الرياء آفة خطيرة يفسد العمل ويحبط الأجر، وهو أخوف ما يخاف على الصالحين؛ لأنه أخفى من دبيب النمل؛ ولذا كثر التحذير منه في كتاب الله وسنة رسول الله ﵊، فيجب على المسلم أن يراقب قلبه، وأن يكثر الاستعاذة بالله منه.
[ ٩٥ / ١ ]
ما جاء في ذم الرياء والتحذير منه
قال المصنف ﵀: [باب ما جاء في الرياء.
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]].
الرياء: مأخوذ من الرؤية، والأصل في هذا أن الإنسان يعمل لنفسه، وكأنه يعبد نفسه، فيعمل العمل الذي يمدح به ويثنى عليه به بين الناس، يريد أن يرى مكانه ويتبوأ في قلوب الناس مكانًا عظيمًا، فالأصل فيه أن عمله لنفسه، فكأنه عبد نفسه، وهذا من الشرك، فإذا كان قصده من العمل الذي فعله ليمدح ويثنى عليه ويقال: إنه عابد، أو إنه جواد، أو إنه عالم أو إنه متكلم، أو ما أشبه ذلك؛ فهو مشرك لا يشك فيه، وهو ممقوت عند الله، وصاحبه مستحق لعقابه جل وعلا، فضلًا عن أن يقال: إن عمله يمكن أن يقبل أو إنه لا يعاقب عليه.
فإن كان العمل من الأشياء التي تسمع كالذكر والقراءة وما أشبه ذلك، فهذا يسمى سمعة، فالسمعة أن الإنسان يتحدث عند الناس بأنه عمل كذا وعمل كذا في عمل قد خفي على الناس؛ فيظهره لهم لأجل أن يمدحوه ويثنوا عليه، أو يتبوأ عندهم مقامًا مرموقًا، فهذا رياء إلا أن مصدره سماع القول، سواء صدر منه أو أذاعه ونشره ليذكر به.
وهذا يختلف الناس فيه: فمنهم من يكون رياؤه شركًا أكبر! ومنهم من يكون رياؤه محبطًا للعمل الذي يقارنه، ومستحقًا عقاب الله عليه، وهو من الشرك، ولكنه لا يكون من الشرك الأكبر، ومنهم من يطرأ عليه ذلك في أثناء العمل، ثم يدفعه ويصلح نيته، ويجعلها خالصة لله جل وعلا، ويطرد ما يقع في نفسه من ذلك، ويعرض عنه، ويستحضر عظمة الله، وأن الناس لا ينفعونه، فمثل هذا لا يضره ذلك، وإن كان هذا ليس كالعمل الذي يكون خالصًا لله جل وعلا من أصله.
والناس يتفاوتون عند الله جل وعلا في الإخلاص، ومن هذا الباب أن يعمل الإنسان لأجل الدنيا، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا أنه يجب أن يكون عمله الصالح الذي عمله لأجل تحصيل الجنة، أو لأن الله أمر به؛ أما إن عمله من أجل الدنيا فهذا نوع من الشرك كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا، ولكن في هذا الباب ذكر مجرد المراءاة، والسبب في هذا أن الإنسان يحب أن يكون فوق غيره، ولا يريد أن يكون أحد من الناس متقدمًا عليه في الفضل، ويريد أن يتقدم هو من عدة نواح.
فهذا من حظوظ النفس العاجلة، وهذا يدخل في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] يعني: أنه يهوى هذه الأشياء ويحبها، ويريد أن يحظى بها في الدنيا، وفي الواقع أن هذا يحصل من الإنسان الذي نظره قصير، وعقله ضعيف، وإيمانه قليل، ومراقبته لربه جل وعلا ليست تامة، بل غائبة عنه.
والعلاج أن يعلم أنه عبد لله جل وعلا يجب أن يخلص عمله لربه، وأنه إذا لم يكن عمله خالصًا فإن الله غني عنه، وهو يتركه كما سيأتي.
ومع ذلك الترك فإنه يعاقبه ويعذبه، وعذاب الله جل وعلا لا يشبه عذاب الناس، ولا يقابله منفعة يتمتع بها في الدنيا، المنافع هذه بعضها خيال قد يصل إليه شيء، وقد لا يصل إليه شيء، وسنة الله جل وعلا في خلقه أن المرائي تنعكس عليه أموره، ويتبين للناس من خلال سيرته وعمله أنه مراء، ثم يمقت على هذا، وتصبح مراداته معكوسة، أراد أن يحب ويمدح ويثنى عليه لكنه يبغض ويكره ويمقت، وإن لم يصرح للناس بذلك؛ لأن الأمور لا تخفى على الذي له عقل ومعرفة بأحوال الناس، يعرف ذلك من خلال أعمالهم وأقوالهم مع أن المرائي يكون لينًا في مقالته مع الناس؛ ليصرف وجوههم إليه، ويكون ألين ممن يريد وجه الله ولا يبالي بمدح أو ذم، بل كونه لا يمدح أحب إليه من أن يمدح ويثنى عليه؛ لأنه لا يقصد بهذا العمل إلا وجه الله.
والإخلاص لابد منه في صحة العمل، فكل عمل يعمله الإنسان إن لم يكن خالصًا فهو مردود عليه.
ومعروف أن الإنسان كلف بأمر الله جل وعلا امتثالًا، وبنهي الله جل وعلا اجتنابًا، والأمر لا يكون إلا عن طريق الرسول ﷺ، وكذلك النهي لابد أن يأتي عن الرسول ﷺ، فهو الذي جاء به؛ لأنه أمر الله، وأمر الله يأتي بالوحي، والوحي لا ينزل إلا على رسول، فالله يرسل الرسول خاصة للأمم، وآخر الرسل صار عامًا للناس كلهم، وهو محمد ﷺ، فلابد أن يبين ذلك ويوضحه.
ثم العمل الذي يعمله الإنسان، والاجتناب الذي يجتنبه، يجب أن يكون من أجل الله جل وعلا فقط، خوفًا منه، ورجاءً لثوابه فقط، ولا يكون لأمر آخر من أمور الناس والدنيا، فإن دخله شيء من المنافع سواء كانت معنوية كالمدح والمحبة والثناء وما أشبه ذلك أو حسية كأن يتوصل بهذا العمل إذا أظهره إلى نفع من منافع الدنيا -وظيفة أو غير ذلك- فإن عمله يكون حابطًا، ويكون عابدًا لنفسه في الحقيقة مع ربه، أو عابدًا للدنيا مع ربه، وهذا أمر خطير جدًا؛ لأن الرسول ﷺ خافه على صحابته وقال: إنه يخافه عليهم أكثر من خوفه عليهم من المسيح الدجال كما سيأتي.
والسبب في هذا أن الدافع والداعي له أمر موجود في النفوس، وهو كامن في النفس، وكل نفس موجود فيها هذا الشيء، فإذا لم تهذب النفس بخوف الله ومراقبته فلابد من وقوعها في ذلك.
إذًا: الرياء يخاف منه على الصالحين فكيف بمن ليس منهم؟ فالخوف عليهم أشد.
والشأن في الإخلاص عظيم، وإن كان العمل الخالص قليلًا فهو في الواقع كثير، أما إذا كان العمل كثيرًا وهو غير خالص فهو في الواقع قليل، وقد يحبط ويكون وبالًا على صاحبه كما سيأتي تفسير ذلك في النصوص.
واسم هذا الكتاب الذي وضعه المؤلف: (كتاب التوحيد)، والتوحيد هو: أن يكون العمل لله وحده فقط، لا يكون لغيره، فإن دخله شيء من مقاصد الناس لم يكن توحيدًا، وصار موزعًا بين الرب جل وعلا وبين المقاصد الأخرى، وهذا هو الشرك؛ لأنه لا يوجد في بني آدم من يعبد الصنم فقط، وإنما يعبد الصنم ويعبد الله، كل الذين يعبدون غير الله يشركون، أما أن يوجد قوم لا يعبدون إلا الصنم فهذا لا وجود له؛ لظهور الأدلة الواضحة في وجوب عبادة الله جل وعلا، ولو من جهة الربوبية، وهذا أمر الإنسان مضطر إليه، فإذا خلص الإنسان من هذه البلية فهو من المخلصين الذين خلصهم الله جل وعلا من بين الخلق.
والأمور تختلف في هذا، فهناك أعمال يكون الإخلاص فيها سهلًا كالصوم مثلًا، وهناك أعمال الإخلاص فيها عزيزٌ جدًا، ولا يوجد إلا عند من كان إيمانه قويًا كالصدقة الظاهرة، وغيرها من الأعمال الظاهرة التي تكون أمام مرأى الناس ومسمعهم، فإن هذه تحتاج إلى مجاهدة، وتحتاج إلى أن تتجدد النية، وكلما عرض له شيء يجدد نيته من جديد، فيجعلها خالصة لله، وإلا قد لا يسلم له شيء؛ لأن العمل الذي يخالطه الرياء يكون حابطًا.
[ ٩٥ / ٢ ]
قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)
واستدل المؤلف هنا في أول الباب بقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
معلوم أن الآية الواحدة (من كتاب الله جل وعلا تشتمل على معان كثيرة جدًا، فالله يأمر نبيه ﷺ أن يقول للناس هذا الكلام فقال: (قل)، فهذا أمرٌ من الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾: يعني لست برب ولا إله، أنا بشر مخلوق، ولكن الله جل وعلا خصه بالرسالة، وكلفه بأعبائها وتبليغها، هذا الذي خص به من دون الناس، أما في خلقه وخصائصه من الأكل والشرب والنوم وما أشبه ذلك، وكونه خلق من ذكر وأنثى؛ فهو مثل الناس تمامًا، ليس كما يزعم أهل البدع والانحرافات أنه خلق من النور، وأنه أصل المخلوقات، وأنه لولاه ما خلق شيء، وغير ذلك من أنواع الغلو التي تئول بصاحبها إلى الشرك بالله جل وعلا في الربوبية.
يقول: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، والذي أتميز به عنكم ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، تميز بالوحي فقط، أن الله يوحي إليه أمره ونهيه الذي كلفه أن يبلغه إلى الناس، كلفه به ليقوم بأعبائه، ثم جعل الوحي في شيء واحد؛ لأن هذا هو الأصل: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ لأن هذا الذي يدور عليه جميع العمل الذي كلف به بنو آدم.
والإله: هو المألوه الذي تألهه القلوب حبًا وخوفًا، ورجاءً وإنابة، وتوكلًا وخشية، فيجب أن يكون هو المألوه في أداء الأعمال، وتؤدى له فقط: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وهو الله جل وعلا.
ثم قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، الرجاء: يقصد به الاعتقاد والإيمان، واللقاء: يتضمن الرؤية والمعاينة.
والمقصود الحساب، فمن كان عنده إيمان بأن الله سيميته، ثم يبعثه، ثم يوقفه بين يديه ويحاسبه: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، من كان يرجو ذلك فليكن عمله صالحًا، أما الصلاح فيقصد به أن يكون موافقًا لأمر الله جل وعلا ونهيه، وإذا لم يكن موافقًا لما جاء به الرسول ﷺ فهو فاسد غير صالح.
(فليعمل عملًا صالحًا) فليعمل بما جاء به الرسول ﷺ فقط، لا بهوى نفسه، ولا بما وجد عليه الناس، ولا بمقتضى عقله، ولا بغير ذلك من الأمور التي تكون مصدرًا للعمل، وإنما يتعرف على أمر الله الذي جاء به الرسول ﷺ، ويجتهد في معرفته ثم يعمل به: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، ولا: هنا ناهية.
والشرك هنا يقصد به صغيره وكبيره، ولهذا قال: (أَحَدًا) نكرة في سياق النهي، وهذا من العمومات التي لا يخرج عنها شيء، فدخل فيه الشرك الأكبر والشرك الأصغر، ومن ذلك الرياء، ولا يلزم أن يكون شركًا صغيرًا فقد يكون كبيرًا؛ لأن الرياء إذا كان في أصل العمل فهذا من شأن الكفار والمنافقين، فالله جل وعلا أخبر عنهم أنهم: ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧]، مراءاة للناس، أما المنافقون فيقول جل وعلا أنهم ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، والرياء في الأعمال بالباطنة لا يصدر من مسلم، أما في الأعمال الظاهرة التي ترى فقد يصدر منه الرياء ويقع فيه، مثل الحج، والصلاة وما أشبه ذلك، يريد أن يذكر، وربما يشهر نفسه، حتى إن بعض الناس إذا حج سمى نفسه: الحاجُّ فلان، لماذا الحاج فلان؟ حتى يعرفوه أنه قد حج! فيجب أن يكون العمل لله وحده، ولا يذكره للناس حتى يثنوا عليه به أو يسموه به، فهذا من أقل ما يقال، وإلا فالأمور التي تقدح في العمل كثيرة جدًا، ولكن هذا واضح يجب على العبد أن يجتنبه حتى يكون عمله صالحًا خالصًا لله، ويكون ممن امتثل أمر الله في هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، يعمل عملًا صالحًا إن كان يرجو لقاء ربه.
ولقاء الله جاء كثيرًا في القرآن يقصد به المواجهة والمحاسبة، وفي ضمن ذلك رؤية الله جل وعلا، قال السلف: كل لقاء في القرآن يتضمن الرؤية؛ لأن لقاء الرؤية يكون بعد الكدح والعمل كما قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، فاللقاء يكون بعد كدح العمل.
ومعلوم أن كل إنسان عامل، وعمله إما له أو عليه، فإذا كان عليه فاللقاء بمعنى الجزاء للكفار ونحوهم؛ لأنهم لا يرون ربهم، وإن كان مؤمنًا فإن لقاءه يتضمن معاينة ربه وكلامه، ومحاسبته، وقد يكون فيه تهديد، وقد يكون فيه تقرير له على أعماله السيئة، ثم يعفو عنه جل وعلا كما في حديث عبد الله بن عمر الذي في الصحيح لما قيل له: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ يعني: مناجاة الرب جل وعلا لعبده، وهذا مما يجب أن نؤمن به، فإن الله يكلم عباده جهارًا، ويكلم عبده بينه وبينه، والنجوى لغة: أن يكلم شخص آخر ولا يسمعه من بجواره، فلما سئل: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: (يدني الله عبده المؤمن فيضع عليه كنفه)، والكنف: هو الستر، يستره لئلا يراه أهل الموقف فيفتضح أمامهم، فيقرره بذنوبه يقول: عملت كذا في وقت كذا في يوم كذا في مكان كذا، وما يستطيع أن ينكر، ويقول: بلى، وكلما قال له: عملت كذا وكذا عملت كذا وكذا يتغير لونه، ويظن أنه هلك، وأن الله سوف يأخذه ويعذبه بذلك، وهذا سبب كونه يضع عليه الستر، قال: (فإذا قرره بذنوبه قال الله جل وعلا له: أنا سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتابه بيمينه)، عند ذلك يفرح الفرح الكبير، ويتصور أن أهل الموقف كلهم يهمهم أمره، فيرفع كتابه بيده ويقول: هاؤم اقرءوا كتابيه، يعني: يا هؤلاء! اقرءوا كتابيه، انظروا أعطيت الكتاب باليمين، وهذا هو عنوان السعادة، فمن شدة الفرح واستيلاء السرور عليه يقول هذا الكلام.
أما الكافر أو الفاجر فإنه يقال للملائكة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢]، هكذا يكون جزاؤه.
يجب أن يحسب الإنسان اللقاء حسابًا، فإن كان عنده له حساب فليكن عمله صالحًا موافقًا للسنة، وليكن خالصًا لله جل وعلا، وليس للناس فيه شيء، لا ينظر إليهم، ولا يهمونه، ويعلم أن الخلق كلهم لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء ما استطاعوا إلا بشيء قدره الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء ما استطاعوا إلا بشيء قدره الله عليه، ولا يكون ذلك إلا من جراء ذنوبه.
[ ٩٥ / ٣ ]
نهي النبي ﷺ عن مدح الشخص أمام وجهه
قال الشارح رحمه الله تعالى: [قوله (باب ما جاء في الرياء).
أي: من النهي عنه والتحذير، قال الحافظ: هو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها؛ فيحمدون صاحبها، والفرق بينه وبين السمعة: أن الرياء لما يرى من العمل كالصلاة، والسمعة لما يسمع كالقراءة والوعظ والذكر، ويدخل في ذلك التحدث بما عمله].
قوله: (يحمدونه) أي: يثنون عليه ويمدحونه ويحبونه، ويثقون به، وربما يريد أن يقبلوا يداه ورأسه أو ما أشبه ذلك، حتى يكون له مقام عند الناس، وهذا من عبادة النفس التي يجب أن يكون الإنسان كارهًا لها، مبغضًا لها، دافعًا لها لا يريدها، ولكون النفس تحب هذا الشيء نهى الرسول ﷺ عن مدح الشخص أمامه، لا يجوز أن تأتي إلى أخيك وتمدحه وتقول: أنت فيك وفيك وأنت كذا وكذا؛ لأن نفسه ضعيفة قد تغلبه؛ وذلك أنه إذا سمع بالمدح -وإن كان هو أعلم بنفسه من المادح- فقد تغالطه نفسه ويقول: لعلي كذلك، وإن كانت هذه مغالطة في الواقع، لكن قد يكون الدافع لهذا قويًا، وهو حب الإنسان أن يكون مقدمًا عند الناس، ومحبوبًا لهم، ومثنىً عليه، وهذا شيء قوي تريده النفوس، وكل إنسان يريد أن يكون فوق أبناء جنسه، ولا يريد أن يكون دونهم؛ لهذا تجد كل إنسان معجبًا بنفسه وعمله، وربما يزدري الآخرين من باب الإعجاب، فلهذا نهى الرسول ﷺ عن ذلك، ولما سمع إنسانًا يمدح آخر قال: (ويلك قطعت عنقه)، كيف قطع عنقه؟ يعني: أنه يسلط عليه نفسه.
فيترك ما أمر به من الإخلاص، وازدراء النفس، وقد لا يعرف قدره إذا مدح، فإذا لم يعرف قدره فإنه يهلك، وإذا أراد أن يعرف قدره فليعرض عمله على كتاب الله إن كان من الذين يقول الله جل وعلا فيهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٩]، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:٢ - ٤] إلى آخر ما ذكر الله جل وعلا من صفات الذين يثني عليهم، فإذا كان من هؤلاء فهو عند الله جل وعلا محبوب وله الجزاء، وإن لم يكن وصفه هكذا فليراجع عمله ونفسه، ويجتهد لعله يصل إلى شيء من ذلك، وإلا أصبح مثلما قال الرسول ﷺ: (لينتهين أقوامٌ عن فخرهم بأناس هم فحمٌ من فحم جهنم أو ليكونن أهون عند الله من الجعلال الذي يدهده النتن بأنفه)، فهو أهون عند الله من هذه الدابة التي تختار النتن القذر وتدهدهه بأنفها؛ لأن الإنسان ما له قيمة إلا بعمله، وإذا كان يعمل لأجل نفسه فهو ممقوت عند الله مكروه، ومن مقته الله جل وعلا فإنه يفضحه ويخزيه ويعذبه، نسأل الله العافية.
[ ٩٥ / ٤ ]
وجوب توحيد الله بالعبادة
قال الشارح ﵀: [قوله: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: ليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك كله له وحده لا شريك له، أوحاه إلي: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: يخافه: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
قوله (أحدًا): نكرة في سياق النهي تعمه، وهذا العموم يتناول الأنبياء والملائكة والصالحين والأولياء وغيرهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة وقالوا: لقاء الله يتضمن رؤيته ﷾ يوم القيامة، وذكر الأدلة على ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الآية: أي: كما أن الله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو: الخالص من الرياء، المقيد بالسنة].
والدليل على هذا أن الله جل وعلا تفرد بالخلق والإيجاد والتصرف، فهذا الدليل لا ينكره أحد، ويقر به كل أحد، لا أحد يقول: إن فلانًا هو الذي خلق السموات مع الله، أو ما أشبه ذلك، كل الناس يقرون بأن الله هو الخالق وحده، وهو الذي يملك الكون كله وحده.
فهذا دليل على وجوب عبادته وحده، فإذا كان هو المتفرد بالخلق والإيجاد والتصرف فإنه يجب أن يفرد بالتأله والقصد والإرادة، وأن يكون العمل له وحده خالصًا، وهذا هو الذي استدل الله جل وعلا به على الكفار في آيات كثيرة، كقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] يعني: أنتم تقرون وتعترفون أنه هو الذي خلقكم، وخلق من قبلكم، ويخلق من بعدكم، ولا يشاركه في ذلك أحد، فكيف تجعلون له أندادًا وأنتم تقرون بهذا؟ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] فهم يعلمون أن الله هو الخالق لهم وحده، ولمن قبلهم وبعدهم، ويقرون بأنه هو الذي جعل الأرض على هذه الصفة التي يمكن للإنسان الانتفاع منها، كالفراش الذي يتمكن من الجلوس عليه والانتفاع به.
والسماء جعلها بناءً مرفوعة يشاهدونها، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الأرض ما يأكلونه وتأكله بهائمهم التي ينتفعون بها، فقد كانوا يقولون: إن الله هو المتفرد بهذا، وليس معه أحد، وهذا معنى قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
إذًا: الأنداد التي يجعلونها ليست في الخلق، وإنما هي في التوجه والقصد والعبادة، فصار توحيد الربوبية دليلًا على توحيد الإلهية والعبادة، وهذا فرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية؛ لأن الكفار أقروا بالأول، وجعله الله دليلًا عليهم موجبًا لهم أن يعبدوا هذا الذي أقروا بأنه تفرد بالإيجاد والخلق والرزق: ﴿أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ هذا لله وحده، هل يوجد أحد يقول: إن عبد القادر الجيلاني هو الذي ينزل المطر وينبت النبات أو أحمد البدوي أو غيرهما؟ لا يوجد، ولكن الشيطان يأتيهم بقالب آخر يقول: هؤلاء أولياء، ومحبوبون عند الله، فإذا توجهنا إليهم وطلبنا منهم، فهم بدورهم يطلبون من الله لنا؛ فيكون هذا أقرب إلى الإجابة، وتكون وساطة قياسًا على أمور الدنيا، فإن الإنسان إذا كان له حاجة عند رئيس أو معظم يذهب أولًا إلى من يعرفه أو إلى من يكون قريبًا منه، فيطلب منه التوسط حتى تنجح مسألته، فقاسوا الخالق جل وعلا بالمخلوق تعالى الله وتقدس، مع أن الواجب أن يكون الفعل الذي يفعله الإنسان متقربًا به إلى الله على ما جاء به الرسول ﷺ فقط، وهذا الشرك ما جاء به الرسول ﷺ بل نهى عنه، وهو الذي كان المشركون يفعلونه فيقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، يعني: يشفعوا لنا.
[ ٩٥ / ٥ ]
سبب الشرك الذي وقع فيه المشركون
الشرك الذي وقع فيه جميع المشركين هو من باب الشفاعة فقط، ادعوا أنهم يشفعون لهم، فقال الله جل وعلا: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر:٤٣] (أم) إذا جاءت في القرآن فالمفسرون يقولون: معناها: بلِ اتخذوا: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر:٤٣]، كثيرٌ منهم لا يعقل؛ لأنه إما ميت وإما جماد كشجر أو حجر أو غير ذلك، فهو لا يعقل كلامك وما تقصده منه، لأنه لا يسمع، وقد تكون قريبًا منه ولكنه لا يعقل؛ لأنه جماد.
ثم قال جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤] الشفاعة لله فاطلبها منه فقل: اللهم! شفع فيَّ نبيك، اللهم! إني أسألك أن تشفع فيَّ نبيك، فهذا هو الطريق لها، أما إذا ذهبت تطلبها من المخلوق فهذا سبب في منعك إياها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ومعلوم أن الشفعاء الذين ذكرهم الله جل وعلا لا يشفعون إلا لمن يرضى الله جل وعلا عنه، والله لا يرضى إلا بالتوحيد والإخلاص له، أما إذا كان مشركًا فالشرك سبب منع الشفاعة، فيأتيه المنع والحرمان من حيث ظن أنه يحصل له النفع والشفاعة، فانعكست عليه القضية تمامًا، وهكذا المخالفون لأمر الله جل وعلا تنعكس عليهم يوم القيامة، وإذا مات الإنسان انتهت القضية، وختم على عمله، وأصبح لا ينفعه شيء ولو ندم أو تحسر.
قال الشارح ﵀: [قال: وفي الآية دليل على أن أصل الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ والمرسلين قبله هو إفراده تعالى بأنواع العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
والمخالف لهذا الأصل من هذه الأمة أقسام: إما طاغوت ينازع الله في ربوبيته وإلهيته، ويدعو الناس إلى عبادته، أو طاغوت يدعو الناس إلى عبادة الأوثان، أو مشرك يدعو غير الله ويتقرب إليه بأنواع العبادة أو بعضها، أو شاك في التوحيد، أو جاهل يعتقد أن الشرك دين يقرب إلى الله، وهذا هو الغالب على أكثر العوام؛ لجهلهم وتقليدهم من قبلهم، لما اشتدت غربة الدين ونسي العلم بدين المرسلين.
[ ٩٥ / ٦ ]
ترك الله لعمل ابن آدم إذا أشرك فيه معه غيره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، رواه مسلم].
أحاديث الرسول ﷺ تنقسم إلى قسمين: قسم يقوله ﷺ آمرًا به وناهيًا، حسب تكليف الله له جل وعلا، ويقول ذلك عن وحي أيضًا.
وقسم يضيفه إلى ربه جل وعلا يقول: قال الله تعالى يقول الله تعالى وهذا القسم يسمى قدسيًا، فالقدسي نسبه إلى الطهارة والنزاهة والرفعة يعني: أنه قول الله.
والحديث القدسي لفظه ومعناه من الله، والرسول ﷺ يبلغه، ولكنه ليس كالقرآن من ناحية التحدي به، والتعبد بتلاوته، وصحة الصلاة به، وما أشبه ذلك من الأمور التي يتميز بها القرآن عن الحديث القدسي.
أما القسم الأول: فالعبارة من الرسول ﷺ، ولكن المعنى من الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] يعني: كل ما يتكلم به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي وحي من الله.
فعلى هذا؛ يكون هذا الحديث من القسم الثاني، يقول الله جل وعلا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، وغناه جل وعلا أمر ظاهر، وكذلك كرمه وجوده يقتضي أنه لا يقبل العمل إذا كان فيه شرك؛ لأنه يتركه لغناه وكرمه، ولكونه جل وعلا لا يقبل إلا الطيب الطاهر الخالص.
قوله: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، يعني: لا يمكن أن يكون الشريك مقاربًا لله جل وعلا في الغنى، ومعروف من الأمور البديهية في أمر الدين الإسلامي أن الله غني بذاته عن كل ما سواه، وليس عمل الإنسان وإخلاصه ينفع الله جل وعلا وتعالى وتقدس، بل عمله لنفسه فقط: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت:٤٦] فالله غني عن عمله، ولكنه كلف عبده أن يعمل أعمالًا صالحة خالصة، كلفه بهذا حتى يتميز من يكون عبدًا لله جل وعلا ومن يكون عبدًا لغير الله، وكل من لم يعبد ربه لابد أن يعبد الشيطان بمظاهره المختلفة، فإن الشيطان يظهر بمظاهر كثيرة، فقد يكون في مظهر حب النفس، ومظهر الشهوة، وقد يكون في مظهر أمور يحبها الإنسان وتغلب عليه كلعبة معينة يترك بسببها أمر الله ونهيه ولا يبالي بذلك، فكل من لم يعبد الله لابد أن يعبد غيره، حتى الملاحدة الذين يقولون: الحياة مادة، ولا يوجد جنة ولا نار ولا بعث، ولا يوجد إلا هذه الحياة فقط، فهم في الواقع يعبدون شهواتهم، ويعبدون رؤساءهم وساداتهم وكبراءهم.
فهم لما لم يعبدوا الله جعلهم الله جل وعلا يعبدون نظراءهم، أو من هو أخس منهم وأحقر؛ جزاءً وفاقًا، فكل إنسان لابد أن يعبد ربه، فإن لم يعبد ربه فإنه سيعبد شيئًا آخر من مظاهر الكون والمخلوقات، وفي النهاية تكون العبادة للشيطان؛ لأنه هو الذي يأمر بعبادة غير الله، ويزين الشرك والكفر والإلحاد والفسوق والعصيان في أعين الناس.
يقول جل وعلا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، ولا شك أن غناه تام وكامل، فهو غني بذاته عن كل ما سواه، فصار من مقتضى غناه أنه إذا وقع عمل وصار هذا العمل مشتركًا بين الله وبين غيره؛ أن يترك هذا العمل لهذا الشريك، لهذا قال: (من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) قوله: (تركته) الضمير يعود على العمل، أي: تركت العمل فيكون حابطًا باطلًا، ويجوز أن يعود على صاحبه، أي: تركت صاحبه وشركه، يعني: أن الشريك هو الذي يتولى جزاءه ويتولى ثوابه، فإذا كان يوم القيامة يقول الله جل وعلا: انظر إلى من أشركته في عملك فاطلب جزاءك عنده، والنتيجة خسارة وعذاب في جهنم.
[ ٩٥ / ٧ ]
معنى حديث: (من عمل عملًا أشرك فيه غيري)
قال الشارح ﵀: [قوله: (من عمل عملًا أشرك فيه غيري) أي: من قصد بعمله غيري من المخلوقين، (تركته وشركه)، ولـ ابن ماجة: (فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك)، قال الطيبي: الضمير المنصوب في قوله: (تركته) يجوز أن يرجع إلى العمل.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياءً محضًا كحال المنافقين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه].
إذا شاركه في الأصل، أي: كان الباعث عليه من أصل المبدأ أنه يريد المراءاة، فهذا حابط بلا شك.
قال الشارح ﵀: [وذكر أحاديث تدل على ذلك، منها هذا الحديث، وحديث شداد بن أوس مرفوعًا: (من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، وإن الله ﷿ يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، فمن أشرك بي شيئًا فإن جدة عمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، وأنا عنه غني) رواه أحمد.
وذكر أحاديث بالمعنى ثم قال: فإن خالط نية الجهاد مثلًا نية غير الرياء، مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة، نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية].
إذا كان عنده طمع بأن يحصل على غنيمة أو على نفع دنيوي خاص به، فهذا يكون نقصًا في جهاده، أما إذا كان الباعث له على الجهاد أن يحصل على الأموال فقط فهذا من الشرك الذي سيأتي ذكره في الباب الذي بعد هذا، فيقول الله فيه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
ومعنى الآية: أن الذي يعمل الأعمال الصالحة ويقصد بها الدنيا فجزاؤه بهذه الصفة، ولكن إذا كان الباعث له على العمل طاعة الله وطاعة رسوله، والطمع في ثوابه والنجاة من عقابه، ودخل في هذا أنه يحصل على نفع دنيوي كالغنيمة؛ فهذا لا يحبط عمله، ولكن ينقص أجره، فلا يكون مثل الذي صار عمله كله للآخرة.
[ ٩٥ / ٨ ]
الأجر على قدر النية
قال الشارح ﵀: [قال ابن رجب ﵀: وقال الإمام أحمد ﵀: التاجر والمستأجر والمكري أجرهم على قدر ما يخلص من نياتهم في غزواتهم].
المكري هو الأجير الذي يُستأجَر مع دابته ليوصل الحجاج مثلًا؛ لأن الحاج قد لا يكون عنده سيارة مثلًا فيستأجر صاحب السيارة، فيقول: اذهب بنا إلى مكة، فهذا يذهب إلى مكة من أجل أنه مستأجر ثم يحج فلا يكون حجه تامًا، ولكن إذا كانت نيته خالصة فيكون حجه تامًا، وإذا قصد النفع وأخذ الأجرة؛ فله ما قصد.
[ولا يكونون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره.
وقال أيضًا فيمن يأخذ جعلًا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس؛ كأن خرج لدينه، فإن أعطي شيئًا أخذه.
وروي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقًا فلا بأس بذلك، وأما إن كان أحدكم إن أعطي دراهم غزا، وإن لم يعط لم يغز؛ فلا خير في ذلك.
وروي عن مجاهد ﵀ أنه قال في حج الجمَّال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من أجره شيء أي: لأن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.
قال: وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأ عليه نية الرياء: فإن كان خاطرًا ثم دفعه فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا، فيجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن وغيره.
وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ: (أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن) رواه مسلم انتهى ملخصًا.
قلت: وتمام هذا المقام يتبين في شرح حديث أبي سعيد، إن شاء الله تعالى].
[ ٩٥ / ٩ ]
تعريف الحديث القدسي
هذا الحديث، هو قول الرسول ﷺ عن الله ﵎ وهو حديث قدسي كما سبق، والحديث القدسي: هو ما أضيف إلى الله جل وعلا قولًا ومعنى، فالرسول ﷺ يرويه عن ربه ﵎، بخلاف الحديث الذي يضاف إلى النبي ﷺ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه يعبر عن المعنى الذي أوحي إليه بالعبارة التي تناسب من قوله صلوات الله وسلامه عليه.
أما المعنى في الحديث فهو كله من الله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] يعني: أن كل ما تكلم به الرسول ﷺ في أمر الدين أو من الإخبار عما سيكون في المستقبل أو عن الماضي، وكل ما يتعلق بأمر الله وخبره؛ فهو وحي من الله جل وعلا.
قوله جل وعلا: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، معلوم عند الخلق كلهم أن الله جل وعلا غني بذاته عن كل ما سواه، فالخلق كلهم لا ينفعونه بطاعتهم، ولا يضرونه بمعصيتهم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦]، بل العباد هم الفقراء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:١٥]، فكل مخلوق فقير إلى الله جل وعلا فقرًا لا ينفك عنه، فقير في منشئه ومبدئه، فقير في حاله وما هو عليه، فقير في مآله ومنتهاه، فهو فقير إلى الله دائمًا، ويتضح فقر العبد بما يلي: أولًا: خلقه الله جلا وعلا ولم يكن شيئًا.
ثانيًا: هو فقير في حياته، فإن تخلى الله جل وعلا عنه تخطفته الشياطين، وتحكمت به الأهواء، وهلك من حيث لا يشعر.
ثالثًا: هو فقير في مآله ومنتهاه إلى الله جل وعلا، فإن لم يتغمده الله جل وعلا برحمته فهو هالك، وكل الخلق إلى الله فقراء، وقد أوجب الله على عباده أن يعبدوه وحده، وأن تكون العبادة له وحده، فإن دخل العبادة شيء من القصد لغير الله فمقتضى غنى الله جل وعلا وكرمه أن يترك هذا العمل للذي قصد، وهذا عام مطلق في كل عمل، فإذا دخل العمل الرياء فإنه يكون داخلًا في هذا النص سواء كان في مبدأ ذلك ومنشئه، أي: نشأ معه في العمل أو طرأ عليه في أثنائه، فإنه يكون قد أشرك فيه غير الله، فيكون الجزاء أن الله يتركه وشركه، والضمير في قوله: (تركته وشركه)، إما أن يعود إلى العمل أو إلى صاحبه.
أما ما ذكر من أنه إذا كان منشأ العمل وأصله ومبعثه لله جل وعلا خالصًا، ولكن طرأ عليه الرياء، ثم ذكر الخلاف فيه، فالحديث نفسه يفصل في هذا، فلا وجه للخلاف في ذلك، فإن الشرك إذا طرأ على عمل أفسده، ولكن إذا كان خاطرًا يخطر في نفسه، ثم دفع ذلك الخاطر وأعرض عنه وأصلح نيته وأخلصها، فإن هذا لا يضره؛ لأنه مجرد شيء عرض ولم يتحقق.
أما إذا استدعاه بنفسه بأن عرض له في نفسه ثم طلبه واستدعاه واسترسل معه، فهذا يكون محبطًا للعمل، والعمل الذي يحبط بذلك هو العمل الذي قارنه الشرك فقط، أما شيء قبله أو شيء بعده فهذا له حكمه: إن كان مخلصًا فيه فهو لله جل وعلا، وإن كان فيه شيء من الرياء وإرادة النفس وإرادة الدنيا فهو داخل في ذلك، فيتركهُ الله وشركه.
ومعنى ترك الله جل وعلا له: عدم الاعتداد به، والثواب عليه، بل يترك لصاحبه ويقال له: (اذهب إلى الذي كنت ترائي، فاطلب ثوابك منه)، وقد يأتي الإنسان يوم القيامة بأعمال ظاهرها أنها خالصة لله على ما يرى، ثم تصبح باطلة ومحبطة، ويصبح جزاء صاحبها عذاب الله جل وعلا، فإذا كانت قد خفيت على الملائكة الذين يكتبون ذلك، فإنها لا تخفى على علام الغيوب الذي يعلم نية العبد ومقصده، ويقول الله جل وعلا: إنها عملت لأجل فلان ثم يردها جل وعلا، ولكن الغالب أن المرائي لا يخفى أمره.
[ ٩٥ / ١٠ ]
عاجل بشرى المؤمن
ذكر الشارح حديث: (أن النبي ﷺ سئل عن العبد يثنى عليه بالعمل فقال: ذاك عاجل بشرى المؤمن)، هذا في عملٍ عُمِل خالصًا لله جل وعلا، ولم يتعرض العامل فيه لطلب الثناء أو وجوه الناس، ولكنه ظهر وهو لا يريد إظهاره؛ فأثني عليه بذلك.
والمؤمن لا يجوز أن يفرح بالثناء ويطلب المدح، بل يجب أن يخاف أن يكون هذا من حظ النفس، وأن يكون هذا مبطلًا لعمله، ولكن إذا جاء شيء لم يطلبه وهو واقع على عمل معمول لله جل وعلا، فهذا هو الذي جاء فيه الحديث أن ذلك عاجل بشرى المؤمن، والمعنى: أن هذا دليل على أن عمله مقبول وأن الله جل وعلا أثابه عليه وقبله.
[ ٩٥ / ١١ ]
خوف النبي ﵊ على أمته من الرياء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل) رواه أحمد].
هذا الحديث خطاب للصحابة رضوان الله عليهم، والصحابة هم خير هذه الأمة؛ فهم أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأخلصها عملًا، وأعلمها بالله، وأتبعها لرسوله ﷺ، ولا أحد يصل إلى ما وصلوا إليه، ومع ذلك يقول الرسول ﷺ: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من الدجال؟ ومعلوم ما هو الخوف من الدجال فإن الرسول ﷺ حذر أمته منه، وقال: (إذا أحد به الإنسان فلينأ عنه -أي: يبتعد- فإن الرجل يأتيه وهو واثق بدينه فلا يزال به حتى يفتن ويصدقه)، ولهذا أمرنا صلوات الله وسلامه عليه أن نستعيذ بالله من شره ومن فتنته في كل صلاة ومع ذلك يقول: (إن هذا الأمر أخوف عليكم عندي من الدجال، فهذا يدل على أن هذا الأمر يجلب الخوف خصوصًا على الصالحين الذين عندهم كمال، فكيف بضعفاء الإيمان الذين ينظرون إلى الدنيا كثيرًا وتستميلهم؟ فلا شك أن هؤلاء يجب أن يكونوا أكثر خوفًا من أولئك.
إذًا: من الشرك كون الرجل يصلي ثم يزين صلاته لما يرى من نظر الناس إليه، وهذا يعني أن الصلاة ليست للرجل بل هي لله جل وعلا، ولكنه يحسنها بإطالتها وآدابها وركوعها وسجودها وقيامها؛ لنظر من يراه معظمًا عنده، حتى يكون له وقع في قلبه من أجل ذلك، وهذا من عبادة النفس، فمن عادة النفس حب الثناء عند الناس، ومن المعلوم أن المؤمنين يحبون المؤمن، وكلما كان الإنسان أطوع لله تكون محبته عندهم أكثر، فهو يريد أن يقدم في المجالس أو في الخطابات أو في ما شاء الله من أمور الدنيا التي ينظر إليها، فكل من زين عمله لأجل ذلك فلا خير في عمله، وهذا هو الذي دل عليه هذا الحديث: (من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).
ثم هذا لا يدعو الإنسان لأن يترك تحسين الصلاة وفعل السنن من أجل نظر الناس، فهذا لا يجوز؛ لأن العمل من أجل الناس شرك، وترك العمل من أجلهم لا يجوز.
فالإنسان يجب أن يكون عمله لله جل وعلا، وأن يكون عبدًا لله خالصًا مخلصًا، يخلص نفسه وأعماله من الشوائب التي تتوارد عليها بحظوظ النفس أو إرادات الدنيا وما أشبه ذلك.
والأعمال آفاتها كثيرة، وهذا من أعظم آفاتها، وهذا يدلنا على شدة نصح الرسول ﷺ لأمته، فانظر كيف حذرنا من الآفات التي تكون في النفوس وتدخل القلوب ولا يعلمها إلا علام الغيوب، ولكنه بعث للدعوة إلى الله، وإخلاص الدين له، فكل أمر يخالف الدين وينافي الإخلاص فإنه بينه ووضحه، ويجب أن يكون العمل لله جل وعلا وحده، وذلك هو العمل النافع، فليس الاعتبار بكثرة الأعمال، ولكن بسلامة العمل وخلوصه من الشوائب، فإذا كان العمل خالصًا لله فهو النافع المجدي وإن كان قليلًا، فإن الله جل علا إذا قبل حسنة واحدة بارك فيها حتى ينجو بها الإنسان من النار إن لم يكن له سيئات تأتي عليها.
قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]، فإذا كان عند الإنسان حسنة ولو صغيرة مقبولة خالصة لله؛ فإن الله جل وعلا يبارك فيها ويعظمها حتى ينجو بها الإنسان، ولكن يجب أن تكون خالصة لله.
[ ٩٥ / ١٢ ]
هل يدخل الرياء في الصيام؟
العلماء يذكرون أن الصيام لا يدخله الرياء، إلا أنه قد يدخله في حالة من يأتي إلى الناس ويبين لهم أنه صائم ويظهر ذلك، ومعنى كلام العلماء أن أصل الصيام في نفسه سر بين العبد وبين ربه، فيمكن أن يخلو الإنسان في بيته فيأكل ويشرب ولا يطلع عليه أحد، فإذا امتنع من ذلك دل على أنه يريد وجه الله جل وعلا، ولكن ذلك لا يمنع أن يدخله الرياء كما ذكرنا، مثل أن يقول: إنه يصوم اليوم الفلاني واليوم الفلاني؛ لأجل أن يثنى عليه ويمدح، أما فلا تسلم من الرياء إذا كانت أمام الناس، والسلامة فيها صعبة.
والإنسان إذا أتى بحسنات كثيرة من هذا القبيل فيها رياء فهي خسارة عليه؛ لأن كل عمل ليس خالصًا لله غير مقبول، فإن الله طيب لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا، والذي يدخله شيء من إرادة النفس وإرادات الدنيا ليس طيبًا، بل هو خبيث لا يقبله الله، بل يرده على صاحبه، وهذا أمر مهم جدًا يجب أن يُعتنى به كثيرًا.
وعلى الإنسان أن يعتني بنفسه، وينظر إلى الناس على أنهم بشر مثله لا ينفعونه ولا يضرونه، ولا يجوز له أن يحتقرهم ويزدريهم، بل يجب أن يعرف لهم حقهم، وعليه أن يعرف قدر نفسه، وأنه ضعيف إن لم يتداركه ربه جلا وعلا برحمته هلك؛ لأن الأعداء تحتوشه من كل جانب، حتى نفسه الأمارة بالسوء عدوة له، وكذلك الشيطان الذي قال ﷺ عنه: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، فيعرف ماذا يميل إليه فيزينه له.
فالعبرة بإخلاص العمل، وكذلك المتابعة، وهذان شرطان في كل عمل، فيشترط أن يكون العمل ليس فيه شيء من البدع، وأن يكون خالصًا لوجه الله جل وعلا، وكل عمل لم يشتمل على هذين الأمرين فهو مردود على صاحبه مهما كانت كثرته، ومهما كان وقعه في الناس، فهو لا يفيد إلا إذا كان خالصًا لله جل وعلا، وكان على سنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٩٥ / ١٣ ]
شرك السرائر
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وروى ابن خزيمة في صحيحه عن محمود بن لبيد قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس! إياكم وشرك السرائر، قالوا: يا رسول الله! وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه، فذلك شرك السرائر)].
سمي شرك السرائر؛ لأنه سر لا يعلمه إلا الله، فهو كامن في نية الإنسان، والنية هي التي تبعث على الأعمال، ومحلها القلب الذي هو منشأ الأعمال؛ لأنه ملك الأعضاء، والعمل يكون مترتبًا على النية، فهي سرٌ لا يعلمها إلا من يعلم خفي الأمور جل وعلا، وإن كان الغالب أن الذي يرائي لا يخفى على الناس؛ ولهذا يعرفه كثير من الناس حتى يقال: هذا مراء، ولو لم يقل ذلك أو ينشره، فإن الله جل وعلا يظهره من آثار أعماله وأقواله، ويعرف في لحن القول وفي سيما العمل، وقد لا يظهر إلا قليل منه، والكثير يكون خافيًا، ولكن الواجب على الإنسان أن يراقب ربه، ولا يكون للناس في عمله قدر ولا نصيب، ولهذا كان أمير المؤمنين عمر يدعو ربه ويقول: (اللهم! اجعل عملي لك خالصًا، ولا تجعل لأحد من خلقك منه شيئًا).
الإنسان لا يستطيع أن يكون سالكًا الطريق المرضي إلا بتوفيق الله.
[ ٩٥ / ١٤ ]
الرياء قد يكون شركًا أكبر
قال الشارح ﵀: [قوله: (الشرك الخفي) سماه خفيًا؛ لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، وقد قصد به غيره، أو شركه فيه بتزيين صلاته لأجله.
وعن شداد بن أوس ﵁ قال: (كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ الشرك الأصغر)، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير في التهذيب، والطبراني والحاكم وصححه].
في الواقع أن شرك الرياء قد يكون أصغر وقد يكون أكبر، إذا كان الرياء مخالطًا لأصل العمل فهذا لا يكون أصغر بل أكبر، ولهذا وصف الله جل وعلا به الكفار، فقال جل وعلا في قريش لما جاءوا يقاتلون الرسول ﷺ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:٤٧]، أي: خرجوا يراءون الناس، وكذلك وصف به المنافقين فقال جل وعلا: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء:١٤٢]، وقال جل وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٦].
أي: يراءون الناس في أعمالهم، فهم يصلون ويعملون أعمالًا ويراءون فيها غير الصلاة، لهذا يقال له: ويل، ولا يقال ويل في الشرك الأصغر لكنه يقال في الشرك الأكبر، فإذا استرسل الإنسان مع الرياء ولم يدافعه فإنه يكون شركًا أكبر لا أصغر، ولكن إذا طرأ على الإنسان أو عرض له الرياء، ثم جاهد نفسه في ذلك وصده، فهذا من الشرك الأصغر، ومعنى ذلك: أنه إذا وجد في العمل أحبطه وأبطله.
[ ٩٥ / ١٥ ]
ذكر أفراد للشرك الأصغر
قال الشارح ﵀: [قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للمخلوق والحلف بغير الله].
يسير الرياء شرك؛ لأنه يتزين للناس بالأعمال ليظهرها لهم، وكذلك في الأقوال، فيجب أن يكون عمل الإنسان كله لله جل وعلا، لا يقصد به غيره.
وإذا كان العمل له نفع يتعدى فهذا يحتاج إلى جهاد النفس كثيرًا، ويجب أن يكون الجهاد مستمرًا، ولا يكون في وقت دون وقت؛ لأن النية تتقلب كتقلب القلب، والإنسان بحاجة إلى أن يستمر في جهاده لنفسه، فإذا كان العمل يتعدى نفعه كالقراءة، أو الدعوة، أو النصح، أو التعلم، فإن الناس قد يثنون على الإنسان به، وقد يستدعي أن يجتهد في ذلك حتى يثنوا عليه، وذلك من حظوظ النفس التي يبطل بها عمل الإنسان نسأل الله العافية! وكذلك إذا عمل عملًا يتعدى نفعه إلى الغير، فإنه يحتاج إلى أن يكون مجاهدًا لنفسه في جميع وقته، ومخلصًا لله جل وعلا، ولا يبالي بالذم، بل إذا قوبل بالذم فإنه يرتاح له أكثر من المدح؛ لأنه لا يريد ما عند الناس، بل يريد ما عند الله جل وعلا، والواجب على المؤمن أن يكون بهذه المنزلة؛ ولهذا كانت الأعمال في الخفاء أفضل منها في العلانية كالصدقة مثلًا، فإن فضيلة إخفائها عن الناس ليس من أجل أمر من الأمور، ولكن من أجل أن تكون خالصة لله فقط؛ ولهذا جاءت الأحاديث الكثيرة في فضل صدقه السر، لحديث: (صدقه السر تطفئ غضب الرب)، وذكر رسول الله ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها)، ومن ذلك فضل صلاة التطوع في البيت على الصلاة في المسجد، فإن الإنسان في بيته يكون بعيدًا عن رؤية الناس، فلا يكون لهم شيء من عمله، وكلما كان العمل خالصًا لله كان هو المطلوب شرعًا، والإنسان إذا كان في المسجد أو مع الجماعة كان ذلك أنشط له من ناحية أنه لا يود أن يكون غيره سابقًا له، وليس من ناحية أنه يريد أن يريهم أنه نشيط في العمل؛ فإنه إذا كان كذلك دخل في الرياء نسأل الله العافية، ومع ذلك تكون صلاته وحده أفضل، وكذلك غيرها من الأعمال إذا كانت خالصة، والأسباب التي يحصل بها الإخلاص مطلوبة.
[وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا.
وقد يكون هذا شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده انتهى].
[ ٩٥ / ١٦ ]
لا يوجد ضابط للشرك الأصغر
الشرك يكون في الأعمال ويكون في الألفاظ، ويكون في النيات والمقاصد، وكلها قد تكون شركًا أكبر، وقد تكون شركًا أصغر، حسب ما يقوم في القلب من مقاصد هذه الأعمال، والألفاظ تبع لما في القلب وكذلك الأعمال؛ ولهذا يصعب تعريف الشرك الأصغر، فلا يوجد هناك ضابط يضبطه، ولهذا قال ابن القيم ﵀: (كيسير الرياء وكالتصنع للخلق، وقول الرجل لولا الله وأنت، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا).
فهذا من الشرك الأصغر، وقد يكون أكبر حسب ما يكون في قلب الإنسان.
إذًا: ليس هناك ضابط معين يحدد الشرك الأصغر، ويكون جامعًا مانعًا، وإنما يمثل ويحدد بالأمثلة، لكون الأعمال لا تنضبط في ذلك، أما ضبطه بأنه: كل وسيلة تكون مقربةً أو داعيةً أو موصلة إلى الشرك الأكبر؛ فهذا غير صحيح؛ لأن من الأعمال ما هو وسائل إلى الشرك الأكبر وليست من الشرك الأصغر كالصلاة عند القبر، فكون الإنسان يصلي لله عند القبر مخلصًا، هذه وسيلة إلى الشرك الأكبر، وهي ليست من الأصغر، وغير ذلك من الأعمال المعروفة.
[ ٩٥ / ١٧ ]
الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله
قال الشارح ﵀: [ولا خلاف أن الإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله، وكذلك المتابعة، كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قول الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة.
وفي الحديث من الفوائد: شفقة النبي ﷺ على أمته ونصحه لهم، وأن الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال، فإذا كان النبي ﷺ يخافه على سادات الأولياء مع قوة إيمانهم وعلمهم، فغيرهم ممن هو دونهم بأضعاف أولى بالخوف من الشرك أصغره وأكبره].
قوله: (سادات الأولياء) يعني بهم الصحابة، فهم سادات وأولياء هذه الأمة على الإطلاق، لا يكون مثلهم في الأمة أحد، وقد أخبر الرسول ﷺ بذلك فقال: (خير الناس قرني الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وكلمة (ثم) للترتيب: (ثم يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) يعني: أنه يكثر فيهم الكذب، ويكثر فيهم التصنع، قال: (ويظهر فيهم السمن)؛ لأن الدنيا تكون همهم التي يركنون إليها ويميلون إليها.
ولما حصلت مشاجرة بين بعض الصحابة الذين تأخر إسلامهم وبين بعض السابقين قال ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فوالله! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا؛ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فهذا الخطاب قيل للصحابة الذين أسلموا بعد الفتح أو قريبًا منه، وقد أخبر الله جل وعلا أن الذين أسلموا قبل الفتح وأنفقوا وجاهدوا ليسوا كالذين أسلموا بعد الفتح وأنفقوا وجاهدوا، وأخبر أن كلًا وعد الله الحسنى، ولكن بعضهم أرفع من بعض.
والمقصود أن صحابة رسول ﷺ هم أفضل الأمة بإجماع العلماء الذين هم أهل العلم، أما أهل البدع وأهل الجهل فإنه لا عبرة بخلافهم ولا ينظر إليهم، وقد حذر الرسول ﷺ من الوقوع فيهم، وأخبر أن من أحبهم فإنه أحبهم لحبه، ومن أبغضهم فإن الذي دعاه إلى ذلك بغضه للرسول ﷺ، والذي يقع فيهم كأنه واقع في رسول الله ﷺ؛ وذلك أنهم هم الذين جاهدوا معه، وقاموا بامتثال أوامره، والدعوة إلى الله، والتنفيذ لما أمرهم به، ثم قاموا نقل أقواله وما أنزل عليه إلى الناس، فهم خير الناس وهم الأمناء، وهم الذين عدّلهم الله جل وعلا في كتابه، وأثنى عليهم.
فالذي يطعن فيهم فإنما يطعن في الإسلام نفسه، وفي الرسول ﷺ، وليس في أعراضهم فحسب؛ لأنهم هم الواسطة بين الأمة وبين رسولها صلوات الله وسلامه عليه في نقل الدين، فإذا قدح فيهم فقيل: إنهم مرتدون أو إنهم منافقون؛ أصبحت الأمة تعتمد في دينها على من لا يجوز الاعتماد عليه؛ فيكون دينها غير صحيح، بل يكون مبنيًا على كذب وعلى زور وعلى عدم ثقة.
فتجب محبة صحابة الرسول ﷺ، والدعاء لهم والاستغفار؛ ولهذا يقول جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، وهؤلاء هم الذين يشهد لهم بالإيمان، أما من كان في قلوبهم غل للذين سبقوهم بالإيمان فليسوا من هذا الصنف، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فإذا كان الله جل وعلا يخبر بأنه رضي عنهم فهل يجوز أن يأتي دجال ويقول: هؤلاء مغضوب عليهم، هؤلاء منافقون، هؤلاء كفروا؟ وكيف كفروا بعد أن قال الله جل وعلا فيهم: ﴿﵃﴾؟ فالله علام الغيوب، إذا أخبر عن أحد من خلقه أنه مرضي عنه، فلا يمكن أنه يطرأ عليه كفر؛ لأنه يعلم كيف يكون تعالى الله وتقدس.
[ ٩٥ / ١٨ ]
مسائل باب ما جاء في الرياء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الكهف].
آية الكهف هي قوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وهي آخر آية في سورة الكهف، وقد سبق تفسيرها، وفيها الرد على طوائف المبتدعة وطوائف الغلاة والطوائف المشركة، وفيها رد على الصوفية الغلاة الذين يزعمون أن الرسول ﷺ نور، وأنه ليس من جنس بني آدم.
يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، أي: مثلكم في البشرية يجوز عليه ما يجوز عليهم صلوات الله وسلامه عليه، وإنما فضل بقوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، ففضله جل وعلا بالوحي الذي أوحاه إليه، ثم كأن غرض الوحي محصور في قوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ لأن المقصد الأعظم من الوحي هو أن يكون التأله لله والعبادة له وحده جل وعلا.
[المسألة الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله].
هذا عظيم؛ لأنه في الواقع كثير ويخفى على كثير من الناس، فصار عظيمًا لذلك، وإلا فليس عظيمًا بالنسبة لله جل وعلا، فإنه طيب لا يقبل من العمل إلا ما كان طيبًا خالصًا له، فإذا داخله شيء من الخبث -كأن: قصد به غيره- فإنه يرده ويبطله.
[الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك وهو كمال الغنى].
أي: كمال الرب جل وعلا، فهو أغنى الشركاء عن الشرك.
[الرابعة: أن من الأسباب أنه تعالى خير الشركاء].
الله خير الشركاء؛ لأنه غني تعالى وتقدس، وغناه يأبى الشركه، ومع أن الشرك أعظم الذنوب فهو أعظم الظلم؛ لأنه وضع للعمل في غير موضعه؛ لأن موضعه أن يكون لله، فإذا قصد به الإنسان مخلوقًا ضعيفًا لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا؛ فهذا أعظم الظلم، فرتب على ذلك أن يُترَكَ.
[الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء.
السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه].
أي: أن يزيد في صفة العمل والأصل أنه لله، فيأتي في العمل وصفٌ طرأ عليه، ولكن هذا الوصف الطارئ يجعل العمل باطلًا؛ لأن الباعث لهذا الوصف هو المخلوق، وهذا واضح في أن الرياء إذا داخل العمل فإن العمل يصير مردودًا.
[ ٩٥ / ١٩ ]