دلائل النبوة كثيرة، ومن ذلك ما أخبر النبي ﷺ بوقوعه في أمته من بعده، ثم وقع كما أخبر ﵊، مثل قوله: (لاتقوم الساعة حتى يلحق فئام من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان).
[ ٧٠ / ١ ]
قوله تعالى: (قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدًا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]].
هذه الآية ذكرها الله جل وعلا في قصة أصحاب الكهف، وهم الفتية الذين هربوا بدينهم من قومهم المشركين، وجعلهم الله جل وعلا آية، فأووا إلى غار ليختبئوا فيه، فضرب عليهم النوم، فناموا أكثر من ثلاثمائة سنة وهم نيام، ثم استيقظوا بعد ذلك وظنوا أنهم ما لبثوا إلا يومًا أو بعض يوم، وكان معهم نقود، فلما استيقظوا إذا هم جياع؛ فأمروا واحدًا منهم أن يذهب إلى البلد ليشتري لهم بهذه النقود طعامًا، ووصوه بأن يتلطف أي: يختفي لئلا يعرفه القوم فيأتون إليهم فيفتنونهم عن دينهم، فذهب بالنقود، فلما حضر إلى البلد فإذا هي غير البلد، والناس غير الناس، فلما أخرج النقود إذا هي غير النقود التي يتعارف عليها الناس، فظهر أمرهم بذلك، فمسكوه وقالوا: من أين أتيت؟ ومن أين جئت بهذه النقود؟ فعرفوهم لهذا السبب، وجاءوا إليهم، ولما وصل إليهم زميلهم الذي ذهب ليأتيهم بالطعام، ضرب عليهم النوم مرة أخرى، فناموا، فأصبح هؤلاء يتخاصمون فيهم، كيف نصنع بهم؟! فقال الكبراء والوجهاء: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١] يعني: يبنون عليهم مسجدًا، وبنوا عليهم المسجد، وهذا من صنيع اليهود، ومن صنيع النصارى.
والآثار الصحيحة جاءت عن النبي ﷺ في منع بناء المساجد على القبور صراحة، وقد أخبر الله جل وعلا أن من كان قبلنا من أهل الكتاب قد بنوا المساجد على قبور أنبيائهم وصالحيهم مثل هؤلاء الفتية، والخبر الذي سيذكره يدل على أن هذا سيقع في هذه الأمة كما وقع في الأمم التي قبلها.
هذا هو وجه إيراد هذه الآية ووجه الاستدلال بها، يعني: أن البناء على القبور وقع من اليهود والنصارى على قبور أنبيائهم وصالحيهم، ورسولنا ﷺ أخبرنا أن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة، فلا بد أن يقع البناء على القبور في هذه الأمة كما وقع في الأمم التي قبلنا، والبناء على القبور من وسائل الشرك، ومن المحرمات التي جاءت فيها أحاديث عن رسول الله ﷺ، هذا هو وجه الاستدلال بالآية، ووجه مطابقتها للترجمة.
[والمراد أنهم فعلوا مع الفتية بعد موتهم ما يذم فاعله؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أبنيائهم مساجد) أراد تحذير أمته أن يفعلوا كفعلهم].
[ ٧٠ / ٢ ]
قوله ﷺ: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) وعلاقته بالشرك
قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) أخرجاه].
هذا الحديث مخرج في الصحيحين ولكن بغير هذا اللفظ والمعنى واحد، والآية التي ذكرها قبل هذا واضحة الدلالة مع ذكر الحديث أنها تدل على الذم، يعني: ذم هؤلاء الذين غلبوا على أمر قومهم؛ يعني: لأنهم الكبراء والوجهاء فبنوا عليهم المسجد، فالآية سيقت على وجه الذم، وليس كما يقول من فتن بالقبور وبعبادة أصحابها والبناء عليها: إن الآية تدل على جواز البناء على القبور؛ لأن كلام الله جل وعلا مع كلام رسوله لا يتعارضان، بل يؤيد أحدهما الآخر، ويبينه ويوضحه، وقد أخبرنا ربنا جل وعلا أنه أنزل على رسوله الوحي ليبين ما نزل إليه للناس، وقد بين ذلك، والذي يقول مثلًا أن الآية تدل على الجواز هو مغالط، فهذا كلام مغالطة ومحادة لله جل وعلا، ولرسوله ﷺ؛ لأنه قد يقول جاهل هذا القول: الآية تدل على ذلك؛ لأن الله ذكر هذا عنهم، وما ذكر عن شرع من كان قبلنا يكون شرعًا لنا، هذا لا يكون صحيحًا بل هذه مغالطة، والله ذكر ذلك على سبيل الواقع منهم، والرسول ﷺ بين أن هذا لا يجوز، وأن فعلهم مذموم، فيجب أن يعلم هذا وأن يعتقد؛ بأنه على سبيل الذم وليس على سبيل الجواز.
حديث أبي سعيد هذا: (لتتبعن) ابتدأه ﷺ باللام، اللام التي وقعت في جواب القسم، وهذا هو الصواب أنها وقعت في جواب القسم، والتقدير: والله لتتبعن، ومن المعلوم أن الرسول ﷺ إذا أخبر بخبر فإنه صدق وحق؛ لأنه كما قال الله جل وعلا عنه: لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، يوحيه الله جل وعلا إليه.
وكذلك إذا أخبر الله جل وعلا بشيء فإنه صدق وحق بلا ريب، فيأتي القسم لزيادة التأكيد، والمؤكدات سواء كان قسمًا أو كان تأكيدًا لفظيًا، أو تكرارًا أو غير ذلك، واهتمامي بهذا الموضوع ولفت الأنظار إليه ليعلم هذا أنه واقع لا محالة.
والسنن: هي الطرق -ويجوز أن تكون (سُنن وسَنن) - التي يسلكونها، وتخص بأمور الدين التي يتعبدون بها أو يعتقدونها.
وقوله: (من كان قبلكم) هذا مجمل؛ لأنه إذا قيل: (من كان قبلنا) يشمل كل الذين قبلنا، ولهذا استفسر الصحابة عن ذلك وقالوا: من تريد؟ من هم الذين قبلنا اليهود والنصارى؟ فقال: فمن؟ يعني: أن هذا هو المراد، وهذا لا ينافي أو يخالف ما جاء في الرواية الأخرى، وهي رواية صحيحة أيضًا: (أهم فارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك) يعني: من المقصود إلا فارس والروم، المقصود يريد أن يخبر أن هذه الأمة ستتبع الذين قبلهم من الأمم القريبة منهم، مثل اليهود والنصارى وفارس والروم وغيرهم، وجاء في بعض الآثار الأعاجم أيضًا.
فكل لفظ يدل على ما يدل عليه الآخر إلا أنه يدل على أنه لم يرد أمة معينة بخصوصها غير أن هؤلاء هم الذين لهم كلمة ولهم دين، ولهم كيان وقد يقتدى بهم، وينظر إليهم، فبين أن هذا هو المراد.
وقوله: (حذو القذة بالقذة) المعنى أنكم تسيرون خلفهم، فكل ما فعلوه سوف تفعلونه دقيقًا أو كبيرًا، لا تخطئون شيئًا مما فعلوا، فقوله: (حذو القذة بالقذة) كقولك: خطوة خطوة.
بل كقولك: إنك تفعل هذا كما يفعل فلان هذا الشيء تمامًا بلا زيادة ولا نقصان.
والقذة: هي ريشة السهم، وريشة السهم غير معروفة لنا الآن، ولكن هي الحربة التي تحدد وتجعل في السهم ليطلق منه، والسهم القوس الذي يرمى به سابقًا، ويقابل ذلك الرصاصة الموجودة الآن التي تجعل في بندقية واحدة ما تزيد عن الأخرى، كل واحدة مساوية للأخرى تمامًا بلا زيادة، هذا هو المعنى المراد، يعني: أنكم تفعلون كل ما فعلوه.
[ ٧٠ / ٣ ]
وجه التشبيه بجحر الضب في متابعة هذه الأمة غيرها
[قوله: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، هذا الفرض على سبيل لو قدر أن هذا يمكن وأنه وقع فيهم لوقع فيكم، وفعلتموه كما فعلوه.
وخص جحر الضب لأن الضب جحره من أصعب الجحور سلوكًا؛ لأنه إذا حفر جحره يحفره متجهًا إلى تحت ملتويًا، لا يكون مستقيمًا، يجعله ملتويًا ومدورًا حتى يكون الدخول عليه عسرًا؛ ولهذا إذا دخل هو على وجهه لا يستطيع أن يلتفت، لا بد أن يخرج على ذنبه من الخلف لعسر هذا الجحر، ولكونه لا يسع غيره، وإذا دخل أيضًا على خلفه -على ذنبه- ما يستطيع أن يلتفت يبقى هكذا حتى يخرج على وجهه، هذا هو السبب في تشبيهه ﷺ وتخصيصه لجحر الضب، فهو ليس كسائر الجحور التي يكون الدخول فيها سهل، والمعنى: لو قدر أنهم يدخلون هذا المدخل الصعب، والمسلك الذي قد يكون سلوكه ممتنعًا لفعلتم أنتم هذا الفعل.
ولهذا جاء بعد ذلك في الرواية الأخرى: (حتى لو أن أحدًا منهم وقع على أمه علانية لصار في هذه الأمة من يفعل ذلك)، وهذا شيء فضيع، فإنسان يقع -نسأل الله العافية - على أمه والناس ينظرون إليه أمر مستفظع جدًا، يقول: لو وقع هذا لوقع في هذه الأمة.
وفي رواية أخرى: (حتى لو أن منهم من وطئ زوجته على قارعة الطريق لكان في هذه الأمة من يفعل ذلك) في ألفاظ ذكرها ﷺ من المبالغة في اتباع هؤلاء، وأن هذه الأمة سوف تسلك مسلك اليهود والنصارى وكذلك الفرس وغيرهم، فينظرون ماذا يصنعون فيصنعون مثلهم تمامًا.
ثم ليعلم أن هذا ليس من باب الخبر الذي يخبر الرسول ﷺ مقرًا له، أو راضيًا به! كلا، بل هو يخبر عنه من باب التحذير، أي: احذروا أن تكونوا من هؤلاء.
وهذا الإخبار منه صلوات الله وسلامه عليه من علامات نبوته، بل كل جملة في هذا تدل على صدقه صلوات الله وسلامه عليه، وأنه حق؛ لأن الأمر وقع كما أخبر، والذي لم يقع سيقع.
هذا شيء.
الشيء الثاني: أنه يجب أن يعلم أن هذا ليس في الأمة كلها، وإنما هذا في طوائف من الأمة، ولا بد أن يبقى في الأمة المسلمة أمة متمسكة بدينها، متبعة لهدي نبيها ﷺ، لا تبالي بمن خالفها، ولا يغرها من خالفها، كما جاء في الحديث الآخر الذي رواه أصحاب السنن -وهو حديث صحيح- أنه ﷺ قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) فبين أن هذه الأمة ستزيد على النصارى الذين زادوا على اليهود فرقة واحدة، وهذا التفرق يكون في الأمة التي استجابت للنبي ﷺ، كما أن الحديث: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) هو في الأمة التي استجابت له، وهم الذين يتبعونه، وذلك أن الناس كلهم جنهم وإنسهم، عربهم وعجمهم، كلهم أمة لمحمد ﷺ، والذي يسمع به مجرد سماع ثم لا يؤمن به يدخله الله جل وعلا النار، كما جاء في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أقحمه الله جهنم)، فجعل الأمر متعلقًا بمجرد السماع.
والمقصود أن الخطاب في قوله: (لتتبعن) للأمة المستجيبة التي اتبعته، يعني: أن هذا الاتباع يقع في أمة الإجابة، وهذا الحديث يبين لنا أن الآيات السابقة في اليهود والنصارى التي ذكر عنهم أفعالًا وقعت منهم كالبناء على القبور والأموات، كما ذكر في الآية وكالتحيل على المحرمات، وأكلها بشبهة أنها حلال، والجزاء الذي يقع على هؤلاء من اللعن والمسخ وعبادة الطاغوت سيقع في هذه الأمة، هذا هو المقصود، وهذا رد -كما قلنا سابقًا في الفصل السابق- على الذين يعبدون القبور، ويبنون عليها المساجد ويقولون: الشرك لا يقع في هذه الأمة؛ لأن الرسول ﷺ قال: (قد أيس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب) حسبما قالوا، وكذلك يقولون: إن من قال: لا إله إلا الله يكون موحدًا ويدخل الجنة، ولا يقع منه الشرك، فهم جهلوا الشرع، وذابوا في جهلهم، وصاروا فتنة للجهال الذين لا يميزون بين الحق والباطل، فبين بهذا أن هذا قول باطل، وأنه محادة لله ولرسوله ﷺ.
هذه الأمة التي يقول ﷺ: (لتتبعن سنن من كان قبلكم)، خرجت منها فرقة تكون متمسكة بالحق، بدليل الحديث الآتي حديث ثوبان: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق) إلخ، فيكون هذا الحديث ليس على عمومه.
[ ٧٠ / ٤ ]
من دلائل النبوة في حديث متابعة الأمة غيرها من الأمم
قال الشارح: [قوله: (سنن) بفتح المهملة، أي: طريق من كان قبلكم قال المهلب: الفتح أولى.
قوله: (حذو القذة بالقذة) بنصب حذو على المصدر.
والقذة -بضم القاف- واحدة القذذ، وهو ريش السهم، أي: لتتبعن طريقهم في كل ما فعلوه، وتشبهوهم في ذلك كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى، فوقع كما أخبر ﷺ، وبهذا تظهر مناسبة الآيات للترجمة، وقد وقع كما أخبر، وهو علم من أعلام النبوة].
أعلام النبوة كثيرة جدًا، وأعلام النبوة يعني: دلائلها، أي: الدلائل التي تدل على صدقه ﷺ، وأنه نبي، ومنها إخباره بالمغيبات أنها ستأتي، فتأتي كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه، وهذا لا يمكن أن يكون إلا عن وحي من الله جل وعلا.
قال الشارح: [قوله: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) وفي حديث آخر: (حتى لو كان فيهم من يأتي أمة علانية لكان في أمتي من يفعل ذلك)، أراد ﷺ أن أمته لا تدع شيئًا مما كان يفعله اليهود والنصارى إلا فعلته كله، لا تترك منه شيئًا، ولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى.
انتهى] قد يقول قائل: هذا ليس صحيحًا؛ لأن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وهذه الأمة ليس فيها من يقول هذا، ولا يقول ذلك، فكيف تقول: إن هذا الحديث يدل على أن كل ما وقع من اليهود والنصارى سيقع من هذه الأمة، فيقال: ليس شرطًا أن هذه الأمة تفعل ما فعلته اليهود والنصارى بألفاظه وصورته تمامًا، يكفي أن يفعلوه في المعنى، وأن يوافقوه في المعنى، وقد وقعت الموافقة من كثير من الناس في هذا، فصاروا مثلًا يعتقدون أن الولي الفلاني يتصرف بالكون، وأنه يقول للشيء: كن فيكون، وأنه لا يدخل هذا البلد شيء إلا بإذنه وهو ميت مدفون، قد أكله الدود وارتهن بعمله، وربما يكون معذبًا؛ لأن كثيرًا ممن يدعى أنه ولي هو زنديق كافر بالله جل وعلا، لا يصلي ولا يتطهر، ولا يترك فعل الفواحش من الزنا وغيرها، ومع ذلك يدعون أنه ولي.
وأحيانًا يكون مجنونًا يمشي في الأسواق عريانًا ليس عليه شيء من اللباس، فيزعمون أنه ولي، فإذا مات عبدوه وقالوا: إنه يتصرف في الكون، وإن الرزق لا يأتي إلا عن طريقه، وإن العافية والصحة لا تأتي إلا بإرادته، النصارى ما قالوا مثل هذا، قالوا أقل من ذلك، ويكفي هذا في موافقتهم، بل هذا زيادة، مع أنه جاء شيء من بعض هذه الأمة -من بعض خواصها- يصل إلى ما قالته النصارى واليهود في أنبيائهم، مثل الذين صار حظهم من رسول الله ﷺ واتباعه الكذب عليه، وادعوا أنه مشارك لله جل وعلا في كل شيء، بل له ما لله، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه: هناك أناس يقولون: نحن نعبد الله ونعبد رسوله، نعبد الله ونعبد الرسول، ويستدلون بقوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ [الفتح:٩] فيجعلون معنى قوله: (وتسبحوه) يعني: تسبحون الرسول وتعبدونه، فيستدلون بمثل هذا.
وكذلك بعض الشعراء الذين صاروا يمدحون الرسول ﷺ مدحًا جاوز الحد، فرفعوه إلى مقام الربوبية، كقول القائل مثلًا: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم وكذلك قوله: ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقمِ يعني يقول: أنا أستغيث وأستجير بك إذا غضب الله يوم القيامة! هذا شيء عظيم نسأل الله العافية! يعوذ الإنسان بمخلوق من الخالق، تعالى الله وتقدس.
كقوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم ضرة الدنيا هي الآخرة، وهنا (من) تبعيضية، فماذا بقي لله؟! إذا كانت الدنيا والآخرة من جملة جود الرسول ﷺ، وكان كل ما كتب في اللوح المحفوظ من جملة علومه، فأي شيء أبقى هذا الرجل لله جل وعلا تعالى وتقدس؟ هذا قد يكون أعظم مما قالت النصارى.
والمقصود: أن الذي يقول: إن هذا الكلام فيه مبالغة مخطئ، فليس فيه مبالغة، بل هذا اعتقاد من هذه الأمة كما أخبر الرسول ﷺ تمامًا.
[ ٧٠ / ٥ ]
فساد بعض العلماء كفساد أهل الكتاب سواء
قال الشارح: [قلت: فما أكثر الفريقين! لكن من رحمة الله تعالى ونعمته أن جعل هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، كما في حديث ثوبان الآتي قريبًا].
يقول: إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، وذلك أن اليهود يعلمون ولكن لا يعملون، يعلمون ويقعون في المعاصي على عمد، وعن علم، وهذا أعظم من الذي يقع في معصية عن جهل، أما النصارى فهم يتعبدون بجهل وضلال؛ ولهذا وصف الله جل وعلا اليهود بأنهم مغضوب عليهم، ووصف النصارى بأنهم أهل ضلال؛ لأنه ليس عندهم علم، وإنما عندهم اجتهاد وعبادة وتقشف، فتجد الراهب منهم في الصوامع، وهذا كان من قبل، أما في الوقت الحاضر فقد تغيرت الأوضاع والأمور، وأصبح الذين في الصوامع أو في البيع أو في الكنائس ساسة وقادة يخططون لأمتهم ولرؤسائهم في الاستيلاء على الضعفاء -ولا سيما إذا كانوا مسلمين- بكل وسيلة كانت، بغض النظر عن كون هذا يسوغ أو لا يسوغ، لا ينظرون إلى ذلك.
وصاروا عبادًا للدنيا والمناصب والشهوات، القول فهو يخالف الفعل، وإذا خالف الفعل فلا قيمة له.
وهكذا هذه الأمة! الذي يفسد من العلماء يكون شبيهًا باليهود؛ لأن عنده علم ولكنه ترك العلم على عمد لغرض يريده خاص به أو لغرض آخر ليس خاصًا به، كله سواء، وأما الذي تكون عنده عبادة وتقشف فيفسد ويضل ويترك السنة فإنه يكون مشابهًا للنصارى؛ لأن هذا عنده اجتهاد لكنه في ضلال، وهذا من الذين يقول الله جل وعلا فيهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٢ - ٧] لأنهم يتعبدون بضلال، وإن كان عندهم خشوع ونصب وتعب ولكنهم ضالون؛ لأن من شرط قبول العبادة وصحتها أن تكون على سنة المصطفى ﷺ، كما أنه من شرطها أيضًا أن تكون خالصة لله جل وعلا، لا يراد بها إلا وجه الله، فإذا اختل شرط من هذين الشرطين فهو ضلال ووبال، ويكون صاحبه معذبًا.
والناس في الواقع تبع لهؤلاء، تبع للعلماء والعباد، العباد يقتدى بهم ويرى أنهم على خير، وأنهم أهل زهد وطاعة، فيعظمون من أجل ذلك، والعلماء كذلك يقتدى بهم لأنهم الذين يعرفون الأحكام، فإذا فسدوا فسد الناس تبعًا لهم.
قتل الشارح: [قوله: (قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) هو برفع اليهود خبر مبتدأ محذوف أي: أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سننهم؟ ويجوز النصب بفعل محذوف تقديره: تعني قوله: (قال فمن؟) استفهام إنكاري أي: فمن هم غير أولئك؟].
[ ٧٠ / ٦ ]