل له، ثم استدعى من كانت له هذه الأرض، وكانت مربدًا يعني: حوشًا فيه نخل وفيه قبور للمشركين، فلما سأل عنها قيل: هذه لأيتام من بني النجار، فطلبهم وقال: (ثامنوني فيه) يعني: بيعوني الأرض، المثامنة البيع، فقالوا: بل نريد الأجر من الله، ولا نطلب له ثمنًا.
والمقصود أنه بدأ بعمارة المسجد صلوات الله وسلامه عليه، وأمر بالقبور فنبشت وأخرجت، وأمر بالنخل فقطع، ثم صاروا يبنون، ولما كمل البناء بنى حجراته -لكل زوجة حجرة- خلف المسجد.
لما مرض صلوات الله وسلامه عليه صار كل يوم يذهب إلى واحدة من زوجاته، وبعدما اشتد به المرض صلوات الله وسلامه عليه استأذن منهن أن يمرض عند عائشة، فأذن له، وكان بيت عائشة مع هذه البيوت، فكان عندها حتى توفي في بيتها.
ولما توفي صلوات الله وسلامه عليه اختلفوا أين يدفنونه؟ فروى لهم وأبو بكر ﵁ حديثًا: أن الأنبياء تدفن في الأماكن التي تموت فيها، وعند ذلك دفنوه في موضعه الذي مات فيه، وكان خارج المسجد، وبقي هكذا في زمن الخلفاء الراشدين وزمن معاوية بن أبي سفيان، وزمن عبد الله بن الزبير، وكذلك زمن مروان، وخلافة ابنه عبد الملك حتى جاء ابن عبد الملك الوليد بن عبد الملك وكان مغرمًا بالعمارة، فأمر بهدم المسجد وبناءه بناء حديثًا، وزخرفته، وإدخال الحجر فيه، وكان أميره على المدينة عمر بن عبد العزيز، فشرع في ذلك، وصار يشتري من الناس ما حول المسجد، ويدخله فيه توسعة له، وهدمت الحجر، وصارت من ضمن المسجد، وقد عارض هذا الفعل كثير من السلف والتابعين وغيرهم، ولكن لم ينفع اعتراضهم، فصار إدخال القبر في المسجد بفعل الملوك، لا بفعل العلماء ولا بأمر الرسول ﷺ، ولا بالنظر إلى الشرع، وإلى قول الرسول ﷺ، فعلى هذا لا يكون في ذلك حجة، ثم لما أدخل لم يجز أن يتصرف فيه كالتصرف في قبر غيره صلوات الله وسلامه عليه، فصار أمرًا واقعًا لا يمكن التصرف فيه.
أما البناء عليه وبناء القبة فهو من المحدثات التي كان ينهى عنها صلوات الله وسلامه عليه، ولكن خولف في ذلك، ومرتكبه آثم إثمًا يبقى عليه طوال الدنيا، وهو يزداد يومًا بعد يوم، وهو يحسب أنه كسب بذلك أجرًا؛ لأن: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) وقد كان ﷺ ينهى عن البناء على القبور أو تشريفها وتسنيمها زيادة على التراب الذي يكون فيها، وينها عن تجصيصها والكتابة عليها، فكيف ببناء القباب عليها؟! ويكون الحكم في إزالة ذلك مثل حكم إدخال القبر، ولا يمكن إزالتها؛ لأن في ذلك من التشويش ومن المفاسد التي قد تحدث أضعاف المصلحة؛ لأن أكثر الناس لا يعرف الحق في هذا، ويرون أن هذا من تعظيم الرسول ﷺ، والواقع أنه من معصيته، وليس من تعظيمه.
وعلى هذا فلا يجوز أن يكون هذا حجة لمن يبني على القبور أو يدخلها في المساجد؛ لأن الحجة مقصورة على قول الرسول ﷺ، وقول الله جل وعلا فقط، وليست الحجة في أفعال الملوك ولا أفعال الجهلة الذين يجهلون شرع الله جل وعلا، ولا يتبعون رسول الله ﷺ، وهذا هو الواقع، ولا يمكن أن ينكره من كان عنده أدنى طرف من العلم.
وقد حذر صلوات الله وسلامه عليه من ذلك في أحاديث كثيرة منها: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وقوله ﷺ: (لا تتخذوا قبري عيدًا، فإني أنهاكم عن ذلك)، وقوله ﷺ: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي أينما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني) كل ذلك تحذيرًا من أن يكون قبره قبلة للدعاء والمسألة والتبرك وما أشبه ذلك، فيئول الأمر إلى أن يعبد، وأن يتخذ إلهًا من دون الله جل وعلا.
وإذا حدث شيء من ذلك فإن إثمه على الفاعل؛ لأن البيان والإيضاح والبلاغ من الرسول ﷺ قد حصل، فإذا خولف فإن الإثم على من خالف، ومعلوم أن العبادة لا يجوز أن تكون لغير الله جل وعلا.
[ ٦٣ / ٥ ]
المشركون الأوائل أعقل من مشركي زماننا
كثير من الناس بلي بالتعلق بالأموات، حتى أصبحوا يعبدون من يظنون فيه الصلاح عبادة أكثر من عبادة الله جل وعلا، وهذا الميت قد دفن في التراب وأصبح لا يستطيع أن يكف عن نفسه الديدان التي تأكل بدنه؛ فكيف يسأل ويطلب منه؟! ويزعمون أن هذا من الأولياء، وأن الأولياء لهم جاه عند الله، وأنهم إذا سألوا الله شيئًا أعطاهم، فهم يسألونهم ليسألوا الله، هذا هو مبنى عبادتهم، وهذه -في الواقع- هي عبادة المشركين الذين بعث إليهم الرسول ﷺ ليحذرهم من هذا الفعل، ويدعوهم إلى تركه، بل أولئك أكثر عقلًا من هؤلاء، فقد قالوا: إن هذه المعبودات: الأشجار والأحجار والموتى والملائكة وغيرهم، لا تتصرف مع الله ولا تملك شيئًا مع الله، ولكننا نجعلها وسائط بيننا وبين ربنا تشفع لنا، فقال الله جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣] يعني: كيف تتخذونهم شفعاء وهم بهذه الصورة: لا يملكون شيئًا، وشيئًا: نكرة في سياق النفي فيعم ويدخل فيه كل ما صح أن يطلق عليه أنه شيء، ومعنى ذلك: أنه ليس عندهم أي ملك، لا شفاعة ولا غيرها، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣] قالوا: هي ليس لها ذنوب، بل هي مطيعة لله، ونحن نطلب منها أن تتوسط لنا، وأعظم حججهم: أنهم وجدوا آباءهم على هذا الفعل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ يعني: على ملة ودين ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] يعني: نتبعهم ونقتدي بهم وهم أسوتنا وأئمتنا.
وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك! تملكه وما ملك، ويعترفون بهذا: هو شريك لك، تملكه وما ملك! يعني: ليس له ملك معك، ولكنه شريك في الدعاء وفي الشفاعة فقط، هذا هو قولهم، أما هؤلاء الذين يعبدون القبور فهم يجعلون هؤلاء وكلاء لله، يتصرفون في الكون كله؛ لأنه إما قطب من الأقطاب التي تدور الدنيا والكون عليها! فلا يدخل البلد شيء إلا بإذن هذا الميت الرميم، ولا يخرج منها شيء إلا بإذنه، هكذا تقول غلاة الوثنية.
فمعنى ذلك: أنهم يسلبون ما لله جل وعلا من الصفات، ويجعلونها لعظام رميم، وربما تكون هذه العظام في جهنم كبعض الطواغيت التي تدعى ويزعم أنها من الأولياء وهي من الأشقياء، كأصحاب وحدة الوجود، وكذلك غيرهم ممن عرف بأنه جاسوس لدولة كافرة، ثم يموت فيقبر وتبنى عليه القباب ويدعى الناس إلى عبادته، فيصبح من أكبر المعبودات، وهذه حقيقته، وربما يكون خيالًا لا حقيقة له، وإنما جاء الشيطان إلى إنسان من الناس فقال: هذا قبر ولي، فبنى الناس تقربهم وذهابهم إلى هذا القبر على هذه الرؤيا الشيطانية، والشيطان حريص كل الحرص على إضلال الناس، وقد وجد في دعوتهم إلى عبادة القبور سهولة، فهم ينقادون له في هذا، بينما لو دعوتهم إلى عبادة الله لنفروا واشمأزوا، ولو قلت لهم: هذا لا ينفع ولا يضر، بل فعلكم ضرر محض؛ لرموك بالعظائم واشمأزوا كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] يعني: إذا قيل لهم: اعبدوا الله وحده؛ نفروا وأبوا، أما إذا ذكر تعظيم المقبورين فإنهم يفرحون ويستبشرون ويقبلون على ذلك، لماذا؟ ما السبب؟ السبب ما في النفوس من حب الباطل، وميلها إلى القبور، وهذا هو سر كثرة التحذير من الرسول ﷺ، عن الصلاة حول القبور وتحري العبادة عندها.
قال الشارح: [ودل الحديث على أن قبر النبي ﷺ لو عبد لكان وثنًا، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه.
ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها، وقد عظمت الفتنة بالقبور بتعظيمها وعبادتها].
التوابيت أنواع: النوع الأول: تابوت ينصب فوق القبر، إما من رخام يضعونه فوق القبر منصوبًا، ثم يضعون عليه الستور من الأقمشة الثمينة جدًا كالحرير وغيره، ويغطونه ويسترونه، فهذا نوع.
النوع الثاني: يجعلون تابوتًا من الخشب شبيهًا بالنصب، ويضعونه فوق القبر، ثم يكسونه بالأقمشة النفيسة، وكلما تقادم الوقت على هذه جدودها ونظفوها وزخرفوها، وهذا يفعله سدنة الأوثان، وسدنة القبور، وربما فعله الأثرياء، وربما فعله القادة، فبعض القادة قد يموت له قريب فيضعون عليه هذه الأشياء ويكون سببًا لعبادة الناس له، فيكون هذا من الدعاة إلى جهنم نسأل الله العافية.
ووجود النصب والتوابيت على القبور كثير، وربما بنوا عليها البنايات، والذي يذهب إلى هذه الأماكن يشاهد ذلك ويعرف كيف يصنعون بها، وكيف يصنعون عندها، وكيف يتعبدون، وكيف يغرون العامة الذين هم أشباه الأنعام، وليس عندهم معرفة بالحق، ولا ما يميزون به عبادة غير الله جل وعلا من عبادة الله جل وعلا، وربما زيادة في الفتنة ذهب معهم أصحاب عمائم، يتعممون ويقال: إنهم علماء، فيدعون إلى عبادة القبور، فيكون ذلك زيادة فتنة لهؤلاء، ويكون حجة لهم، فيقولون: هؤلاء العلماء قدوتنا، ونحن نتبعهم، فإذا جاء منكر وأنكر عليهم لم يقبلوا منه، ويقولون: أنت ليس عندك علم مثل العالم الفلاني الذي يفعل كذا ويفعل كذا، والمقصود: أن النفوس عندها في الواقع إقبال على مثل هذه الأشياء، والحق قد يكون ثقيلًا على النفوس، وأما الباطل ففيه سهولة على النفوس، ويكون هذا من معنى الحديث الذي جاء في الصحيح (أن الله جل وعلا لما خلق النار أمر جبريل أن يذهب فقال: انظر إليها، فلما رآها يحطم بعضها بعضًا قال: والله لقد ظننت أنه لا يسمع بها أحد فيدخلها، ثم قال له: اذهب وانظر إلى الجنة، فلما رآها قال: والله لقد ظننت أنه لا يسمع بها أحد إلا دخلها -لما فيها من النعيم وفيها من قرة العيون- ثم حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات، فقال الله جل وعلا له: اذهب فانظر، فلما نظر إلى النار وقد حفت بالشهوات قال: والله لقد خفت ألا ينجو منها أحد، ولما ذهب إلى الجنة وقد حفت بالمكاره قال: لقد خفت أن لا يدخلها أحد).
المسألة ليست سهلة بل صعبة، ولا سيما إذا كان الإيمان ضعيفًا، وكثير من الناس إيمانه شبه الحلم، لو شكك في إيمانه لشك، والشك في الإيمان بالله جل وعلا وبالبعث وبالآخرة كفر، وقد قال الله جل وعلا حاكيًا عن الرجل الكافر: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٦] فلما قال هذا قال له الذي يحاوره: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف:٣٧].
فالشك في الله، أو في البعث، أو في وعده من الكفر.
فالكثير من الناس يكون إيمانه ضعيفًا، ويكون علمه قليلًا، فإذا رأى كثرة الناس على شيء من الكفر تبعهم على كفرهم.
[ ٦٣ / ٦ ]
خوف الصحابة من الغلو في الصالحين حماية للتوحيد
قال الشارح: [كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس يتخذونها سنة، إذا غيرت قيل: غيرت السنة! انتهى.
ولخوف الفتنة نهى عمر عن تتبع آثار النبي ﷺ.
قال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب ﵁ بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها؛ فخاف عليهم الفتنة].
هي الشجرة التي ذكرها الله جل وعلا في القرآن: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وهذه الشجرة شجرة من السمر وهي في الحديبية، كان الرسول ﷺ جلس تحت ظلها، فبايع المؤمنين تحتها، وكانت معروفة، فلما كان في زمن عمر ﵁ رأى الناس يذهبون إليها، ويصلون عندها؛ لأنها حصلت عندها بيعة الرضوان، والله ذكرها جل وعلا في كتابه، فيصلون عندها هناك طلبًا للبركة، فأمر أن تقطع وتزال.
وعن المعرور بن سويد أنه قال: صليت مع عمر ﵁ قرب مكة في الطريق صلاة الفجر، وقرأ في الركعة الأولى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] وقرأ في الركعة الثانية: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش:١]، فلما سلم رأى الناس يذهبون، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: يذهبون إلى مساجد صلى فيها رسول الله ﷺ يصلون فيها، فقال: (أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم بتتبعهم آثار أنبيائهم، من أدركته الصلاة عند هذه المساجد فليصل فيها، ومن لم تدركه الصلاة فليمض) يعني: لا تتحروا الصلاة فيها؛ لأن هذا هو سنة الرسول ﷺ، ما كان يقصد هذه الأماكن بعينها فيصلي فيها، حتى يكون طلبها سنة، ولهذا ما فعل ذلك أحد من الصحابة إلا عبد الله بن عمر، وقد أنكر عليه بقية الصحابة وأنكر عليه والده، ولكن فعل عبد الله بن عمر ليس على ما يظنه هؤلاء أنه لأجل التبرك، بل فعله استنانًا برسول الله ﷺ، وطلبًا للاقتداء به، وهو معروف بشدة اقتدائه وتتبعه لما كان يفعله الرسول ﷺ وهذا منه اقتداء به، حتى إنه كان يبول في المكان الذي يبول فيه، ومرة توضأ وبقي من وضوئه شيء من الماء فصبه في وسط شجرة توضأ عندها فكان ابن عمر يفعل هذا.
هل هذا سنة؟ ليس من السنة، ولكن هذا فيه مبالغة في اتباعه للسنة، وهذا الذي أنكر عليه، فكيف بمن يحرص حرصًا شديدًا على أن يطلب المكان الذي قيل: إنه جلس فيه، أو إنه صلى فيه، أو إنه نزل فيه، أو ما أشبه ذلك، فيأخذ ترابه ويتبرك به، وربما يأكل التراب طلبًا للثواب، وتعظيمًا لذلك المكان؟! هذا ليس من دين الإسلام في شيء، بل هذا في الواقع من البدع والضلالات التي هلك فيها من هلك.
والمقصود أن الرسول ﷺ قال: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) كل الأرض لك مسجد، إذا أدركتك الصلاة وأنت تمشي فصل في المكان الذي أنت فيه، فهو مسجدك، ولا تذهب تتحرى أماكن معينة، فالمساجد التي تبنى على هذه الآثار من البدع، وهي في الواقع تدل على نقص الدين، وتدل كذلك على عدم التمسك بسنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه قد علم مراده بمنع التتبع للأماكن وتعظيمها وتقديسها، فإن هذا قد يكون شركًا، وقد يكون ضلالًا.
[ ٦٣ / ٧ ]
نهي عمر الناس عن تتبع آثار الأنبياء وأماكن صلاتهم
قال الشارح: [وقال المعرور بن سويد: (صليت مع عمر بن الخطاب ﵁ بطريق مكة صلاة الصبح، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعًا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا، فليمض ولا يتعمدها).
وفي مغازي ابن إسحاق من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار قال: حدثنا أبو العالية قال: (لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر، فدعا له كعبًا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب، قرأته مثلما أقرأ القرآن، فقلت لـ أبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم، وأموركم، ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد، قلت: فماذا صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشرة قبرًا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون، فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال، فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا إلا شعيرات من قفاه.
إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض].
هذه القصة تدل على أن الصحابة والتابعين لهم يعرفون العلة في المنع من اتخاذ القبور مساجد، وتحري الصلاة عندها، وخوفًا من العبادة لها، وليس كما يزعم بعض الفقهاء الذين قل نصيبهم من مقاصد الشرع ومن معرفة مراد الرسول ﷺ؛ فزعموا أن النهي لأجل النجاسة فقط، فمعنى ذلك: إذا أمطرت السماء على القبور وغسلت وجه الأرض فإنه يجوز أن نصلي عندها؛ لأنها طاهرة غسلها الماء.
وكذلك إذا أصابتها الريح وأصابتها الشمس؛ لأن الريح على القول الصحيح تطهر كما أن الشمس على القول الصحيح تطهر إذا استحالت الأرض وزال أثرها، يعني: على قولهم هذا الباطل يجوز أن نصلي فيها، وهذا في الواقع مصادمة لقول الرسول ﷺ تمامًا، فالسلف فهموا المراد من نهي الرسول ﷺ؛ ولهذا لما وجدوا هذا النبي الذي على السرير مخزونًا محفوظًا في الصندوق صنعوا به هذا الصنيع، حفروا له ثلاثة عشر قبرًا في النهار متفرقة، كل قبر في مكان، ثم لما كان في ظلام الليل دفنوه في واحد منها، وسووها كلها؛ خوفًا من أن يتخذ معبودًا من دون الله ﷿، يقول ابن القيم: هذا لو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسلاح.
يعني: لتقاتلوا عليه حتى يعبدوه؛ لأنهم في الواقع ما فهموا عبادة الله على الوجه الذي جاء بها الرسول ﷺ، فصاروا يتعلقون بغير الله جل وعلا ممن يرجون صلاحهم.
وقوله: (وجدنا عنده مصحفًا)، المقصود: وجدنا عنده كتابًا؛ لأن كل كتاب يكتب يسمى: مصحفًا؛ لأنه من الصحف، كل ما كان في صحائف فهو مصحف، والصحائف التي كتبت كانت بلغة غير لغة العرب، يظهر أنها باللغة العبرية -لغة اليهود- أو السريانية والله أعلم، ودانيال من أنبياء بني إسرائيل.
وقوله: (إنه دعا له كعبًا، المقصود به كعب الأحبار؛ لأنه كان من اليهود فأسلم، وكان يعرف لغتهم، وكان يقرأ كتبهم، فنقله من لغتهم إلى اللغة العربية، وأبو العالية يقول: (أنا أول من قرأه) فلما سئل عنه، يقول: (إن فيه وصفكم وفيه سيرتكم وتلحينكم وأفعالكم) يظهر أن هذا مأخوذ عن الأنبياء.
وهذا الأمر يدل على أن تحري العبادة عند القبور أو التوسل بها -كما يقول الكثير من الناس- لا يجوز عند الصحابة؛ ولهذا منعوا من ذلك، وفعلوا هذا الصنيع للتعمية، حتى لا يكونوا مثل هؤلاء الذين يخرجون به إذا قحطوا فيسقون، فإن هذا لا يجوز في دين الإسلام، هذا من دعاء غير الله جل وعلا، دعاء الله لا يكون إلا بأسمائه وصفاته، أو بالإيمان به، والأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان يسأل الله بها، أما أن يسأل بجثث، أو بأعمال الآخرين، أو بوجاهتهم، أو ما أشبه ذلك فهذا من البدع والضلالة، ولهذا منع من ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، وفعلوا هذا الفعل؛ لئلا يقع فيه من لا يعرف الحق في هذا.
قال الشارح: [قال ابن القيم ﵀: ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار ﵃ من تعمية قبره؛ لئلا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله.
قال شيخ الإسلام ﵀: وهو إنكار منهم لذلك، فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم يستحب الشارع قصدها، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله عندها، أو لينسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيصها به لا نوعًا ولا عينًا، إلا أن ذلك قد يجوز بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها، كمن يزورها ويسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة.
وأما تحري الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره فهذا هو المنهي عنه.
انتهى ملخصًا].
معنى هذا الكلام: أن تحري العبادة من دعاء وقراءة وصلاة في أماكن معينة -غير الأماكن التي أذن فيها الشرع أو رغب فيها- ضلال، ومن ذلك القبور أو أماكن معينة تقصد لهذا الشيء، من زاوية أو مكان يقال: إن فيه بركة أو ما أشبه ذلك، فإن فعل هذا ضلال، ولكن إذا كان الإنسان في طريقه سائرًا وكان يدعو أو يقرأ، فمر بشيء من هذه الأماكن فإنه لا يقال: إنه قصدها، ولا يمنع من فعله بل يستمر على فعله، كما أن الذي يزور القبور مثلًا لأمر الشرع وهو تذكر الآخرة والاعتبار بالقبور؛ لأن الإنسان مآله إلى أن يقبر، والاستغفار لأصحابها إحسان إليهم، فهذا لا بأس به؛ لأنه مأذون به شرعًا، بخلاف من يذهب إليها ويسأل الله عندها ويرى أنه يجاب؛ لأن فيها الولي الفلاني، أو فيها النبي الفلاني أو ما أشبه ذلك، فإن هذا من الضلال.
فيجب أن يميز الإنسان بين ما هو مشروع وبين ما هو بدع وضلال، والله جل وعلا لا يقبل من العبد إلا ما كان خالصًا له، وكان على ما جاء به الرسول ﷺ، ولابد من هذين الشرطين في كل عمل يتقرب به إلى الله، أن يكون هذا العمل خالصًا لله، وأن يكون على سنة المصطفى ﷺ.
[ ٦٣ / ٨ ]
حكم اتخاذ قبور الأنبياء وغيرهم مساجد
قال الشارح: [قوله: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فيه تحريم البناء على القبور، وتحريم الصلاة عندها، وأن ذلك من الكبائر.
وفى القِرَى للطبري عن أصحاب مالك عن مالك أنه كره أن يقول: زرت قبر النبي ﷺ؛ وعلل ذلك بقوله ﷺ: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) الحديث.
كره إضافة هذا اللفظ إلى القبر؛ لئلا يقع التشبه بفعل أولئك؛ سدًا للذريعة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومالك قد أدرك التابعين، وهم أعلم الناس بهذه المسألة، فدل ذلك على أنه لم يكن معروفًا عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي ﷺ.
إلى أن قال: وقد ذكروا أسباب كراهته لأن يقول: زرت قبر النبي ﷺ؛ لأن هذا اللفظ قد صار كثير من الناس يريد به الزيارة البدعية، وهو قصد الميت لسؤاله ودعائه، والرغبة إليه في قضاء الحوائج، ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس، فهم يعنون بلفظ الزيارة مثل هذا، وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة، وكره مالك أن يتكلم بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد، بخلاف الصلاة والسلام عليه فإن ذلك مما أمر الله به.
أما لفظ الزيارة في عموم القبور فلا يفهم منها مثل هذا المعنى، ألا ترى إلى قوله: (فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة) مع زيارته لقبر أمه، فإن هذا يتناول قبور الكفار، فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه وسؤاله والاستغاثة به، ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع، بخلاف ما إذا كان المزور معظمًا في الدين كالأنبياء والصالحين، فإنه كثيرًا ما يُعنى بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية الشركية، فلهذا كره مالك ذلك في مثل هذا، وإن لم يكره ذلك في موضع آخر ليس فيه هذه المفسدة.
انتهى].
يفهم من هذا الكلام كما هو صريح فيما يأتي أن الزيارة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: زيارة مرغب فيها مطلوبة، وتضاف إلى الشرع؛ لأن الشرع أمر بها وشرعها، وهي ما كان فيه خير للزائر والمزور.
القسم الثاني: زيارة بدعية قد تكون شركية، وقد تكون أقل من كونها شركية، وقد تكون من البدع الداعية إلى الشرك، والتي توصل إلى الشرك، فالزيارة التي تكون مطلوبة وفيها إحسان إلى الإنسان الزائر وإلى المزور هي ما جاءت في الأحاديث عن النبي ﷺ مثل قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) فهذا أمر بعد منع، ومعروف عند العلماء القواعد التي يقعدونها في معرفة مراد الشارع: أنه إذا جاء الأمر بعد الحظر والنهي فالغالب أنه يكون للإباحة وليس للوجوب، مثل قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] يعني: أنه حرم الصيد على المحرم ثم قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] فالأمر بالاصطياد هنا للإباحة، وليست للوجوب بالاتفاق.
كذلك قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] (فانتشروا) (وابتغوا) كله أمر بعد قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] فنهاهم عن البيع وأمرهم بتركه، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] فالانتشار في الأرض وابتغاء فضل الله للإباحة؛ لأنه جاء بعد الحظر، وهذا مثله.
قوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) يعني: أنه رخص لهم، ومعلوم أن مجرد الزيارة بدون ما تشتمل عليه من المعاني لا فائدة فيها، وإنما المقصود أن يتعظ الإنسان وينزجر عن الركون إلى الدنيا، ويكون عنده رغبة في الآخرة؛ لأنه إذا نظر إلى القبر تذكر أنه سوف يقبر، وأن هذا مآله، وسوف يكون يومًا في هذا القبر ولابد، فيدعوه ذلك إلى زيادة العمل، وإلى الانكفاف عن المعاصي، فيكون فيه خير للزائر من هذه الناحية، أما من جهة المزور فإنه يدعو له ويستغفر له، يقول: (اللهم اغفر له) كما علم الرسول ﷺ الزائر أن يقول: (السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، وإنا بكم إن شاء الله لاحقون.
نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) هكذا يقول أو نحو هذا مما جاء.
ففيه دعاء للميت واستغفار له، ولا شك أن الدعاء والاستغفار ينفع، إذا كان خرج من قلب إنسان صالح، وبإخلاص؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له، أما دعاء مخلوط بالشرك وبالطلب من المخلوق فهذا مردود لا ينفع، بل هو يضر صاحبه ولا ينفعه، وغيره لا ينفعه، فلابد أن يكون الدعاء على وفق الشرع، وليس فيه شيء من البدع، هذه هي الزيارة النافعة.
ثم ليس معنى الزيارة أن الإنسان يتردد على القبور، فالتردد لا يجوز، ولكن مرة في الوقت، أما إذا أكثر التردد فهذا لا يجوز.
ثم الزيارة الممنوعة هي ما كان فيه خلاف الشرع، إما ليتعبد عند القبر، أو ليسأل صاحب القبر ويتوجه به إلى الله كأن يقول: أسألك بفلان الولي التقي الذي فيه كذا وكذا.
هذا وإن كثيرًا من الزائرين يقصدون التبرك بالأموات، وطلب الله جل وعلا بجاههم، وطلب الشفاعة، وربما تمادى الأمر ببعضهم إلى أن يقع في الشرك الأكبر، بأن يسأل الميت نفسه، فيكون مشركًا شركًا كبيرًا محبطًا للأعمال التي سبقت، وإذا كان مسلمًا قبل هذا فقد ارتد وخرج من الدين الإسلامي بذلك، وإن مات على هذا فهو مخلد في جهنم نسأل الله العافية.
إذًا: الأمر فيه خطورة، ولابد للإنسان أن يتعلم الحق ويعرفه، ويتبع سنة المصطفى ﷺ، ويدلنا هذا الكلام على أنه حتى في زمن الإمام مالك ﵀ وقع الخطأ في مثل هذه الأمور؛ فلهذا كره أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ.
وبين الشيخ ﵀ أن وجه الكراهة كونه اختلط الأمر عند كثير من الناس، فصار يطلق لفظ الزيارة على الزيارة البدعية، فمنع الإمام مالك أن يطلق ذلك خوفًا أن يفهم من هذه الزيارة الزيارة البدعية، وكل هذا اتباعًا لقوله ﷺ: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد)، وقوله ﷺ: (لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي أينما كنتم)، فالعيد: اسم لما يعتاد ويتردد، إما بتردد الزمن، أو تردد الإنسان إلى المكان، وترداده إلى المكان يجعله عيدًا، وتعيين الزمان يجعله عيدًا أيضًا.
فلهذا يجب أن يكون الإنسان متقيدًا بما جاء عن النبي ﷺ، وهذا مع كونه واجبًا ومتعينًا لا يقبل العمل إلا به، والعمل إذا تعدى الشيء الذي شرع فإنه يكون مردودًا على صاحبه.
قال: [وفيه: أن النبي ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
ذكره المصنف رحمه الله تعالى].
[ ٦٣ / ٩ ]