الأمن من مكر الله من كبائر الذنوب، لأنه يجعل الإنسان يتمادى في غيه وضلاله ومعاصيه، وكذلك اليأس من روح الله من كبائر الذنوب أيضًا؛ لأنه يجعل الإنسان يترك التوبة والرجوع إلى الله تعالى، والواجب على الإنسان أن يكون بين الخوف والرجاء، فيخاف من ذنوبه ويتوب إلى الله تعالى منها، ويرجو ثواب الله تعالى ولا يقنط من رحمته سبحانه، فيجعل الخوف والرجاء عنده كالجناحين للطائر، حتى يبلغه ذلك رضوان الله تعالى وجنته.
[ ٩١ / ١ ]
باب قول الله تعالى: (أفأمنوا مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون
قال المصنف ﵀: [باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
قصد المصنف ﵀ بهذه الآية التنبيه على أن الأمن من مكر الله من أعظم الذنوب، وأنه ينافي كمال التوحيد، كما أن القنوط من رحمة الله كذلك؛ وذلك يرشد إلى أن المؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء كما دل على ذلك الكتاب والسنة وأرشد إليه السلف والأئمة.
ومعنى الآية: أن الله ﵎ لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل، بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله وعدم الخوف منه، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٧ - ٩٩]، أي: الهالكون؛ وذلك أنهم أمنوا مكر الله لما استدرجهم بالسراء والنعم، فاستبعدوا أن يكون ذلك مكرًا.
قال الحسن ﵀: (من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له).
وقال قتادة: (بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سلوتهم ونعمتهم وغرتهم، فلا تغتروا بالله).
وفي الحديث: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج)، رواه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال إسماعيل بن رافع: من الأمن من مكر الله: إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة.
رواه ابن أبي حاتم، وهذا هو تفسير المكر في قول بعض السلف: (يستدرجهم الله بالنعم إذا عصوه ويملي لهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهذا هو معنى المكر والخديعة ونحو ذلك.
ذكره ابن جرير بمعناه].
[ ٩١ / ٢ ]
الأمن من مكر الله من كبائر الذنوب
من المعلوم أنه لا يراقب الله جل وعلا ولا يخاف منه إلا المؤمن، الذي يؤمن بأن كل شيء بيد الله، وأنه خلق العباد لعبادته، وأنه هو الذي يأمر وينهى، وهو الذي يجب أن يطاع أمره ويجتنب نهيه، وهو الذي خلق العباد للجزاء أو العقاب، وإذا لم يكن عند الإنسان تصور لما تقدم، وليس عنده تصور لوقوفه بين يدي الله فيجازى بعمله الذي عمله؛ يصبح كالبهيمة لا يبالي بشيء، بل يسعى للشيء الذي يروق له ويناسب شهواته، فمثل هؤلاء أمنوا مكر الله؛ لأنهم في الواقع لم يلتفتوا إلى ما خلقوا له، ولم يبالوا بأمر الله الذي خلقوا من أجله وهو طاعته، وإنما رأوا أنهم خلقوا للأكل والشرب والتمتع بالملذات حسب المستطاع الذي يستطيعونه، فهؤلاء لا عبرة فيهم وفي لهوهم ولعبهم وانشغالهم بالدنيا، وإنما الذي يوجه إليه مثل قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] هم الذين يستشعرون بأن الله جل وعلا خلقهم وأنه سيحاسبهم، هؤلاء هم الذين يستفيدون من الخطاب أو قد يستفيدون منه.
ثم من المعلوم أن خطاب الله جل وعلا في القرآن الكريم وإن كان عامًا شاملًا للخلق كلهم فإنما يستفيد منه المؤمنون فقط، فالمؤمنون هم الذي يستفيدون منه ويمتثلون ذلك، ولهذا وجه إليهم النداء بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، في كثير من الآيات؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذا، وإلا فالجميع سيلاقون ربهم ويسألهم جل وعلا وهم عبيده.
ثم إن من حكمة الله جل وعلا أن جعل الجزاءات والعقوبات غير معجلة، ولذلك ترى الإنسان يتمادى في غيه وفي معاصيه والله تعالى يغدق عليه من الأرزاق والصحة والعافية، فيبتعد كل البعد عما خلق له من الطاعة ومن العمل، فهذا من المكر؛ لأنه كلما عمل سيئة تحسن في نظره وفي فكره فيعمل سيئة أخرى وهكذا حتى يصل إلى اقتراف السيئات الكبيرة والكثيرة، وهذا الإملاء هو الذي حذر منه السلف في هذه الآثار: (إذا رأيت الرجل يعطى النعم وهو مقيم على المعاصي فإنه مكر).
ولكن يوجد من الناس من يؤمن بالله، وأنه سيلاقي ربه فيجازيه، وأنه عبد لله، وأنه خلق لطاعته وتوحيده واتباع رسوله ﷺ، ومع ذلك تراه يعصيه وهو يعلم، وقد يقع كثير من الناس في المعاصي وهم لا يدرون أنها معصية؛ وذلك لقصورهم في العلم وجهلهم؛ فتراهم لا يهتمون بالعلم الذي يوصلهم إلى الله، وإنما أكثر الناس يهتم بالدنيا أكثر من اللازم، أما أمور الدين فلا يعطيها من الاهتمام إلا شيئًا يسيرًا، والناس يختلفون في هذا اختلافًا كبيرًا، فمنهم من ينسى آخرته، ويكون كل اهتمامه وغايته الحصول على الدنيا، وهذا كثير، وهؤلاء هم أبناء الدنيا، كما قال علي بن أبي طالب ﵁ وغيره: (إن للدنيا أبناء وللآخرة أبناء)، والمقصود بالأبناء: الذين يجعلون عملهم وكدهم وكدحهم وتحصيلهم لهذه أو لهذه، وقد جاء: أن الدنيا والآخرة ضرتان لا تقبل على واحدة إلا أضررت بالأخرى.
فلابد للإنسان أن يجعل نصب عينيه دائمًا الجنة والنار؛ لأن هذه هي الغاية، فالناس يتسابقون إما إلى الجنة أو إلى النار ولابد، فإن هذه نهايتهم ومنتهاهم، وهذه الحياة منتهية بلا شك وستمضي، سواء كانت في الأمور التي يحبها الإنسان أو في الأمور التي يكرهها ويبغضها، وتنسى لقلتها وحقارتها وقصر أمدها، وإنما الشأن في كون الإنسان يستشعر الذي خلق له، ويعلم أن مصيره إلى ربه جل وعلا، وأنه سوف يجازيه بعمله، فيحاسب نفسه ويسير على هذا المنوال، ثم يجب أن يكون خائفًا من ذنوبه وراجيًا لرحمة ربه، فيكون بين هذين الأمرين: في خوف يمنعه من اقتراف المعاصي، ورجاء يدفعه إلى التعلق بربه جل وعلا.
وكذلك يكون عاملًا بالأوامر مجتنبًا للنواهي، ولهذا يقول الله جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، فأخبر أن الذي يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه هو العامل الذي يقوم آناء الليل ساجدًا وقائمًا بين السجود والقيام، وكذلك يقول جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، فالرجاء يكون مع العمل، والراجي لرحمة الله هو المحسن، كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]، أما إذا كان الإنسان يسيء العمل ويأتي بما يخالف ما أمر به وما جاء به رسول الله ﷺ، ثم يتمنى على الله الأماني ويقول: أنا أرجو الله ورحمة الله واسعة، فلا شك أن رحمة الله واسعة، ولكن أنت مأمور بأوامر فلا تهملها، ولا يكن أمر الله عندك من أقل الأوامر، فإنه إذا كان أمر الله قليل الشأن لدى الإنسان فإنه لا يبالي به، فرحمة الله واسعة، ولكنها للعاملين الذين يعملون، أما الذي يترك أوامر الله وراء ظهره ولا يبالي بها، وربما تمادى في المعاصي باستهتار، فيستهتر بكل ما أمره الله جل وعلا به؛ فهذا يخشى عليه أن يطبع على قلبه ثم ينتكس، فيصبح يحب المعاصي ويألفها حتى يدعوه ذلك إلى الخروج من الدين الإسلامي نهائيًا، ويكره الحق ويبغضه، فإذا كان بهذه المثابة فهو من الخاسرين الذين أمنوا مكر الله.
[ ٩١ / ٣ ]
القنوط من رحمة الله من كبائر الذنوب
ومن ناحية أخرى لا يجوز للإنسان أن يستولي عليه الخوف حتى يستبعد أن يغفر الله له ويرحمه، فينتقل من محذور إلى آخر؛ لأن القنوط من رحمة الله واليأس من روحه من الكبائر العظام التي تنقص التوحيد وتذهب بكماله، فلابد أن يكون الإنسان خائفًا من ذنوبه راجيًا لرحمة الله، وفضل الله واسع، وكرمه لا نهاية له، ولكنه لا يكون للمفرط العاصي الذي لا يبالي بأمر الله، وإنما يكون لمن فرط ووقع في المعاصي من غير أن يكون مستخفًا بأمر الله جل وعلا ولا مستهترًا به، أما إذا جاء الاستخفاف والاستهتار وعدم المبالاة فهذا يخشى أن ينزع منه الإيمان نهائيًا، ويصبح محبًا للمعاصي وأهل المعاصي، ثم تتراكم عليه المعاصي حتى يصبح ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤].
ومعلوم أن من كانت ذنوبه غالبة عليه فهو ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ٩]، فمن ثقلت موازينه ولو بالشيء القليل فهو من المفلحين، ومن خفت موازينه فهو من الخاسرين، فمن ثقلت موازينه فهو في عشية راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، والهاوية: هي جهنم، نسأل الله العافية، فالأعمال توزن، ولكن من فضل الله وكرمه أنه لو فضل للإنسان مثقال ذرة من الحسنات فإن الله يضاعفها له ويدخله بها الجنة، يضاعف هذا المثقال ويدخله به الجنة، ولكن المشكل أن يأتي الإنسان بحسنات كثيرة ويأتي بسيئات أكثر! ومن المعلوم أن اكتساب الحسنات ليس في الصلاة والصوم والزكاة وتلاوة القرآن والذكر فقط، بل هناك أعمال القلوب التي تكتسب بها الحسنات والسيئات، فأعمال القلوب فيها كبائر وصغائر كما أن أعمال الجوارح فيها كبائر وصغائر، فمن أعمال القلوب: الحسد والغل وبغض الحق وكراهيته، فهذه من عظائم الذنوب وإن لم ينطق بها الإنسان، وكذلك النيات الطيبة -كمحبة الخير ونحو ذلك- يتفاوت فيها الناس تفاوتًا كبيرًا، وعلى إثر ذلك يؤجرون.
والمقصود: أن الله جل وعلا يذكر لنا في كتابه أنه شديد العقاب، كما يذكر لنا أنه غفور رحيم، ويذكر لنا الجنة وما فيها وما أعد لأهلها، ويذكر لنا النار وما فيها وما أعد لأهلها فيها، كما أنه يذكر أعمال الأمم السابقة التي بسببها أخذوا وأهلكوا، ويذكر أعمال الصالحين التي بسببها نصروا وأكرموا؛ لتكون عبرة لنا فنستمع القول فنتبع أحسنه، وننظر إلى الأعمال ونفعل الأعمال الحسنة ونجتنب الأعمال السيئة، فنرجو الجنة ونخاف من النار.
[ ٩١ / ٤ ]
كيفية تحصيل النعم ودفع الألم
هناك أمر -كل إنسان يدركه- وهو أن كل حي يسعى إلى تحصيل الملذات والنعم، ويسعى إلى إبعاد كل مؤلم عنه، هذا في الأمور المحسوسة المشاهدة، ولا يمكن أن يخالف في هذا إلا من ليس عنده عقل، ولكن إذا كان في أمور موعود بها وهي غائبة فقد يستبعد الإنسان هذا الشيء، وتسول له نفسه حتى يستولي عليه الشيطان، إلا إذا كان عنده الإيمان الكامل الذي يمنعه من اقتراف المعاصي، فخاف أن يقترف هذه الملذات الزائلة فتفوته الملذات الدائمة، ولكن كثيرًا من الناس إيمانهم غير كامل.
ثم إن تحصيل النعم واجتناب الألم له أسباب، فلابد من تحصيل سبب هذا وتوقي سبب ذاك، فهذه أمور أربعة: طلب الخير والنعيم، ودفع الشر والألم، وسبب هذا وسبب هذا، وهذه كلها بيد الله جل وعلا، والإنسان لا يملكها، فإذا آمن بالله واتبع أمره واجتنب نهيه فإن الله يوصله إلى مراده، ويسهل عليه الطريق، فيتحصل على النعيم، أولًا: نعيم الأنس بالله وبطاعته، ثم بعد ذلك إذا فارق هذه الدنيا يكون ذلك هو خير أيامه التي مرت عليه، ويكون خير يوم يمر عليه يوم يلاقي الله جل وعلا، ثم إن أعظم الشدائد التي يلاقيها وأصعبها هو الموت فقط، أما بعد ذلك فهو ينتقل من خير، إلى ما هو أخير إلى أن يستقر في دار القرار في جنة رب العالمين التي أعدها لعباده، أما إن كان بالعكس فالأمور بالعكس: فأسهل الشدائد التي تمر عليه الموت وما بعد الموت أشد منه، ثم ينتقل من شدة إلى ما هو أشد، إلى أن تجتمع الشدائد كلها والآلام كلها في جهنم.
هذا هو المصير الذي ينتهي إليه الناس جميعًا، إما هذا وإما هذا، ومن المعلوم أن الناس فيهم المجتهد في هذا والمجتهد في هذا، فيهم من يجتهد في تحصيل الملذات والنعيم من الطريق الصحيح، ويجتهد في إبعاد المؤلم والمؤذي بفعل الأسباب، ومنهم من يكون أقل، ومنهم من يكون بالعكس، ولهذا تفاوتت جزاءاتهم وعقاباتهم تفاوتًا عظيمًا، حتى إن من المؤمنين من يدخل النار، وذلك إذا لم تكن المصائب والشدائد كافية في تطهيره، فإن الموت والمرض والمصائب والمؤلمات التي تمر بالمؤمن قد تكون كفارات له من الذنوب، ولا يلزم أن يكون هذا لكل أحد، ثم بعد الموت يكون عذاب في القبر، وعذاب القبر بلا شك أنه أطول بكثير مما يلاقيه الإنسان في حياته من نعيم أو ألم؛ لأن بقاءه في القبر أكثر من بقائه على ظهر هذه الأرض، ثم قد لا يكفي كل هذا، فيلاقي الصعوبات والشدائد في الموقف في يوم القيامة، حتى إن من الناس في الموقف من يتمنى أن يذهب به إلى النار حتى يرتاح من الموقف، وهذه طبيعة الإنسان: أنه كلما وقع في شيء مؤلم يتمنى أن ينتقل منه إلى غيره ولو كان ذلك أشد؛ لأنه لا يتصور أن الذي بعده أشد، ثم قد ينتقل من ذلك إلى جهنم -وإن كان عنده إيمان- ثم بعد ذلك إذا لقي جزاءه يرحمه الله جل وعلا برحمته إذا كان عنده أصل الإيمان فيخرجه منها، ولكن هل يخاف الإنسان من كونه يلاقي هذه الشدائد وهذا العذاب؟! فالعاقل هو الذي يبحث عن النعيم الذي يتنعم به دائمًا، ويبحث عن وقاية من المؤلم دائمةً.
[ ٩١ / ٥ ]
الأمور التي تدفع الإنسان إلى فعل الخير لينال النعيم
إذا استشعر الإنسان هذا بحقيقته وعرفه فإنه يحدوه إلى العمل؛ وذلك لأنه أولًا يؤمن بأن الله يعذب العصاة، فإذا وقع في المعصية يجب عليه أن يخاف فيحترز من ذلك، ويحدث توبة وأعمالًا يرجو أن يقبلها الله منه ويعفو عما سلف.
فأولًا: يكون مؤمنًا بأن الله لما توعد ووعد أنه لابد من وقوع ذلك، فيجتنب الأعمال التي يترتب عليها الوعيد، ويفعل الأعمال التي يترتب عليها الوعد.
ثانيًا: من الأمور التي تدفع الإنسان إلى أنه يجتهد: أنه لا يدري هل قبلت أعماله أو ردت؛ لأن الأعمال لها آفات كثيرة، والله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه وكان على سنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾: يعني على السنة، أما إذا كان على غير السنة فهو ليس بصالح: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي: يجب أن يكون العمل خالصًا لله جل وعلا لا يقصد به غير الله.
الأمر الثالث: أنه لا يدري على ماذا يموت، فيجوز أن يموت على غير ما عاش عليه، والأمور كلها بيد الله يتصرف فبها كيف يشاء، فمن شاء أن يهديه هداه ومن شاء أن يضله أضله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فيخاف من سوء الخاتمة فقد يؤخذ الإنسان بغتة على أسوأ أعماله، وهذا مشاهد، فقد يكون الإنسان في أسوأ حالة ثم يموت على ذلك، نسأل الله العافية.
فهذه الأمور تجعل الإنسان يجتهد، وإذا اجتهد فيجب أن يكون اجتهاده على وفق أمر الله، فيكون بين هذا وهذا خائفًا راجيًا، فذكر الجنة والنار سيكون حاديًا للعمال الذين يعملون للجنة ومانعًا لهم عن العمل الذي يقرب إلى النار، أما رب العالمين جل وعلا فإنه غني بذاته عن عمل عباده كلهم، فلا تنفعه طاعة المطيع ولا تضره معصية العاصي، ولو أن عباده كلهم صاروا على أكفر قلب رجل واحد منهم ما ضره ذلك بشيء، وإنما يضرون أنفسهم فقط، ولهذا جاء في الحديث القدسي أن الله جل وعلا يقول: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، ثم قال: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله؛ -لأن ذلك بتوفيقه وبنعمته وفضله- ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، النفس هي الملومة؛ لأنها هي التي اكتسبت ذلك، ولا يدخل أحد النار إلا بعمله، كما أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بالأسباب التي جعلها الله سببًا لذلك، وقد كان الرسول ﷺ يأمر مناديًا بالمجامع أن ينادي: (إنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة)؛ ليكون ذلك معلومًا، ويكون ذلك بلاغًا بلغ به الرسول ﷺ عن ربه جل وعلا، فعلى الإنسان أن يسعى لخلاص نفسه على وفق إرشاد الله لنا وتوجيهه لنا، فنخاف ذنوبنا ونرجو رحمة ربنا دائمًا، مع فعل الأوامر واجتناب النواهي.
[ ٩١ / ٦ ]
القنوط من رحمة الله ضلال وهلكة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]].
القنوط: هو اليأس وفقد الأمل، كأن يعمل عملًا يستعظمه فيقول: هلكت ولن تنفعني توبة ولا عمل صالح، فكونه يستبعد المغفرة ويغلق الباب أمامه هذا من أعظم الكبائر، وهذا أيضًا من الأمور التي تذهب بكمال التوحيد، ولهذا ذكره، فقد ذكر الآية الأولى التي فيها التحذير من الأمن من مكر الله، وهو أن يعمل الإنسان المعاصي ولا يخاف من عقاب الله، فهذا هو الأمن من مكر الله، ثم ذكر هذه الآية وفيها التحذير من القنوط، وهو: أن الإنسان إذا عمل معصية يقنط ويقول: لست أهلًا للمغفرة، ولن يغفر لي، ويستبعد أن يغفر الله له ويتوب عليه، فيكون بهذا القنوط قد انتقل من ذنب إلى ما هو أكبر منه، وهذا هو الذي يريده الشيطان.
فيجب على الإنسان مهما كان ذنبه أن يعلم أنه إذا تاب صادقًا فإن الله يتوب عليه، وأن رحمته وسعت كل شيء، فيخاف من ذنبه ويتعلق برحمة ربه، وهذا يدلنا على أن الإنسان يجب أن يكون دائمًا بين الخوف والرجاء، كما أرشد إلى ذلك كتاب الله جل وعلا في كثير من الآيات قال الله جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، فبدأ أولًا بالمغفرة وأنه غفور رحيم، ثم ذكر أن عذابه عذابٌ أليم، وقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]، والتوبة النصوح: هي التي تتضمن الصدق، فيصدق فيها ويندم على وقوعه في الذنب، ويعزم عزمًا صادقًا على أن لا يعاود الذنب، ثم لو قدر أنه عاد إلى ذنب فعليه أن يتوب وهكذا، ولو تكرر ذلك في اليوم فلا يجوز أن يقنط من رحمة الله ويقول: كثرت ذنوبي وأصبحت لا أستحق أن يغفر الله لي، فإن الشيطان حريص على أن يوصل الإنسان إلى هذه المرحلة حتى يجعله هالكًا.
[ ٩١ / ٧ ]
سعة رحمة الله وحبه الخير لعبده وفرحه بتوبته
جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده التائب من أحدكم يفقد راحلته عليها طعامه وشرابه في أرض مهلكة، فيطلبها فييأس من وجودها، ثم يضع رأسه تحت شجرة ينتظر الموت قد أيس من الحياة، فبينما هو كذلك في انتظار الموت إذا راحلته قائمة على رأسه، فيأخذ بخطامها فيقول: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، ففرح الله وجوده وكرمه عظيم، وهذا غاية ما يتصور من الفرح، فهذا إنسان فقد الحياة وأيس منها، ثم تعود إليه في لحظة ينتظر فيها الموت! فإنه يفرح فرحًا عظيمًا وهو غاية ما يصل إليه الفرح: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده)، هل لأن الله جل وعلا يحتاج إلى عبده؟ كلا! ولكن لكرمه وجوده وفضله وحبه للخير تعالى وتقدس، فيحب أن يكون عبده ممن يفعل الخير ويريده ويتعرض له، ويكره أن يكون عبده معذبًا، ولكن يأبى العبد إلا أن يقع في الأذى كما قال الرسول ﷺ: (كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فالأمر يتعلق بالإنسان نفسه وبطاعته ومعصيته.
وفي الصحيح أيضًا أن الرسول ﷺ ذكر رجلًا مسرفًا على نفسه، قتالًا سفاكًا للدماء، قد قتل تسعًا وتسعين نفسًا بغير حق، ثم بعد ذلك ألقى الله جل وعلا في قلبه الندم وطلب التوبة، وصار يبحث ويسأل ويقول: دلوني على عالم أسأله، فدل على رجل عابد فسأله فقال: إنه لا توبة لك؛ لأن الذي يقتل النفس الواحدة كأنما قتل الناس جميعًا، فكيف وقد قتلت تسعًا وتسعين نفسًا؟ فعند ذلك قتله وكمل به المائة! ومع ذلك عاد على نفسه باللوم وقال: كيف هذا التمادي؟! فأصبح يسأل، فدل على رجل عالم فسأله هل لي من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكن أنت في أهل بلد فساد وإسراف، وتوجد هناك بلد خير وأهله أهل خير وطاعة فهاجر إليها وتب صادقًا، فامتثل ذلك وهاجر صادقًا تائبًا مقبلًا على ربه جل وعلا، وفي أثناء الطريق أدركه الموت، فجاءته ملائكة العذاب تريد أن تقبض روحه إلى جهنم، وجاءت ملائكة الرحمة تريد أن تقبض روحه إلى رحمة الله؛ لأنه جاء تائبًا، فأصبحوا يتخاصمون عنده كل فريق يقول: نحن أولى به، فهؤلاء يقولون: هذا مسرف قتال ما عمل خيرًا قط، وهؤلاء يقولون: جاء تائبًا منيبًا صادقًا، والتوبة هي نهايته وآخر عمله فنحن أولى به، فاختصموا، وعند ذلك أرسل الله جل وعلا إليهم ملكًا ليكون حكمًا بينهم، فقال: قيسوا ما بينه وبين البلدين، فأيهما كان إليها أقرب فهو من أهلها، فوجدوه إلى بلد الخير أقرب بشبر أو ذراع فقبضته ملائكة الرحمة.
وفي رواية -وهي تدل على صدقه- (أنه كان ينوء بصدره -وهو يكابد الموت- يعجز أن يسير فينوء بصدره ليقرب من البلد الصالح).
وفي رواية: (أن الله أوحى إلى البلد الخير أن تقاربي، وإلى البلد الشر أن تباعدي).
والمقصود: أن هذا يدل على عظم رحمة الله جل وعلا، وأنه لا يهلك إلا الهالكون، غير أنه يجب أن يعلم أن هناك أمورًا تقتضي رحمة الله: أولًا: أن يكون الإنسان على الإيمان.
الثاني: أن يكون على السنة، فلا يكون على بدعة وضلال، فيعمل أعمالًا على خلاف ما جاء به الرسول ﷺ وإن كانت كثيرة، فإنه إن كان بهذه المثابة فهو ممن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤]، وقال جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٢ - ٥]، فذكر أنهم يخشعون ويعملون وينصبون، والنتيجة: أنهم يصلون النار الحامية؛ لأنهم على ضلال وبدع، فإذا كان الإنسان على السنة، وإن كان عمله قليلًا وإن كان عنده إسراف، فيجب أن لا يقنط من رحمة الله ولا ييأس من روح الله، مع أنه يجب أن يخاف حتى يكون الخوف حاملًا له على العمل وداعيًا له إلى اجتناب المعاصي، ويكون الرجاء مرغبًا له في فعل الطاعة.
[ ٩١ / ٨ ]
الخوف والرجاء
قال الشارح رحمه الله تعالى: [القنوط استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله وكلاهما ذنب عظيم وتقدم ما فيه لمنافاته لكمال التوحيد.
وذكر المصنف رحمه الله تعالى هذه الآية مع التي قبلها تنبيهًا على أنه لا يجوز لمن خاف الله أن يقنط من رحمته؛ بل يكون خائفًا راجيًا، يخاف ذنوبه ويعمل بطاعته ويرجو رحمته، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، وقال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨]].
يقول بعض العلماء: ينبغي للإنسان ما دام في صحته وقوته أن يكون الخوف أغلب عليه حتى يكون العمل أمامه، أي: يعمل لأجل ذلك، أما إذا كان في المرض والضعف فإنه ينبغي أن يعكس القضية ويكون الرجاء أغلب عنده من الخوف؛ لقول الرسول ﷺ: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بربه)، وفي الحديث الآخر أن الله جل وعلا يقول: (أنا عند ظن عبدي بي، فإذا ظن خيرًا وجده وإن ظن شرًا وجده)، فيقدم الرجاء، وينبغي إذا كان في المرض أن يذكر بأعماله الطيبة الصالحة حتى يكون ذلك داعيًا لرجائه فيغلب الرجاء، وذلك لأنه في هذه الحالة أصبح لا يستطيع أن يعمل، وبقي معه عمل القلب فقط، فيأتي بعمل القلب وهو الرجاء حتى يغلب الخوف فيكون ممن ظن ظنًا حسنًا؛ ليكون الله عند ظنه هذا الذي ذكره بعض العلماء، وبعضهم يقول: بل يكون بين الخوف والرجاء دائمًا، فإنه إذا غلب أحدهما الآخر فسد القلب، فالذي يغلبه الخوف يقع في طريقة الخوارج والحرورية وأهل الوعيد مثل المعتزلة، والذي يغلبه الرجاء قد يدعوه ذلك إلى أن يقع في طريقة المرجئة الذين تركوا الأعمال وأصبحوا يرون أن الإيمان يكفي فيه عمل القلب الذي يقولونه، وإلا فليس هو عمل قلب في الواقع، وإنما هي أمور وتصورات خاطئة، ويجب أن يكون الإنسان بين هذا وهذا بين الخوف والرجاء دائمًا.
قوله: [الرجاء مع المعصية وترك الطاعة غرور من الشيطان؛ ليوقع العبد في المخاوف مع ترك الأسباب المنجية من المهالك، بخلاف حال أهل الإيمان الذين أخذوا بأسباب النجاة خوفًا من الله تعالى وهربًا من عقابه وطمعًا في المغفرة ورجاءً لثوابه.
والمعنى: أن الله تعالى حكى قول خليله إبراهيم ﵇ لما بشرته الملائكة بابنه إسحاق: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر:٥٤]؛ لأن العادة أن الرجل إذا كبر سنه وسن زوجته استبعد أن يولد له منها، والله على كل شيء قدير، فقالت الملائكة: (بشرناك بالحق) الذي لا ريب فيه، فإن الله إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، (فلا تكن من القانطين) أي: من الآيسين، فقال ﵊: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه -والله أعلم- قال ذلك على وجه التعجب!].
هو على وجه التعجب؛ لأن العادة التي أجرى الله جل وعلا عليها خلقه أن المرأة إذا كبرت وتعدت الخمسين لا يولد لها، فهذا شيء اعتاد عليه الخلق، فإذا خرج عن ذلك شيء فهو من آيات الله، وإلا فإن إبراهيم ﵇ يعلم أن الله على كل شيء قدير، فهو الذي خلق آدم من التراب، وخلق عيسى من امرأة من دون ذكر، وخلق حواء من ذكر بلا امرأة، فهو قادر على أن يخلق ما يشاء، فخلق بني آدم وجعلهم جل وعلا على أصناف أربعة؛ ليبين قدرته: فآدم خلق من تراب، فهو إنسان حي سميع بصير يعلم ويتكلم ومع ذلك خلق من تراب ميت يابس! فهذا من تراب بقدرة الله جل وعلا.
هذا قسم.
القسم الثاني: المرأة التي خلقت من آدم -حواء- فإنها خلقت من ضلعه فهي بضعة منه.
والقسم الثالث: عكس القسم الثاني: رجل خلق من امرأة فقط بدون أن يتصل بها ذكر وهو عيسى ﵇ فقط.
والقسم الرابع: العادة التي أجراها الله أن المولود يكون من بين ذكر وأنثى، ولهذا لا يستغرب الناس ذلك مع أنه غريب في الواقع، ولهذا يأمر الله جل وعلا بالتفكر فيه، كيف يخلق هذا الحي العجيب من نطفة؟! ولهذا كثيرًا ما يذكر الله جل وعلا هذا لنتعجب ولنتفكر فيقول جل وعلا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، يعني فيها آيات ولكنكم معرضون عنها: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، ﴿فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥]، ينظر ويتعجب من أين خلق؟! ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٢].
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب التفكر في هذا الخلق.
فإبراهيم ﵇ نظرًا للعادة التي عليها الخلق، لما بشروه بإسحاق وقد بلغ من السن عتيًا هو وزوجته ولماذا إسحاق وليس إسماعيل؟ لأن ولده الكبير إسماعيل ليس من زوجته بل من أمته هاجر، وهي أمة وهبتها له زوجته سارة، فلما ولدت غارت منها، فهاجر بها إبراهيم إلى مكة ووضعها هي وابنها هناك، وتركهما وليس معهما أحد، كما هو معروف في القصة، وهذه البشارة جاءت بعد ذلك حينما جاءت الملائكة لإهلاك قوم لوط، كما ذكر الله جل وعلا ذلك في سورة الذاريات: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات:٣١ - ٣٣]، يعني: قوم لوط، ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت:٣٢].
فالمقصود: أن هذه البشارة كانت متأخرة عن مولد إسماعيل، ولهذا فإن إسحاق هو أبو الأنبياء، فإن الذين جاءوا من بعده كلهم من ولد إسحاق إلا محمدًا ﷺ فقط فهو من ولد إسماعيل، أما البقية فمن ولد إسحاق، والله جل وعلا ما أرسل نبيًا بعد إبراهيم إلا من ذريته، فكل الأنبياء الذين أرسلوا بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم.
المقصود: أنه قال هذا لما قَالُوا: بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ، أي: بالشيء الواقع الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل: ﴿فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٥ - ٥٦]، أي: لست من القانطين، ولكن هذا أمر خرج عن العادة، فقوله: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) كأنه ظنهم من آحاد الناس فقال: كيف تبشرونني بهذا وأنا في هذا السن وزوجتي عجوز -كما قالت هي: عجوز عقيم- يعني: كيف تلد وهي بهذه الصفة؟ فأخبروه أنهم رسل الله وأنها بشارة من الله جل وعلا، فلما كان كذلك لم يكن هناك مجال للقنوط.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، الضال: هو الذي ترك الحق وارتكب غيره -أضاع طريقه- فصار طريقه ليس الطريق السليم المنجي بل هو المهلك، ولهذا فسره بعض العلماء بالهالكين، فالذي ضل يهلك، والذي يقنط من رحمة ربه يكون هالكًا.
قال ﵀: [قوله: (إِلاَّ الضَّالُّونَ)، قال بعضهم: إلا المخطئون طريق الصواب أو إلا الكافرون، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]].
[ ٩١ / ٩ ]
الفرق بين اليأس والقنوط
اختلف في الفرق بين اليأس والقنوط، فمن العلماء من يقول: القنوط شدة اليأس، فيكون الفرق بينهما مثل الفرق بين الدعاء والاستغاثة، فالاستغاثة دعاء خاص في حالة خاصة وهي داخلة في الدعاء، فيكون القنوط يأسًا ولكنه أعظم اليأس وأشده، وقد أخبر جل وعلا في قصة يوسف ويعقوب حفيد إبراهيم أن يعقوب قال لبنيه: ﴿يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، فالذي ييأس يكون كافرًا.
[ ٩١ / ١٠ ]
اليأس من روح الله والأمن من مكر الله
قال المصنف ﵀ رحمة واسعة: [وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: (الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله)].
قال الشارح رحمه الله تعالى: [هذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشر فقال: ابن معين ﵀: ثقة، ولينه أبو حاتم.
وقال: ابن كثير: في إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا.
قوله: (الشرك بالله) هو أكبر الكبائر، قال: ابن القيم رحمه الله تعالى: الشرك بالله هضم للربوبية وتنقص للإلهية وسوء ظن برب العالمين.
انتهى.
ولقد صدق ونصح، قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، ولهذا لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.
قوله: (واليأس من روح الله) أي: قطع الرجاء والأمل من الله فيما يخافه ويرجوه؛ وذلك إساءة ظن بالله وجهل به وبسعة رحمته وجوده ومغفرته.
قوله: (والأمن من مكر الله) أي: من استدراجه للعبد وسلبه ما أعطاه من الإيمان، نعوذ بالله من ذلك! وذلك جهل بالله وبقدرته وثقة بالنفس وعجب بها.
[ ٩١ / ١١ ]
الكلام على الكبائر والصغائر
قال الشارح ﵀: واعلم أن هذا الحديث لم يرد به حصر الكبائر في الثلاث، بل الكبائر كثيرة، وهذه الثلاث من أكبر الكبائر المذكورة في الكتاب والسنة، وضابطها: ما قاله المحققون من العلماء: كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب، زاد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أو نفي الإيمان.
قلت: ومن برئ منه رسول الله ﷺ، أو قال: (ليس منا من فعل كذا وكذا)، وعن ابن عباس ﵄: (هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة من الاستغفار ولا صغيرة من الإصرار)].
من الكبائر: الإشراك بالله والأمن من مكر الله واليأس من روح الله.
ومعلوم أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: قسم كبير وقسم صغير، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، فاشترط جل وعلا لتكفير السيئات اجتناب الكبائر، فدل هذا على أن الذنوب منها ما هو كبير ومنها ما هو صغير، وبعض العلماء ينكر هذا ويقول: الذنوب كلها كبيرة، وهذا بالنظر إلى من عُصي؛ لأن الرب جل وعلا شأنه عظيم، ومجرد المعصية كبيرة وإن كان الذنب صغيرًا في نظر العاصي إلا أنه كبير، ولكن ما دلت عليه الأدلة أولى، والأدلة دلت على أن الذنوب منها الكبير ومنها الصغير، وفي أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ يذكر الكبائر ويقول: الكبائر كذا، وجاء أنه صلوات الله وسلامه عليه ذكر أن: (الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا لم تغش الكبائر)، ومن هنا قال العلماء: إن الكبائر لابد فيها من التوبة، أما الصغائر فتكفر بمجرد اجتناب الكبائر، ثم اختلفوا في الفرق بين الصغيرة والكبيرة بعد الاتفاق على أن هناك ذنوبًا منصوصًا عليها بأنها من الكبائر.
ومعلوم أن الشرك هو أعظمها؛ لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فجعل ما دون الشرك داخلًا تحت مشيئته جل وعلا، إذا شاء أن يغفره غفره وإن شاء أن يؤاخذ به آخذ به، أما إذا مات الإنسان على الشرك فهو غير مغفور له، والشرك ليس متساويًا بل بعضه أكبر من بعض، ففيه ما هو صغير وما هو كبير، وإن كان الذي يلحق بالصغائر ليس داخلًا فيه؛ لأنه لا يخرج من الدين الإسلامي يسير الرياء؛ كالحلف بغير الله الذي يجري على اللسان بدون قصد تعظيم المحلوف به، وما أشبه ذلك، فمثل هذا وإن كان من الكبائر فإنه لا يدخل في الشرك الأكبر الذي يخرج من الملة؛ لأنه لا يخرج من الدين الإسلامي، أما الشرك الأكبر فإنه يخرج من الدين الإسلامي، وهو أعظم الذنوب؛ وذلك لأن المشرك تنقص الله جل وعلا وصرف حقه لمخلوق مثله لا يستطيع أن ينفع نفسه ويجلب لها النفع ولا أن يدفع عنها الضرر فكيف بغيره! وهذا عام في المخلوقين كلهم، وهو أن يجعل شيئًا من العبادة لمخلوق أو يشركه فيها، كأن يتوجه إليه بالدعاء فيدعوه ويقول: يا فلان أغثني أصلح قلبي ارزقني اشفع لي عند الله، وما أشبه ذلك، أو ينذر له نذرًا سواء كان ذبيحة أو طعامًا أو غير ذلك، ويعتقد أن الميت يقبل هذا النذر ويثيبه عليه! أو يتبرك به أو بقبره ويطوف عليه أو يجلس عنده؛ لأن الجلوس والعكوف عبادة، ولهذا أثنى الله جل وعلا وأمر أن يطهر بيته للعاكفين وللقائمين والساجدين، فالعكوف عبادة، وكذلك سائر العبادات، مثل الخوف كأن يخافه الخوف الغيبي، أو الرجاء كأن يرجوه أن ينفعه نفعًا غير قائم على سبب، وأنواعه كثيرة جدًا، وضابطها: أن تكون عبادة لله جل وعلا يثيب عليها أو يعاقب عليها ثم يجعلها للمخلوق أو يجعل بعضها للمخلوق، فيشرك بينه وبين الرب جل وعلا، فهذا من الشرك الأكبر وهو أعظم الكبائر.
أما بقية الكبائر فمن العلماء من حاول عدها وذكرها بأعيانها، فمنهم من ألف فيها مؤلفات في سردها، كالحافظ ابن القيم ﵀ فله مؤلف في الكبائر (كتاب الكبائر)، وكذلك الذهبي له كتابان في هذا: كتاب كبير وكتاب صغير، وكذلك ابن حجر الهيثمي له كتاب: (الزواجر في اقتراف الكبائر)، وهو أوسع الكتب التي ألفت في هذا الباب، وقد ذكر فيه كبائر كثيرة وقسمها إلى: كبائر تفعل بالجوارح الظاهرة وكبائر تفعل بالقلب كالحسد والغل وما أشبه ذلك.
ومعلوم أنه ﷺ لم يرد حصر الكبائر بهذا الحديث؛ لأنه سبق أن مر معنا: (اجتنبوا السبع الموبقات) فجعلها سبعًا وهنا ثلاثًا، وفي بعض الأحاديث أكثر وبعضها أقل، ولهذا اختلفوا في ضابطها ما الذي يفرق بينها وبين غيرها؟ ومنهم من ضبطها بأنها: كل ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة بالنار أو بالغضب أو بالعذاب فإنه يكون من الكبائر، بل بعضهم قال: إذا توعد فاعلها، أو قيل في حقه: إنه ليس منا أو ليس على ملتنا، أو تبرأ منه رسول الله ﷺ فقال: (أنا بريء ممن فعل كذا وكذا) مثل ما جاء في الاستنجاء بالعظم والروث، فيكون هذا منها؛ لأن الرسول ﷺ تبرأ ممن فعل ذلك.
وهذا التفريق حتى تتميز الذنوب الكبيرة من الذنوب الصغيرة، ويعرف الإنسان الشيء الذي وقع فيه وأنه يجب عليه أن يبادر للتوبة ويتوب؛ لأنه إذا مات بدون توبة فإنه يكون مؤاخذًا بذلك إلا أن يشاء الله فيعفو عنه، مع أن التوبة تجب حتى من الصغائر؛ لأن الصغائر إذا اجتمعت تكون كبيرة، وقد ضرب الرسول ﷺ مثلًا لذلك بقوله: (وإياكم ومحقرات الذنوب)، سميت محقرات: لكون الإنسان يحقرها ويستصغرها، ثم لا يبالي بها فتكثر، فضرب لذلك مثلًا فقال: (فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا منزلًا فصاروا يجمعون حطبًا هذا يأتي بعود وهذا يأتي بعود، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم) فهذا مثلها، فإذا اجتمعت أحرقت الإنسان وأهلكته، وقول ابن عباس: إنها إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع أو قال إلى السبعين، يعني: أنها كثيرة غير محصورة.
[ ٩١ / ١٢ ]
التوبة النصوح وشروطها
ولكن يقول: (لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار) يعني: أن الإنسان إذا وقع في الكبائر وتاب فإنها تمحى ويُعفى عنها؛ لأن المقصود بالاستغفار التوبة، والتوبة: هي التوبة النصوح، ولها شروط ثلاثة أو أربعة: أولًا: أن يقلع عن الذنب، ولا يصر عليه.
الثاني: أن يندم على وقوعه فيه.
الثالث: أن يعزم عزمًا جازمًا أنه لا يعاوده، فإذا فعل ذلك فتكون التوبة مقبولة بإذن الله، ولو عاد فعليه أن يتوب مرة أخرى، بشرط أن لا تكون عنده نية بأنه سيعود، فإن كانت عنده نية فهو مصر.
فإن كان الذنب يتعلق بحق آدمي فإنه يضاف إلى ما تقدم هذا الشرط: أن يستسمح ممن أذنب في حقه ويرد له مظلمته.
يقول العلماء: هذه هي التوبة النصوح المقبولة عند الله، وهي التي أمر الله بها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]، يعني: أن تكون صادقةً توفرت فيها الشروط السابقة يرجو بها ثواب الله، وأعظم الذنوب الشرك بالله جل وعلا، وسواء كان شركًا في الربوبية، وأمره واضح وظاهر، ولكن قد يقع فيه بعض الناس، أو كان شركًا في العبادة، أي: العبادةِ التي تصدر من الإنسان؛ لأن الإنسان عبدٌ لله جل وعلا، وقد كلف بأوامر وكلف بأن ينكف عن نواهي نهي عنها، فيجب أن يكون دائمًا بين أمر الله فاعلًا له وتاركًا لما نهاه عنه مراقبًا لهذا النهي لا يقربه، وبذلك تستقيم عبوديته لله جل وعلا.
فهذه العبادة يجب أن تكون لله خالصة، وضدها الشرك وهو: أن يقصد بعمله مخلوقًا من خلق الله جل وعلا، أو يقصد بعبادته أمرًا دنيويًا ومصلحة عاجلة يتحصل عليها، سواء كانت رفعة أو ثناء يثني عليه الناس ويمدحونه فإن هذا نوع من عبادة النفس؛ لأنه يريد أن يكون هو الذي ينظر إليه ويشار إليه، ولكن يجب أن يعرف قدره عند الله بالنظر إلى عمله، فيعرض عمله على كتاب الله فربما يكون ممقوتًا عند الله، فلو كان كذلك فماذا يفيده لو أشار الناس إليه أو أثنوا عليه؟ لا يفيده ذلك شيئًا.
كذلك من الأمور التي قد تكون كبيرة والإنسان لا يشعر بها: العجب، فكونه يعجبه عمله ويرى أنه أفضل من غيره، أو أن يكون عنده من الحسد والحقد والبغضاء والكراهية للحق، فإن هذا أمره عظيم وقد يدخل في الشرك؛ لأن الذي يحمله على ذلك إما حب النفس أو حب أمر من أمور الدنيا، سواء كان من الأشخاص أو من المعاني.
ثم الأمن من مكر الله ومعناه: أن يتهاون بأمر الله ويستصغره ولا يهتم به، ولا يخاف من عقاب الله جل وعلا لو فعل ما نهى عنه، ولهذا يقال: إذا رأيت الإنسان مقيمًا على المعصية وهو معافى فهذا هو الأمن من مكر الله، فيجب أن يكون الإنسان خائفًا مراقبًا لربه جل وعلا، وإذا أمن مكره وقع في الكبيرة، وعكس هذا القنوط من رحمة الله وهو من الكبائر، وهو أنه يخاف خوفًا كبيرًا ويقول: لا يغفر لي؛ لأني فعلت ذنوبًا عظيمةً، فييأس ويقنط من رحمة الله، وهذا من إساءة الظن بالله جل وعلا، والله قد أخبر بأنه يغفر الذنوب جميعًا، وأنه إذا أراد أن يفعل شيئًا فلا يمنعه أحد، ولا يتعاظم الإنسان ذنبًا من الذنوب فيبقى الباب أمامه موصدًا، وهذا من تزيين الشيطان له ليهلكه، فيجب أن يرجع إلى ربه جل وعلا دائمًا، ويعلم أن رحمة الله واسعة وسعت كل شيء، فيكون خائفًا من ذنوبه مراقبًا لنفسه ألا تستمر على معصية وتتمادى عليها، ويكون عارفًا بفضل الله العظيم ورحمته وسعة مغفرته، فيكون بين هذا وهذا، ولا يصر على الصغيرة؛ لأن الاستمرار على الصغيرة يصيرها من الكبائر؛ لأن الله جل وعلا نهاه عن الذنوب مطلقًا، واستمراره على الذنب -وإن كان صغيرًا- هو استسهالٌ للأمر واحتقار له فلذلك يصير كبيرًا عند الله، أو أن الذنوب تتكاثر فإذا كثرت صارت كبيرة كما مثل الرسول ﷺ لذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود ﵁ قال: (أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله)، رواه عبد الرزاق].
قوله: (أكبر الكبائر الإشراك بالله) أي: في ربوبيته أو عبادته وهذا بالإجماع.
قوله: (والقنوط من رحمة الله) قال أبو السعادات: هو أشد اليأس.
وفيه التنبيه عن الرجاء والخوف فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس بل يرجو رحمة الله، وكان السلف يستحبون أن يقوي في الصحة الخوف، وفي المرض الرجاء، وهذه طريقة أبي سليمان الداراني وغيره، قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإذا غلب الرجاء الخوف فسد القلب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢]، وقال ﷾: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠ - ٦١]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، وقدم الحذر على الرجاء في هذه الآية].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الأعراف.
الثانية: تفسير آية الحجر.
الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله.
الرابعة: شدة الوعيد في القنوط].
[ ٩١ / ١٣ ]