من دلائل نبوة النبي ﵊: أنه أخبر بأن الله زوى له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها، وأن أمته سيبلغ ملكها ما زوي له منها، وإخباره ببقاء طائفة من هذه الأمة على الحق، وإخباره بلحوق طوائف من الأمة بالمشركين، وإخباره بظهور الدجالين، وقد حصل ذلك كما أخبر به، ودلائل النبوة كثيرة جدًا، ومعرفتها تزيد المؤمن يقينًا وطمأنينة.
[ ٧١ / ١ ]
حديث ثوبان (إن الله زوى لي الأرض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم عن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة، وألا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا) ورواه البرقاني في صحيحه وزاد: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎)].
هذا الحديث كل جملة منه علامة وآية من آيات النبي ﷺ تدل على صدقه، وعلى أنه نبي جاء من عند الله جل وعلا، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا، والفائدة في مثل هذا أن الإنسان يزداد إيمانًا وتصديقًا للنبي ﷺ، ويقينًا بأنه جاء من عند الله، كلما زادت الآيات زاد إيمانه بذلك، فالذي ينبغي لمن يقرأ أحاديث رسول الله ﷺ وسيرته أن يزداد دائمًا إيمانًا ويقينًا بأن رسول الله ﷺ خاتم النبيين، وهو الذي جاء بالهدى، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، وأن كل ما أخبر به حق، وأن ما خالفه باطل مهما كان.
هذا الحديث سيق لأجل الرد على من يزعم أن الشرك لا يقع في هذه الأمة بعد مبعث النبي ﷺ، وهذا القول أو هذا الزعم حدث من أناس جهال في الواقع، جهلوا دعوة الرسول ﷺ بعدما جهلوا حق الله الذي أوجبه عليهم، فزعموا أن من قال: لا إله إلا الله فذلك يكفيه وإن عبد القبور، وطاف عليها، واستنجد بأصحابها، واستغاث بهم، فإنه لا يؤثر عندهم، فجاءوا بالمتناقضات؛ لأنهم لم يعرفوا التوحيد ولم يعرفوا حق الله عليهم، ولم يعرفوا دعوة الرسول ﷺ، فجاءوا بالمتناقضات، قالوا: من قال: لا إله إلا الله لا يقع منه الشرك، وزعموا أن مجرد النطق بهذه الكلمة كافٍ، وزعموا أن هذا هو معنى أحاديث الرسول ﷺ كقوله: (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله).
فلم يفهموا قوله: (يبتغي بذلك)، ولم يفهموا معنى لا إله إلا الله، وما علموا أن هذه الكلمة تهدم كل الشرك دقيقه وجليله وتبطله، وأن المشركين لما قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله فهموا ذلك، وعرفوا أن هذا يبطل مذهبهم وعبادتهم فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]، فتحصل بهذه الكلمة التأله والعبادة لله وحده تعالى وتقدس، فهؤلاء لما جهلوا هذه الأمور الواجبة على كل إنسان جاءوا بالمتناقضات.
والمشكلة أن لهم أتباعًا كثر، وأن كثيرًا من الناس ينظر إليهم، ويقتدي بهم، فصاروا قدوة، وصاروا يعادون كل من جاء بدعوة النبي ﷺ، ويريد أن ينقذ الناس من الهلكات ومن الشرك الذي وقعوا فيه، فيرمونه بتنقص الرسول وبغضه، وأنه شاذ، وخارج عن الأمة، وأنه يكفر الأمة، وما أشبه ذلك من العظائم التي يرمون بها من كان مقتفيًا آثار الرسول ﷺ، ويدعو بدعوته؛ وذلك لجهلهم وظلمهم وعنادهم واستكبارهم على الحق، ومن هنا تستحكم المصائب والبلايا، ويصبح كثير من الناس مغترًا بهم، فيتابعونهم، والواقع يشهد لهذا.
هذا الحديث والآيات التي ذكرها المؤلف في أول الباب والحديث هو حديث أبي سعيد - دليل على جهل هؤلاء، وبطلان دعواهم.
[ ٧١ / ٢ ]
وجوب التسليم لأخبار النبي ﷺ
قول الرسول ﷺ: (إن الله زوى لي الأرض) معنى (زوى) يعني: أنه جمعها فأصبحت أنظر إليها كأنها أمامي، أنظر إلى أقصاها وأدناها سواء، ولا يلزم أن تكون كل جزئية من الأرض أمامه ينظر إليها، وهذا من قدرة الله جل وعلا التي لا حدود لها، فهو على كل شيء قدير، ولا يجوز أن نقيد قدرة الله بالعقل أو بالفكر والنظر، وإذا كنا لا نستوعب ذلك ولا نستطيع أن ندركه بعقلنا لا نكذب به، بل هذا شأن الذين يعبدون عقولهم أو يكونون مغرورين بعقولهم ويقولون: إن الشيء الذي يخالف العقل يجب أن يرد.
الرسل لا يأتون بشيء يخالف العقول، ولكنهم يأتون بأمور تحار فيها العقول ولا تدركه؛ لأن العقول قاصرة بالنسبة لأمر الله جل وعلا، وخلقه وتدبيره، وقدرته ومشيئته، وهذا نظير قول الرسول ﷺ لما قام يصلي صلاة الكسوف بمسجده صلوات الله وسلامه عليه، وقال: (عرضت علي الجنة والنار دون هذا الحائط -يعني: دون حائط المسجد- فرأيت بعضها يحطم بعضًا، حتى خشيت أن تأتي عليكم، فقلت: يا رب! وأنا فيهم؟ -يعني: أنها تأكلهم وأنا فيهم- ثم عرضت علي الجنة يقول: فهممت أن آخذ منها قطفًا حينما رأيتموني تقدمت، ثم بدا لي ألا أفعل، ولو أخذت ذلك منها لأكلتم منه ما بقيت الدنيا) قطف يعني: عنقود عنب، عنقود واحد لو أخذه لأكلت منه الأمة ما بقيت الدنيا؛ لأن الذي في الجنة لا ينتهي، بل يتبدل، كلما يؤخذ منه شيء جاء مكانه غيره دائمًا.
وقال: (رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار -يعني: أمعاءه- لأنه أول من غير دين إسماعيل)، وقد كان رئيسًا في العرب، ومات في الجاهلية قبل مبعث الرسول ﷺ، قال: (ورأيت امرأة في النار بسبب هرة حبستها حتى ماتت، لم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، فرأيتها تخمش وجهها في النار) وهذا أمر حقيقي، وكون الجنة والنار دون هذا الحائط شيء لا تستوعبه العقول، ولكن يجب أن نصدق به.
ومثله الحديث الذي مر معنا في الدعوة إلى التوحيد، وقوله ﷺ: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر إلى الأفق فرأيت وجوه الرجال قد سدت الأفق، ثم قيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فرأيت وجوه الرجال قد سدت الأفق، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب) فهذا العرض على ظاهره، ولكن ليست هي أعيان الناس بأنفسهم، الناس أموات في قبورهم.
ومثل ذلك ما وقع له في قصة الإسراء والمعراج لما وصل إلى بيت المقدس، واجتمع بالأنبياء وصلى بهم، ثم لما صعد إلى السماء وجد كل نبيٍ في سماء من السماوات حسب منازلهم، وهذه أرواحهم لا إشكال في هذا، وهذه كلها أمور حق على ظاهرها، يجب أن نؤمن بها، ونصدق بها كما أخبرنا رسول الله ﷺ؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه إذا قال كلامًا باللغة التي يفهمها المخاطبون فإنه يبلغ عن الله جل وعلا، ولو لم يكن الظاهر هو المراد ما كان هناك تبليغ، ولا سأل السامعون وقالوا: هو هذا المعنى أو هناك غيره؟ فلما سكتوا وفهموا النص على ظاهره دل أن هذا هو المراد قطعًا بلا تردد، ولا يجوز أن يشكك في هذا الشيء.
[ ٧١ / ٣ ]
من أعلام النبوة في حديث ثوبان
قوله: (إن الله زوى لي الأرض -جمعها- فرأيتها أمامي، أنظر إلى مشارقها ومغاربها) هذا محدود بدليل قوله: (وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) وقد بلغ الملك في زمن الصحابة هذا الذي زوي منه، حتى وصلوا إلى حدود الصين شرقًا، ووصلوا إلى المحيط الأطلسي غربًا، وانتهى ملكهم إلى هذا الحد، ولم يذكر جهة الجنوب والشمال، ولهذا لم تتسع لا جنوبًا ولا شمالًا، فإنه لم يتسع فيها ملك الأمة، وإنما اتسع من جهة الشرق والغرب.
ثم قال: (وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض) الكنزان: هما كنز الدولتين العظيمتين في ذلك الوقت في زمنه، فكان في وقته دولة الروم ودولة الفرس، وكانت هاتان الدولتان تتناظران دائمًا وتتقاتلان، ومرة تغلب هذه، ومرة تغلب هذه، وهما أعظم الدول في ذلك الوقت، وما في الأرض نظير لهما.
قوله: (الأحمر والأبيض) يقول العلماء: الأحمر عبارة عن الذهب، وهذا يقصد به كنوز دولة الروم؛ لأن الغالب عليهم استعمال الذهب في أموالهم.
وأما الأبيض: فهو كنوز دولة الفرس؛ لأن الغالب على أموالهم الجواهر والفضة، فوقع كما قال.
وقد جاء في حديث آخر: (وإنهما سينفقان في سبيل الله) فأنفقت كنوز هاتين الدولتين في سبيل الله كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه قبل وقوع ذلك.
فهاتان الجملتان كل واحدة منهما تدل على صدقه صلوات الله وسلامه عليه، حيث أخبر بشيء لم يقع، فوقع كما أخبر تمامًا.
ثم قال: (وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة، أو بسنة عامة) الباء هنا زائدة وتأتي للتأكيد، وإذا حذفت استقام المعنى، والسنة المقصود بها الجدب المهلك، أو العذاب المستأصل الذي يأتي عليهم جميعًا كما وقع للأمم السابقة مثل ثمود وعاد وقوم شعيب، وقوم لوط، وغيرهم ممن قص الله جل وعلا علينا قصصهم في كتابه، فأعطاه الله جل وعلا هذا، فقال: (إني لا أهلكهم في سنة عامة).
وسأل ربه ألا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم.
(من سوى أنفسهم) يعني: من الكفار، سأله ألا يسلط عليهم عدوًا من الكفار فيستبيح بيضتهم، يعني: يستولي على معظم الأمة أو على جملتها، فيسبي نساءها، ويأخذ أموالها، ويقتل مقاتلتهم، فأعطاه الله جل وعلا ذلك، ولكن هذا مقدمة الشروط التي ذكرها بعد هذا.
[ ٧١ / ٤ ]
قوله: (وألا يسلط بعضهم على بعض)
قوله: (وألا يسلط بعضهم على بعض) فهذه منعها؛ لأن الله جل وعلا قال: (يا محمد! إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد) وإن الله قضى أن يسلط بعضهم على بعض، وبهذا يستدل بأن ما قدره الله وقضاه لا يمكن تغييره، ولا يمكن تبديله، وأن الدعاء لا يؤثر في ذلك ولا يجدي.
وأما ما جاء في بعض الأحاديث أنه: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا صلة الرحم) أو قال: (إن الدعاء يرد القضاء، وإن صلة الرحم تزيد في العمر) فليس هذا كما قد يتبادر إلى ذهن الإنسان من أول وهلة، أنه إذا دعا زاد عمره بالدعاء، وإذا وصل رحمه زاد عمره بالصلة، فالمعنى: أن تقدير الله لا يتغير، وقد قال بعض العلماء: إن هذا معناه: أن الإنسان يكون أمامه تقديرين: تقدير مثلًا أنه يبلغ ثمانين سنة إذا وصل رحمه، وستين سنة إذا لم يصل رحمه، فإن وصلها بلغ ذلك، وإن لم يصلها لم يبلغ ذلك.
وتقدير أنه يكون عليه كذا وكذا إن لم يدع، وإن دعا امتنع ذلك، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا شأن الجاهل، والله علام الغيوب لا يخفى عليه شيء، ويعلم الذي يقع كيف يكون، وقد كتب كل شيء قبل وجود الخلق، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) وفي السنن والمسند من حديث عبادة أنه قال عن النبي ﷺ: (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة).
فقوله (مقادير الأشياء) يعم كل شيء، وقوله في هذا الحديث: (أول ما خلق الله القلم فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة) يعم كل شيء، حتى حركة يد الإنسان ووضعها على وجهه أو على أي شيء، فلا يمكن أن أي حركة تحدث أو أي سكون إلا بمشيئة الله، وقد كتبت، فيكون المعنى: إن من الأشياء التي كتبت وقدرت وفرغ منها أن هذا الشخص يدعو ويكون عنده ابتهال وتضرع، ويكون هذا سبب زيادة عمره، فالدعاء نفسه من القدر.
وكذلك هذا الواصل قد كتب في الأزل أنه يصل عمره، وتكون هذه الصلة سببًا لزيادة العمر، فلا يكون فيه إشكال في ذلك، ولا يكون كما قيل: هناك تقديران، فهذا شأن الجاهل الذي لا يعرف ما الذي يقع تعالى الله وتقدس عن ذلك، فعلى هذا قول الله جل وعلا في إجابته لرسوله: (إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد) على عمومه.
كل شيء قضاه وكتبه في الأزل فإنه لا بد من وقوعه ولا يتغير.
أما قول الله جل وعلا: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] فقد ذكر العلماء فيها أقوالًا، وأصح ذلك قول أحدهم: إن هذا المحو والإثبات في صحائف الملائكة، التي يسجل بها عمل الإنسان في اليوم، فإذا صار آخر النهار يمحون الشيء الذي ليس فيه جزاء وليس عليه عقاب، يعني: لا يترتب عليه عقاب ولا ثواب، مثل: أعطني القلم خذ الكتاب أعطني الكأس وما أشبه ذلك، هذه تمحى، ويثبت الشيء الذي يكون فيه الجزاء، وكل هذا مقدر مكتوب، ولكن هذا محو في الصحائف؛ لأن الصحائف يسجل فيها أعمال الإنسان التي يجازى بها، ويوم القيامة إذا بعث يعطى كتابه ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] يعني: حاسب نفسك أنت، انظر صحائفك صحيفتك التي سجلت عليك منذ بلغت إلى أن تموت، أين هذه الصحيفة؟ في أيدي الملائكة يحفظونها، قال الله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٨].
فالملك يترقب أي لفظ تتلفظه ليسجله ويكتبه؛ وهما اثنان: واحد يكتب الحسنات، والآخر يكتب السيئات.
يقول ابن رجب ﵀: اتفق السلف على أن الذي على اليسار هو الذي يكتب السيئات، والذي عن اليمين يكتب الحسنات، ولكن ليس في هذا نص، ولكن إذا اتفقوا على ذلك فلا بد أن يكون حقًا؛ لأن الأمة لا تتفق إلا على حق كما في هذا الحديث.
فإذًا المحو الذي يذكر يكون في الصحائف، هذا قول.
القول الثاني: أن المحو يكون في الشرائع التي ينسخها الله جل وعلا، يقول ابن أبي العز في شرحه للطحاوية: إن هذا القول هو الراجح، وهو الصحيح، وهو الذي تدل عليه الآيات وسياقها، وهو أن الإثبات والمحو في الشرائع التي يشرع الله ما يشاء منها، وينسخ ما يشاء، فلا يوجد فيه إشكال حيث إنه ليس من أمور القدر.
أما قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١] فقد قالوا: المعنى: ما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر معمر آخر -غير هذا المعمر- إلا في كتاب، وليس معنى ذلك أن الأعمار يزاد فيها وينقص منها، فهذا مثل قولك: عندي دينار ونصفه، فالنصف الذي أعدت الضمير فيه على الدينار نصف آخر، غير نصف الدينار الأول؛ لأن عندك دينارًا كاملًا ونصفه، يعني: نصف دينار آخر؛ فيكون هذا معناه: ما يزاد عمر معمر، وينقص من عمر معمر آخر إلا في كتاب، يعني: هذا مكتوب ومفروغ منه فلا يكون فيه زيادة ونقص، ويدل على هذا ما في صحيح مسلم عن أم حبيبة أنها قالت: (اللهم متعني بزوجي رسول الله وبأخي معاوية وبأبي أبي سفيان، فقال: لقد سألت الله لآجال مضروبة لا يزاد فيها ولا ينقص، ولو قلت: اللهم اغفر لي وارحمني لكان أنفع) والله جل وعلا يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١] الأجل لا يؤخر ولا يقدم فالآجال مفروغ منها، وهذا هو الصحيح الذي تدل عليه النصوص، وبذلك تتفق النصوص، وليس فيها أي اعتراض مخالف، ولكن يجب أن يفهم مراد الرسول ﷺ، فقوله: (إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد) يعني: أنه جل وعلا قضى أن بأس هذه الأمة يكون بينها، وأنه إذا وقع فيهم السيف فإنه لا يرفع إلى يوم القيامة، وقد وقع السيف بقتل الخليفة عثمان بن عفان ﵁، فبقي في الأمة وسيستمر إلى يوم القيامة، فالقتال موجود في الأمة من ذلك اليوم إلى يوم القيامة كما أخبر الرسول ﷺ، وهذا من القضاء الذي لا يرد، ولكنه قد يقل وقد يكثر، وقد يكون في جهة دون أخرى، والذي يقرأ التاريخ يعلم ذلك يقينًا كيف يعني هذا، وسيكثر أيضًا ويزيد في آخر الزمان، حتى يأتي زمان يقتل فيه الإنسان وما يدري على أي شيء يقتل؛ لكثرة الفتن والأهواء.
[ ٧١ / ٥ ]
شرط تسليط الأعداء على الأمة
قوله في الغاية: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضًا) يعني: أن الهلاك مغيًا بهذه الغاية، فإذا بدأ ذلك فإنه يأتي ما كتبه الله، ويدل على أن عدم التسليط إذا لم يكن بعضهم يقاتل بعضًا، أما إذا قاتل بعضهم بعضًا فيجوز أن يسلط الله عليهم عدوًا، كما هو الواقع، فكلما حصل بين المسلمين خلاف سلط الله عليهم عدوًا فأخذ بلادهم وقتلهم، ومن يقرأ التاريخ وينظر فيه يرى العجائب، فالأندلس ذهبت وأصبحت ليس فيها مسلم، محيت نهائيًا بعدما كانت دولة كبيرة وفيها من المسلمين والعلماء والصناع والفقهاء والكتاب الشيء الذي عرف وملأ الدنيا، ثم لما صار كل بلد فيها أمير أو خليفة أصبح بعضهم يقاتل بعضًا، فجاءهم العدو واستباح بيضتهم وأهلكهم، ووضعت المحاكم التي يسمونها محاكم التفتيش، يعني: كل إنسان تبين أن عنده شيء من الدين يقتل؛ فانمحى الدين الإسلامي من الأندلس نهائيًا، وإلى الآن وهي بيد الكفار.
وكذلك لما كان الخلفاء كل واحد يغير على الآخر، وكل واحد يقتل الآخر؛ سلط الله عليهم التتار فقتلوا الفقهاء والكبراء والعلماء والخليفة وغيرهم، بدءوا بالعلماء.
وقد ذكر ابن الأثير في تاريخه ما حصل من التتار، وقتلهم للمسلمين، وقال: لقد ترددت كثيرًا هل أكتب ذلك أو لا أكتبه، فإن النفس لم تقدم على ذلك؛ لما فيه من الأمور التي تدمي الكبد، ولكن لا بد من تسجيل التاريخ، وذكر أنهم قتلوا في يوم واحد ثلاثة ملايين في بغداد! حتى أصبحت الخيل تمشي على الجثث والدماء تصل إلى ركب الخيل، وأخذوا الكتب من مكتبات المسلمين وألقوها في النهر حتى أصبح ماء النهر متغيرًا من الحبر، فعاثوا في الأرض فسادًا، شيء عظيم جدًا، مقتلة ما صار مثلها، ثم استمر القتل حتى فسد الهواء، فصاروا يموتون موتًا ذريعًا، وتركوا البلاد وقد أخربوها.
ثم عادت الكرة مرة أخرى، وجاءوا إلى دمشق في وقت تيمور الأعرج الخبيث الظالم العنيد الذي جاء من سمرقند، فصنع فيها كما صنع التتار، وحصلت أشياء كثيرة، ولكن ليس معنى هذا أنه يقضى على الأمة نهائيًا، لا بد أن يبقى فيها طوائف، غير أنه قد يقضى على معظمها، فإذا قتل الخليفة وقتل جنوده وقتل العلماء وقضي على بلاد الخلافة، فتبقى الأمور ضعيفة، ويكون المسلمون في ارتباك وخوف شديد.
فالمقصود: أن ما قاله الرسول ﷺ وقع كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.
ثم قوله بعد هذا: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) الأئمة يقصد بهم العلماء والأمراء، هؤلاء هم الأئمة، وإذا صلح العلماء والأمراء فالناس تبع لهما، وإذا فسد هذان الصنفان فالناس كلهم يفسدون، وهؤلاء هم الأئمة الذين يؤتم بهم ويقتدى بهم، وإذا كانوا ضالين فالناس يضلون تبعًا لهم.
[ ٧١ / ٦ ]
لا تقوم الساعة حتى يلحق فئام من الأمة المشركين
قال ﵊: (وإنها لا تقوم الساعة حتى يلحق فئام من أمتي بالمشركين) هذا هو الشاهد من الحديث، والفئام: هي القبائل، ومعنى إلحاقهم بالمشركين: إما أنهم يدخلون في دينهم، ويرتدون وإن كانوا في بلادهم، أو أنهم يذهبون إلى المشركين في بلادهم ويكونون معهم، ومن تتبع الأحوال ونظر سيجد الأمرين قد وقعا، ويقعا.
والمقصود بهذا أنها تحصل الردة، فالرسول ﷺ أخبر أن ناسًا يرتدون عن دينهم، والرسول ﷺ أخبر بالواقع.
(وحتى تعبد قبائل من هذه الأمة الأوثان)، الوثن لا يشترط أن يكون نصبًا منصوبًا على صورة شخص أو صورة حيوان، كل ما عبد من دون الله فهو وثن، والعبادة: اسم جامع لكل ما أمر الله جل وعلا به وأحبه ورضيه، فمن صرف شيئًا منها لمخلوق من المخلوقات فقد جعل ذلك الشيء وثنًا أو صنمًا يعبد.
وقد جاء في الصحيحين: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة)، وذو الخلصة صنم قديم في الجاهلية في بلاد دوس، وهذا خبر صحيح ولا بد من وقوعه، وربما يبعث مرة أخرى ويقع كما أخبر الرسول ﷺ، وكل هذا يكذب قول من ينفي الشرك في هذه الأمة، ويستدل بحديث: (إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم)، والمعنى الصحيح: أن الشيطان يئس أن تعود جزيرة العرب جاهلية كما كانت قبل البعثة، فإن هذا لا يكون بإذن الله، ولكن ليس معنى ذلك أنه لا يقع فيها الشرك.
[ ٧١ / ٧ ]
لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة
قوله: (وإنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) يقول العلماء: الطائفة يصح أن تطلق على جماعة، وهذه الجماعة قد تكون كثيرة، وقد تكون قليلة، وقد تكثر مرة، وقد تقل أخرى، ويقول النووي في شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم: يجوز أن تكون هذه الجماعة مختلفة الاتجاهات والأعمال، بين شجاع يقاتل في سبيل الله، وبين تاجر ينفق في الدعوة إلى الله، وبين فقيه يعلم الناس وينشر دين الله، وداعية يدعو إلى الحق إلى غير ذلك، ويجوز أن يكونوا مجتمعين، ويجوز أن يكونوا متفرقين، ويجوز أن يكونوا في قطر واحد، ويجوز أن يكونوا في أقطار مختلفة، وأن يقلوا ويكثروا، هذا معنى كلام النووي ﵀، وهذا هو الصواب الذي يدل عليه الحديث.
أما ما جاء في بعض الروايات: (أنهم في الشام) كما جاء في رواية معاذ، وهي في صحيح البخاري، فإن هذا لا يلزم منه أن يكونوا في الشام دائمًا، ولكن يكونون في وقت دون وقت، والواقع يشهد لهذا، والشام يطلق على البلاد المعروفة الآن بالأردن ولبنان وفلسطين وسوريا وبعض أجزاء من تركيا، كلها كان يطلق عليها الشام.
وقد جاء في بعض الروايات: (أن هذه الطائفة في فلسطين)، فيكون ذلك في وقت من الأوقات، ومعروف الآن أن فلسطين فيها اليهود، وهم أشر عباد الله وأشر خلق الله، ولكن سيأتي يوم من الأيام يكون فيها الموحدون الذين يقتلون اليهود، ويكون ذلك في آخر الزمان، والله أعلم متى يكون.
[ ٧١ / ٨ ]
الدجالون في هذه الأمة
قوله: (وإنه سيكون في هذه الأمة ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) المقصود بالثلاثين الذين يكون لهم قوة وأتباع ودعوة، وإلا فلو تتبع من ادعى النبوة لبلغوا آلافًا وليس ثلاثين، ولكن بعضهم يكون مريضًا، وبعضهم يصاب بشبه جنون فيدعي النبوة، ولكن المقصود الذين صار لهم سلطة، وصار لهم أتباع وقوة مثل: الأسود العنسي الذي خرج في زمن النبي ﷺ، فقتل قبل موته صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء إليه أبو مسلم الخولاني فقال له: أتشهد أني نبي؟ قال: لا أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا نبي؟ قال: نعم، فأمر أن يلقى في نار، فلم تضره النار، فخرج منها كأن لم يكن هناك نار! وهو من التابعين وليس من الصحابة، ولما قدم على عمر ﵁ في خلافته قال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد مثل إبراهيم الخليل، ألقي في النار فلم تضره، ثم سلط الله جل وعلا على الأسود رجلًا من أهله فقتله.
وكذلك مسيلمة الكذاب، خرج وصار له أتباع وصار له قوة، وحصلت معركة هائلة بينه وبين الصحابة، قتل فيها من حفظة القرآن سبعون قارئًا، وكان هذا هو السبب في جمع أبي بكر للقرآن؛ خوفًا أن يكثر القتل في القراء فيذهب شيء منه، فجمعوه وكتبوه في الصحف.
وكذلك خرج طليحة الأسدي في بني أسد، وزعم أنه نبي وتبعته قبيلته، وصار قتال بينه وبين الصحابة فانهزم، ثم بعد ذلك تاب، وقتل شهيدًا في وقعة نهاوند.
وبعد ذلك خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي، خرج في البصرة وفي الكوفة، فأول أمره خرج نصرة للحسين ﵁، ففرح الناس به، وتبعه خلق على ذلك، وتتبع قتلة الحسين فقتل أكثرهم، ثم بعد ذلك زعم أنه نبي، وأن جبريل يأتيه ويكلمه، فقاتله مصعب بن الزبير حتى قتله.
ثم كذلك الحارث في زمن عبد الملك خرج وصار له أتباع فقتل.
ثم تتابعوا إلى أن جاء القادياني الخبيث الذي ادعى أنه نبي، وله أتباع إلى اليوم في أنحاء الأرض، ولهم دعوة، وما يقرب من أربعين مجلة يصدرونها دعوة لدينهم، وعندهم أموال، وعندهم دعاة، ويفسرون القرآن على حسب رأيهم، ويعتقدون أن سيدهم نبي، ولا يشك مسلم أن هذه ردة وكفر وتكذيب بالقرآن.
ثم لا ينتهي الأمر، فيكون آخر من يدعي النبوة الكذاب الأكبر الدجال الذي حذرنا النبي ﵊ منه، ومن الأمور العجيبة التي تدل على استهانة الكذابين بأمر الله، والضحك على الناس في أديانهم أن رجلًا خبيثًا خرج وسمى نفسه (لا) قال: أنا لا، ثم بعد ذلك ادعى النبوة، وقال: قد أخبر عني الرسول فقال: (لا نبي بعدي)! ونظير ذلك أن امرأة خرجت وادعت النبوة، فلما قيل لها: إن رسول الله ﷺ أخبر أنه لا نبي بعده، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] قالت: ولكنه لم يقل: لا نبية بعدي، أنا نبية، وهو أخبر أنه لا يكون بعده نبي، سخافات واستهانة بعقول الناس وأديانهم إلى هذا الحد! وليس معنى هذا كما يقول بعض الأدباء: هذه من الطرائف، هذه ما هي طرائف، هذا كفر واستهانة بأمر الله جل وعلا وبدينه وبأديان الناس وعقولهم وأفكارهم، وهذا العدد الذي أخبر عنه الرسول ﷺ المقصود به من يأتي ويظهر ويكون له قوة.
والمسيح الدجال سيكون هو آخر الكذابين، وهو أعظم الكذابين لماذا؟ لأنه أول ما يخرج يزعم أنه مصلح، وأنه يريد أن يقضي على الظلم والظلمة، فإذا تمكن من ذلك ادعى النبوة، وقال: أنا نبي، فيتركه كثير ممن كان يتبعه، ولكن من يفتن به أكثر، ثم بعد ذلك يتمادى به الأمر ويقول: أنا رب العالمين، ويكون عنده كثير من الفتن والأمور العظيمة حتى إنه يقول للأرض: أنبتي، ويقول للسماء: أمطري، فيحصل ذلك، ويأتيه الرجل ويقول له: إذا أحييت أباك وأمك أتؤمن بأني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان: واحد بصورة أمه، والآخر بصورة أبيه، فيقولان له: يا بني! آمن به فإنه ربك؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم به فانئوا عنه، فإن الرجل يأتيه واثقًا من نفسه فلا يزال حتى يتبعه)، بسبب الفتن التي يرى، حتى يكون متبعًا له، وهو رجل من بني آدم، وعينه اليمنى عوراء مطموسة كأنها عنبة طافية، ومكتوب على جبهته كافر، ولكن هذا يقرؤه المؤمنون، وأكثر الناس لا يقرءونه، فهو يأتي بفتن عظيمة يمر على القوم ويردون دعوته فيمحلون، ويمر على القوم فيؤمنون به، فتغدق عليهم الدنيا، ولشدة فتنته أمرنا رسولنا ﷺ أن نستعيذ من فتنته في كل صلاة، وأخبر أن كل نبي حذر أمته من المسيح الدجال، وأنه خارج في هذه الأمة ولا محالة؛ لأنه ليس بعد هذه الأمة أمة.
ونزول عيسى ﵇ لا ينافي قوله ﷺ: (لا نبي بعدي)؛ لأن عيسى وإن كان رسولًا فإنه ينزل حاكمًا بهذا الشرع، فهو من هذه الأمة، بل هو أفضل هذه الأمة على الإطلاق، وقد صحت الأحاديث وتواترت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (سينزل فيكم ابن مريم ويضع الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير) يعني أنه لا يقبل إلا الإسلام، وهو الذي يقتل الدجال.
وقوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)، فيه بشارة أن الحق لا يزول ولا يضمحل، بل لا بد أن تبقى أمة تقاتل على الحق، وتدعو إليه ولا يضرهم المخالف ولا الخاذل، الخاذل يكون منهم على دينهم وعلى ملتهم ولكنه يخذلهم، بمعنى أنه لا يساعدهم ولا يناصرهم، أما المخالف فليس على نهجهم، ولا يضرهم لا هذا ولا هذا، وقوله: (حتى يأتي أمر الله) لا يخالف ما جاء في صحيح مسلم أنها: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، وفي رواية: (حتى لا يقال في الأرض: الله الله) يعني أنه لا يذكر الله أصلًا، شرار الناس هم الذين يبنون على القبور والذين تدركهم الساعة وهم أحياء؛ ولهذا لما روى عبد الله بن عمرو كما في الصحيح حديث: (تأتي ريح فتقبض روح كل من في قلبه إيمان، فيبقى الناس يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة، فقال له أحد الصحابة: اعلم ما تقول! أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة)، فقال له: إن قيام الساعة المقصود به ساعتك، يعني: هذه الريح، وهذا هوالصواب، فليس في حديث رسول الله ﷺ منافاة.
[ ٧١ / ٩ ]
معنى قوله: (إن الله زوى لي الأرض)
قال الشارح ﵀: [ولـ مسلم إلخ.
هذا الحديث رواه أبو داود في سننه، وابن ماجه بالزيادة التي ذكرها المصنف.
قوله: عن ثوبان هو مولى النبي ﷺ، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين.
قوله: (زوى لي الأرض) قال التوربشتي: زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب، وحاصله أنه طوى له الأرض، وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة ينظره، قال الطيبي: أي: جمعها حتى بصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها.
قوله: (وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) قال القرطبي: هذا الخبر وجد مخبره كما قال، وكان ذلك من دلائل نبوته ﷺ، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة - بالنون والجيم - الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما هو وراء خراسان والنهر، وكثير من بلاد السند والهند والصغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، وذلك لم يذكر ﵇ أنه أريه، ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه.
قوله: (زوي لي منها) يحتمل أن يكون مبينًا للفاعل، وأن يكون مبنيًا للمفعول.
قوله: (وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض) قال القرطبي: عنى به كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنز قيصر وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما، وقد قال ﷺ: (والذي نفسي بيده! لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)، وعبر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى؛ لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة، ووجد ذلك في خلافة عمر، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر، والأبيض والأحمر منصوبان على البدل].
[ ٧١ / ١٠ ]
عدم هلاك هذه الأمة بسنة بعامة
قال الشارح ﵀: [قوله: (وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة) هكذا ثبت في أصل المصنف ﵀ (بعامة) بالباء، وهي رواية صحيحة في صحيح مسلم، وفي بعضها بحذفها، قال القرطبي: وكأنها زائدة؛ لأن عامة صفة السنة، والسنة الجدب الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى الجدب والقحط: سنة، ويجمع على سنين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٠] أي: الجدب المتوالي.
قوله: (من سوى أنفسهم) أي: من غيرهم من الكفار من إهلاك بعضهم بعضًا، وسبي بعضهم بعضًا كما هو مبسوط في التاريخ فيما قبل، وفي زماننا هذا نسأل الله العفو والعافية.
قوله: (فيستبيح بيضتهم) قال الجوهري: بيضة كل شيء حوزته، وبيضة القوم ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: إن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض وهي جوانبها، وقيل: بيضتهم معظمهم وجماعتهم وإن قلوا.
قال المصنف ﵀ في شرح حديث ثوبان: قوله: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا)، والظاهر أن حتى عاطفة أو تكون لانتهاء الغاية، أي: أن أمر الأمة ينتهي إلى أن يكون بعضهم يهلك بعضًا، وقد سلط بعضهم على بعض كما هو الواقع، وذلك لكثرة اختلافهم وتفرقهم.
قوله: (وإن ربي قال: يا محمد! إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد) قال بعضهم: أي: إذا حكمت حكمًا مبرمًا نافذًا فإنه لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده كما قال النبي ﷺ: (ولا راد لما قضيت)].
[ ٧١ / ١١ ]
الاختلاف أساس كل شر
من المعلوم أن الاختلاف هو أساس كل شر؛ ولهذا يمتنع استباحة الكفار للمسلمين حتى يقع الاختلاف بينهم، فإذا وقع فإنه يجوز أن يهلكوا عمومًا، فالاختلاف محرم في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله ﷺ، وليس المراد بالاختلاف هنا الاختلاف في الفهوم، الفهم لا يمكن أن يتفق، الاختلاف هنا اختلاف مذموم محرم مكروه عند الله جل وعلا ورسوله، والاختلاف المباح هو الذي يكون في الفهوم، في فهم النصوص مثلًا؛ لأن النصوص فيها مجال للفهم والاختلاف في مناص الحكم، فمثلًا قال الرسول ﷺ: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، قد يقول بعض العلماء: هذا النهي وهذا القول يدل على أنها إذا أقيمت الصلاة بطلت كل صلاة تلبس بها المصلي، ويقول آخر: لا، ليس هذا معناه، بل معناه: أنها إذا أقيمت الصلاة فلا يجوز أن يدخل في صلاة جديدة، أما إذا كان في صلاة فيكملها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، مثل هذا الاختلاف لا بأس به، وهذا الذي يكون بين الفقهاء وبين العلماء؛ لأن كل واحد يتمسك بالنص، ويقول: المراد به كذا وكذا.
أما الاختلاف الذي يحدث العداوة، ويحدث التفرق، ويحدث بعد ذلك التدابر ثم التباغض ثم التقاتل؛ فهذا هو الذي إذا حدث أصيبت الأمة بتسليط الأعداء عليها؛ لأن بعضهم سلط على بعض أولًا، وإذا حدث شيء من ذلك فعلى الإنسان أن يصبر، ويحاول تلافي هذا الشيء بكل ما يستطيع، ولا يضرم النيران، ولا يزيد الاختلاف فيصبح مثلًا يغري الذين لا يكون عندهم علم، ومن كان عندهم من الغرور ما يحدوهم إلى التمادي في هذا الباطل، ولا يجوز له أن يتمادى معهم، يجب أن يتلافى الأمر بكل ممكن، ولا يكون شريكًا لهؤلاء، يقول الله جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] وحبل الله هو كتابه أو دينه، ما دام المؤمنون نهجهم وعقيدتهم وهدفهم واحدًا فالفهوم لا يجوز أن تكون مجالًا للتنافر والتباغض، ولا يمكن أن يكون فهم هذا كفهم هذا، فإن الرسول ﷺ يقول: (مثلي ومثل ما بعثني الله جل وعلا به كمثل غيث أصاب أرضًا، فكان منها أرضًا طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ، فرعى الناس وانتفعوا، وكان منها طائفة قيعان لا تنبت الكلأ، ولكنها أمسكت الماء، فورد الناس وارتووا وانتفعوا، ومنها أجادب لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ) فجعل الناس بالنسبة للوحي ثلاثة أقسام: قسم: أهل فقه وأهل علم يستطيع أن يستنتج من النص ما لا حصر له من الأحكام، وهذا الذي مثله بالأرض الطيبة التي تنبت الماء، وتنبت الكلأ الكثير.
وقسم آخر: ليس عنده فقه، ولكن عنده حفظ يحفظ النصوص فينتفع الناس بحفظه.
وقسم ثالث: لا حفظ عنده ولا فهم ولا فقه، مثل الأعراب ليس لهم اهتمام بأمر الدين، فهؤلاء مثل السباخ التي ينزل عليها المطر ويزيدها دحضًا وأذىً للناس، لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء.
[ ٧١ / ١٢ ]
من أدب الخلاف
ينبغي للإنسان أن يفهم عن الله وعن رسوله ﷺ، أما أن يقصد بخلافه أن يظهر على الناس، وأن يشار إليه، وأن يقال: فلان عالم أو فلان مجادل أو أنه يستطيع أن يغلب فلانًا ويرد على فلان فلا، فهذه الحالة السيئة تدخل في قول الرسول ﷺ: (من طلب العلم ليماري به السفهاء، ويجاري به العلماء فله النار) نسأل الله العافية.
فينبغي أن يكون القصد من الخلاف الإظهار للحق، ولا يجوز أن يكون مثارًا للبغضاء والتفرق، بل يجب على الإنسان إذا أرشد ونبه على معنى من معاني النصوص أن يشكر من نبهه وأرشده على هذا، وأن يكون هذا داعيًا للتقارب والصلة والمحبة، ولا يكون داعيًا للتنافر، ومن الأسف أن بعض طلبة العلم إذا نبه على شيء وقيل له: إن معنى هذا كذا وكذا، أو أنك في قولك كذا وعمل كذا قد أخطأت معنى النص، أو أخطأت كذا وكذا؛ أصبحت المسألة عداوة، وأصبح يعاديك ويبغضك؛ لأنك نبهته! فهو يريد أن يكون أعلم منك وفوقك، وكأنه يتصور في نفسه أنه هو الكامل، وليس هذا خلق طلبة العلم، هذا مسلك الجهلة الظلمة الذين يريدون العلو في الأرض.
والمقصود أن دواعي الخلاف ليست هي نصوص الكتاب والسنة، بل نصوص الكتاب والسنة تدعو إلى الاتفاق، وإلى التواد والتراحم (والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، أما إذا لم يسلم المسلمون من لسانه أو من يده فإسلامه غير مستقيم، ومستقل من ذلك ومستكثر.
وأما كون الإنسان يريد بيان الحق وإيصاله إلى الناس، فبيان الحق له أسلوب وله طريق قد بينه الرسول ﷺ، وبينه الله جل وعلا في كتابه، ومعلوم أنك إذا أردت دعوة إنسان وأتيته بالعنف والازدراء والسخرية وما أشبه ذلك فإنه يزداد بعدًا منك، ونفورًا عن قولك، ويحاول أن يرد كلامك عليك، فيجب أن يكون هدف الإنسان من كلامه شيئين: أحدهما: أداء الحق الواجب عليه، فإن الله جل وعلا أخذ على العلماء أن يبينوا لمن لا يعرف، وأخبر أن الذي يكتم العلم ملعون، وأن الله يلعنه، والملائكة تلعنه، والدواب تلعنه، وكل لاعن يلعنه.
الثاني: رحمة الناس وطلب هدايتهم؛ لأن المسلم أخو المسلم، يجب عليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ولا يكون له مقصد آخر فيهلك، فهذا الذي يكون له نصيب من قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، الرسول ﷺ كان يأتي إلى الكافر ويقول له: يا أبا فلان! ألا تسمع مني، هكذا يقول، يكنيه بكنيته ويقول: ألا تسمع مني؟ ما يقول له: قف أكلمك! وأنت كذا وكذا، وليس معنى ذلك أنه يوده، إن هذه هي الطريقة للسماع، ولإيصال الحق للناس، فالنفوس جبلت على أنها لا تقبل ممن ينتقصها ويزدريها، بل تزدريه وتتنقصه، وربما زاد الأمر فوق ما يتصوره هو، وهذا شيء يقع فيه كثير ممن يتصدى للدعوة والبيان؛ إما لأنه لم يصل في العلم إلى الدرجة التي يجب عليه أن يصل إليها، وإما لسوء نية وطوية عنده، وإما لغير ذلك من الآفات التي تعترض الإنسان.
فعلى الإنسان أن يتقي ربه، وألا يكون سببًا في خلاف الأمة، سواء كانت الأمة التي تختلف بسببه كثيرة أو قليلة.
[قوله: رواه البرقاني في صحيحه، هو الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وعشرين وأربعمائة، قال الخطيب: كان ثبتًا ورعًا، لم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفًا بالفقه، كثير التصانيف، صنف مسندًا ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان، وجمع حديث الثوري وحديث شعبة وطائفة.
وهذا الحديث رواه أبو داود بتمامه بسنده إلى أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله - أو قال: إن ربي - زوى لي الأرض، فأريت مشارق الأرض ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدوًا سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال لي: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها - أو قال: بأقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضًا، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق -قال ابن عيسى: ظاهرين، ثم اتفقا- لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى)].
[ ٧١ / ١٣ ]
قضاء الله لا يرد
قوله ﷺ: (إن الله جل وعلا يقول: يا محمد! إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد)، قال بعضهم: إن هذا القضاء إذا كان قضاءً مبرمًا، وهذا ليس صحيح، فالقضاء الذي يقضيه الله جل وعلا كله لا يرد، كل قضاء يقضيه ليس له راد، فلا راد لما قضى جل وعلا، وكل شيء يقع في الكون قد قضاه الله جل وعلا؛ لأن الله كتب مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ومقادير الأشياء تعم كل شيء ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]، وقد أخبر جل وعلا: أنه ما تسقط من ورقة من شجرة ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب، والكتاب هذا هو الكتاب الذي كتبه جل وعلا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وليس فيه زيادة ولا نقص.
وفي هذا الكتاب أهل الجنة بأسمائهم وأسماء آبائهم وأسماء قبائلهم، وأهل النار كذلك ما يزاد عليهم واحد، ولا ينقص منهم واحد، فكل شيء قد كتب وانتهى ولا يرد ذلك، ثم لا يتصور الإنسان أن معنى هذا أنه مجبر على الشيء، مقهور عليه؛ لأن هذا غيب، والله أمر الخلق بأن يعملوا ويجتهدوا ويحرصوا على الخير، فهم لا يعرفون الكتاب؛ فالإنسان لا يعرف ماذا كتب عليه، ومع ذلك لا يعمل شيئًا إلا وقد كتب، كل شيء يعمله مكتوب لا يمكن أن يخرج عن هذه الكتابة؛ لهذا يقول الرسول ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل).
فأخبر ﷺ أن المؤمن القوي في إرادته وفي عمله أحب إلى الله، وأنه أكثر خيرًا من المؤمن الضعيف الكسلان؛ لأن خيريته في العمل، ثم أرشد ﷺ إلى الشيء الذي ينفع فقال: (احرص على ما ينفعك)، والحرص هو بذل الوسع والاجتهاد بالطلب حتى لا يترك شيئًا، (احرص على ما ينفعك ولا تعجزن) لا تقل: إذا كان المكتوب علي كذا وكذا فلا فائدة، لأن الكتابة حصلت لكل شيء، الأسباب والمسببات كتبت، وأنت أمرت بالعمل، فعليك أن تمتثل الأمر وتجتهد، فإن بذلت السبب واجتهدت ثم لم تتحصل على النتيجة المطلوبة فهنا لا تلوم نفسك، ولا تلوم القدر وتقول: لو أني فعلت كذا وكذا، ولا فائدة في هذا، هذا فيه تحسر، وفيه ميل إلى ما يريده الشيطان، وهو التأفف والحسرة، ثم بعد ذلك يكره الواقع ويبغض ما وقع له، وإنما على الإنسان أن يعلم أن هذا شيء مقدر لا يمكن أن يرد، ولا يمكن أن يقع خلافه ولو عمل أي عمل.
والمقصود: أن الكتابة السابقة لا تنافي العمل ولا تنافي الحرص، فإن كل شيء مكتوب، والله جل وعلا قد علم من هذا المخلوق أنه سيوجد، وسيكون عنده ميل إلى الباطل ومحبة له وبغض للحق، وعدم إرادة له، فكتب ذلك فوقع على وفق كتابته، ويعلم أن هذا المخلوق الآخر عنده حب للحق وكراهية للباطل، وعمل للحق وإرادة له، فكتب ذلك فوقع كما كتب ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]، وقال ﵊: (كل ميسر لما خلق له) يعني: أن العمل الذي يكتسب به الخير يسهل عليه وتتيسر له أسبابه، ومن ذلك الاجتهاد، وإذا اجتهد لا يلوم الإنسان نفسه، بخلاف إذا فرط فإن اللوم عليه؛ ولهذا قال بعض السلف لما ليم بكثرة الاجتهاد: سوف لا أدخر شيئًا من اجتهادي حتى لا أندم إذا ألقيت في النار، فأقول: قد بذلت ما أستطيع، فلا أندم على نفسي، وإن كان في الجنة فلن يضيع الله عمله واجتهاده، وسوف يرفع درجة.
ثم وقت الإنسان قصير، فعلى الإنسان أن يتأمل ما ذكره الله جل وعلا عن الساعة، أخبر أنها كلمح البصر أو هي أقرب، فأخبر جل وعلا عن المجرمين أنهم يقسمون ويحلفون بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة، هل نسوا؟ ما نسوا، هم يعرفون أنهم لبثوا في الدنيا كذا وكذا، ولكن هي كأنها ساعة فقط أو أقل من الساعة كلمح البصر، فلا يجوز أن يذهب هذا الوقت القصير الذي سوف ينسى في اكتساب السيئات والقرب إلى النار، يجب أن يجتهد الإنسان، ويكتسب بهذه السويعات القليلة رضا الله والسعادة الأبدية، ويحرص على ما ينفعه، ولا يعجز كما قال الرسول ﷺ، وهذا الحديث كما يقول ابن القيم: يجب أن يتعلمه كل مسلم وأن يعمل به، فإن كل واحد مضطر إليه ضرورة، (احرص على ما ينفعك ولا تعجزن)، وكل نقص يأتي في الإنسان فهو من عدم العمل بهذا الحديث.
[ ٧١ / ١٤ ]
حديث: (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين)
قال الشارح ﵀: [قوله: وروى أبو داود أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم سبعين عاما قلت: أمما بقى أو مما مضى؟ قال: مما مضى)].
معنى: (تدور رحى الإسلام) أي: دوران الرحى على أهل الإسلام، والرحى إذا دارت تطحن، وطحنها هنا يكون البشر، وهذا من الإخبارات التي أخبر بها الرسول ﷺ قبل وقوعها ووقعت كما أخبر، فدارت الرحى في آخر أيام الصحابة، فقتل فيها خلق كثير جدًا، وهذا عبارة عن الحروب التي وقعت بين أهل الشام وأهل العراق، أهل الشام مع معاوية، وأهل العراق مع علي بن أبي طالب، وما كان قبلها في قتال الجمل وغيرها، فقد اشتغلوا بالقتال بينهم، وتركوا قتال الكفار حتى طمع الكفار في بلادهم، وأخذوا أطراف البلاد بسبب ذلك.
وقوله: (إن يهلكوا فسبيل من هلك وإن يقم لهم الأمر فسبعين سنة) المقصود بقيام الأمر: الأمر الذي كان عليه رسول الله ﷺ، وهذا مثل ما جاء في الحديث الصحيح: (خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته، ويظهر فيهم النفاق والسمن) فالقرون التي مضت كانت في عافية وفي خير، فصارت الفتن في المتأخرين.
وفي الصحيح من حديث أنس أنه قال: (لا يأتي زمان إلا وما بعده شر منه، سمعت ذلك من نبيكم ﷺ) وهذا عام، ولكن ليس معنى ذلك أن الشر يكون في كل فرد، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود النسبة، فإن الشر في المتأخرين نسبته أكثر من نسبته في المتقدمين، حتى يأتي الزمان الذي قبيل قيام الساعة، ولا يعرف أحد الله، ولا يذكر اسمه جل وعلا، ويتهارجون كتهارج الحمر، فهم شرار خلق الله، وعليهم تقوم الساعة.
والساعة عبارة عن نفخ الصور، هذه هي الساعة، ونفخ الصور هو نفختان، النفخة الأولى لهلاك من كان حيًا، وذهاب كل شيء حتى الجبال تصبح كالعهن المنفوش، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧] وتتفطر الأرض وتتصدع، والسماء كذلك، وتسقط النجوم كالمطر، مطر ولكن من نجوم! أهوال هائلة جدًا ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، ثم بعد ذلك ينفخ في الصور نفخة أخرى، فيحيا كل ميت، ويجمعون في هذه الأرض التي بدلت، ومدت مد الأديم حتى تتسع لهم، والملائكة يحيطون بهم، فيبقون قيامًا وقتًا طويلًاَ جدًا لا يتصوره الإنسان، ولا يعقل أن الإنسان يستطيع أن يبقى كذا، ولكن لا يوجد موت، والبعث بعد النفخ في الصور النفخة الثانية، وتستقر كل روح في جسدها بعدما ينبت في قبره، وهذا الاستقرار ما يقبل المفارقة، استقرار للروح واتصال بالبدن اتصالًا ما يقبل المفارقة أصلًا، ما فيه موت أبدًا، وإنما عذاب أبدي دائم أو نعيم سرمدي ما دامت السموات والأرض.
ولهذا يقول الله جل وعلا في أهل العذاب: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] يعني: تأتيه أسباب الموت لو قدر أنه يموت لكن لا يوجد موت، يلقى في جهنم ويصبح وقودًا لها ولا يموت، وإنما يحترق جلده ولحمه ثم يعاد، يحترق ثم يعاد، وهكذا وإذا استغاث من الظمأ يغاث بماء يشوي الوجه، إذا قربه من وجهه ليشربه سقطت فروة وجهه فيه من شدة حراراته، وإذا شربه صار يغلي في بطنه كغلي الحميم، عذاب لا يتصوره الإنسان! لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من هذا العذاب.
هذا الذي ينتظر الإنسان، ولكن هل يعقل الإنسان ذلك ويتصوره؟ لو تصوره كما ينبغي ما يمكن أن يهنأ له عيش أو نوم أو راحة أبدًا، سيكون كما يقول بعض السلف: كيف يهنأ لي نوم والله توعدني بالنار إذا عصيته؟! والله! لو توعدني أن يسجنني في حمام لحق لي أن أبكي وألا أستقر، فكيف وقد توعد أن يسجن العصاة في جهنم؟! ولكن الإنسان ظلوم مع جهله، وهذه حكمة الله جل وعلا.
[ ٧١ / ١٥ ]
حديث: (يتقارب الزمان)
قال الشارح: [(وروى في سننه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قيل: يا رسول الله! أيه هو؟ قال: القتل القتل)].
يعني: في الهرج بأنه القتل، يكثر الهرج، أي: القتل يزداد، وكلما تأخرت الأزمان ازداد ولكنه يكون في جهة، ويكون في جهات متعددة، ويخف مرة هنا، ويكثر هنا، كما هو الواقع، ولا تخلو الأرض من قتال دائمًا، وبعض القتال قد يكون في حق، وبعضه يكون بين أهل الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، ولكن لا بد أن يكثر، والمصيبة أنه في آخر الزمان يقتل الإنسان الآخر وهو لا يدري في أي شيء قتل، ويأتي الإنسان إلى القبر ويتمرغ فيه ويقول: ليتني مكان صاحبه، ليس به الدين، يعني: ليس ذلك من الدين، بل من كثرة الفتن التي يراها ويشاهدها، فيختار أن يموت ولا يكون حيًا.
قال الشارح: [قوله: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) أي: الأمراء والعلماء والعباد، فيحكمون فيهم بغير علم فيضلونهم كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧] وكان بعض هؤلاء يقول لأصحابه: من كان له حاجة فليأت إلى قبري فإني أقضيها له، ولا خير في رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب ونحو هذا].
هذا ذكره الشعراني في طبقاته عن أحد ساداته، يعني: شيوخه، يقول: إنه لما حضره الموت -وهذه مصيبة في الواقع- قال لأصحابه: يا أصحابي! إذا كان لأحدكم حاجة فليأت إلى قبري، وليستغث بي، ويطلب مني الحاجة فإنه لا خير في إنسان يحول بينه وبين أصحابه وقضاء حوائجهم ذراع من تراب.
وهذا شبه الجنون، ليس جهلًا فقط، وذكر عن آخر ويسميه سيدًا، وهو من الصوفية الهالكين الذين يدعون إلى عبادة غير الله، وعندهم سخافة العقل، بل عندهم الجنون الذين يخرجون به عن حد التكليف، يذكر عنه أنه قال: إذا كان يوم القيامة أنصب على جهنم خيمتي، فلا أدع إنسان يدخلها من العارفين بي والمحبين! كيف يكتب هذا في الكتب وينشر على الناس؟ كيف يطبع في المطابع مثل هذه السخافات؟ ومع ذلك يزعم أن هذه كرامة، سخافة إلى النهاية، جهل الجاهلية الأولى ما وصل إلى هذا الحد، جهل أبي جهل ما وصل إلى هذا الحد ولا قريب منه، ومع ذلك يزعمون أن هؤلاء أولياء، وصدقوا فإنهم أولياء ولكن لمن؟ للشيطان، أولياء للشيطان، فإنهم أصبحوا دعاة الشيطان، يدعون إليه، ويضلون كثيرًا من خلق الله جل وعلا.
قال الشارح: [وهذا هو الضلال البعيد، يدعو أصحابه إلى أن يعبدوه من دون الله، ويسألوه ما لا يقدر عليه من قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتها وقد قال تعالى: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج:١٢ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان:٣]، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧]، وأمثال هذا في القرآن كثير، يبين الله تعالى به الهدى من الضلال.
ومن هذا الضرب: من يدعي أنه يصل مع الله إلى حال تسقط فيها عنه التكاليف، ويدعي أن الأولياء يدعون ويستغاث بهم في حياتهم ومماتهم، وأنهم ينفعون ويضرون ويدبرون الأمور على سبيل الكرامة، وأنه يطلع على اللوح المحفوظ، ويعلم أسرار الناس وما في ضمائرهم، ويجوز بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، وإيقادها بالسرج ونحو ذلك من الغلو والإفراط والعبادة لغير الله، فما أكثر هذا الهذيان والكفر والمحادة لله ولكتابه ولرسوله].
ولكن مع الأسف هو هذيان وكفر ومحادة لله ورسوله، ولكن صار له نتائج، فأصبح ما تجده في غالب بلاد المسلمين من هذه المساجد المبنية على القبور، وهذه القبور تقصد للتبرك، وسؤال أصحابها، ودعائهم، والنذر لهم، وهذا جهل فضيع، وهذيان، وكفر، ومحادة لله، والسبب في هذا -ما ذكر في هذا الحديث- الأئمة المضلون، والذين أضلوهم أشباه العلماء، يقال: إنهم علماء، وربما يكون معهم شهادات، ويفتي بعضهم بالمذاهب الأربعة، إذا جاءته مسألة من مسائل الفقه تجده يقول: مذهب الشافعي كذا، ومذهب مالك كذا، ومذهب أبي حنيفة كذا، ومذهب الإمام أحمد كذا، وهو مع ذلك يدعو إلى عبادة القبور! جهل حق الله، وعرف أشياء دقيقة.
وتجده أيضًا يؤلف الكتب، ويذكر الدقائق، ويفسر القرآن ويشرح الحديث في مجلدات، وهو لا يعرف الإخلاص ما هو، ولا يعرف العبادة ما هي، ولا يعرف معنى لا إله إلا الله، فصار من الأئمة المضلين بهذا الفعل، وأكثر ما وقع الضلال بسبب ذلك، أما الملوك والأمراء فإنهم غالبًا يكونون تبع للعلماء، لا يستطيعون أن يرغموا الناس على شيء إلا إذا وافقهم العلماء على ذلك واتفقوا معه، والنادر لا حكم له، ولكن هذا هو الغالب، فالأمر يرجع إلى العلماء، فالأئمة المضلون يتبعهم المنفذون الذين ينفذون الأمر، ويكون ذلك عن رأيهم وعن اجتماعهم وعن مشورتهم.
والعباد أثرهم في هذا أنه يقتدى بهم، يرى الناس أنهم صلحاء، وأنهم زهاد، وأنهم أتقياء، وأنهم أولياء، فيغترون بهم من هذه الناحية، فيقتدى بهم، فيكونون فتنة لكل مفتون، فكل هؤلاء أسباب لما ذكر الرسول ﷺ أنه يخافه على أمته (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)، فهؤلاء هم الذين يضلون.
إذًا: الأئمة منهم أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون، ويقولون بالحق، وأئمة يقولون بالضلال، ويهدون إليه، وهم من دعاة النار، فالإمام اسم لكل من يقتدى به في شيء، سواء كان في حق أو باطل؛ ولهذا أخبر الله جل وعلا أن فرعون ومن معه أئمة الضلال يهدون إلى النار، الرجل قد يكون إمامًا بنفسه كما قال الله جل وعلا عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل:١٢٠] يعني: إمامًا يهتدى به في الحق، ويتبع في ذلك.
[ ٧١ / ١٦ ]
حديث: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)
قال الشارح: [وقوله ﷺ: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) أتى بإنما التي قد تأتي للحصر بيانًا لشدة خوفه على أمته من أئمة الضلال، وما وقع في خلد النبي ﷺ من ذلك إلا لما أطلعه الله عليه من غيبه أنه سيقع نظير ما في الحديث قبله من قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) الحديث وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون) رواه أبو داود الطيالسي، وعن ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) رواه الدارمي.
وقد بين الله تعالى في كتابه صراطه المستقيم الذي هو سبيل المؤمنين، فكل من أحدث حدثًا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ فهو ملعون، وحدثه مردود كما قال ﷺ: (من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا) وقال: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) وهذه أحاديث صحيحة، ومدار أصول الدين وأحكامه على هذه الأحاديث ونحوها].
مدار أصول الدين وأحكامه على هذه الأحاديث؛ لأن الدين مداره على أن يكون الدين كله لله وحده، وأن يكون الدين بما جاء به الرسول ﷺ، فالدين كله ينحصر في هذا، أن يكون خالصًا لله، وأن يكون الدين بما جاء به الرسول ﷺ، فالبدعة والمحدثات ليست من الدين، وإنما فيها تغيير الدين وتبديله؛ ولهذا لعن من فعل ذلك ومن وقع منه ذلك.
قال الشارح: [وقد بين الله تعالى هذا الأصل في مواضع من كتابه العزيز كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٣]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨] ونظائرها في القرآن كثير.
وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر ﵁: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين.
رواه الدارمي.
وقال يزيد بن عمير: كان معاذ بن جبل ﵁ لا يجلس مجلسًا للذكر إلا ويقول: الله حكم قسط: هلك المرتابون، وفيه: فاحذروا زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قلت لـ معاذ: وما يدريني -رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة والمنافق قد يقول كلمة الحق؟ فقال: اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي تقول: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه].
التي تقال: ما هذه؟ أو تقول: ما هذه؟ يعني: أنك تستنكرها.
[التي تقول: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع الحق، وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورًا.
رواه أبو داود وغيره.
قوله: (وإذا وقع السيف لم يرفع إلى يوم القيامة) وكذلك وقع فإن السيف لما وقع بقتل عثمان ﵁ لم يرفع، وكذلك يكون إلى يوم القيامة، ولكن قد يكثر تارة ويقل أخرى، ويكون في جهة ويرتفع عن أخرى.
قوله: (ولا تقوم بالساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين) الحي واحد الأحياء وهي القبائل، وفي رواية أبي داود: (حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين) والمعنى: أنهم يكونون معهم ويرتدون برغبتهم عن أهل الإسلام، ويلحقون بأهل الشرك].
هذا هو الشاهد من الحديث؛ لأن المقصود الرد على الذين يقولون: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، ومن قال: لا إله إلا الله فهو مسلم داخل في شفاعة الرسول ﷺ، وناجٍ من النار، وإن وقع منه ما وقع، فأراد أن يبين أن هذا ضلال، وأنه ليس المقصود من قول (لا إله إلا الله) التلفظ بها، وإنما المقصود اعتقاد معناها والعمل بها، وإلا إذا كان الإنسان يتلفظ بها وهو لا يعرف معناها، بل ويأتي بما يخالف ما دلت عليه، فيكون قوله لها مثل الذي يقولها وهو سكران، أو وهو نائم يهذي، والهذيان لا فائدة فيه.
[وقوله: (حتى تعبد فئام من أمتى الأوثان) الفئام بكسر الفاء مهموز: الجماعات الكبيرة قاله أبو السعادات].
وهذا إخبار بأن جماعة من قبائل الأمة ترتد عن الإسلام، وترغب في دين الكفار، وجماعة أخرى تعبد الأوثان، فكله خلاف ما دعا إليه الرسول ﷺ، وقد أخبر به خلافًا لما يدعيه هؤلاء الضلال.
[وفي رواية أبي داود: (حتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان)، وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عباد القبور الجاحدين لما يقع منهم من الشرك بالله بعبادتهم الأوثان؛ وذلك لجهلهم بحقيقة التوحيد وما يناقضه من الشرك والتنديد، فالتوحيد هو أعظم مطلوب، والشرك هو أعظم الذنوب.
وفي معنى هذا الحديث، ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة) قال: وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية، وروى ابن حبان عن معمر قال: إن عليه الآن بيتًا مبنيًا مغلقًا].
ذو الخلصة عبارة عن صخرات كانت في جبل يأتون إليه، ويتعبدون عنده مثل اللات تمامًا، فهدم زمن النبي ﷺ وأزيل، وأخبر أنه سوف يبعث من جديد، وتطوف عليه النساء وقد وقع ذلك من أزمنة قريبة، ثم أزيل، ويجوز أن يعود مرة أخرى، وكل هذا خلاف ما يقوله هؤلاء.
[ ٧١ / ١٧ ]
عدم جواز إبقاء مواضع الشرك
قال الشارح: [قال العلامة ابن القيم ﵀ في قصة هدم اللات لما أسلمت ثقيف: فيه أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا، وكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، والتي اتخذت أوثانًا تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتبرك والنذر لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة، أو أعظم شركًا عندها وبها، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وغلب الشرك على أكثر النفوس؛ لظهور الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
انتهى ملخصًا.
قال: قلت: فإذا كان هذا في القرن السابع وقبله فما بعده أعظم فسادًا كما هو الواقع].
ذكر بعض المؤرخين من اليمن في القرن الثاني عشر عن اثنين من أهل اليمن أنهما جاءا إلى مكة لطلب العلم، وكان أحدهما أفقه من الآخر، فلما أقبلا على الطائف قال أحدهما لزميله: أهل الطائف لا يعرفون الله، وإنما يعرفون ابن عباس، فقال له زميله: معرفتهم بـ ابن عباس تكفي عن معرفة الله، فـ ابن عباس يعرفهم بالله جل وعلا، ثم ذكر هذا المؤرخ أن القبة التي كانت على قبر ابن عباس هي موضع اللات، ويقول: إنها أعيدت كما كانت في الجاهلية، ثم بعد ذلك أزيلت والحمد لله.
[وقوله: (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي) قال القرطبي: وقد جاء عددهم معينًا في حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: (يكون في أمتي كذابون دجالون سبع وعشرون منهم أربع نسوة) أخرجه أبو نعيم وقال: هذا حديث غريب.
انتهى وحديث ثوبان أصح من هذا].
حديث ثوبان فيه أنهم ثلاثون، وليس فيه أنهم سبع وعشرون، وفيهم أربع نسوة.
[قال القاضي عياض: عد من تنبأ من زمن رسول الله ﷺ إلى الآن ممن اشتهر بذلك، وعرف، واتبعه جماعة على ضلاله؛ فوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا].
لكن هم كثير في الواقع، ولكن ليس المقصود كل من ادعى النبوة؛ لأن بعض من ادعى النبوة قد يكون عن مرض، وقد يكون عن سخافة عقل، وإنما المقصود الذي يدعي النبوة، ويكون له شبه، ويكون له أتباع، ويكون له قوة، هؤلاء هم الذين قصدوا بالحديث.
[ ٧١ / ١٨ ]
من دلائل النبوة
قال الشارح: [وقال الحافظ: وقد ظهر مصداق ذلك في زمن رسول الله ﷺ، فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، وفي خلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح في بني تميم، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي ﷺ، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر ﵁، قتله وحشي قاتل حمزة يوم أحد، وشاركه في قتل مسيلمة يوم اليمامة رجل من الأنصار، وتاب طليحة، ومات على الإسلام في زمن عمر ﵁.
ونقل أن سجاح تابت أيضًا، ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي، وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، وأظهر محبة أهل البيت، ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فتتبعهم فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك وأعان عليه، فأحبه الناس، ثم ادعى النبوة، وزعم أن جبريل ﵇ يأتيه، ومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل، وخرج في خلافة بني العباس جماعة.
وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقًا، فإنهم لا يحصون كثرة؛ لكون غالبهم تنشأ دعوته عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدى له شبهة كمن وصفنا، وقد أهلك الله تعالى من وقع له منهم ذلك وبقي منهم من يلحقه بأصحابه، وآخرهم الدجال الأكبر.
قوله: (وأنا خاتم النبيين) قال الحسن: الخاتم الذي ختم به يعني أنه آخر النبيين كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وإنما ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان حاكمًا بشريعة محمد ﷺ، مصليًا إلى قبلته، فهو كواحد من أمته، بل هو أفضل هذه الأمة، قال النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده! لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية)].
معنى يضع الجزية يعني: أنه لا يقبلها، لا يقبل من الناس إلا الإسلام أو القتل، هذا معنى يضع الجزية، وليس هذا تشريع جديد؛ لأن الرسول ﷺ أخبر به فدل على أنه شرع، فعيسى ﵇ ينزل ويحكم بهذه الشريعة، ويكون من هذه الأمة، فهو أفضلها لأنه نبي، بل هو من أولو العزم من الرسل.
[ ٧١ / ١٩ ]
الطائفة المنصورة
قال الشارح: [قوله: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم) قال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم].
أهل الحديث ليس هم الذين ينقلون الحديث ويحفظونه فقط، بل هم الذين يعملون به، ويفقهونه ويتبعون رسول الله ﷺ، ولو لم يحفظوا، فكل من عمل به واتبعه وسار على نهج الرسول ﷺ فهو من أهل الحديث، يعني من أهل السنة.
[قال ابن المبارك وعلي بن المديني وأحمد بن سنان والبخاري وغيرهم: إنهم أهل الحديث، وعن ابن المديني رواية: هم العرب، واستدل برواية من روى: هم أهل الغرب، وفسر الغرب بالدلو العظيمة؛ لأن العرب هم الذين يستقون بها.
قال النووي: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين: ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض دون بعض منه، ويجوز إخلاء الأرض من بعضهم أولًا بأول إلى ألا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله.
انتهى ملخصًا مع زيادة فيه قاله الحافظ.
قال القرطبي: وفيه دليل على أن الإجماع حجة؛ لأن الأمة إذا اجتمعت فقد دخل فيهم الطائفة المنصورة.
قال المصنف ﵀: وفيه الآية العظيمة: أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، وفيه البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية.
قلت: واحتج به الإمام أحمد على أن الاجتهاد لا ينقطع ما دامت هذه الطائفة موجودة.
قوله: (حتى يأتي أمر الله) الظاهر أن المراد به ما روي من قبض من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا شرار الناس، كما روى الحاكم أن عبد الله بن عمرو قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر أهل الجاهلية، فقال عقبة بن عامر لـ عبد الله: اعلم ما تقول، وأما أنا فسمعت النبي ﷺ يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك، قال عبد الله: ويبعث الله ريحًا ريحها المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة)، وفي صحيح مسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)].
المقصود في قوله: حتى لا يقال في الأرض: الله الله.
يعني: أنه لا يذكر الله ولا يعبد، بل يصبحون لا يعرفون الله، وليس معنى ذلك أن هذه الكلمة مشروعة، أي: الذكر بالاسم المفرد؛ لأن هذا من الباطل ومن البدع، فيجب أن يعرف مراد الرسول ﷺ.
قال الشارح: [وعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة وما أشبهه: (حتى تأتيهم الساعة) ساعتهم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح ذكره الحافظ.
وقد اختلف في محل هذه الطائفة فقال ابن بطال: إنها تكون في بيت المقدس كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة (قيل: يا رسول الله! أين هم؟ قال: في بيت المقدس)، وقال معاذ بن جبل ﵁: هم بالشام.
وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائمًا، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة.
قلت: ويشهد له الواقع، وحال أهل الشام وأهل بيت المقدس، فإنهم من أزمنة طويلة لا يعرف فيهم من قام بهذا الأمر بعد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ وأصحابه في القرن السابع وأول الثامن، فإنهم كانوا في زمانهم على الحق يدعون إليه ويناظرون عليه ويجاهدون فيه، وقد يجيء من أمثالهم بعد بالشام من يقوم مقامهم بالدعوة إلى الحق والتمسك بالسنة، والله على كل شيء قدير].
قوله: (حتى لا يقال في الأرض: الله الله) هذا لا يدل على أن اللفظ المفرد يشرع الذكر به؛ لأنه ليس هذا المقصود، وإنما المقصود أنه لا يكون في الأرض من يعرف الله، إنما يبقى أناس يتهارجون تهارج الحمر، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، أما الذكر بالاسم المفرد مثل الله سواء كان مظهرًا أم مضمرًا، مظهرًا مثل: الله، الرحمن أو مضمرًا مثل هو وما أشبه ذلك، فهذا غير مشروع.
إذًا: الذكر يجب أن يكون بجملة مفيدة، وهذا غير مفيد، والواجب التقيد بما جاء به الشرع مما جاء عن رسول الله ﷺ، فلا يجوز للإنسان أن يخترع شيئًا من عنده سواء وجد عليه طائفة من الناس أو لم يجد عليه.
وقوله: الظاهر أن المراد به ما روي من قبض من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة، هذا جمع بين الأدلة؛ لأن في الحديث أنهم لا يزالون على ذلك حتى تقوم الساعة، وفي الحديث الآخر حتى تهب الريح التي تأتي من قبل اليمن، وتأخذ كل من كان في قلبه إيمان، ويبقى الناس الذين لا إيمان فيهم، فتكون الساعة ساعتهم يعني موتهم الذي قضى الله جل وعلا أنهم يموتون بسبب هذه الريح، فتكون الأدلة مجتمعة بذلك.
وأما مكان هذه الطائفة فكما قال الإمام النووي ﵀: يجوز أن تكون في مكان دون آخر، ويجوز أن يكونون متفرقين في أماكن متعددة، ولا يجب أن يكونوا على طريقة واحدة يعني: عمل واحد، ويجوز أن يكون منهم العلماء ومنهم المجاهدون، ومنهم الدعاة إلى الله، ومنهم الصالحون العباد وغير ذلك، ثم إن كلمة (طائفة) لا يلزم أن يكونوا بكثرة، حيث يكون لهم قوة واستقلال، ما يلزم هذا؛ لأن الطائفة قد تطلق على الواحد، وقد تطلق على الثلاثة، وقد تطلق على الكثرة، فيجوز أنهم يكثرون في وقت، ويقلون في وقت آخر، ويجوز أن يكونوا متنقلين في وقت دون آخر.
أما الآثار التي جاءت إنهم في الشام أو في بيت المقدس فهذا يكون في وقت دون آخر، ولا يلزم أن يكون ذلك دائمًا، وبهذا تجتمع النصوص ويصبح ليس بينها خلاف، وهذا الذي اختاره المحققون وهو الظاهر.
[ومما يؤيد هذا أن أهل الحق والسنة في زمن الأئمة الأربعة، وتوافر العلماء في ذلك الزمان، وقبله وبعده لم يكونوا في محل واحد، بل هم في غالب الأمصار: في الشام منهم أئمة، وفي الحجاز، وفي مصر، وفي العراق، وفي اليمن، وكلهم على الحق يناضلون ويجاهدون أهل البدع، ولهم المصنفات التي صارت أعلامًا لأهل السنة، وحجةً على كل مبتدع].
هذا إذا قصد بالطائفة أنها طائفة منصورة يعني: ظاهرة، فالنصر قد يكون بالحجة والبيان، وقد يكون بالقوة، يعني: السيف والسنان، فأهل البيان والحجة هم العلماء، وأما أهل السيف والسنان فهم الأمراء والولاة، وإذا اجتمع هؤلاء وهؤلاء على الحق يأتي النصر بإذن الله، وينصرهم الله نصرًا متكاملًا، وإلا ستبقى منصورة وقائمة بنوع من الأنواع، ولو أن الإنسان مثلًا قام على الحق وثبت عليه فإنه منصور في نفسه وإن قتل عليه؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا أنه ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
ومن المعلوم أن الله جل وعلا وعده حق، لا يخلف وعده تعالى وتقدس، وإذا أخبر بذلك فلابد منه، وقد علم أن بعض الأنبياء قتل، فهل يكون هذا المقتول مخذولًا؟ كلا، بل هو منصور؛ لأنه تمسك بالحق ومات عليه، فكل من كان متمسكًا بالحق ومات عليه فهو منصور.
ولا يلزم من النصر -كما يتصور بعض الناس- أن يكون له قوة تقهر الآخرين، لا، هذا ليس لازمًا.
قال الشارح: [فعلى هذا: فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تتفرق، وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره، فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ: لا يفيد حصرها بالشام، وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها.
وكل جملة من هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فإن كل ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الحديث وقع كما أخبر ﵌.
وقوله: (﵎) قال ابن القيم ﵀: البركة نوعان: أحدهما: بركة هي فعله، والفعل منها: بارك، ويتعدَّى بنفسه تارةً، وبأداة (على) تارة، وبأداة (في) تارةً، والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل منها كذلك، فكان مباركًا بجعله تعالى.
والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها: تبارك؛ ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له ﷿، فهو سبحانه المبارِك، وعبده ورسوله هو المبارك، كما قال المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم:٣١].
فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارك].
هذا ليس خاصًا بهذه الصفة، فمعظم الصفات هكذا يأتي منها فعل يكون فعله، والفعل قد يكون لازمًا، وقد يكون متعديًا، فإن أفعال الله قد تكون لازمة مثل النزول والاستواء والمجيء، فهذه لازمة، وقد تكون متعدية مثل: الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فالفعل فعله في الإماتة مثلًا أو الحياة.
وأما المحيي: فهو مفعول له في هذا الفعل، وهكذا البركة، إذا بارك الله جل وعلا شيئًا ففعله يضاف إليه، والذي وقعت عليه البركة مفعول له.
أما الصفة التي هي قائمة بالذات فهذه لا تنفك عن الله جل وعلا، ولهذا لا يجوز أن يقال لغيره: تبارك؛ لأن هذا خاص به تعالى وتقدس، فلا يقال: تبارك بكذا كما يقول بعض الناس: تباركوا بكذا ونتبارك بكذا هذا خطأ؛ لأن (تبارك) بهذه الصيغة وبهذا اللفظ لم يأت إلا لله جل وعلا، وإنما يأتي المبارك مباركًا، والبركة التي تقع على المخلوق هي من فعله جل وعلا؛ لأنه ليس هناك شيء يبارك من المخلوقات، وإنما المبارك هو
[ ٧١ / ٢٠ ]