إن التوكل على الله من أعظم العبادات، وأجمع الطاعات، لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، فإن العبد إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية -دون كل من سواه- صح إخلاصه ومعاملته مع الله تعالى، ومع هذا فلابد للعبد مع التوكل من الإتيان بالأسباب؛ لأن تعطيل الأسباب قدح في العقل، وإعراض عن الشرع.
[ ٩٠ / ١ ]
باب التوكل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]].
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: هذه الآية في سياق قصة موسى ﵇، لما أمر قومه أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله جل وعلا لهم، قال في خاتمة ذلك: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: يعني: هم جبابرة، ولهذا قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة:٢٢]، ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ [المائدة:٢٤]، ومعلوم أن عندهم من الإباء والتعنت والاستكبار والامتناع من طاعة رسولهم الشيء الذي ذكره الله جل وعلا عنهم، فلهذا قالوا في هذه الآية: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، وفي هذا تحدٍ وعناد وتكبر على الله وعلى رسوله موسى كليم الرحمن ﷺ، ولهذا فقد لقي موسى منهم الأذى الكثير، ولكنه صبر، ولما قيل للنبي ﷺ: وهو يقسم مالًا -حسبما أمره الله جل وعلا- بين كبار القبائل رؤساء القبائل يتألفهم به حتى يؤمنوا فتؤمن قبائلهم، وقد قال ﷺ: (إني قاسم ولست بمعط المعطي هو الله)، يعني: أنه يفعل ما أمره الله، فكان يقسم ذهبًا جاءه من اليمن فقسمه بين أربعة أنفار من رؤساء القبائل يتألفهم لعلهم يسلمون فتسلم قبائلهم، فجاء رجل وقال له: إن هذه القسمة لم يرد بها وجه الله! هل يقال للرسول ﷺ مثل هذا الكلام؟! ولهذا تغير لون وجهه ﷺ ثم رجع وقال: (رحم الله موسى لقد أوذي أكثر مما أوذيت فصبر)، فصبر صلوات الله وسلامه عليه تأسيًا بموسى، فموسى ﵇ يأمر قومه لما نجاهم الله جل وعلا من فرعون وأراهم الآيات الباهرة: من فلق البحر لهم حتى صاروا يمشون فيه في طرق يابسة لا يخافون فيها غرقًا ولا زلقًا، والبحر واقف عن يمينهم وعن شمالهم كهيئة الجبال، وهم يسيرون في وسط البحر في طريق يابس، ثم لما تكاملوا خارجين من البحر، ودخل فرعون وقومه وتكاملوا في الدخول أمر الله جل وعلا عبده ورسوله موسى أن يضرب البحر مرة أخرى بعصاه، فالتأم البحر عليهم وأهلكم وبنو إسرائيل ينظرون، وكونه يهلك عدوهم هلاكًا جماعيًا بحيث لم يبق منهم أحدًا، فهذه نعمة كبيرة يجب عليهم أن يشكروها، ويقابلوها بالعبادة الخالصة لله جل وعلا، وقد قالوا قبل ذلك لما صار البحر أمامهم وفرعون خلفهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، أين المفر؟ البحر من الأمام وفرعون من الخلف! يخاطبون موسى: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ): يعني: فرعون أدركنا، فقال موسى ﵇: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، الذي أمره بهذا المسير وبهذا الطريق الله، وإذا كان أمره الله فلن يدرك، فلهذا أمره الله جل وعلا أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فصار طريقًا يابسًا، فلما عبروا منه أطبقه الله على فرعون وجنوده وأغرقهم أجمعين.
وبعد ذلك وعدهم الله جل وعلا الأرض المقدسة وكان فيها جبابرة يقال: إنهم من العرب، فأمرهم موسى أن يقاتلوهم ويأخذوا بلدهم، فخافوهم وقالوا: إنهم جبارين، كبار الأجسام والقوى لا نستطيع أن نقاتلهم، قال لهم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة:٢٣]، فأبوا.
والمقصود: أنه ذكر في آخر القصة قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، ومعلوم أن هذا الخطاب نزل على خاتم الرسل محمد صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان المذكور قصة بني إسرائيل مع نبيهم فنحن المقصودون، أما أولئك فقد أبوا أن يؤمنوا وأبوا أن يقبلوا خطاب الله -أعني: بقاياهم- وأما الذين كان فيهم موسى وكانت فيهم هذه القصة فقد هلكوا وذهبوا، فالمؤمن أكرمه الله جل وعلا، والكافر أهانه الله جل وعلا، ومعلوم أن بني إسرائيل فيهم المؤمنون وفيهم الأتقياء، وفيهم من هداه الله، وقد قال جل وعلا: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية:١٦]، ولكن المقصود بالعالمين: عالم وقتهم وليس هذا عامًا لمن يأتي بعدهم، فإن هذه الأمة أفضل منهم، والأسوة في اتباع الأنبياء؛ لأن دينهم واحد وكلهم جاءوا بالأمر بطاعة الله جل وعلا، ولهذا قال الله: جل وعلا عند قصة كل نبي أن ذلك النبي قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] فالدعوة واحدة والدين واحد.
والتوكل: هو اعتماد القلب على من بيده أزمة الأمور مع فعل الأسباب، وليس التوكل: تعطيل الأسباب فإن هذا عجز ولا يكون توكلًا.
فقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة:٢٣]، يعني: قاتلوا واعتمدوا على ربكم في نصركم، ﴿إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، إن: هذه شرطية، يعني: إن كان الإيمان عندكم فافعلوا التوكل، أما إذا لم يحصل التوكل، فهو دليل على انتفاء الإيمان؛ لأن انتفاء شرط مركب على شيء مشروط إذا لم يوجد فمعنى ذلك: أنه لم يوجد، وبهذا يستدل على أن التوكل فريضة على كل عبد.
والتوكل قد ذكره الله جل وعلا في كتابه في آيات كثيرة، وقرنه مع العبادات بأنواعها، فقرنه بالعبادة وقرنه بالتقوى، وقرنه بالإيمان، وجميع صفات المؤمنين قرنت به، وجعل شرطًا في حصول الإيمان فدل هذا على أنه لازم، وأنه لا يجوز أن يكون لغير الله، ويجب أن يكون خالصًا لله جل وعلا، فمن صرفه لغير الله وتوكل على غير الله فإنه يكون مشركًا.
[ ٩٠ / ٢ ]
أنواع التوكل على غير الله
والتوكل على غير الله نوعان: أحدهما: أن يتوكل على ميت أو غائب من ولي أو نبي، فيتوكل عليه؛ ليحصل على مطلوبه سواء كان مطلوبه في الدنيا أو في الآخرة، سواء كان مرغوبًا أو مرهوبًا منه، يعني: حصول نفع في بدنه: من صحة، أو في أهله أو في ماله أو نصر على عدو والنكاية فيه أو كان شيئًا يطلب يوم القيامة: من شفاعة أو غيرها، فمن توكل على ميت بهذا المعنى فهو مشرك شركًا أكبر، وهذا يوجد بكثرة في بعض من يدعون الإسلام فتراهم يتوكلون على الأموات ويطلبون منهم الطلبات التي لا يجوز أن تطلب إلا من رب الأرباب جل وعلا.
النوع الثاني من التوكل على المخلوق: أن يتكل الإنسان على سلطان أو أمير، أو ما أشبه ذلك في حصول مطلوب له، ويكون باستطاعة ذلك الشخص تنفيذه، ولكنه يعتمد عليه، أو يعتمد عليه في دفع الأذى أو ما أشبه ذلك، وهذا نوع من الشرك، والواجب أن يكون التوكل على الله وحده مع فعل السبب.
أما التوكيل وهو: كون الإنسان يوكل إنسانًا في فعل أمر من أمور دنياه فهذا جائز؛ لأنه أنابه في شيء يستطيع القيام به، ولكن لا يعتمد على هذا الوكيل في أنه يحصل له كذا وكذا، ولكنه يفوض إليه الأمر ويقول: افعل كذا وكذا ويعتمد على ربه جل وعلا في حصول النتائج.
[ ٩٠ / ٣ ]
وجوب التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب
إن اعتماد القلب لا يجوز أن يكون على المخلوق، ويجب أن يكون على الله وحده، سواء كان الذي يرجى حصوله أمرًا عاديًا أو كان أمرًا عظيمًا، فيجب أن يكون اعتماد القلب على الله وحده.
فإذا اعتمد قلب العبد على ربه جل وعلا فقد توكل عليه، وعليه أن يفعل السبب كما في هذه الآية، فإن الله أمرهم بالدخول على الجبابرة، والدخول معناه: الاستعداد بأخذ القوة والعدة والتأهب، وهذا هو فعل السبب، ثم يتوكلون في هزيمتهم وحصول النصر لهم على الله، لا على أسبابهم وقوتهم، وهكذا فجميع ما يفعله العبد يجب أن يكون بهذه الصفة، وإذا كان على هذه الصفة يكون موحدًا لله جل وعلا، ويكون فاعلًا ما أمره الله جل وعلا به، وهذا من واجبات التوحيد وهو تفسير عملي لـ (لا إله إلا الله).
أما كون الإنسان يعطل السبب فهذا ليس من الدين، بل هذا قدح في عقل الإنسان، وإعراض عن الشرع، فبعض الناس يقول: أجلس في بيتي وأتوكل على الله، وإذا قدر لي شيء فسيأتي! وهذا من العجز، وكذلك الذي يقول: أنا أريد أن أكون عالمًا، وإذا كان ذلك مقدرًا فسيأتي فأتوكل على الله وسيأتي، وهذا يعد غير عاقل؛ لأنه إذا كان يريد أن يكون عالمًا فعليه أن يتعلم ويأخذ بالأسباب، وهذا مثل الذي يقول: أنا لا أتزوج، إن كان الله جل وعلا قد قدر لي ولدًا فسيأتي! لا يأتي شيء إلا بسبب، فالله جل وعلا جعل لكل شيء سببًا، ولكن يجب عليك أن تفعل السبب المشروع وتتقي ربك في ذلك، ثم تعتمد على الله في حصول النتائج لا على السبب، وإن جئت به على أتم وجه؛ لأنه قد يتخلف المسبب ولا يحدث، وذلك إذا أراد الله جل وعلا؛ لأنه لا يقع شيء إلا بإرادة الله وبمشيئته جل وعلا، ولهذا وجب التوكل عليه جل وعلا في حصول النتائج؛ لأنه لو شاء عطل السبب وصار غير مفيد، وغير مجد، ومن توكل على الله فهو كافيه.
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال أبو السعادات يقال: توكل بالأمر: إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: إذا اعتمدت عليه، ووكل فلان فلانًا: إذا استكفاه أمره ثقةً بكفايته أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه.
انتهى].
أبو السعادات هو ابن الأثير صاحب جامع الأصول، والنهاية في غريب الحديث، وغيرهما من كتبه المعروفة.
والتوكيل الذي ذكره الشارح عن أبي السعادات هو التوكيل من حديث اللغة.
أما تعريف التوكل: فهو اعتماد القلب على الله جل وعلا في حصول المطلوب.
[ ٩٠ / ٤ ]
تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر
قال الشارح ﵀: [وأراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة بالآية: بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله تعالى فإن تقديم المعمول يفيد الحصر، أي: وعلى الله فتوكلوا لا على غيره، فهو من أجمع أنواع العبادة وأعظمها].
قوله: (تقديم المعمول يفيد الحصر)، أي: المعمول الذي عمل به عامل، والمعمول: هو الفضلة الذي يكون معمولًا لفعل، يعني: مفعول، فتقديم المفعول على الفاعل يفيد الحصر؛ لأن حق المفعول أن يتأخر وأن يكون الفاعل متقدمًا على وضع اللغة، وإذا قدم ما حقه التأخير فلابد أن يكون لأمر مقصود، والأمر المقصود هو الحصر، فيكون التوكل على الله هذا معناه فقط، وهو مثل قوله جل وعلا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، لو كان في غير القرآن لجاز أن تقول: نعبدك يا الله! على وضع اللغة، فإذا قدم ما حقه التأخير أفاد الحصر يعني: حصر العبادة على الله فقط ولا يجوز أن تكون لغيره، وهكذا في هذه الآية: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة:٢٣]، العامل هو توكلوا، والوضع اللغوي الطبيعي هو: توكلوا على الله، فلما قدم الجار والمجرور الذي هو معمول للفعل دل على الحصر وأنه يجب أن يحصر التوكل على الله وحده.
ومعنى ذلك: أنه لا يجوز أن يتوكل على مخلوق مهما كان، سواء كان نبيًا أو كان وليًا أو ملكًا أو غير ذلك، ويجب أن يكون التوكل على الله وحده فقط، وهذا من الأدلة على وجوبه، وأنه عبادة خاصة بالله جل وعلا لا يجوز جعل شيء منه لمخلوق، فإن جعل شيئًا من التوكل لمخلوق فإن ذلك من الشرك الأكبر الذي إذا مات عليه الإنسان -نسأل الله العافية- يكون من أهل النار خالدًا فيها.
[ ٩٠ / ٥ ]
التوكل من أعظم منازل إياك نعبد وإياك نستعين
قال الشارح ﵀: [فهو من أجمع أنواع العبادة وأعظمها؛ لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل من سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله تعالى، فهو من أعظم منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]].
منازل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] المقصود بها: العبادات المفروضة التي دل عليها قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؛ لأن العبادة أنواع متعددة، وكل نوع يكون أصلًا في هذا فهو منزلة من المنازل، وهذا اصطلاح.
والتوكل من أعظم المنازل، يعني: أنه عبادة عظيمة يجب أن تخلص لله جل وعلا، ويدل على هذا: الحديث الذي تقدم في أول الكتاب حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فإنه جعل وصفهم الجامع: (وعلى الله يتوكلون) ولما سئل عنهم الرسول ﷺ قال: (هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون)، فقوله: (وعلى ربهم يتوكلون)، هو وصف جامع للخصال المتقدمة، وهو سبب دخولهم الجنة، يعني: أنهم جاءوا بالتوكل كاملًا وتامًا فبسبب ذلك سبقوا إلى الجنة.
[ ٩٠ / ٦ ]
حصول كمال التوحيد مرتبط بكمال التوكل
قال الشارح ﵀: [فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله كما في هذه الآية، وكما قال تعالى: ﴿وقال موسى يا قوم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]].
أنواع التوحيد الثلاثة مترابطة، وكل واحد منها لا يجزء عن الآخر، ولو جاء الإنسان باثنين ولم يأت بالثالث لا يكون مسلمًا إلا بعد أن يأتي بها كلها، وهي: الأول: أن يعبد الله جل وعلا وحده- بحقه الذي أوجبه على العباد، وهذا يسمى: توحيد العبادة أو توحيد الإلهية.
الثاني: أن يعتقد أنه واحد في خلقه وتصرفاته وأفعاله ولم يشاركه في ذلك أحد، وهذا يتعلق بأفعال الرب جل وعلا، ويسمى بتوحيد الربوبية.
الثالث: أن يوحده في أوصافه وأساميه، والاسم الذي وصف به نفسه يجعله خاصًا له، فلا يصف مخلوقًا بشيء من هذه الصفات ولا يسم مخلوقًا بشيء من هذه الأسماء، بل هذه خاصة لله فيكون موحدًا، وهذا الأمر دلت عليه كل آية في التوحيد.
[ ٩٠ / ٧ ]
سبب تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام
وأما التقسيم بهذه الصورة فليس فيه آية أو حديث، ولم يكن العرب إذ ذاك يحتاجون له، وإنما احتجنا إلى هذا التقسيم في زماننا لما كنا نجهل كلام العرب وفسدت ألسنتنا واختلط كلامنا بكلام العجم، وصرنا نحتاج إلى أن نتعلم اللغة كما نتعلم الشيء الغريب، مع أننا عرب في الأصل، ولكن عربيتنا فسدت؛ لأن الألسن تداخلت وضاعت القواعد التي كان عليها العرب، وإلا فإن العرب لم يكونوا يحتاجون تعلم اللغة، بل لو حاول واحد منهم أن ينطق باللحن ما استطاع.
وقد ذكر: أن معلمًا للصبيان في القرون الأولى -الصبيان كانوا عربًا والمعلم غير عربي- كان يلقنهم القرآن! فصار يلقن واحدًا منهم ويقول له: قل: تبت يدا، فيقول الصبي: تبت يدان، فيضربه ويقول: قل تبت يدا، فما يستطيع أن يقول: تبت يدا، بل يأتي بالمثنى: تبت يدان، فرآه رجل عربي وقال: هذا عربي، انطق بالمضاف إليه حتى يستطيع أن يتكلم به، أما بهذا الشكل فما يستطيع، فقال له: قل تبت يدا أبي لهب وتب، فنطق بها كما قال؛ لأن هذه سليقته.
وسمع عربي مؤذنًا يقول: أشهد أن محمدًا رسولَ الله فصار يقول: ما له؟ لأنه ما جاء بالخبر؛ حيث نصب الخبر فصار اسم أن: (محمدًا رسولَ)، فيكون (رسولَ) منصوبًا على أنه بدل من (محمدًا) والخبر لم يذكر، ولذلك لابد أن يقول: أشهد أن محمدًا رسولُ الله برفع (رسول) حتى تتم الجملة ويصير الكلام عربيًا، أما إذا نصبه كما هي عادة كثير من المؤذنين فإن هذا لا يكون مفيدًا ولا يكون كلامًا عربيًا.
المقصود: أن هذا التقسيم احتيج إليه لما جهل الناس كثيرًا من معاني كلام الله ومعاني كلام رسوله ﷺ، وهو تقسيم سبري، يعني: سُبر القرآن وتُتبع فأُخذ ذلك التقسيم من آيات متعددة.
قال الشارح ﵀: [وقوله:: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٩]، والآيات في الأمر به كثيرة جدًا.
قال الإمام أحمد ﵀: التوكل عمل القلب.
وقال ابن القيم ﵀ في معنى الآية المترجم بها: فجعل التوكل على الله شرطًا في الإيمان فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وفي الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]، فجعل دليل صحة الإسلام التوكل.
ولا فرق بين هذه الآية والتي قبلها (إن كنتم مسلمين) و(إن كنتم مؤمنين)؛ لأن الإسلام إذا ذكر وحده مفردًا دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده مفردًا دخل فيه الإسلام، أما إذا جاء الإسلام والإيمان معًا فالإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، والتي هي أعمال القلب.
[ ٩٠ / ٨ ]
التوكل أصل جميع مقامات الإيمان والإحسان وأعمال الإسلام
قال رحمه الله تعالى: [فجعل دليل صحة الإسلام التوكل، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفًا كان دليلًا على ضعف الإيمان ولابد، والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية.
فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل].
يعني: أن التوكل هو البدن والرأس هو الإيمان، فمعلوم أن الرأس يعتمد على البدن فكذلك الإيمان يعتمد على التوكل، فإذا بطل التوكل بطل الإيمان؛ لأنه لا يوجد رأس بلا بدن.
[قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وما رجا أحد مخلوقًا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه؛ فإنه مشرك: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]].
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قلت: لكن التوكل على غير الله قسمان: أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله.
كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم: من نصر أو حفظ أو رزق أو شفاعة، فهذا شرك أكبر.
الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما أقدره الله تعالى عليه من رزق أو دفع أذىً ونحو ذلك، فهذا نوع من الشرك الأصغر.
والوكالة الجائزة: هي توكيل الإنسان في فعل ما يقدر عليه نيابةً عنه، لكن ليس له أن يعتمد عليه في حصول ما وكل فيه، بل يتوكل على الله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها ولا يعتمد عليها، بل يعتمد على المسبب الذي أوجد السبب والمسبَّب].
[ ٩٠ / ٩ ]
التوكل على الله من صفات المؤمنين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]].
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية: خمس صفات للمؤمنين وحصرهم بـ (إنما) التي تفيد الحصر.
ومعنى ذلك: أنهم إذا خرجوا عن هذه الصفات فليسوا بمؤمنين، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ وإنما: تفيد الحصر في المذكور وتنفيه عما عدا ذلك.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ والوجل: هو خوف القلب، فيخاف ويتحرك إذا ذكر بالله عند أمر من الأمور إن كان منهيًا عنه وخاف من الله وتوقف، وإن كان مأمورًا به فعله.
الصفة الثانية: أنهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وزيادة الإيمان تكون بزيادة العمل، يعني: إذا جاءتهم الآيات تذكرهم بالعمل وتأمرهم به اجتهدوا فيه وعملوا فيزدادون بذلك إيمانًا؛ لأن المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا.
الصفة الثالثة: على ربهم يتوكلون، كما في قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وسبق في الآية أنه قدم المعلول فيها لإفادة الحصر، يعني: أن يكون توكلهم على الله وحده فقط.
الصفة الرابعة: إقامة الصلاة، كما في قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [الأنفال:٣]، وإقامتها بأن يأتي بها الإنسان على الوجه المشروع، وليس إقامتها بمجرد الإتيان بالركوع والسجود؛ لأن الإنسان قد يركع ويسجد ويقوم ويقرأ وقلبه غافل ساهٍ فلا يكون مقيمًا لها، ولكنه يعد مصليًا ويسقط عنه الفرض، ولكن قد تكتب له نصف صلاة أو ربعها أو عشرها أو أقل أو أكثر حسب عقله، فيكون الذي كتب له هو الشيء الذي أقامه، أما الباقي فهو عليه لا له، ولكنه لا يؤمر بأن يعيد الفرض، وإن كان لا يدري ماذا قال في الصلاة ولا يدري ماذا قال الإمام ولا يدري هل هو بين يدي الله أو أنه مع الناس، فإقامة الصلاة: أن يأتي بها مجتهدًا بأن يكون خاشعًا مؤديًا لشروطها وأركانها وواجباتها حسب استطاعته، ومجاهدًا لنفسه والشيطان.
الصفة الخامسة: أداء الزكاة كما في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، وهذا يكون بأداء الزكاة الواجبة التي تجب على الإنسان في ماله، فيجب أن يؤديها راضيًا بذلك مغتبطًا به، راجيًا ثواب الله وخائفًا من عقابه فيما لو أخل بها.
هذه الصفات الخمس التي ذكرت في هذه الآيات، وحصر المؤمنين فيمن تحلى بهذه الصفات الخمس يدل على أن من ترك شيئًا من هذه الصفات الخمس أنه خارج عن ذلك، ومن أعظمها التوكل: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، وهذا هو الشاهد من الآيات.
قال الشارح ﵀: [قال ابن عباس في الآية: (المنافقون لا يدخل في قلبوهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه ولا يؤمنون بشيء من آيات الله ولا يتوكلون على الله ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، فأدوا فرائضه) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ووجل القلب من الله يستلزم القيام بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه.
قال السدي: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: (هو الرجل يريد أن يظلم أو قال: يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، فيجل قلبه) رواه ابن أبي شيبة وابن جرير].
[ ٩٠ / ١٠ ]
إجماع أهل السنة على أن الإيمان يزيد وينقص
قال الشارح ﵀: [قوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:٢]: استدل الصحابة والتابعون ومن تبعهم من أهل السنة بهذه الآية ونظائرها على زيادة الإيمان ونقصانه.
قال عمير بن حبيب الصحابي: إن الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه.
رواه ابن سعد].
يعني: أن الإيمان يزيد بالعمل، ولهذا قال أهل السنة في تعريف الإيمان: هو قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فجعلوا الزيادة والنقص من تمام التعريف؛ لأن أهل البدع، -مثل المعتزلة والخوارج- وإن وافقوا أهل السنة أول التعريف، إلا أنهم خالفوهم فيما يتعلق بالزيادة والنقصان، فالإيمان عند الخوارج والمعتزلة هو فعل الطاعات وعقيدة القلب -يعني: تصديقه- وكذلك عمل الأركان: القول والعمل، فلو كان يأتي بجميع الواجبات مصدقًا عاملًا بها ثم ترك واجبًا فإنه يكون خارجًا من الإيمان عند الخوارج وعند المعتزلة، إلا أنه عند الخوارج يصير كافرًا وعند المعتزلة يبقى في منزلة بين الكفر والإيمان، فلا يكون كافرًا ولا مؤمنًا، وإنما يكون قد خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر! وهذه من بدعهم التي انفردوا بها، ولم يقل بها أحد غيرهم.
ثم إنهم وافقوا الخوارج في حكم الآخرة وقالوا: إذا مات على ذلك صار في النار، أما أهل السنة فزادوا في تعريفهم للإيمان: قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فقولهم: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، من تمام التعريف وهو لمخالفة المبتدعة، أما غيرهم من أهل البدع فيجعلونه: قولًا، وبعضهم يجعله تصديقًا، وجعله قولًا هذا من أغرب ما يكون؛ لأنه يلزم منه أن الإنسان إذا قال بلسانه فهو مؤمن وإن كان كافرًا بقلبه.
وعلى كل حال فكل من خالف ما جاء في كتاب الله وما جاء عن رسول الله ﷺ فلابد أن يقع في الأخطاء الفضيعة الواضحة.
قال الشارح ﵀: [وقال مجاهد: الإيمان يزيد وينقص وهو قول وعمل.
رواه ابن أبي حاتم].
يدخل في القول: قول اللسان وقول القلب مثل الخوف والخشية والوجل والإنابة والمحبة والرضا هذا كله من قول القلب؛ لأن القول ينقسم إلى قسمين عند أهل السنة: قول يكون باللسان، وقول يكون بالقلب وهو: عقيدته وعمله.
قال الشارح ﵀: [وحكى الإجماع على ذلك الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم رحمهم الله تعالى.
وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، أي: يعتمدون عليه بقلوبهم، مفوضين إليه أمورهم فلا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده والمعبود وحده لا شريك له.
وفي الآية وصف المؤمنين حقًا بثلاثة مقامات من مقامات الإحسان وهي: الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده].
بل خمس مقامات؛ لأن تمام الآية: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣]، فهي خمس مقامات واضحة.
قال الشارح ﵀: وهذه المقامات تقتضي كمال الإيمان وحصول أعماله الباطنة والظاهرة، مثال ذلك: الصلاة، فمن أقام الصلاة وحافظ عليها وأدى الزكاة كما أمره الله استلزم ذلك العمل بما يقدر عليه من الواجبات، وترك جميع المحرمات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]].
[ ٩٠ / ١١ ]
معنى قوله تعالى: (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]].
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم ﵀: أي: الله وحده كافيك وكافي أتباعك فلا تحتاجون معه إلى أحد وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقيل المعنى: حسبك الله وحسبك المؤمنون.
قال ابن القيم ﵀: وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه.
فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٢]، ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، ونظير هذا قوله سبحانه: ﴿وقالوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة:٥٩]، فتأمل كيف جعل الإيتاء لله والرسول وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، فجعل الرغبة إليه وحده، كما قال: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٨]، فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود والنذر والحلف لا يكون إلا له ﷾.
انتهى.
وبهذا يتبين مطابقة الآية للترجمة، فإذا كان هو الكافي لعبده وجب ألا يتوكل إلا عليه، ومتى التفت إلى سواه وكله الله إلى من التفت إليه كما في الحديث: (من تعلق شيئًا وكل إليه).
قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]].
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم: أي: كافيه.
ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدو، ولا يضره إلا أذىً لابد منه كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ به مراده فلا يكون أبدًا.
وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء، وفي الحقيقة إحسان وإضرار بنفسه وبين الضرر الذي يتشفى به منه.
قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، ولم يقل: فله كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن، لجعل الله له مخرجًا وكفاه رزقه ونصره.
انتهى.
وفي أثر رواه أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال: قال الله ﷿ في بعض كتبه: (بعزتي إنه من اعتصم بي فكادته السماوات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن فإني أجعل له من ذلك مخرجًا، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء، وأخسف من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء، ثم أكله إلى نفسه، كفى بي بعبدي مآلًا، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني، وأستجيب له قبل أن يدعوني، فأنا أعلم بحاجته التي ترفق به منه)].
[ ٩٠ / ١٢ ]
ما جاء في الآية من بيان فضل التوكل والتنبيه على الأخذ بالأسباب
قال الشارح ﵀: [وفي الآية: دليل على فضل التوكل، وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار؛ لأن الله تعالى علق الجملة الأخيرة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط فيمتنع أن يكون وجود الشرط كعدمه؛ لأن الله تعالى رتب الحكم على الوصف المناسب له، فعلم أن توكله هو سبب كون الله حسبًا له.
وفيها: تنبيه على القيام بالأسباب مع التوكل؛ لأنه تعالى ذكر التقوى ثم ذكر التوكل كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة:١١]، فجعل التوكل مع التقوى الذي هو قيام بالأسباب المأمور بها، فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوبًا بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزًا ولا عجزه توكلًا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها.
ذكره ابن القيم بمعناه].
[ ٩٠ / ١٣ ]
نموذج من توكل الخليلين ﵉
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
رواه البخاري].
قال الشارح ﵀: [قوله: حسبنا الله: أي كافينا، فلا نتوكل إلا عليه، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦].
قوله: ونعم الوكيل: أي نعم الموكول إليه، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، ومخصوص (نِعمَ) محذوف تقديره (هو).
قال ابن القيم ﵀: هو حسب من توكل عليه وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمِّن خوف الخائف ويجير المستجير، فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه؛ تولاه وحفظه وحرسه وصانه، ومن خافه واتقاه؛ أمَّنه مما يخاف ويحذر، ويجلب إليه ما يحتاج إليه من المنافع.
قوله: قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨ - ٧٠].
قوله: وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، وذلك بعد منصرف قريش والأحزاب من أحد، بلغه أن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا الكرة عليهم فخرج النبي ﷺ في سبعين راكبًا حتى انتهى إلى حمراء الأسد فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان فرجع إلى مكة بمن معه، ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: فهل أنتم مبلغون محمدًا عني رسالة؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال: (حسبنا الله ونعم الوكيل).
ففي هاتين القصتين فضل هذه الكلمة العظيمة، وأنها قول الخليلين عليهما في الشدائد.
وجاء في الحديث: (إذا وقعتم في الأمر العظيم، فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)].
[ ٩٠ / ١٤ ]
مسائل في باب قوله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)
قال المصنف ﵀: [فيه مسائل: الأولى: أن التوكل من الفرائض.
الثانية: أنه من شروط الإيمان.
الثالثة: تفسير آية الأنفال.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها.
الخامسة: تفسير آية الطلاق.
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة وأنها قول إبراهيم ﵇ ومحمد ﷺ في الشدائد].
[ ٩٠ / ١٥ ]