محبة الرسول ﷺ من الإيمان، والناس يتفاوتون في الإيمان بحسب حبهم لله ورسوله، واتباعهم لكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ، وللإيمان حلاوة، ولا يذوق العبد طعمه حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
[ ٨٥ / ١ ]
آية التهديد والوعيد لمن قدم محبة الدنيا على محبة الله ورسوله
[قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤]].
هذه الآيات من آخر ما نزل من القرآن، وهي خطاب للصحابة في آخر حياة النبي ﷺ أمر الله جل وعلا رسوله أن يقول لهم: إن كانت هذه الثمانية الأشياء المذكورة في الآية، أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيل الله (فتربصوا): انتظروا حتى يحل بكم العذاب، فهو تهديد ووعيد لمن كانت الدنيا بما فيها من الأقرباء والآباء والأبناء والأزواج والأموال والمساكن والتجارات، أحب إليه من الله ورسوله، ومن الجهاد في سبيله، وهذا فاسق لقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، لأنه من كان بهذه الصفة فهو من الفاسقين، والفاسق هو الذي خرج عن طاعة الله جل وعلا إلى المعصية.
فهذا يدلنا على وجوب تقديم محبة الله جل وعلا ومحبة رسوله ﷺ ومحبة الجهاد في سبيله على الآباء، والأبناء، والأزواج، والأموال، والمساكن الحسنة الجميلة، والمراكب، والتجارات وغيرها من أمور الدنيا، يجب على العبد أن تكون هذه أمام محبة الله، ومحبة رسوله ﷺ، ومحبة الجهاد في سبيله؛ مبذولة في هذا السبيل، لا تحول بين الإنسان وبين ذلك، فإن كان يختارها فهو من الفاسقين.
وجاء في الحديث بمعنى هذه الآية، وهو قوله ﷺ: (إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه منكم حتى تراجعوا دينكم)، لأن اتباع الدنيا ومحبتها وتقديمها لا يجتمع مع محبة الله ومحبة رسوله، والجهاد في سبيله، والمقصود بالدنيا أن ينتفع بها الإنسان، وأن تكون الدنيا في طاعة الله جل وعلا، يكتسب الإنسان بها مرضاة الله، أما إذا كان الأمر بالعكس فهي وبال وشقاء وعذاب، يزداد بها الإنسان عذابًا، وعن قريب يتركها لمن يأكلها، ولا يحمده، بل قد يكون حسرة عليه؛ لأنه يتقوى بها على المعاصي، ويكون عليه كفل من الذنوب والعذاب، لأنه هو السبب في جمعها.
وقوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُم﴾ [التوبة:٢٤]، إلى آخر الآية وعيد من الله جل وعلا لمن كانت هذه صفته، ثم الله يتهدده ويتوعده بعذاب يأتيه في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا قال في آخرها (فتربصوا) يعني انتظروا ماذا يحل بكم من العذاب؟ ثم قال جل وعلا: (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) يعني: من كانت هذه صفته فهو فاسق، فتبين بهذا البيان الواضح وجوب تقديم محبة الله ومحبة رسوله ﷺ، ومحبة طاعته -ومنها الجهاد في سبيله- على الآباء والأبناء والزوجات والمساكن الحسنة الجميلة، والتجارات التي يخشى الإنسان كسادها، يعني: أنها تكون تجارة متهيئة مطلوبة، فيها الربح الكثير.
فإذا كانت هذه الأمور كلها أحب إلى الإنسان من الله، ومن رسوله، ومن الجهاد في سبيله؛ فهو من العصاة الذين يستحقون الوعيد.
فهذا أمر واضح وجلي، فهو كلام الله جل وعلا، وقلنا: إن هذا من آخر ما نزل ليتبين أن الصحابة رضوان الله عليهم لما كان عندهم شيء من ذلك نبههم الله جل وعلا على هذا الأمر حتى لا تكون الدنيا مائلة لهم عن محبة الله أو محبة رسوله أو مشغلة لقلوبهم عن ذلك وعن الجهاد في سبيله.
ولهذا فإنهم رضوان الله عليهم خشوا من ذلك، وصاروا يجاهدون في سبيل الله، وما جلس في المدينة منهم إلا قلة قليلة، وجلهم مات في الجهاد في سبيل الله في بلاد بعيدة في سائر البلاد، في الشرق والغرب، وفي الشمال، وفي كل مكان؛ خوفًا أن يقعوا فيما حذرهم الله جل وعلا منه.
[ ٨٥ / ٢ ]
وجوب تقديم محبة الله على غيره
قال الشارح رحمه الله تعالى: [أمر الله نبيه ﷺ أن يتوعد من أحب أهله وماله وعشيرته وتجارته ومسكنه فآثرها أو بعضها على فعل ما أوجبه الله عليه من الأعمال التي يحبها الله تعالى ويرضاها، كالهجرة والجهاد ونحو ذلك.
قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: إن كانت هذه الأشياء ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤] أي: انتظروا ماذا يحل بكم من عقابه، روى الإمام أحمد وأبو داود -واللفظ له- من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم)].
العينة هي أن يبيع الإنسان سلعة بقيمة مؤجلة، ثم يشتريها من المشتري بثمن أقل مما باعها به، فهو عين الشيء الذي بيع، اشتري بثمن أقل من الثمن الذي باعه به، وهذا من أنواع الربا في أي شيء كان، سواء كان بيتًا أو سيارة أو طعامًا أو غير ذلك، فكل من فعل ذلك فقد وقع في العينة، وهو نوع من الربا الذي يقول الله جل وعلا فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨]، ذروه يعني: اتركوه وابتعدوا عنه، وأخبر جل وعلا أن الذي يأتيه أمر الله ثم لا يجتنب الربا فإنه محارب لله ولرسوله.
أما اتباع أذناب البقر فمعناه أن الناس يشتغلون بالزرع، وبأذناب البقر؛ لأن البقر كان يحرث عليها الأرض، فمعنى ذلك أن الاشتغال بالزرع هو ترك الجهاد في سبيل الله، ولهذا قال: (ورضيتم بالزرع)، وفي الصحيح عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه لما كان في قتال الروم في زمن معاوية بن أبي سفيان ﵁، وكان عليهم يزيد بن معاوية وكانوا محاصرين للقسطنطينية قريبًا منها، وكان الروم أمامهم، والمسلمون مقابلون لهم، فخرج رجل من المسلمين يعدو حتى انغمس في صفوف الروم، فقال الناس: سبحان الله! ألقى بنفسه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: ليس كما تقولون، إن هذه الآية: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] نزلت فينا معشر الأنصار، وذلك أننا لما نصر الله جل وعلا رسوله، وفتح عليه، قال بعضنا لبعض: هلم لنصلح زراعتنا وفلاحتنا، فقد نصر الله جل وعلا رسوله، فأنزل الله جل وعلا: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فالتهلكة: هي الخلود إلى الدنيا، وإصلاح أمور الدنيا، فبين الله أن التهلكة هي الحرث والزراعة وترك الجهاد في سبيل الله جل وعلا، وهذا أيضًا هو معنى قوله: (ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله)، وقوله: (سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه منكم حتى تراجعوا دينكم)، لأن المسلمين حينئذ يخافون أعداءهم خوفًا شديدًا، ويذلون لهم، ويبذلون لهم الطاعة، وقد يبذلون لهم الأموال، وقد يسلط الله عليهم الأعداء ويأخذون ما بأيديهم، والرسول ﷺ نصره الله بالرعب مسيرة شهر، فمن الخصائص التي خصه الله بها من بين الأنبياء: أنه أعطاه الرعب في قلوب العدو مسيرة شهر، يخافه العدو وإن كان بينه وبينهم مسيرة شهر، وهذا يكون أيضًا للمؤمنين الذين يتبعون الرسول ﷺ إذا صدقوا، أما إذا تخلوا عن طاعة الله، واتباع الرسول ﷺ فلا يكون لهم ذلك، بل تنعكس القضية فيصبحوا أذلاء خائفين، يخافون أن يأخذ العدو ما بأيديهم، ويتسلط عليهم، هذا الواقع الذي إذا نظر الإنسان إليه وجده كما أخبر الرسول ﷺ تمامًا، صلوات الله وسلامه عليه.
قال ﵀: [فلابد من إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده على ما يحبه العبد ويريده، فيحب ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه، ويوالي فيه، ويعادي فيه، ويتابع رسوله ﷺ كما تقدم في آية المحنة ونظائرها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) أخرجاه أي: البخاري ومسلم].
(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ووالده والناس أجمعين)، هذه محبة الرسول ﷺ، قوله: (لا يؤمن أحدكم)، يعني: الإيمان الذي تكون به النجاة من عذاب الله، لا يحصل للإنسان الإيمان الذي ينجو به من عذاب الله حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من ولده ووالده وجميع الناس.
[ ٨٥ / ٣ ]
حكم من قدّم محبة الدنيا على محابِّ الله ورسوله
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل، لكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصل شيئًا فشيئًا، إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين، ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، إذ ليس عندهم من علم اليقين ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، فهؤلاء إن عوفوا من المحنة، وماتوا، دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق.
انتهى].
في الحديث قول الرسول ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله وولده والناس أجمعين)، قوله: (لا يؤمن) نفي، فما هو هذا الإيمان الذي لا يحصل لمن لم يكن الرسول ﷺ أحب إليه من أهله وولده ووالده وماله ونفسه والناس أجمعين؟ هل الإيمان المنفي شيء مستحب بحيث لو تركه الإنسان يكون غير تارك للواجب أو أنه شيء واجب إذا لم يكن الإنسان بهذه المثابة فهو من أهل الكبائر؟ الصواب أن من لم يكن الرسول ﷺ أحب إليه من ولده ووالده وأهله ونفسه والناس أجمعين فإنه من أهل الكبائر، ولكنه غير خارج من الدين الإسلامي، عنده إسلام، وكل مسلم يجب أن يكون عنده إيمان لابد؛ لأن الإيمان محله القلب، فيعلم أن الله جل وعلا هو إلهه وربه، ويعلم أنه أرسل رسولًا، وأنه يجب أن يطاع، ويعلم أن وعد الله حق وأنه سيبعثه بعد موته ويجازيه، لابد أن يكون عنده هذا الإيمان.
أما الإسلام فهو الطاعة والانقياد، أن يطيع وينقاد ويستسلم، ولا يكون عنده معارضة، يعني: ما يعارض أوامر الله وأوامر رسوله، إذا أمره الله جل وعلا بالصلاة صلى، وإذا أمره بالصيام صام، وإذا أمره بالحج حج، وإذا أمره بالصدقة تصدق.
أما إذا امتنع من الأوامر فهو ليس بمسلم، وإن زعم أنه مسلم في نفسه؛ لأن الإسلام معناه فعل الأوامر والاستسلام والانقياد بالطاعة، أما إذا لم يطع فهو لم يسلم، فالإسلام هو الانقياد وعدم المعارضة، أن ينقاد للأمر ولا يعارض، أما إذا حصلت المعارضة وعدم الانقياد فليس بمسلم.
ولهذا فسره الرسول ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله؛ لأن هذا الإيمان لابد منه، يعني: المسلم لابد أن يشهد أن لا إله إلا الله، فهذا الإيمان، ولابد أن يكون عنده إيمان أولًا، ثم إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، فإذا لم يفعل الإنسان هذه الأمور لا يكون مسلمًا أصلًا، وإذا مات فهو من أهل النار.
وإذا فعل هذه الأمور، فلابد أن يتقدم فعل هذه الأمور إيمان، وهو المعبر عنه بشهادة أن لا إله إلا الله، فإذا لم يحصل على ما أوجبه الله عليه من محبته جل وعلا ومحبة الرسول ﷺ؛ فإنه يصبح مسلمًا، ولكنه متعرض لوعيد الله جل وعلا، ويكون من أهل الكبائر.
يكون أمره إلى الله: إن شاء عذبه على تركه هذا الواجب، وإن شاء عفا عنه، يعني: أنه إذا مات على هذه الحالة يموت وقد ترك ما أوجبه الله عليه من كونه يجب عليه أن يقدم محبة رسول الله ﷺ على محبة أولاده ووالديه وماله ونفسه، وإذا ما كان بهذه المثابة ومات وكان يؤدي الواجبات فقط، عنده إيمان ولكنه ما يقدم محبة الرسول على هذه الأشياء، فإنه يكون من أهل الكبائر الذين يستحقون العقاب والعذاب، فإن عفا الله عنه وتجاوز فهو فضله، وإن عاقبه فهو يستحق هذا العقاب، ولكن بعد العقاب والعذاب الذي يستحقه يكون مئاله إلى الجنة، وأكثر الناس على هذا الوصف، وهذه الحالة، حيث إنه يكون ولده أحب إليه من رسول الله ﷺ، والمال أحب إليه من رسول الله ﷺ.
ومتى يعرف من هذه صفته؟ هذا أمر واضح يعرف بالنظر إلى أفعاله، فإن كان يحرص على طاعة الرسول ﷺ واتباع سنته، ولو كان في هذا الطريق شيء من تعب بدنه أو ذهاب شيء من مصالحه؛ فهذا هو الذي يقدم محبة الرسول ﷺ على محبة الدنيا ومن فيها.
هذا بالنسبة إلى محبة الرسول ﷺ، فكيف بمحبة الله؟ محبة الله محبة عبودية لابد أن تتضمن مع الحب الذل والخضوع والتعظيم.
[ ٨٥ / ٤ ]
محبة النبي ﷺ
محبة الرسول ﷺ تكون تبعًا لمحبة الله، يحبه لأن الله يحبه، ولأن الله أمر بحبه، ولأنه جل وعلا أكرمه بالرسالة، الله جل وعلا أنقذك على يديه من النار، فمحبته مقدمة على محبة الوالد والأولاد والمال والنفس.
فمحبته تكون لهذه الأمور: أولًا: لأن الله أوجب ذلك، فأنت يجب عليك أن تمتثل ما أوجبه الله عليك لأنك عبد لله، والعبد يمتثل أمر سيده، ولا يجوز أن يسأل سيده ويناقشه: لماذا أمرت بكذا؟ ولماذا أوجبت علي كذا؟ بل يقول: سمعًا وطاعة.
ثانيًا: أن المحب يحب حبيب حبيبه ولابد، ويبغض من يبغض حبيبه، وإلا لم تكن محبته صحيحة، يعني: كون الإنسان يكون له محب يحبه، ويعلم أن هناك عدوًا له، ثم يذهب يصاحب العدو فيصافيه ويوده، هذا دليل على أنها محبة زائفة وغير صحيحة، فلابد للمحب أن يكون محبًا لمن يحبه، ويبغض من يبغضه حبيبه، وإلا لا تكون محبة صادقة، بل تكون كاذبة بالادعاء، والادعاء ما يفيد.
إذًا: محبة الرسول ﷺ فرض عين على كل مسلم ومسلمة، أن يكون الرسول ﷺ أحب إليه من جميع من في الدنيا، بما فيها نفسه، فكيف بالمال؟! والمحبة هذه ليست كما يقول بعض المتكلمين: إنها محبة عقلية، يقول: إن العقل ينظر للعواقب، فإذا عرف أن عاقبة محبة الرسول ﷺ تئول إلى المصالح آثرها بعقله وليس بقلبه، هذا كلام باطل لأن الحب محله القلب.
والمتكلمون ينكرون أن يكون الله جل وعلا يحَب أو يحب؛ فقالوا هذا القول على قواعدهم الباطلة، وكل يعرف المحبة، ويجد المحبة في نفسه، فهي تكون في القلب ومن عمل القلب، ثم يظهر ذلك على الأعمال والجوارح، فهذه هي المحبة التي يتحدث عنها، والتي جاء فيها الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، وكذلك من نفسه.
المحبة القلبية هي التي يكون فيها الإيثار والتقديم، فإذا صار مثلًا أمام المؤمن شيئان: أحدهما: محبوب للرسول ﷺ، يعني: أنه أمر به وجاء به.
والآخر: ليس فيه مصلحة ظاهرة عاجلة له، فإن قدم ما فيه طاعة الرسول ﷺ على ما فيه حظ نفسه العاجل، فهذا علامة على أنه يحب الرسول ﷺ أكثر من محبته المال، وأكثر من محبته لولده وأهله والناس، وهنا ظاهر، والدليل على هذا قوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وسبق أن هذه الآية تسمى آية المحنة؛ لأن الله امتحن بها الذين قالوا: إننا نحب ربنا حبًا شديدًا، فامتحنهم الله جل وعلا بذلك، وأن هذا الحب يصدق بهذه العلامة، وهي علامة ظاهرة وواضحة.
أما أن يصل الإنسان إلى الكمال فهذا ليس بلازم، ما يلزم أنه يصل إلى الكمال، يعني: آحاد الناس لا يمكن أن يكون الحب عنده والإيمان والعمل مثلما كان عند أبي بكر الصديق ﵁، أو مثلما كان عند عمر أو عثمان أو علي وأشباههم، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولهذا كان الإيمان درجات لأجل تفاوت ما في القلوب من هذه المحبة، فالتوقير توقير الله جل وعلا، وتقديره وتعظيمه، ولكن المهم أن الإنسان لا يرتكب الكبائر، ويحافظ على الشيء الذي أوجبه الله عليه، أما الشيء الذي أمر به أمر استحباب فهذا يتفاوت الناس فيه تفاوتًا عظيمًا، وليس واجبًا على الإنسان أن يفعله، وإن كان فيه فضل.
وقد ذكر الله جل وعلا طبقات الناس الذين يرثون الجنة، فقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢].
فالظالم لنفسه: هو الذي ترك بعض الواجبات.
والمقتصد: هو الذي اقتصر على الواجب وترك المستحبات.
أما السابق بالخيرات فهذا الذي فعل الواجب أولًا، ثم فعل المستحبات ثانيًا، وهؤلاء هم أعلى المؤمنين في الدنيا عند الله وفي درجات الآخرة، وليس المعنى أن الإنسان إذا ترك بعض الواجبات أنه يكون خارجًا من الدين الإسلامي لقوله ﷺ: (لا يؤمن أحدكم)، فإن هذا فيه إشكال عند كثير من الناس، وكثير من شراح الحديث يقول: لا يؤمن الإيمان الكامل، ويحتمل أن المراد به الكامل يعني: الإيمان الذي وجب عليه، وهو كامل وواجب، ويحتمل أنه الكمال المستحب، فإن قال: المستحب فهذا لا يجوز، لماذا؟ لأن الرسول ﷺ لا ينفي الإيمان عمن ترك مستحبًا لا يعاقب عليه، لا يمكن أن يكون هذا.
فمثلًا الذي حج حجة الفريضة ثم لم يحج بعد ذلك، هل يجوز أن يقال: إنه ليس مؤمنًا الإيمان الكامل؟ لا يجوز أن يقال هذ، مع أن الحجة الثانية مستحبة، والمستحبات كثيرة جدًا، والناس يتفاوتون فيها تفاوتًا عظيمًا.
ولا يمكن أن يأتي بالعبادات مثلما أتى بها رسول الله ﷺ، فأمر الرسول ﷺ من الكمال، ولا يمكن لأحد من الناس أن يأتي بالأعمال مثلما أتى بها.
فإذًا: الكمال المستحب يتفاوت تفاوتًا عظيمًا، ولا يجوز أن ينفى الإيمان عمن لم يفعل الكمال المستحب، وإنما ينفى الإيمان عمن ترك واجبًا هو فرض عليه، وهذا كثير في كلام رسول الله ﷺ، ينفي الإيمان إما لفعل محرم أو لترك واجب، فمثال ترك الواجب هذا الحديث، ومثال فعل المحرم قوله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن).
فنفى الإيمان عنه في هذه الحالة، والمنفي ليس هو أصل الإيمان، وإنما هو الواجب الذي يجب على الإنسان أن يتحلى به، ثم يمنعه من فعل المحرمات؛ لأن من كان عنده إيمان وتحلى به لا يجوز أن يقتحم ما حرمه الله عليه، فإذا فعل ذلك فمعناه أنه زال عنه الإيمان الذي يحبس صاحبه عن الوقوع في المحرمات، وبقي عنده أصل الإيمان، ولكن هذا الأصل لا يقوى على منعه من العذاب ومن دخول النار، ولو فعل هذه الحالة فإن حكمه في الظاهر أنه يدخل النار إذا شاء الله، ثم بعد ذلك ينجيه الله جل وعلا بعدما يتطهر.
ويكثر في الأحاديث وفي النصوص أن أهل الكبائر في النار، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، ومعروف أن هذه كبيرة، أكل مال اليتيم ما يخرج الإنسان به من الدين الإسلامي، ولا يجعله كافرًا، ولكنه يكون مرتكبًا لكبيرة، ومتوعدًا بالنار، وكذلك آكل الربا والقاتل وغير ذلك مما جاءت به النصوص.
كل نص فيه نفي الإيمان، أو فيه التوعد على فعل محرم بأنه من أهل النار، أو من أهل الفسق، أو إنه ليس من المسلمين أو ما أشبه ذلك، فهذا لأنه ترك واجبًا عليه، أو فعل محرمًا لا يجوز فعله، فتوعد على ذلك، إيمانه يكون ناقصًا، ولكنه لا يكون زائلًا وخارجًا بالكلية، بل عنده شيء من الإيمان، وبهذا الإيمان الذي عنده يكون له عاقبة السعادة، وإن ناله ما ناله.
ولهذا يكثر العذاب في المسلمين في القبر، وفي الموقف، وفي النار، فإن النصوص جاءت بذكر أناس كثير يعذبون في القبر، وبعضهم لا يكفي عذابه في القبر، بل يستمر عذابه في القبر إلى أن يبعث الله جل وعلا الناس، ثم يزاد عذابًا في الموقف، وبعضهم لا يكفيه ذلك بل يستمر عذابه ويدخل النار، وقد كثرت النصوص في ذكر الشفاعة لإخراج من يدخل النار، وهي لا تكون إلا للمسلمين المؤمنين، ما يمكن أن تكون الشفاعة لكافر؛ لأن الله أخبرنا أن الكفار لا تنالهم الشفاعة، وأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ولا تفيدهم، وإنما تنفع المؤمنين.
فهؤلاء أصحاب الكبائر الذين تركوا واجبات أو ارتكبوا محرمات، وهذا كله يدلنا على تفاوت الإيمان عند الناس، منهم من إيمانه يمنعه من العذاب، ومنهم من يكون إيمانه ضعيفًا لا يمنعه من العذاب فيعذب، ومنهم من يكون إيمانه زائدًا على الواجب حتى وصل إلى المستحب، فهذا هو الذي يسبق إلى الجنة؛ لأن حسناته صارت راجحة، بل وزائدة على السيئات زيادة واضحة، فمثل هذا لا يعذب ولا يناله العذاب.
[ ٨٥ / ٥ ]
الفرق بين محبة الله ومحبة الرسول ﷺ
قال الشارح ﵀: [وفي هذا الحديث: أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة عمل القلب.
وفيه: أن محبة الرسول ﷺ واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها، فإنها محبة لله ولأجله، تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن،وتنقص بنقصها، وكل من كان محبًا لله فإنما يحب في الله ولأجله كما يحب الإيمان والعمل الصالح، وهذه المحبة ليس فيها شيء من شوائب الشرك كالاعتماد عليه، ورجائه في حصول مرغوب منه أو دفع مرهوب منه، وما كان فيها ذلك فمحبته مع الله لما فيها من التعلق على غيره والرغبة إليه من دون الله].
يعني: الفرق بين محبة الله جل وعلا ومحبة الرسول ﷺ أن محبة الرسول ﷺ مكملة لمحبة الله؛ لأنها تابعة لها، فهي محبة لله وفي الله، وليست محبة مع الله.
أما المحبة مع الله فهي شركية، تكون محبة شرك، وذلك أنه يجعل له من المحبة مثل ما يكون من جنس المحبة التي تكون لله، والمحبة التي تكون لله عرفنا أنها ما كان فيها عبودية وذل وخضوع وتعظيم ورجاء وخوف.
والرسول ﷺ ما يملك مع الله شيئًا، لو أن إنسانًا دعاه واستغاث به وقال: أرجوك أن تنجيني من النار، أرجوك أن تغفر ذنوبي، أرجوك أن تصلح قلبي، أرجوك أن تهب لي مالًا، وما أشبه ذلك؛ فمعنى ذلك أنه جعله في منزلة الله، وصار يعبده عبادة؛ لأن الدعاء والرجاء والخوف يجب أن يكون لله وحده، وكذلك الخوف العيني الذي يخاف منه الإنسان، والمخوف غائب عنه، أو أن يدعى له ما هو من خصائص الله من معرفة الغيب والاطلاع على ما في القلوب، ومعرفة المستقبلات والماضيات، والاطلاع على اللوح المحفوظ وما فيه،أو كونه يستطيع أن يغير الكون أو يبدله أو أن يجعل هذا الشقي سعيدًا أو هذا السعيد شقيًا وما أشبه ذلك؛ هذا لا يجوز أن يكون إلا لله.
فمن جعل شيئًا من ذلك لأحدٍ من خلق الله سواء كان رسولًا أو وليًا أو ملكًا فقد أشرك، ووقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا إلا بالتوبة منه، ومن مات على ذلك فهو في النار خالدًا فيها، من مات معتقدًا وفاعلًا لهذه الأمور فهو مشرك الشرك الأكبر، ولا ينفعه دعواه أن هذه محبة؛ لأن المحبة يجب أن تكون على وفق أمر الله،ووفق ما كلفك الله جل وعلا به، وليست بهوى النفس ولا بالتقليد ولا بالأوضاع التي يتواضع عليها الناس، بل يجب أن تكون بالشرع الذي جاء به رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه.
والرسول ﷺ بين هذا ووضحه وحذر منه كثيرًا، وسيأتي شيء من ذلك في هذا الكتاب، حتى إنه لما قال له رجل: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندًا؟! بل ما شاء الله وحده) مع أنه يخاطبه وله مشيئة، ولكن أراد صلوات الله وسلامه عليه أن يسد الباب الذي يمكن أن يدخل الشيطان منه،ويفسد على أمته دينها.
ولما جاءه القوم وقالوا له: (أنت سيدنا وابن سيدنا، وأنت خيرنا وابن خيرنا، كره ذلك وقال: أيها الناس! قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله جل وعلا إياها، أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله).
والعبودية هي أكمل مقاماته صلوات الله وسلامه عليه، يعني: عبوديته لله لأنه كملها، ولهذا أثنى الله جل وعلا عليه بالعبودية، وإلا فهو بشر صلوات الله وسلامه عليه، كما قال الله جل وعلا له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠] هو بشر مثلنا، ولكن ميز وخصص بأنه يوحى إليه: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠] فهذه هي الميزة والخصيصة التي خصه الله بها، أما الأصل فهو مثل الناس.
وقول كثير من الغلاة: إنه أصل الوجود، ويقولون: إنه جاء في الحديث: (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك)، فهذا كذب! ما قال الرسول ﷺ هذا، وهذا خلاف كتاب الله، وكذلك الذين يقولون: أول مخلوق هو نوره، ويقولون: نوره من نور الله،وأن الله خلقه من نوره، كله غلو مخالف لكتاب الله، وهو من سنن النصارى في غلوهم في عيسى ﵇، وأخبر الرسول ﷺ عنهم بأن هذه الأمة ستفعل كما فعلت الأمم قبلها، والخبر من باب التحذير.
والمقصود: أن يميز الإنسان بين ما يجب لله جل وعلا وما يجب لعبده، فالواجب لله العبودية، والعبودية هي الحب الذي يتضمن الذل مع التعظيم والخضوع والرجاء والخوف، ثم يتبع ذلك الدعاء والخشية وغيرها، أما محبة رسوله ﷺ فهي محبة له، تحبه لأن الله يحبه ولأن الله أمر بحبه،ولأن الرسول ﷺ أكمل الخلق طاعة لله جل وعلا.
إذًا: تكون محبته تبعًا لمحبة الله، وليست محبة مع الله، أما المحبة مع الله فهي التي تشترك مع محبة العبودية، وهذه شرك ولا يجوز أن تكون لأحد من الخلق.
فبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله التي هي من كمال التوحيد وبين المحبة مع الله التي هي محبة الأنداد من دون الله.
[ ٨٥ / ٦ ]
أقوال أهل البدع في منزلة العمل من الإيمان
من فوائد الحديث السابق أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهذا من الأمور التي خالف فيها بعض أهل البدع أهل السنة، حيث زعموا أن الإيمان هو مجرد تصديق القلب فقط، أما الأعمال فهي خارجة عن ذلك.
وهؤلاء الذين قالوا هذا القول قسمان: قسم يجعل الواجب الذي به النجاة هو ما كان في القلب فقط، ولو أن الإنسان أتى بأي ذنب كان، وإيمانه في قلبه كامل، أو ترك الأعمال؛ فإنه في الجنة وإن ترك الصلاة والصوم والحج والزكاة.
فهذا قول مجانب للحق، هو من أبطل الباطل، وهؤلاء يسمون المرجئة المحضة، وهم الجهمية؛ لأنهم زعموا أن الإيمان المعرفة فقط.
ولهذا يقول لهم أهل السنة: يلزم من هذا أن يكون إبليس مؤمنًا لأنه يعرف ربه، وأنتم قلتم: الإيمان هو المعرفة، ويلزم أن تكونوا أنتم كفارًا؛ لأنكم ما عرفتم ربكم، فهم أجهل الناس بالله جل وعلا، وهذا القول لا وجود له الآن، زال مع أهله الذين زالوا والحمد لله، ونرجو ألا يكون له وجود.
القسم الثاني: ما يسمى بمرجئة أهل السنة، يسمون هكذا، وبعضهم يقول: مرجئة الفقهاء، وكثير من المحققين يقول: إن الخلاف معهم خلاف لفظي وليس معنويًا، لأنهم يقولون: من ترك العمل فهو معرض للعذاب والعقاب.
ويقولون: الأعمال من مقتضى الإيمان، ولكنها لا تدخل في مسماه، الإيمان في القلب، أما الأعمال فهي التي يقتضيها الإيمان، إذا وجد الإيمان فلابد من وجود العمل، فإذا كان هذا قولهم فيكون الخلاف لفظيًا.
والصواب: أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، يعني: أن العمل يكون إيمانًا، وهذا دلت عليه النصوص كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، يعني: عملكم كما جاء في سبب النزول، فإن سبب نزول الآية: تحويل القبلة، كانوا يصلون أولًا إلى جهة الشام، فأمروا بالاتجاه إلى الكعبة، فسأل المؤمنون: كيف بصلاتنا التي صليناها نحو الشام؟ فنزلت الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم التي صليتموها إلى تلك الجهة محفوظة عند الله، وسوف يجزيكم عليها، فسماها إيمانًا.
وكذلك قوله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، قال مجاهد: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم.
فسمى الرضا والتسليم إيمانًا، ومعلوم أن الرضا عمل، والتسليم عمل، وهذا شيء كثير جدًا.
ولكن القول الأول الذي قالوه ممتنع عقلًا وواقعًا، لا يمكن أن يوجد في قلب إنسان إيمان ولا يوجد عمل! هذا ممتنع، ومستحيل مثل هذا، إذا وجد الإيمان في قلب الإنسان فلابد أن يبعثه على العمل، ولا يمكن أن يكون هناك إيمان بلا عمل، فالقول الذي قاله أولئك المبتدعة هو قول مقدر ذهني فقط،، يعني: فرض ذهني، أما أن يكون واقعًا فلا وجود له، ولا يمكن أن يوجد؛ لأنه لابد أن يكون صاحب الإيمان عاملًا، فإذا ترك العمل فهو دليل على أنه ليس عنده إيمان.
[ ٨٥ / ٧ ]