حرم الله السحر في جميع الأديان والشرائع، ويشمل التحريم تعلّمه وتعليمه وصناعته، وكل ذلك موبقة من الموبقات، وكفر بالله جل وعلا؛ لأن الإنسان لا يتعاطى السحر إلا بعد أن يكفر بالله ﷿ ويعبد الشيطان.
وقد قرن النبي ﷺ السحر بالشرك وقتل النفس، وما ذاك إلا لما يترتب عليه من الكفر بالله والإضرار بعباده.
[ ٧٤ / ١ ]
التحذير من السحر والسحرة
[ ٧٤ / ٢ ]
السحر والإيمان لا يجتمعان
قال الشارح ﵀: [قوله: وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] قال ابن عباس: من نصيب.
وقال قتادة: فقد علم أهل الكتاب فيما عهده إليهم: أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.
وقال الحسن: ليس له دين].
معنى (اشتراه) أي: أنه أخذه بدل إيمانه وكفره به.
يعني: اعتاض بالسحر بدل الإيمان، وهذا يدلنا على أنه لا يجتمع السحر والإيمان بما جاءت به الرسل.
قال الشارح ﵀: [فدلت الآية على تحريم السحر، وكذلك هو محرم في جميع أديان الرسل ﵈، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]].
يعني: تحريم السحر وتعلمه وتحريم استعماله وصنعه، فمن تعلمه فإنه يكون كافرًا.
أي: أنه لا يمكن أن يكون ساحرًا إلا بواسطة الشرك وعبادة الشيطان على ما قرر العلماء، وأما استعماله فهو إيمان به، وطلبًا لأذية الخلق.
قال الشارح ﵀: [وقد نص أصحاب أحمد: أنه يكفر بتعلمه وتعليمه.
وروى عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله ﷺ: (من تعلم شيئًا من السحر قليلًا كان أو كثيرًا كان آخر عهده من الله)].
المرسل ضعيف، وليس هذا هو الدليل، بل الدليل ما في الآية وفي الأحاديث الأخرى الصحيحة.
[ ٧٤ / ٣ ]
اختلاف العلماء في كفر الساحر وذكر الأقوال في ذلك
قال الشارح ﵀: [واختلفوا: هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ﵏.
قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر فلا يكفر].
يعني: يكون بأمور طبيعية، وليست موافقة للشياطين.
ومثل هذا أن يعطي للإنسان سمًا يضره، فهذا يترتب عليه الحكم حسب ما يقع، ولا يكون كافرًا.
أما السحر الذي يكون بتعلم السحر وبواسطة الشيطان فإن صاحبه يكفر.
قال الشارح ﵀: [وقال الشافعي: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك؟ فإن وصف ما يوجب الكفر مثلما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تسأل ما يلتمس منها؛ فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر؛ فإن اعتقد إباحته كفر].
هذا خلاف الشافعي.
قالوا: إنه خلاف لفظي؛ وذلك أنه لما قال له: (صف لنا سحرك، فإن ذكر ما يوجب الكفر كفر) فالذين خالفوا وقالوا: إن السحر لا ينفك عن الشرك، ولا يكون إلا بالشرك وبطاعة الشيطان وعبادته، وإذا كان في طاعة الشيطان وعبادته فيكون كافرًا، فيتبين بهذا أنه يتفق معهم.
وإنما يعني: الكلام في حقيقة السحر.
والسحر يطلق على فعل الساحر، ويطلق على الشيء الذي يصنعه الساحر، والشيء الذي يصنعه من الأدوية ومن العقد وغيرها يقال له: سحر، وفعله يقال له: سحر.
فهذا لا يمكن أن يكون إلا من ساحر يكون مشركًا بواسطة الشياطين يعينونه على ذلك.
قال الشارح ﵀: [وقد سماه الله كفرًا بقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٢].
قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]: وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان فعرفا أن السحر من الكفر].
[ ٧٤ / ٤ ]
معنى الجبت والطاغوت
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١].
] سبق بيان معنى الجبت والطاغوت، وأن الجبت: هو السحر كما فسره عمر، وهذا هو سبب ذكر هذه الآية وإعادتها، فهو داخل في الشرك؛ لأنه فسر الجبت بالشرك، وفُسر بالكاهن، وفسر بالذي يعتاض عن شرع الله جل وعلا بغيره.
قال الشارح ﵀: [قال عمر: (الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان) هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم وغيره.
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] تقدم الكلام عليهما في الباب الذي قبل هذا وفيه: أن السحر من الجبت.
قال الشارح ﵀: [وقول جابر: الطواغيت: كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد، هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه مطولًا عن وهب بن منبه قال: (سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها؟ فقال: إن في دهينة واحدًا، وفي أسلم واحدًا، وفي هلال واحدًا، وفي كل حي واحد، وهم كهان كانت تنزل عليهم الشياطين).
قوله: (قال جابر): هو ابن عبد الله بن حرام الأنصاري.
قوله: (الطواغيت كهان)، أراد أن الكهان من الطواغيت، فهو من أفراد المعنى.
قوله: (كان ينزل عليهم الشيطان) أراد الجنس لا الشيطان الذي هو إبليس خاصة، بل تنزل عليهم الشياطين ويخاطبونهم ويخبرونهم بما يسترقون من السمع فيصدقون مرةً ويكذبون مائة.
قوله: (في كل حي واحد): الحي واحد الأحياء وهم القبائل.
أي: في كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه ويسألونه عن الغيب.
وكذلك كان الأمر قبل مبعث النبي ﷺ، فأبطل الله ذلك بالإسلام، وحرست السماء بكثرة الشهب].
[ ٧٤ / ٥ ]
حديث: (اجتنبوا السبع الموبقات)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)].
قوله ﷺ: (اجتنبوا السبع الموبقات).
(اجتنبوا): هذا أمر من الرسول ﷺ لاجتناب السبع الموبقات.
ومعنى (اجتنبوا): ابتعدوا عنها، وهذا الأمر أبلغ من قولك: (لا تقرب أو لا تفعل)، بل اجعلها بعيدًا عنك، وأنت عنها في جانب، وهذا يدل على عظم هذه الأفعال.
قوله: (السبع): معروف أن الألف واللام إذا دخلت على الاسم فإنها تجعله معهودًا معروفًا، ولكنه هنا غير مقصود، وإنما المقصود ما ذكر، ثم إن المذكور بالعدد غير مراد كما سيأتي.
(الموبقات): الموبق: هو المهلك، ومعنى: أنه موبق: أنه يجعل فاعله هالكًا بعذاب الله جل وعلا، والذي يفعل ذلك يكون هالكًا.
[ ٧٤ / ٦ ]
الشرك بالله
أولًا: (الشرك)، الشرك هو أعظمها، ولهذا بدأ به، والشرك: هو أن تجعل شيئًا من العبادة الواجبة لله لمخلوق من المخلوقات، والعبادة كثيرة جدًا، وكل ما جاء به الرسول ﷺ وجوبًا أو استحبابًا فإنه عبادة، وكل أمر أمر به على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب فإنه عبادة، وكذلك كل ما نهى عنه تحريمًا أو كراهة فاجتنابه عبادة وتركه عبادة، فلا يترك الإنسان شيئًا من ذلك لأجل مخلوق، فإنه إذا ترك شيئًا من ذلك لأجل مخلوق يكون واقعًا في الشرك.
وكما أنه لا يفعل شيئًا من الواجبات أو المستحبات من أجل مخلوق فلا يتركه لمخلوق، فإنه إذا فعل ذلك يكون واقعًا في الشرك.
ثم الشرك يتفاوت ونحن منذ بدأنا في هذا الكتاب إلى النهاية نتكلم وسنتكلم في أنواع الشرك، وما يجب أن يفعله الإنسان؛ لأن كتاب التوحيد يذكر الواجب ويذكر الشيء الذي يكون مضادًا له، فالشرك ضد التوحيد، وكذلك ما ينقصه أو يذهب بكماله، فإنه أيضًا يكون واجب الاجتناب.
وقد سبق تعريف الإخلاص، وهو تحقيق التوحيد، وسبق أن تحقيق التوحيد بأن تكون إرادة الإنسان خالصة لله، متجهًا بها إلى الله، وأن يجتنب أيضًا الذنوب والبدع، أما إذا وقع في الذنوب والبدع فإنه لم يحقق توحيده؛ وذلك أن الذنوب والبدع تنقص التوحيد.
فالشرك قد أخبر الله جل وعلا أنه لا يغفر لصحابه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وهذا لمن يموت عليه، فالذي يموت على الشرك لا يغفر له، أما التائب فإن التوبة إذا كانت صادقة تمحو كل الذنوب، وتجب ما قبلها، سواءً كان الذنب شركًا وكفرًا أو غير ذلك من سائر الذنوب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له بشرط أن تكون التوبة نصوحًا، وهي واجبة على كل العباد، ومن لم يتب فهو ظالم قد ترك أمر الله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨] فأمر بالتوبة النصوح، وهذا تكرر في القرآن في عدة مواطن.
والرسول ﷺ أمر بالتوبة وحث عليها، فدل ذلك على أن التوبة واجبة متعينة من كل ذنب، وإذا وفق الله جل وعلا عبده وتاب قبل أن يموت توبةً نصوحًا؛ فهو من أهل الجنة، بل يكون من السابقين إليها، أما إذا مات على شرك وكفر فإنه من أهل النار قطعًا بلا تردد والجنة عليه حرام.
وأما الذنوب الأخرى مع وجود أصل الإسلام ولو كانت من الكبائر فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه بلا عقاب، وإن شاء عاقبه، وعقابه متنوع أوله: الموت ثم ما يتصل به في القبر، ثم ما يتصل بالقبر من النشر والحساب وكرباته، ثم بعد ذلك النار وعذاب النار يتفاوت، فمنهم من يبقى وقتًا قليلًا ثم يخرج، ومنهم من تطول مدته ولكنه في النهاية إذا كان معه أصل الإسلام لابد أن يخرج منها إلى الجنة، ولا يبقى فيها إلا الكفار المشركون، والكفر والشرك أنواع وأقسام، ولكن النتيجة واحدة.
وقوله: (اجتنبوا السبع الموبقات) يدلنا على أن الموبق يتفاوت، وأنه ليس المقصود في قوله: (السبع الموبقات) الكبائر، وإنما المقصود: كل موبق.
وعندما عد الشرك، فليس كالكبيرة التي يقول العلماء فيها: إن مرتكب الكبيرة لا يكون كافرًا، فليس هذا مرادهم؛ لأن الشرك يخرج من الدين الإسلامي باتفاق، أما إذا كان كافرًا أصلًا ولم يدخل في الدين فيجب عليه أن يؤمن أولًا، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ حتى يكون مسلمًا، أما قبل ذلك فهو ليس بمسلم.
وليس المراد بالشهادتين: النطق بهما فقط، بل لابد مع النطق أن يعتقد المعنى الذي دلت عليه الشهادتان، ويجب أن يعتقده ويعمل به، وإلا فمجرد النطق مع الاستمرار على الشرك لا يفيد؛ لأن الشهادة وضعت لإبطال الشرك، ومن كان يقولها وهو يفعل الشرك فقوله لغو لا فائدة فيه.
إذًا: الموبق الأول: الشرك بالله.
[ ٧٤ / ٧ ]
السحر
(السحر)، هذا الشاهد من الحديث: أنه جعل السحر قرينًا للشرك، وقد سبق أن الساحر لا ينفك عن الشرك، وإنما هو أخص من الشرك، فهو شرك خاص لعمل خاص؛ وذلك لأنه يعبد الشيطان حينما يطلب منه السحر، والشيطان لا يؤتيه مطلوبه إلا إذا عبده، وعبادته، أن يطيعه فيما يأمره به، سواءً أمره أن يذبح، أو أمره أن يفعل فعلًا منكرًا مخالفًا للشرع، فامتثال أمره عبادة له، ولابد أنه يطيعه ولو لم يطعه ما فعل الشيطان له شيئًا، فالسحر موبق ومهلك، وقد كثر السحر وللأسف في المسلمين الذين يدعون الإسلام؛ وذلك لجهلهم بدين الإسلام؛ أو لأنهم لا يهتمون بالدين أصلًا، وإنما همهم أن يتحصلوا على الدنيا بأي طريقة كانت، ولو بطرق خبيثة مضرة بالناس، فهذا مقصودهم، فصاروا به عبادًا للدنيا بعد عبادتهم للشيطان، بل إن عبادة الشيطان وسيلة لعبادة الدنيا، وحصولهم على المقصود؛ ولذلك فليعلم أن السحر كفر بالله جل وعلا؛ لأنه يشتمل على الشرك، وقد دل كتاب الله جل وعلا على ذلك، كما قال جل وعلا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] فقوله: (فَلا تَكْفُرْ): يدل على أن تعلم السحر كفر، وكذلك بقية الآية فيها دلائل على أن السحر كفر.
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] هذا أيضًا يدل على كفره، والذي ليس له في الآخرة من خلاق هو الكافر الهالك.
يعني: ليس له نصيب في الآخرة بل نصيبه النار.
ومعنى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ) أي: من تعلمه وفعله، فالذي يتعلمه ويفعله هو المشتري له.
ومن المعلوم أن الدنيا قليلة جدًا، وأنها سوف تزول عن قرب كطرف العين؛ لأن الواقع أن الدنيا هي ما أنت فيه، أما ما مضى وما هو آتٍ فليس لك، وكأنه عدم.
اعلم أن الدنيا عمرك، فإذا انتهى عمرك وختم لك على عمل انتهت الدنيا بالنسبة لك، فالإنسان إذا كان ساحرًا، فهو خاسر هالك موبق، قد خسر خسارةً لا يربح بعدها أبدًا، ولا يمكن أن يستدرك هذا، لا بأثمان ولا بأشخاص ولا بغير ذلك، انتهت القضية، وأصبح ما تحصّل عليه وبالًا وحسرة ومضرة، وقد زالت متعته وكأن لم تكن.
ومن المعلوم أن العاقل يبحث عن الراحة وإزالة العذاب، وذلك لا يتأتى للإنسان إلا بطاعة الله جل وعلا فقط، ولا يوجد طريق غير هذا، وهذا أمر مؤكد بلا أدنى ريب وتردد، فالذي يرتكب شيئًا من هذه الأمور يعيش في هم ونكد وعاقبته خسارة.
[ ٧٤ / ٨ ]
قتل النفس
ثالثًا: (قتل النفس)، بعد السحر جاء بقتل النفس بغير حق، والمقصود بالنفس: النفس المعصومة، وقتلها من أعظم الجرائم، وقد جاءت أحاديث كثيرة مع آيات في كتاب الله تدل على عظم ذلك، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] أي: وعيد فوق هذا؟ وفي الحديث: (لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل مسلم بغير حق -أو قال: مؤمن- لأكبهم الله جل وعلا في النار)، وفي الحديث الآخر: (كل ذنب عسى الله أن يعفو عنه إلا الرجل يلقى الله مشركًا أو بدم حرام) فقرن الدم الحرام بالشرك.
ويقول النبي ﷺ: (لا يزال الإنسان في فسحة حتى يصيب دمًا حرامًا).
وكذا ورد الترهيب في أحاديث كثيرة جدًا، فهو أعظم الجرائم وأكبرها، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء، كما جاء في الحديث الذي في السنن: (يأتي المقتول يحمل رأسه، ويمسك القاتل بيده، ويقول: يا رب! اسأل هذا فيم قتلني؟) فهو الآن وصل إلى حكم عدل يقضي بالحق جل وعلا، ولا يفوت حق لمقتول أبدًا.
وهذا في قتل النفس بغير حق، وقوله: (بغير حق) يخرج بذلك القتل بحق كالقاتل فإنه يقتل قصاصًا، والزاني المحصن فإنه يقتل بالرجم بالحجارة حتى يموت، وهذا قتل بحق، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) (المفارق) يعني: المرتد وهنا يقتل، هؤلاء ثلاثة يقتلون: الثيب المحصن (الزاني المحصن)، وإذا قتل نفسًا بغير حق فإنه يقتل بها، وإذا فارق دينه فإنه يقتل، وهذا قتله بحق، ومن قتله لا يكون آثمًا، بل يكون مأجورًا، ولكن الذي يقتل هؤلاء هو ولي الأمر الذي يأمر بقتلهم أو يقتلهم، وليس أحد الناس.
[ ٧٤ / ٩ ]
أكل الربا
رابعًا: (أكل الربا)، الربا: مأخوذ من الزيادة.
تقول ربا الشيء: إذا زاد، وهو المال الزائد على المشروع، فكل زيادة بالدراهم أو بالذهب أو بالبر أو بالشعير أو بالتمر -الأصناف التي ذكرها رسول الله ﷺ- فالزائد فيها ربا، والربا أمره عظيم جدًا، فإن الله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] فقوله: (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ): يدل على أن الإيمان شرط في اجتناب الربا، ومن أكل الربا فإن الإيمان منتف عنه.
ثم قال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا): يعني: تجتنبوا.
(فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) فإنكم حرب لله ولرسوله، من الذي يحارب الله ورسوله؟ وهل يستطيع الناس أن يحاربوا الله؟ فأكل الربا هو حرب لله، وآكله محارب لله ولرسوله، ودرهم من الربا كما جاء في الحديث أعظم من سبعين زنية، وآكل الربا يعذب في قبره قبل الآخرة؛ فإن من أسباب عذاب القبر: أكل الربا، وكما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (أنه رأى أكلة الربا يسبحون في أنهار شبه الدم، ويلقمون حجارة وبطونهم كبيرة)، وإذا قاموا من قبورهم كأنهم مجانين، يقوم أحدهم ويسقط مثل الذي يتخبطه الشيطان من المس كأنه مجنون، وتكون بطونهم كالبيوت لا يستطيع أن يحمل بطنه كلما قام يسقطه بطنه على الأرض، ثم بعد ذلك يدخل النار نسأل الله العافية.
يقول العلماء: أكل الربا سبب في سوء الخاتمة، وكل من يتعاطاه غالبًا تكون خاتمته سيئة، وهذا أمر يخاف منه جدًا؛ لأن الذنوب وإن كانت كبيرة يرجى أن يتوب الإنسان منها، ولكن مثل هذا يخاف ألا يوفق للتوبة.
[ ٧٤ / ١٠ ]
أكل مال اليتيم
خامسًا: (أكل مال اليتيم)، وأكل مال اليتيم جريمة كبرى؛ وذلك لأنه يدل على خسة آكل مال اليتيم؛ لأن هذا ضعيف، والضعيف ليس له من يحميه ويدافع عنه غالبًا، فلهذا توعد الله جل وعلا آكل ماله بالنار، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، فآكل مال اليتيم متوعد بأنه يصلى سعيرًا، وقد جاءت النصوص الكثيرة تبين حرمة ذلك.
[ ٧٤ / ١١ ]
الفرار من الزحف
سادسًا: (الفرار من الزحف)، والزحف: هو ملاقاة العدو مواجهة، وسمي زحفًا؛ لأنهم يمشون ببطء وبشدة، فمن فر عند الملاقاة فإنه متوعد بالنار، وذلك أن فراره يدل على خوفه من الكفار، وشدة تعلقه بالدنيا؛ إذا لم يكن متحرفًا لقتال ولا متحيزًا إلى فئة أخرى من فئات المسلمين.
يعني: فر وهو لا يريد الفرار، بل يريد الاستعداد للكر عليهم من جانب آخر.
فهذا لا يسمى فرارًا، بل هذا متحرف لقتال، والمتحيز إلى فئة هو الذي ينحاز إلى جانب آخر من صفوف المسلمين.
أما إذا فر راغبًا بنفسه عن ملاقاة العدو فإنه متوعد بالنار، وهذه جريمة من الكبائر الموبقة.
[ ٧٤ / ١٢ ]
قذف المحصنات
سابعًا: (قذف المحصنات المؤمنات الغافلات)، المحصنة المراد بها: التي حصنت فرجها عن الفجور، والقذف في الأصل: الرمي، وقذفها بالفجور ادعاء أنها فعلت الفاحشة، وهذا بهت عظيم، والبهت أشد من الظلم، فمن فعله فإنه قد أوبق نفسه.
[ ٧٤ / ١٣ ]
الذنوب: صغائر وكبائر
هذه السبع التي ذكرت في هذا الحديث هل هي الموبقات فقط أم أن هناك موبقات أخرى؟ ثم هل هذا الحديث يدل على أن الذنوب منها موبق مهلك ومنها غير موبق أو لا يدل على ذلك؟
الجواب
اختلف العلماء في الذنوب، فمنهم من قال كما في ظاهر هذا الحديث: هناك ذنوب كبيرة تهلك صاحبها، وهناك ذنوب صغيرة أقل منها، ومنهم من قال: كل ذنب عصي الله به فهو كبير بالنظر إلى الآمر، فإنه وإن كان الذنب صغيرًا فقد خالف أمره وارتكب نهيه، ومن وقعت منه مخالفة الله فإنه وقع في موبق؛ نظرًا لعظم الله جل وعلا، وهذا روي عن ابن عباس وغيره من السلف، وهو قول أبي الطيب الباقلاني وأبي إسحاق الاسفراييني وغيرهما من العلماء.
ولكن التحقيق أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: كبائر وصغائر بدليل قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢].
والرسول ﷺ يقول: (الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أن الذنوب منها كبائر وصغائر، فإذا كان الأمر هكذا فينبغي التمييز بين الكبائر والصغائر.
ما الذي يميز بين الكبيرة والصغير وبأي شيء نعرف أن هذه كبيرة وهذه صغيرة؟ هذا أيضًا فيه اختلاف كثير بين العلماء، وبعض العلماء يذهب إلى العدد كما في هذا الحديث، فعدد الكبائر، وهذا يتوقف على ورودها في الكتاب والسنة، ومنهم من أتى بضوابط تضبط وتميز بين هذا وهذا.
[ ٧٤ / ١٤ ]
من أنواع الكبائر
ورد في الكتاب والسنة الصحيحة غير هذه السبع، فمن الكبائر:
[ ٧٤ / ١٥ ]
عقوق الوالدين
أولًا: عقوق الوالدين، وقد جاء أنه من أكبر الكبائر كما في الصحيحين: (من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل أباه، قيل: كيف يلعن الرجل أباه؟ قال: يشتم أبا الرجل فيشتم أباه، ويشتم أمه فيشتم أمه) يعني: أن يكون سببًا للعن أبيه وأمه، وهذا إذا كان سببًا في لعنهما فكيف إذا لعنهما مباشرة؟ وللأسف فإنه يوجد في المسلمين من الأبناء التي تربوا في الشوارع والمقاهي وما أشبه ذلك من مجامع الفساد يلعنون آباءهم، وصار أحدهم أكره ما لديه والديه، وصار عند والديه شبه السبع، وتجده على أمه أشد، فإذا تكلمت انتهرها أو هددها وربما ضربها، وكذلك إن استطاع ذلك مع أبيه فعل، وهذا بلا شك يكون فاقدًا للتربية مع فقده الإيمان بالله جل وعلا.
[ ٧٤ / ١٦ ]
شهادة الزور
ثانيًا: شهادة الزور، فإنه ﷺ قال: (ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قال الصحابة: ليته يسكت) لما وصل إلى قول الزور وشهادة الزور غضب وصار يكررها؛ وذلك يدل على أنها تكثر في الناس، وهذا من إنذاراته صلوات الله وسلامه عليه وبلاغه، وقد كثرت وللأسف شهادة الزور في أوساط المسلمين، وقول الزور هو كل باطل، فإذا قاله الإنسان وتبناه أو دافع عنه أو ناصره فإنه قول زور.
وأما الشهادة فهي أخص من ذلك، شهادة الزور: أن يشهد على شيء وهو يعلم أنه فيه كاذب، وهذه هي شهادة الزور، ويشهد مقابل منفعة مال أو مقابل أن المشهود له صديق له أو ما أشبه ذلك، فإذا شهد بذلك فقد شهد بالزور، نسأل الله العافية.
[ ٧٤ / ١٧ ]
اليمين الغموس
ثالثًا: اليمين الغموس من الكبائر، وهو قريب من شهادة الزور، وهو أن يحلف الإنسان على شيء وهو يعلم أنه كاذب وسمي: غموسًا؛ لأنه يغمس صاحبه في الإثم أو في النار، نسأل الله العافية.
[ ٧٤ / ١٨ ]
الزنا
رابعًا: الزنا، فقد جاء في كتاب الله التحذير منه، وأخبرنا جل وعلا: أنه فاحشة وساء سبيلًا، وأنه ليس من شأن المؤمنين.
[ ٧٤ / ١٩ ]
اللواط
خامسًا: عمل قوم لوط، وهو أخبث من الزنا، ولهذا عذب الله جل وعلا أصحابه بأن حملوا ثم نكسوا على رءوسهم ثم أتبعوا بحجارةً.
ويقول جل وعلا: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] ويفسرها العلماء: ما هي من ظالمي هذه الأمة الذين يفعلون هذا الفعل، فهي ليست بعيدة منهم بل هي قريبة.
وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (أنه يكون في هذه الأمة خسف ومسخ) يعني: رجم، ومسخيعني: يمسخون قردة وخنازير، ويرجمون من السماء بالحجارة إذا فعلوا كما فعل أولئك الذي نكس الله فطرهم؛ لأن هذا أمر قبيح، تنفر منه الطبائع السليمة وتستقذره.
كيف يتركون النساء التي خلقها الله جل وعلا لهم، ويذهبون إلى الحشوش الخبيثة المنتنة؟ ولهذا يقول عبد الملك بن مروان: والله لو لم يذكره الله جل وعلا في القرآن ما صدقت أن رجلًا يأتي رجلًا؛ لقبح ذلك، ولكن هذا ليس عند كل أحد، فبعض الناس شبه البهيمة، بل البهائم أحسن حالًا منه، فلا يمكن أن بهيمة تأتي بهيمة، أي: ذكرًا منها يأتي ذكرًا، لا يمكن هذا إلا في نوع واحد وهو الحمار فقط، فهو الذي ينزل بعضه على بعض؛ لأنه من أبلد البهائم وأخسها، أما بقية البهائم فلا يمكن أن تجد ذكرًا من البهائم يعلو ذكرًا، وهذا الإنسان الذي أخبر الله جل وعلا أنه خلقه في أحسن تصوير قال عنه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥].
(أسفل سافلين): أول السفول: الأخلاق السيئة المنتكسة، أن تنتكس أخلاقه وفطرته وأعماله، ثم بعد ذلك يسفل ولا يزال يسفل ويستمر في السفول إلى أن يستقر في أسفل سافلين في جهنم، وجهنم هي أسفل سافلين.
[ ٧٤ / ٢٠ ]
إتيان المرأة في الدبر
سادسًا: إتيان المرأة في دبرها، جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أن من أتى امرأةً في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ) فهو أيضًا من الكبائر.
[ ٧٤ / ٢١ ]
ضابط الكبيرة
الكبائر كثيرة جدًا، ولو ذهبنا إلى تعدادها لطال بنا الوقت، وإنما نذكر الضوابط التي ذكرها العلماء.
الضابط الأول: فمن العلماء من يقول: كل ذنب توعد عليه بالنار، أو قيل لفاعله: (ليس منا)، أو رتب عليه حد في الدنيا، أو لعن فاعله، فإنه يكون كبيرة، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من غشنا فليس منا).
أو رتب عليه حد في الدنيا كحد الخمر والزنا، أو لعن فاعله كالربا، أو ذكر بالغضب وأنه مغضوب عليه وما أشبه ذلك.
وهذا من الضوابط المشهورة.
الضابط الثاني: كل ذنب ترتب عليه استهانة بأمر الله جل وعلا فإنه يكون كبيرة، وهذا أعم من الضابط الأول؛ لأنه هذا يجعل الأشياء الصغائر كبائر.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (ليس مع التوبة كبيرة كما أنه ليس مع الإصرار صغيرة) يعني: أن الإصرار على الصغيرة يكون كبيرة؛ ولذلك على الإنسان أن ينظر في نفسه ويحاسب نفسه ويراقبها عسى ألا يكون مرتكبًا لكبيرة.
[ ٧٤ / ٢٢ ]
شرح قول ابن عباس: (هي إلى السبعمائة أقرب)
قال الشارح ﵀: [قوله عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) كذا أورده المصنف غير معزو، وقد رواه البخاري ومسلم.
قوله: (اجتنبوا) أي: ابعدوا، وهو أبلغ من قوله: دعوا واتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١].
قوله: (الموبقات) بموحدة وقاف أي: المهلكات.
وسميت هذه موبقات؛ لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليه من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب.
وفي حديث ابن عمر عند البخاري في الأدب المفرد، والطبري في التفسير، وعبد الرزاق مرفوعًا وموقوفًا، قال: (الكبائر تسع -وذكر السبعة المذكورة- وزاد: والإلحاد في الحرم، وعقوق الوالدين).
] الواقع أن العدد غير مقصود، ولا مفهوم للعدد لا للسبع ولا للتسع، ولهذا روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (هن إلى سبعمائة أقرب منهن إلى السبع)، وقد عد العلماء منها ما أوصلوه إلى سبعمائة، وقد يزيد على هذا أو ينقص حسب التتبع والنظر.
ومن المعلوم أن الأفعال تنقسم إلى: أفعال جوارح، وأفعال قلوب، وأفعال القلوب فيها كبائر، كما أن أفعال الجوارح فيها كبائر، فمثلًا: الحسد، وسوء الظن بالله -نسأل الله العافية- والتسخط على القدر وما أشبه ذلك من كبائر القلوب، وقد تكون أشد من كبائر الجوارح والأفعال.
إذًا: المقصود: أن الحصر بهذا العدد غير مراد، وإنما يقصد شيء معين يذكر لمناسبة المقام لذلك.
[ ٧٤ / ٢٣ ]
من الكبائر: الإلحاد في الحرم ونكث الصفقة
قال الشارح: [ولـ ابن أبي حاتم عن علي قال: (الكبائر -فذكر تسعة إلا مال اليتيم- وزاد: العقوق، والتعرب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة)].
الإلحاد في الحرم: هو ارتكاب الإثم والمعصية التي تتعلق بأمر الله جل وعلا ونهيه.
وأما نكث الصفقة: فهي إخلاف العهد الذي عقد بينه وبين آخر، ولو كان في أمور بيع أو غيرها ثم ينقضها عامدًا قاصدًا بغير رضا الآخر، وأعظم ذلك: العهود التي تبرم بين الجماعات أو مع إمام بأن يعطى صفقةً ثم يخالف ويناقض في ذلك، فإن هذا من أعظمها.
وأما الأمور الأخرى التي تكون بين الأفراد فهي تختلف باختلاف المفاسد التي تترتب عليها، ومعلوم أن حق الإنسان على الآخر ممنوع محرم إلا بطيبة نفس منه، وكل مال المسلم على المسلم حرام إلا بطيبة نفس منه، ولهذا جاء في الصحيح: (أن من أكل مال مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان) وجاء (من اقتطع حق مسلم ظلمًا لقي الله وهو عليه غضبان، قيل: وإن كان شيئًا قليلًا؟ قال: وإن كان قضيبًا من أراك) يعني: وإن كان سواكًا، فهذا مبني على الاستقصاء، والظلم حرمه الله جل وعلا.
أما التعرب فمعناه: أن المهاجر إذا هاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام فإنه لا يترك موطنه ويذهب أعرابيًا في الصحراء.
هذا ممنوع، وهو ليس على إطلاقه فقد جاء ما يدل على جواز ذلك في حالات منها: إذا كثرت الفتن، فإنه جاء في الحديث: (إن خير مال المرء المسلم إذا كثرت الفتن غنم يتتبع بها شعب الجبال يفر بدينه من الفتن) إذا كان هذا المقصود، ولم يكن عند المسلمين اجتماع على الحق وجهاد في سبيل الله، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وإنما صار كل امرء معجب بنفسه، وكل إنسان تبع رأيه، وكثرت الفتن التي قد يقع فيها الإنسان صباح مساء، فهنا إذا ترك الناس وفر بدينه وأصبح أعرابيًا كان أسلم له، وقد جاء الإذن في ذلك في هذه الحالة.
وأما إذا كان أمر المسلمين قائمًا ومجتمعًا فإن التعرب فيه الجفاء وعدم إقامة الجماعات والتعاون معهم والقيام بأمر الله جل وعلا في كل ما أمر به.
ومن المعلوم أن الله أمر المسلمين أن يجتمعوا، ويعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا، فالمقصود كون الإنسان يبقى معهم ولا يتعرب إلا لأمر ضروري.
[ ٧٤ / ٢٤ ]
الحكمة من الاقتصار على ذكر سبع من الكبائر
قال الشارح ﵀: [قال الحافظ: ويُحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع.
فيجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة وهو ضعيف، أو بأنه أعلم أولًا بالمذكورات ثم أعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة إلى السائل.
].
الجواب
الثالث هو الظاهر والله أعلم، أنه وقع بحسب حاجة السامع إلى ذلك؛ ولهذا اختلفت الأحاديث في عدد الكبائر، فمرةً يأتي بها بأنواع، وفي مقام آخر يأتي بغيرها؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه يلاحظ السامعين فيذكر ما يحتاجون إليه.
قال الشارح ﵀: [وقد أخرج الطبراني وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له: الكبائر سبع، قال: (هن أكثر من سبع وسبع).
وفي رواية: (هي إلى السبعين أقرب)، وفي رواية: (إلى السبعمائة)].
قد كتب العلماء في الكبائر الكتب، ومن أجمعها الزواجر لـ ابن حجر الهيتمي سماه: الزواجر عن اقتراف الكبائر، والإمام الذهبي له كتابان فيها، كتاب كبير وكتاب صغير، أحدهما كتبه لطلبة العلم والآخر المشهور المتداول كتبه لعامة المسلمين، وبناه على الوعظ والزجر؛ ولهذا ذكر فيه أحاديث ضعيفة وحكايات لا يعتمد عليها؛ وذلك لأن المواعظ يتساهل فيها أكثر من غيرها؛ لأنه قد يذكر حكاية يكون فيها من التأثير أكثر من تأثير آية لو تليت على بعض العوام، وكذلك ابن القيم له كتاب الكبائر وهو أصل كتاب ابن حجر الهيتمي.
وكذلك السخاوي صاحب الإقناع له كتاب في الكبائر، وغيرها من الكتب.
ومن أسهل الكتب في هذا: (تنبيه الغافلين) للنحاس؛ فإنه عد جملةً كبيرة منها، وبين حكمها في كتابه (تنبيه الغافلين).
إذًا: هي أكثر من سبع وسبع وأكثر من سبعمائة.
أي: أن العدد غير مقصود، وهذا مراد المصنف من إيراد هذا.
[ ٧٤ / ٢٥ ]