هناك أناس ادعوا الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت في قلوبهم، إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا، كأن يؤذوا في الله، جعلوا ما جاءهم من أذى وفتنة كعذاب الله، فانتكسوا وارتدوا على أعقابهم.
وهؤلاء هم الذين يرضون الناس بسخط الله، ويحمدون الناس على رزق الله، ويذمونهم على ما لم يؤتهم الله.
والذي دعاهم إلى ذلك عدم خوفهم من الله وإخلاصهم له في ذلك.
[ ٨٩ / ١ ]
فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]].
هذه الآية يخبر الله جل وعلا فيها: أن الناس إذا جاءهم رسول انقسموا إلى قسمين: قسم يقول: آمنا، وقسم يقول: كفرنا، والذي يقول: كفرنا ليس بمعجز لله جل وعلا، بل سوف يأخذه ويعذبه، وهو هين عند الله لا يساوي شيئًا، والذين قالوا: آمنا، لابد من ابتلائهم واختبارهم، كما قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، والفتنة المقصود بها هنا: الاختبار والامتحان، والاختبار يكون بالأوامر والنواهي، ويكون كذلك بمعاداة أكثر الناس وله؛ القريب منهم والبعيد، ومثل هذا يكون صعبًا على النفوس.
وهذا هو الامتحان والابتلاء، فمن الناس من يصبر ويتحمل الأذى في هذا السبيل ولا يبالي، يؤذونه ويعيرونه ويتخذون معه كل طرق الصد، فيزداد بذلك قوة وإيمانًا وعزة ويقينًا، ومنهم من ينتكس ويجعل أذية الناس وعذابهم كعذاب الله، ويستعجل العافية ويقول: ما لي ولمعاداة الناس، وتحمل عذابهم، ومقابلتهم بالقتال وبالأمر والنهي، آمرهم وأنهاهم وهم يتسلطون علي بالأذى وبالمحاربة وبغير ذلك، فينتكس، فيكون مستعجلًا للعذاب العاجل ومستأجلًا للعذاب الآجل.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى مخبرًا عن صفات قوم من المكذبين الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت في قلوبهم: إنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أنها من نقمة الله بهم؛ فارتدوا عن الإسلام، قال ابن عباس ﵄: (يعني: فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن لا يقول ذلك بل يستمر على السيئات والكفر، فمن قال: آمنا امتحنه ربه وابتلاه وفتنه، والفتنة: الابتلاء والاختبار ليتبين الصادق من الكاذب، ومن لم يقل: آمنا؛ فلا يحسب أنه يعجز الله ويفوته ويسبقه.
فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذوه، وابتلي بما يؤلمه، ومن لم يؤمن بهم ولم يطعهم عوقب في الدنيا والآخرة وحصل له ما يؤلمه، وكان هذا الألم أعظم وأدوم من ألم أتباعهم، فلابد من حصول الألم لكل نفس آمنت، أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ابتداء، ثم يصير في الألم الدائم، والإنسان لابد أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات؛ فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له العذاب تارة منهم وتارة من غيرهم، كمن عنده دين وتقىً حلَّ بين قوم فجار ظلمة لا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم، فإن وافقهم أو سكت عنهم سلم من شرهم في الابتداء، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سلم منهم فلابد أن يهان ويعاقب على يد غيرهم.
فالحزم كل الحزم بما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ لـ معاوية ﵁: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا)؛ فمن هداه الله وألهمه رشده، ووقاه شر نفسه، امتنع من الموافقة على فعل المحرم وصبر على عداوتهم، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة كما كانت للرسل وأتباعهم.
ثم أخبر تعالى عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة: أنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس له، وهي أذاهم ونيلهم إياه بالمكروه، وهو الألم الذي لابد أن ينال الرسل وأتباعهم ممن خالفهم جعل ذلك -في فراره منه وتركه السبب الذي يناله به- كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان.
فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحملوا ما فيه من الألم الزائل المفارق عن قرب، وهذا لضعف بصيرته، فر من ألم أعداء الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففر من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألم فتنة الناس في الفرار منه بمنزلة عذاب الله، وغبن كل الغبن إذ استجار من الرمضاء بالنار، وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر الله جنده وأولياءه قال: إني كنت معكم والله أعلم بما انطوى عليه صدره من النفاق.
انتهى].
[ ٨٩ / ٢ ]
اختبار الله لعباده بالابتلاءات الدنيوية
من المعلوم أن هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار، وعمل، وليست دار نعيم وبقاء، وجعلها الله جل وعلا مزرعة للآخرة، فمن قدم فيها خيرًا وصبر وصابر، وتعلق بربه جل وعلا، ودافع بذلك كل ما يرد عليه من موارد الشيطان وأعوانه، فإن الله جل وعلا يجعل له عونًا من نفسه ومن غير نفسه على ذلك، ثم ما هي إلا فترة بسيطة وينتهي وينسى كل ما مر عليه.
ولا يتصور الإنسان أن هذه الدنيا سالمة من كل أذى لابد أن يحصل الأذى لكل أحد في هذه الدار، سواء كان من المؤمنين أو من الكافرين الفاجرين، ثم في النهاية يموت، ولكن الله جل وعلا وضع في الإنسان عقلًا وفكرًا، وجعل له إرادة وقوة، ثم بين له جل وعلا الأمر الذي يلزمه، والأمر الذي يجب أن يمتنع عنه، وجعل لذلك أسبابه وعلاماته، فللصبر أسباب وللجزع أسباب، وللإيمان أسباب وللكفر أسباب، وكلها يقدم عليها الإنسان وهو راضٍ بها وعارف، فيصبح اللوم عليه؛ لأنه يفعل ذلك بإرادته وقوته.
ومعلوم أن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه، وعبادته هي امتثال أمره ونهيه، وكثيرًا ما يكون أمر الله جل وعلا ثقيلًا وشاقًا على كثير من نفوس الناس، فإذا جاءه أمر الله استثقله.
ثم هناك مثبطات من شياطين الجن والإنس، أما شياطين الجن: فيتعرضون لك بكل ما يستطيعون حتى لا يفعل أمر الله، وذلك إما بالوسوسة أو بالوعد والوعيد أو بالتمني أو بالتزيين أو بغير ذلك.
أما إن كان من شياطين الإنس: فهو أنكى وأشد وذلك يقع إما بالفعل، وإما بالقول والتهديد، وإما بالسخرية والاستهزاء، أو بغير ذلك كما هو واقع الناس اليوم، فإن كان نظره قصيرًا وبصيرته عمياء؛ فإنه لا يستطيع أن يمضي في أمر الله جل وعلا، ولاسيما إذا كان إيمانه ضعيفًا، فلابد من أن يتعثر، فإما أن ينتكس نهائيًا ويصبح مع عدوه، أو يصبح موافقًا له في الظاهر، ونفسه تطالبه أن يفعل أمر الله جل وعلا ويجتنب نهيه.
وهذا قد ينجو وقد يعاقب قد ينجو في النهاية إذا من الله عليه بالتوبة والرجوع إليه، وقد يهلك مع الهالكين إذا لم تتداركه عناية الله؛ فإن المؤمن لابد أن يتميز بطاعة الله جل وعلا وطاعة رسوله.
فهذه من الأمور التي لا ينفك عنها الناس، بل قد يبتلى حتى من أهله وأولاده وأقاربه فضلًا عن البعيدين، بل قد يصاب في نفسه: إما بمرض أو بفقر، أو بمصائب تكون في ماله أو أهله أو ولده أو غير ذلك، لابد من البلوى فينظر الله هل يصبر، أو ينتكس ولا يصبر؟ وكثيرًا ما نسمع من بعض الذين أصيبوا بمرض أو بغير ذلك تضجرهم وتوجعهم، ولو أمكنهم لصرحوا بالشكوى من الله أنه ظلمهم، ولهذا تجد أحدهم يقول: أنا لا أدري ماذا صنعت؟ أنا أصلي، وهذه المصيبة لا أدري من أين جاءتني؟ فكأنه يقول: إني أصبت بشيء لا أستحقه.
وهذه من البلوى التي يصاب بها كثير من الناس، لينظر الله هل يصبر؟ هل يعلم أن كل ما أصابه فبذنب اقترفه؟! وأن الله لطيف رحيم بر جواد؟ وأنه إذا صبر عبده على ما أصابه به -سواء كان في نفسه أو من الناس- أنه يعينه على ذلك ويثيبه؟ فإنه جل وعلا يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب.
[ ٨٩ / ٣ ]
عاقبة الصابرين
لم يذكر الله جل وعلا في الصبر أن الحسنة فيه بعشر أمثالها أو بسبعمائة ضعف، لا، بل أخبر أنه يوفي الصابر أجره بغير حساب، بدون تضعيف في الأجر أو أن أجره ينتهي إلى عدد معين، وذلك لما يواجهه الصابر من البلاء والامتحان والفتن، ولا يطيق ذلك إلا من تمحص إيمانه وأيقن بربه جل وعلا، وأصبحت لا تؤثر عليه المصائب التي دون دينه، فكل مصيبة دون الدين يرى أنها ليست بشيء، وأنها سوف تنتهي وتضمحل.
ولا شك أن الأمر سريع جدًا، فإذا قدر أن إنسانًا اتبع أمر الله واجتنب نهيه على مضض ومرارة وآلام ومقاساة، وإنسان آخر ارتكب مناهي الله ولم يمتثل أمره، وصار يمرح ويفعل ما يريد وما يشاء، فإن أمر هذا وأمر هذا سوف ينتهي سريعًا كأن لم يكن شيء من ذلك، ثم العاقبة بعد ذلك أن هذا يكون في نعيم لا نهاية له، وهذا في عذاب لا انقطاع له، ويصبح الشيء الذي مر نسيًا كأن لم يكن، فيكون هذا الذي ارتكب المناهي هو المغبون الذي باع نفسه، وخسر كل الخسران.
والآخر صبر ساعة وانتهت كأن لم تكن، فحمد عقبى صبره، ولقي رضى ربه، وفاز بثوابه الذي لا انقطاع له، وعن هذا المعنى يعبر رسول الله ﷺ بقوله ﷺ: (يؤتى يوم القيامة بأشد الناس نعيمًا في الدنيا من أهل الكفر؛ فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل مر بك نعيم قط؟ هل رأيت خيرًا قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي نعيم قط ولا رأيت خيرًا قط، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الإيمان، ويغمس في الجنة غمسة، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل مر بك شدة قط؟ هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا والله ما رأيت شدة قط، ولا مر بي بؤس قط).
وهل الحلف هنا من هذين الرجلين على أنه ما مر بهم شيء كذب؟ لا، لأن الأمر بالنسبة لهم نسي نهائيًا، وأصبح في طي النسيان، فهم يحلفون على شيء اعتقدوا أنه صحيح وواقع؛ لأنه كحلم المنام فقط، وقد يمر عليك حلم في منامك فتنساه، فهذا مثله، نسوه نهائيًا، وأصبح وكأنه ليس له وجود.
لهذا المعنى أيضًا يقول ﷺ: (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل أن يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر ماذا يرجع عليه؟)، إذا أدخلت أصبعك في البحر ثم رفعته، ماذا ينقص من البحر؟ أو بماذا يأتي أصبعك؟ بلا شيء، يأتي ببلل ينتهي سريعًا، والدنيا هكذا بالنسبة للآخرة.
[ ٨٩ / ٤ ]
الصبر على مكدرات الدنيا وأذية أهلها
هذه الدنيا طبعت على المكدرات والآلام، وخلقت للابتلاء بتلك المكدرات والآلام، فإن كان المبتلى مؤمنًا وصبر؛ فإنه سوف يلقى الجزاء على ذلك، ويصبح صبره حلوًا، والآلام التي مرت به يستلذها؛ لأنها وقعت في طاعة الله ومرضاته.
أما الآخر فبالعكس: الآلام التي تستقبله بالنسبة لما مضى لا يمكن أن تنسب، لا نقول: حر مثل حر الشمس بالنسبة إلى حر جهنم، فجهنم أشد وأعظم؛ لأن الأولى عبارة عن ساعات نسيت، بعكس الأخيرة.
فإذًا الحزم أن يعزم الإنسان على طاعة ربه في هذه الدنيا، ولا يلتفت إلى المؤذيات والمنكدات، سواء من الناس أو من الأقدار التي يقدرها الله عليه أو غير ذلك، وليعلم أن كل ما يصيبه فإنه بسبب معاصيه، والله جل وعلا جعل بحكمته العداء بين أهل الحق وأهل الباطل منذ أبى الشيطان أن يسجد لأبينا آدم، فمن ذلك الوقت والحرب قائمة بين الحق والباطل، ولكل منهما جنود وأنصار، والله يبلو بعضهم ببعض، فأحيانًا تظهر بارزة وأحيانًا تكون في النفس، من الأمور التي يقدرها حتى يظهر ما لدى الإنسان، ومعلوم أن الله جل وعلا علام الغيوب لا يخفى عليه شيء، يعلم الشيء الذي سوف يكون أنه يكون كذا وكذا، كما جاء في الحديث الصحيح: أنه يقال للكافر وهو في النار: (أرأيت لو كانت لك الدنيا بما فيها أكنت مفتديًا هذا العذاب؟ فيقول: نعم وأكثر من ذلك، فيقول الله جل وعلا: أردت منك ما هو أقل من هذا، أردت منك ألا تشرك بي وأنت في صلب أبيك آدم، فأبيت إلا الكفر والشرك)، ومعنى هذا: أن الله علم ما سيفعله هذا المخلوق قبل وجوده، وأنه سيأبى الإيمان، وأنه سيكفر إذا وجد، فكتب الله جل وعلا ذلك قبل أن يوجد الناس وهم في أصلاب آبائهم، كتب ذلك وعلمه، والله جل وعلا لا يؤاخذ على كتابته وعلمه، فلابد أن يظهر العمل بارزًا مشاهدًا فيعذر من الخلق، ولهذا أرسل الرسل، وأنزل الكتب حتى تقوم الحجة على الناس.
والمقصود: أن الحرب قائمة بين الحق والباطل، ولكل واحد منهما أنصار وجنود، فعلى العبد أن يجتهد كل الاجتهاد أن يكون من أنصار الحق وأعوانه، وألا يتأثر بالباطل ودعاياته، وقد يصيبه أذى من أهله، فإن تأثر من ذلك فإنه سوف يكون على حساب نفسه، إما أن ينتكس معهم ويصبح من أهل العذاب، أو يكون ضعيف الإيمان وقد نال منه العدو ما نال؛ فينقص من درجته يوم القيامة ومن ثوابه على أقل تقدير، وقد يناله عذاب في الدنيا وعذاب في القبر وعذاب يوم القيامة حتى يطهر لكونه لم يجاهد في الله، والجهاد أنواع: منها جهاد الشيطان، وجهاد العدو الخارجي، وجهاد النفس، وهذه هي التي يجب أن يصبر الإنسان فيها ويصابر ويثابر، ولا يتعجل الأمر فهو قريب، وهو أمر عام لكل أحد.
أما ما ذكر في الآية فهو أخص من هذا؛ فالله جل وعلا ذكر أنه إذا أرسل رسولًا إلى الناس فمنهم من يقول: آمنا بألسنتهم، ثم إذا وقع لهم أذى من حروب أو خوف، أو أصيبوا بمصائب في أنفسهم إذا هم ينتكسون ويرجعون، ويقولون: هذه كلها بأسباب هذا الدين، ما لنا وله، ثم يتركونه، وهذا معنى كونهم جعلوا فتنة الناس كعذاب الله، يعني: أنهم توقوا ما يصيبهم من أذى الناس بترك الإيمان، ووافقوهم على مطلوبهم وما يريدون؛ حتى يسلموا من أذيتهم، تصوروا أن هذا فيه السلامة، فتجد أحدهم يلاقي المؤمنين مخبرًا لهم بأنه معهم بلسانه، وهو كاذب في قرارة نفسه، فإذا خلا بالمنافقين أصحابه أو بالكافرين صار يضحك معهم ويسخر، ويقول: أنا أستهزئ بأولئك وأوافقهم لآتيكم بأخبارهم، وإلا فأنا معكم قلبًا وقالبًا، فهذا وأمثاله الذين ذكرهم الله في الآية، ولهذا قال مجاهد وابن عباس: إنه يترك دينه، والمعنى: أنه يترك دينه لأجل الخوف مما يصيبه من أذى الناس، ويتركه موافقة لهم؛ لأنهم لابد أن يحاربوه.
ثم بعد ذلك ماذا يكون؟ تنتهي الأمور، وتكون العاقبة -ولابد- للمتقين للصابرين الذين صبروا على الأذى، وتحملوا ذلك في طاعة الله جل وعلا، كما أخبر الله جل وعلا في كتابه أن هذه عاقبة المؤمنين دائمًا، وأن العاقبة للتقوى، وأن عباد الله هم الذين تكون لهم عقبى الدار، لكن المنافق إذا جاءت النتائج صار يتأسف على مامضى، أو صار يأتي إلى المؤمنين ويقول: أنا كنت معكم -يعني في الظاهر- هذا إذا حصل لهم من المغنم ومن أمور الدنيا جاء إليهم، يقول ذلك حتى يصيب ما يصيب من أمور الدنيا، وإلا فهو في الحقيقة ليس معهم.
والمقصود: أنه تعجل دفع أذية الخلق، ولم يبال بعذاب الله جل وعلا؛ إما لأنه كان مستبعدًا له ويقول: هذا بعيد، والحياة طويلة، ولا يمكن أن تتغير الأحوال، أو أنه يكذب به نهائيًا ولا يؤمن به، فإذا كان لا يؤمن به، فهذا معناه أنه لا يرجى له خير أبدًا.
أما إذا كان يستبعده، فهناك أمل ضعيف أنه يتوب ويستدرك، والغالب أنه لا يتوب؛ لأن الذنوب بعضها يجر بعضًا، وتتراكم على القلب، ثم يأتي الران الذي يغطي القلوب، ثم ينتكس القلب، ويشرب حب المعاصي وكراهية الطاعة، فيصبح هالكًا مستحكمًا هلاكه، والغالب أنه يكون بهذه المثابة، ولا يسلم وسوف ينتهي، وربما انقلبت عليه الأمور التي يقدرها وينظر إليها، فيصيبه العذاب من حيث لا يحتسب.
والمقصود: أن الإنسان في هذه الحياة لابد أن يختبر ويمتحن، وعند الاختبار والامتحان يكرم المرء أو يهان إما أن تظهر كرامته أو يظهر هوانه؛ لأن هذا نتيجة عمله فهو يجزى بالعمل، وهذا شيء لابد منه للخلق كلهم في هذه الحياة، والابتلاء والامتحان يكون -كما مر- بأمر الله جل وعلا ونهيه، فمن أطاع أمر الله واتبعه وحرص على ذلك -وإن خالفه القريب والبعيد- فإنه سوف يكون في طمأنينة في نفسه، وإن أوذي واشتد أذاه، ففي مستقبله سوف يكون في غاية السعادة.
أما إن كان على العكس من ذلك فإنه لا يعجز الله، وسوف يأخذه في الدنيا، ثم مصيره إلى عذاب الله، هذه هي حقيقة الأمر للناس كلهم، وقد يعافى الإنسان -ولكن هذا قليل- من الابتلاء في الدين، أو من أذية الناس، وتبقى مصائب الدنيا ومحن القدر التي ليس منها مفر، ولا يسلم منها أحد، فينظر الله هل يصبر على هذه الأقدار والمصائب أم يعترض ويتضجر؟ وبهذا الامتحان يتخلص المؤمنون وتيطهروا من كل أدناس الذنوب والعيوب، إلا أن مصائب الدين أعظم وأشد وأنكى من مصائب النفس والمال والولد.
[ ٨٩ / ٥ ]
الرد على المرجئة والكلابية في حقيقة الإيمان
قال الشارح ﵀: [وفي الآية رد على المرجئة والكرامية، ووجهه: أنه لم ينفع هؤلاء قولهم: آمنا بالله.
مع عدم صبرهم على أذى من عاداهم في الله، فلا ينفع القول والتصديق بدون العمل، فلا يصدق الإيمان الشرعي على الإنسان إلا باجتماع الثلاثة: التصديق بالقلب وعمله، والقول باللسان، والعمل بالأركان.
وهذا قول أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا، والله ﷾ أعلم].
الكرامية والكلابية من الطوائف القديمة، أما الكرامية فنسبة لـ ابن كرام، والكلابية نسبة لـ أبي سعيد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب، وكلاهما من الذين قاموا على أهل البدع من المعتزلة وغيرهم، ولكن المشكلة أنهم ردوا عليهم ببدع مثل بدعهم فأخطئوا، وإن كانوا أقرب إلى أهل السنة من أولئك.
إلا أن مذهب الكلابية لا يزال موجودًا وهو مذهب الأشاعرة اليوم؛ فمذهب الكلابية أصل مذهب الأشاعرة، والمقصود بالرد: أن الإيمان عند أهل السنة مركب من أمور ثلاثة: من عمل محله القلب، ومن قول يكون باللسان، ومن عمل يكون بالجوارح، وإذا تخلف شيء من ذلك فالإيمان متخلف غير موجود.
فالقول المقصود به قول: (لا إله إلا الله)، وهذا مما لابد منه، فإن الإنسان لو اعتقد في قرارة نفسه، جازمًا بصحة الإسلام، وصدق الرسول ﷺ، ولكنه لم ينطق بالشهادتين؛ فإنه يكون كافرًا بإجماع العلماء، لابد من النطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، كما قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: (لا إله إلا الله».
ثم مجرد القول لا يكفي، فلابد أن يعرف معنى هذا القول ويعتقد صحته، لأنه لو كان مجرد القول كاف لما كان الكفار والمشركون الذين قاتلهم رسول الله ﷺ متوقفين عن هذا القول أن يقولوه، ويبقوا على دينهم، ولكنهم علموا أن المقصود بالقول المعنى، وأن هذا القول يبطل كل شرك كائن.
ولأنهم يعرفون حقيقة الألفاظ، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] لما قال لهم قولوا: لا إله إلا الله، فهم عرفوا أنه جعل التعلق كله لله، والآلهة كلها باطلة فأبوا أن يقولوا هذا القول، أما لو كان مجرد قول باللسان فقط مع بقائهم على دينهم لسارعوا إلى ذلك ولم يترددوا، وقد عرضوا على الرسول ﷺ أنه يعبد آلهتهم يومًا وهم يعبدون الله يومًا، فأمره الله جل وعلا أن يتبرأ من ذلك، وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٣] إلى آخرها.
الأمر الثالث: العمل، فإذا قال واعتقد صحة القول لكنه لا يصلي ولا يزكي ولا يصوم ولا يحج، ولا يعمل الأعمال التي أمر بها، فهذا لا ينفعه قوله وعقيدته، فلابد من اجتماع هذه الأمور الثلاثة، هذا قول أهل السنة.
أما هؤلاء الذين ذكرهم فعندهم أن القول والتصديق بالقلب كاف، وهذا رد لكتاب الله جل وعلا ولما جاء به الرسول ﷺ، وكثيرًا ما كان الله يقرن العمل بالإيمان في كتابه، كقوله تعالى: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، مما يدل على أن مجرد الإيمان بلا عمل لا يمكن، وإنما هذا تقدير يقدرونه في أذهانهم، أما إن وجد الإيمان الحقيقي في القلب فلابد أن يبعث على العمل.
ومن هنا علم أن الإيمان مركب من أمور ثلاثة: من القول الاعتقاد، ومن الأعمال، وهي الفروض التي فرضها الله جل وعلا، وهذا هو الحق، الذي تدل عليه الآيات الكثيرة، وجاء كلام الشارح هذا عرضًا واستطرادًا.
قال الشارح: [وفيه الخوف من مداهنة الخلق في الحق، والمعصوم من عصمه الله تعالى].
المداهنة معناها: أن يوافقهم على باطلهم وهو يعتقد بطلان ذلك، ولا ينكر عليهم ولا يتبرأ من فعلهم، وهو كاره لذلك مبغض له في حقيقة الأمر، ولكنه وافقهم في الظاهر، فهذه مداهنة، والمداهنة لا تكون إلا لخائف أو لضعيف، فإذا كان ضعيفًا أو خائفًا داهن، والحق لا يجوز أن يكون فيه مداهنة؛ لأن أمر الله جل وعلا أولى بالطاعة والامتثال، وخوف الناس لا يجوز أن يسيطر على الإنسان، لا يجوز للإنسان أن يجعل خوف الناس أكثر من خوف الله جل وعلا، فإنه إذا كان بهذه المثابة فهو ضعيف الإيمان وقد يقع في الشرك؛ لأن تقديم خوف الناس على خوف الله من أنواع الشرك.
[ ٨٩ / ٦ ]
شرح حديث: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله)
[قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله؛ إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره)].
هذا الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية محمد بن مروان السدي الصغير، وكذلك من رواية عطية العوفي، وكلاهما متروك، ومثل هذا -إذا كان بمثل هذا السند- متفق على ضعفه، ولكن هذا الحديث معناه صحيح وثابت في نصوص أخرى، ولهذا ذكره، أما لو كان المقصود به الاعتماد عليه، فإنه لا ينبغي له أن يذكره؛ لأن مثل هذا لا ينبغي أنه يذكر، وإنما ذكره لأجل المعنى الصحيح فقط.
ومعنى هذا الحديث واضح وجلي: وهو أن رزق الله لا يجلبه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره، فإذا قدر الله لك شيء، فعملك الذي تعمله وتحرص عليه لم يؤد إلى زيادة شيء لم يكتبه الله لك.
وكذلك كراهة الناس بأن يمنعوك مما كتب الله لك هذا لا يمكن، وهذا المعنى هو الذي جاء به حديث ابن عباس: (واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يستطيعوا ذلك، وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يستطيعوا ذلك، جفت الأقلام وطويت الصحف بما هو كائن إلى يوم القيامة)، رواه الترمذي وغيره، وهذا معنى هذا الحديث، فمن ضعف اليقين أن يرضي الإنسان الناس بسخط الله، واليقين المقصود به غاية الإيمان؛ لأن اليقين أعم من مجرد التصديق.
فإذا أصبح يطلب رضى الناس بسخط الله، فمعنى ذلك أن إيمانه إما أن يكون ناقصًا أو معدومًا، وعلى العكس: إذا كان الإنسان يرضي الله بسخط الناس فإن هذا دليل على قوة إيمانه وأن عنده يقين؛ لأنه خاف الله ولم يخف الناس، وطلب رضى الله ولم يبال بسخط الناس، فالعكس بالعكس تمامًا.
ثم أخبر أن الرزق لا تجلبه الأسباب الظاهرة إذا لم يرده الله؛ لأن الله هو مسبب الأسباب، وهو الذي رتب المسببات على السبب، ولو شاء لعطل ذلك ومنعه، وليس معنى هذا أن الإنسان يترك السبب، كلا، فالسبب يفعل؛ لأن ترك السبب قدح في الشرع.
والله أمر بفعل الأسباب، ولكن لا يجوز الاعتماد عليها، فإن الاعتماد عليها شرك بالله جل وعلا، وتعطيلها قدح في العقل والشرع، وكل شيء جعله الله سببًا ينبغي أن يفعله العبد، معتمدًا على الله جل وعلا في حصول المراد، فإن حصل له المراد حمد الله وأثنى عليه، وعبده بهذه النعمة التي حصلت له، وازداد إيمانًا على إيمانه، وإن لم يحصل له المطلوب فلا يعود على ذم الناس، وكأنه لا يعلم أن هذا بتدبير الله، وأنه لو أراد جل وعلا لصار، فلا ينبغي أن ينظر إلى السبب على أنه هو المؤثر الجالب أو المانع، بل المؤثر هو الله جل وعلا، الذي قدر الأقدار وجعل لها أسبابًا وموانع.
وعليه؛ إذا حصل له على يد أحد من الناس رزقًا فلا يشكر هذا الإنسان كالذي يعبده، بل يشكر الله جل وعلا، ويعلم أن ذلك من الله، وليس معنى ذلك أنه أيضًا ينسى الفضل الذي يرتبه الله جل وعلا على بعض أيدي عباده، فقد جاء في الحديث: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)، وجاء فيه أيضًا: (ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه)، ومن المعلوم أن الإنسان لا يصنع المعروف بقوته وخلقه وإيجاده وإنما يكون سببًا، والمكافئة إما بإعطائه، وإما بالدعاء له، أما أن يجعل قلبه متعلقًا به فيعطيه ما يعطي الله، فهذا حرام، وهو من الشرك الذي لا يجوز.
هذا هو معنى هذا الحديث، وكما سبق أن ألمحنا أن هذا الحديث في ذاته لا يعتمد عليه في إثبات حكم أو نفيه، وإنما جاء به المصنف لأن معناه وافق نصوصًا أخرى.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الحديث رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي وأعله بـ محمد بن مروان السدي، وقال: ضعيف، وفي إسناده أيضًا عطية العوفي ذكره الذهبي في الضعفاء والمتروكين، وموسى بن بلال، قال الأزدي: ساقط، ومعنى الحديث صحيح، وتمامه: (وإن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط)].
هذه الجملة الأخيرة يظهر أنها حديث آخر، ولهذا ذكره البخاري معلقًا في بعض تراجم صحيحه، وذكر الحافظ أن هذه الجملة الأخيرة رواها الطبراني في المعجم، وأن سندها حسن، فيظهر أن هذا أيضًا حديث آخر، وإن كان ذاك من تمامه، فهذا من معنى قوله: إن معناه صحيح، يعني: أنه وافق نصوصًا أخرى في المعنى.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله: (إن من ضعف اليقين)، الضعف: يضم ويحرك ضد القوة، ضعف ككرم ونصر، ضعفًا، وضعفة، وضعافية، فهو ضعيف وضعوف وضعفان، والجمع: ضعاف وضعفاء وضعفة وضَعْفى وضعَفى أو الضعف -بالفتح- في الرأي، وبالضم في البدن فهي ضعيفة وضعوف.
و(اليقين) المراد به كمال الإيمان، كما قال ابن مسعود: (اليقين الإيمان كله، والصبر نصف الإيمان)، رواه الطبراني بسند صحيح وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد من حديثه مرفوعًا].
يعني أن اليقين: الإيمان الكامل، هذا معناه، وإذا كان كذلك فإنه إذا وقع لإنسان ما يضعف يقينه فليس هذا دليل على أنه ليس عنده إيمان، ولكن دليل على أن إيمانه ضعيف.
قال الشارح: قال: ويدخل في ذلك تحقيق الإيمان بالقدر السابق، كما في حديث ابن عباس مرفوعًا: (فإن استطعت أن تعمل بالرضى في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا)، وفي رواية: (قلت: يا رسول الله! كيف أصنع باليقين؟ قال: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك).
[ ٨٩ / ٧ ]
معنى قوله: أن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك
قوله: (أن ترضي الناس بسخط الله) أي: تؤثر رضاهم على رضى الله؛ وذلك إذا لم يقم بقلبه من إعظام الله وإجلاله وهيبته، ما يمنعه من استجلاب رضى المخلوق بما يجلب له سخط خالقه وربه ومليكه، الذي يتصرف في القلوب، ويفرج الكروب، ويغفر الذنوب، وبهذا الاعتبار يدخل في نوع من الشرك؛ لأنه آثر رضى المخلوق على رضى الله، وتقرب إليه بما يسخط الله، ولا يسلم من هذا إلا من سلمه الله، ووفقه لمعرفته، ومعرفة ما يجوز على الله من إثبات صفاته على ما يليق بجلاله، وتنزيهه تعالى عن كل ما ينافي كماله، ومعرفة توحيده في ربوبيته وإلهيته، وبالله التوفيق.
قوله: (وأن تحمدهم على رزق الله) أي: على ما وصل إليك من أيديهم، بأن تضيفه إليهم وتحمدهم عليه، فإن المتفضل في الحقيقة هو الله وحده، الذي قدره لك وأوصله إليك، وإذا أراد أمرًا قيض له أسبابًا، ولا ينافي هذا حديث: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)؛ لأن شكرهم إنما هو بالدعاء لهم، لكون الله ساقه على أيديهم، فتدعو لهم أو تكافئهم، وفي الحديث: (من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) فإضافة الصنيعة إليهم؛ لكونهم صاروا سببًا في إيصال المعروف إليك، والذي قدره وساقه هو الله وحده.
قوله: (وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله)؛ لأنه لم يقدر لك ما طلبته على أيديهم، فلو قدره لك لساقته المقادير إليك، فمن علم أن المتفرد بالعطاء والمنع هو الله وحده، وأنه هو الذي يرزق العبد بسبب وبلا سبب ومن حيث لا يحتسب، لم يمدح مخلوقًا على رزق، ولم يذمه على منع، ويفوض أمره إلى الله، ويعتمد عليه في أمور دينه ودنياه، وقد قرر النبي ﷺ هذا المعنى بقوله في الحديث: (إن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كراهية كاره)، كما قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢].
قال شيخ الإسلام ﵀: اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنًا لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك: إما ميل إلى ما في أيدي الناس، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديقه بما وعد الله أهل طاعته، من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مئونتهم، وإرضاؤهم بما يسخطه إنما يكون خوفًا منهم ورجاءً لهم، وذلك من ضعف اليقين، وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يقدر كان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، ولكن من حمده الله ورسوله منهم فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله منهم فهو المذموم، ولما قال بعض وفد بني تميم: (أي محمد! أعطني، فإن حمدي زين وذمي شين، قال النبي ﷺ: ذاك الله).
ودل الحديث على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من مسمى الإيمان].
[ ٨٩ / ٨ ]
حقيقة العبودية أن ترضي الله دون النظر إلى الناس
قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من التمس رضى الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)، رواه ابن حبان في صحيحه].
روي هذا الخبر عن عائشة مرفوعًا، وروي موقوفًا، ومعناه واضح وهو: أن العبد يجب أن يكون عبدًا لله جل وعلا، فإذا كان عبدًا لله حقيقة فلا يبالي بسخط الناس، وإنما يكون همه رضى الله، فإن وافق رضى الله مراد الناس وتصورهم فإنه يمضي به، وإن خالفه فلا يبالي بذلك، بل يتقرب إلى الله جل وعلا بأن يسخطهم لمرضاته، ويكون هذا من باب الجهاد في سبيل الله جل وعلا، فإنه لابد أن يجاهد نفسه ويجاهد المكروه الذي يكرهه، وسيكون بعد ذلك منصورًا، والذي أسخطه في رضى الله قد يعود عليه حامدًا ومحبًا، ولا يلزم أن يكون هذا النصر وعود من أسخطه محبًا له لكل أحد، ولكن الغالب وجوده، إلا أن يكون هذا في الكفار والمنافقين فإن ذلك لا يقع منهم، وأما إذا كان ذلك مع المؤمنين الضعفاء أصحاب المعاصي، فتقرب صاحب الحق إلى الله جل وعلا بإسخاطهم، فإن الغالب أن الله يرضيهم عنه، وكذلك يكونون محبين له؛ جزاءً لصبره ومجاهدته.
أما إن أتى العكس: فأرضى الناس بسخط الله، فإنه يعود عليه هذا الذي أرضاه بسخط الله: بالأذى وبالمقت وبالذم، وإن وافق أن أثنوا عليه أو نفعوه بشيء، فإنه لابد -إذا تقرب إلى الناس بسخط الله- أن ينقلب عليه ذلك ضدًا، ويؤذى فيه.
قال الشارح ﵀: [هذا الحديث رواه ابن حبان بهذا اللفظ، ورواه الترمذي عن رجل من أهل المدينة قال: (كتب معاوية ﵁ إلى عائشة ﵂: أن اكتبي لي كتابًا توصيني فيه، ولا تكثري عليَّ، فكتبت عائشة ﵂ إلى معاوية: سلام عليك، أما بعد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، والسلام عليك)، ورواه أبو نعيم في الحلية.
قوله: من التمس: أي: طلب.
قال شيخ الإسلام: وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا)، هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: (من أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذامًا)، وهذا من أعظم الفقه في الدين، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، والله كافٍ عبده: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، والله يكفيه مئونة الناس بلا ريب.
وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبين لهم العاقبة، (ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا)، كالظالم الذي يعض على يديه، وأما كون حامده ينقلب ذامًا، فهذا يقع كثيرًا، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى لا تحصل لهم ابتداءً عند أهوائهم.
اهـ.
وقد أحسن من قال: إذا صح منك الود يا غاية المنى فكل الذي فوق التراب تراب قال ابن رجب ﵀: فمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب، فهو تراب فكيف يقدم طاعة من هو تراب على طاعة رب الأرباب؟! أم كيف يرضي التراب بسخط الملك الوهاب؟! إن هذا لشيء عجاب! وفي الحديث: عقوبة من خاف الناس وآثر رضاهم على الله، وأن العقوبة قد تكون في الدين، عياذًا بالله من ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٧].
[ ٨٩ / ٩ ]
مسائل متفرقة في الباب
[ ٨٩ / ١٠ ]
تفسير آية آل عمران وآية براءة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران].
المقصود بآية آل عمران قوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وسبق سبب نزولها، وأنها متصلة في النزول بما بعدها: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٥]، وسبق أن المعنى: يخوفكم بأوليائه: بأن يعظمهم في صدروكم، ويبرز قوتهم، وأن عندهم قوة وجبروتًا وعندهم وعندهم، وكل هذا من تخويف الشيطان، والذي يجب أن يخاف منه هو الله وحده جل وعلا، فإذا خاف الإنسان ربه فإن كل المخلوقين لا يساوون شيئًا، فمادام أن الإنسان عبد لله، يخاف الله ويخشاه، فلا يرهب جانب المخلوق، ولكنه يتق الله ربه في المخلوق، فلا يحقره ولا يظلمه، بل يفعل ما أمره الله جل وعلا به؛ لأنه عبد لله.
[المسألة الثانية: تفسير آية براءة].
آية براءة أيضًا: مر تفسيرها، وكذلك عرفنا معناها، والمقصود بها، وأنها تتفق مع آية آل عمران.
[المسألة الثالثة: تفسير آية العنكبوت].
وكذلك آية العنكبوت تقدمت قريبًا، وهي قوله جل وعلا: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، يعني: أنه يفر مما يناله من أذى الناس -في طاعة الله وفي إيمانه- فيوافقهم على المعصية؛ خوفًا من أذاهم، مستهينًا بعذاب الله جل وعلا، ومثل هذا كمن يفر من الرمضاء إلى النار، إلى نار جهنم، والناس لابد أن ينالهم الأذى في هذه الحياة؛ لأن هذه الحياة طبعت على الأكدار، ولا تصفو لأحد، إلا للمؤمن فقط، وصفوها: أنه يكون مطمئنًا بربه، راضيًا بما يقدر له، سائرًا في طريقه إلى الحياة الأبدية، متصلًا بربه، إن مسه ضر دعاه، وإن نالته نعمة شكره وعبده وأناب إليه، فيكون في ذلك مرتاحًا مطمئنًا سعيدًا، أما من يظن أن لن يناله أذى في هذه الدنيا أبدًا، فهذا مستحيل، وطن خاطئ.
[ ٨٩ / ١١ ]
اليقين يضعف ويقوي ولكل علامة
[المسألة الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى].
اليقين: سبق أنه الإيمان كله، وأنه كمال الإيمان، وقد يطلق اليقين على الإيمان، ومعلوم أن قوة اليقين: أن يكون الإنسان آخذًا بجميع أوامر الله جل وعلا، مجتنبًا نواهيه حسب طاقته، فقد يضعف يقين الإنسان، مع وجود أصل الإيمان عنده، فيرضي الناس بسخط الله، فهذا من ضعف اليقين: أن يرضي الناس بسخط الله، ويرتكب مساخط الله لأجل موافقة الناس ورضاهم، فهذا سببه ضعف اليقين وضعف الإيمان.
[المسألة الخامسة: علامة ضعفه ومن ذلك هذه الثلاث].
والثلاث التي يقصدها: كونه يوافق الناس على المعاصي؛ خوفًا من أذاهم، وكونه إذا حصل له على أيديهم نفع أرجعه إليهم، وكونه إذا لم يحصل له على أيديهم شيء عاد عليهم بالسب والشتم واللعن، فهذه كلها من علامات ضعف الإيمان، ونقص اليقين، وسبق أنه تدخل في هذا أشياء كثيرة، من كون الإنسان لا يرضى بأقدار الله، وتسخطه لها، وهذا الفعل قد يخرج الإنسان من الإيمان، نسأل الله العافية.
[ ٨٩ / ١٢ ]
إخلاص الخوف لله من الفرائض
[المسألة السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض].
الخوف يجب أن يكون من الله جل وعلا، وهو فريضة، وهو عبادة من أعظم العبادات: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، و(إن) هنا شرط، يعني: إن كنتم تحليتم بالإيمان فيجب عليكم أن تجعلوا الخوف من الله فقط، وليس من عدو من أعدائكم، فدل هذا على أن الخوف فريضة، فإذا كان فريضة فيجب إخلاصه لله، وإذا أشرك فيه الإنسان مع ربه أحدًا من الخلق، فإنه يكون واقعًا في الشرك.
قوله: [المسألة السابعة: ذكر ثواب من فعله].
يعني: من خاف من الله جل وعلا وكان خوفه لله، فإن الله جل وعلا يجزيه الجزاء الذي وعد به تعالى وتقدس.
قوله: [المسألة الثامنة: ذكر عقاب من تركه].
[ ٨٩ / ١٣ ]