إن الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ولرسوله ﷺ، وهذا هو معنى الإسلام، فلا يجوز أن تصرف هذه الطاعة المطلقة لأحد غير الله ورسوله؛ لأن الطاعة المطلقة هي العبادة، وعليه؛ فإن طاعة العلماء والأمراء لا تجوز إلا تبعًا لطاعة الله ورسوله، وإن أطيع العلماء والأمراء طاعة مطلقة في تحريم الحلال وتحليل الحرام فقد اتخذوا أربابًا من دون الله جل وعلا.
[ ٩٨ / ١ ]
طاعة العلماء في تحليل الحرام وتحريم الحلال شرك أكبر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله].
من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [التوبة:٣١]، وهذه الآية يقصد بها اليهود والنصارى.
والأحبار هم العلماء، والرهبان هم العباد، وأما المسيح ﵇ فهو رسول الله الذي جاء بالإنجيل وجاء بالرسالة التي فيها التخفيف على بني إسرائيل، ووضع كثيرًا من الآصار التي كانت عليهم، وهو من أولي العزم، فاتخذوه إلهًا مع الله؛ لأنه -كما هو معلوم- آية ظاهرة من آيات الله جل وعلا، حيث وجد من أنثى لم يتصل بها ذكر، وإنما خلقه الله جل وعلا من مريم بواسطة نفخة الملك الذي أرسل إليها وهو جبريل ﵇، كما ذكر تفصيل ذلك ربنا جل وعلا في سورة مريم وفي غيرها، فلما كان بهذه المثابة زين الشيطان للناس أنه الله أو ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة، يعني: أن الآلهة ثلاثة: الله ومريم وعيسى، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
فالمقصود هنا كونه قرن اتباع الأحبار والرهبان مع العلم بمخالفتهم لأمر الله؛ بعبادة النصارى لعيسى فإنهم عبدوه عبادة واضحة ظاهرة.
فكونه قرن الرهبان والأحبار مع عيسى يدلنا على أنه لا فرق بين أن يطيع الإنسان مخلوقًا في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، وبين أن يعبده عبادة صريحة واضحة، وقد جاء حديث عن النبي ﷺ أوضح هذا المعنى تمام الإيضاح؛ فإنه ﷺ: (لما قدم عدي بن حاتم وهو نصراني من نصارى العرب كما هو معروف وهو ابن حاتم الجواد المعروف المشهور في أشعار العرب وكلامهم، ولكنه لما جاءت سرايا رسول الله ﷺ إلى بلاد طيء وقد أعد نجائب ليهرب عليها إلى الشام، فأخذت خيل رسول الله ﷺ أخته إلى آخر القصة)، ولكنه جاء بسبب كتابة أخته له: فإنها لما جاءت المدينة في الأسرى، كان إذا مر عليها رسول الله ﷺ تقول له: من علي من الله عليك، فإني كبيرة لا أستطيع الخدمة ولا وافد لي ولا فادي لي، فقد ذهب الوافد وقل الرافد، فقال لها: ومن الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم -أخوها- فقال: ذاك الذي هرب من الله ومن رسوله.
ثم أعادت عليه الكلام مرة أخرى فقال لها ﷺ: إذا جاء وفد قومك فأعلمين، فجاء وفد قومها، فمن عليها رسول الله ﷺ وقال لها علي بن أبي طالب ﵁: اسأليه الحملان، فسألته فأعطاها ما سألته.
فلما ذهبت كتبت إلى أخيها تؤنبه تقول: كيف تركت عوراتك وهربت؟! ليس هذا فعل أبيك ولا فعل من يهمه أمر أهله؟ ثم قالت: ائت إليه فهو والله خير من أبيك، وهو يعطي العطاء الذي لا يستطيع أبوك أن يعطيه، ائت إليه وضع يدك في يده فلن تجد إلا خيرًا وحسنًا، فجاء ممتثلًا لأمرها، ودخل على النبي ﷺ في المسجد وهو لا يعرفه، والرسول ﷺ لا يعرفه، وكان ﷺ إذا جلس مع أصحابه لا يتميز عنهم، فليس له مجلس مرتفع لا كرسي ولا غيره، وإنما يجلس معهم في مجلسهم فإذا جاء الغريب لا يعرفه.
فوقف فقال: أيكم محمد ﷺ؟! فقال من عنده للرسول ﷺ: هذا عدي بن حاتم، وكان ﷺ يكرم رؤساء الناس وكبارهم، فقام معه ﷺ وذهب به إلى بيته، يقول عدي: (فصار يتلو هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]، فقلت: يا رسول الله: إننا لم نعبدهم، قال: بلى، ألم يحللوا لكم الحرام فتتبعوهم؟ ويحرموا عليكم الحلال فتتبعوهم؟ فقلت: بلى، قال: تلك عبادتهم)، هذا أمر واضح جلي؛ لأن طاعة المخلوق في معصية الله جل وعلا عبادة له.
[ ٩٨ / ٢ ]
الطاعة المطلقة لا يجوز أن تكون إلا لله
ولما كان هذا الكتاب في باب التوحيد الذي يجب على العبد أن يكون عارفًا به وعاملًا به، ولا يجوز أن يجهل مسائل التوحيد أو يترك العمل بها؛ لأنه من أهم الأمور؛ نبه المصنف ﵀ في هذا الباب على أن الطاعة المطلقة يجب أن تكون لله؛ لأنها هي العبادة، وقد فسر العلماء العبادة بأنها: الطاعة بإتباع الأمر واجتناب النهي.
فبين في هذا أن الطاعة لا يجوز أن تكون للمخلوق إلا إذا كانت تبعًا لطاعة الله جل وعلا، أما قول الله جل وعلا: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فقد فسر العلماء (أولي الأمر): بأنهم العلماء، وبعضهم يقول: الأمراء، وبين ابن القيم ﵀ أن الأمراء والعلماء كليهما مقصود في الآية، فالعلماء يبينون أمر الله ويوضحونه والأمراء ينفذون أمر الله، فالله أمر بطاعتهم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فأولو الأمر هم العلماء والأمراء.
وإنما يطاعون إذا كانت طاعتهم تبعًا لطاعة الله، وقد وردت أحاديث عن رسول الله ﷺ فيها الحث على طاعة الأمراء وولاة الأمر منها قوله ﷺ: (أطيعوا ذوي أمركم وإن تأمر عليكم عبد حبشي مقطع الأطراف يقودكم بكتاب الله فأطيعوه)، وإن جاء أن الأمراء من قريش، إلا أن هذا إذا لم يحصل ذلك.
وقال ﷺ: (من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله).
[ ٩٨ / ٣ ]
إنما الطاعة بالمعروف
وبين أن الطاعة بالمعروف فقال: (لا طاعة إلا بالمعروف)، والمعروف: هو الدين الذي جاء به الرسول ﷺ.
وقد أمر الرسول ﷺ على سرية من السرايا أميرًا وحث على طاعته، فقال: (من أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني) ثم إنه في أثناء السفر غضب الأمير على من معه، فقال لهم: اجمعوا لي حطبًا فجمعوا الحطب، فقال: أججوا فيه نارًا، فأججوا النار فقال: ألم يأمركم الرسول ﷺ بطاعتي؟ قالوا: بلى، قال: ادخلوا في النار، قالوا: لا ندخل في النار، من النار فررنا! فبقوا هكذا حتى طفئت النار وذهب غضبه، ثم لما رجعوا إلى النبي ﷺ قالوا له ذلك، فقال: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعة بالمعروف، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق﴾.
إذًا: فهذه الآية غير مخالفة للآية التي ترجم بها المؤلف ﵀، يعني: أن الطاعة التي أمر بها لذوي الأمر إنما هي في طاعة الله جل وعلا، أما إذا كانت في معصية الله فلا يطاع.
إذًا: فكل مخلوق سواء كان والدك أو من هو دونه إذا أطعته في معصية الله فأنت عاصٍ وقد اتخذته إلهًا من دون الله، وإن لم تسجد له وتدعوه؛ لأن من خصائص الله جل وعلا التي لا يجوز أن ينازع فيها: الأمر والنهي والتحليل والتحريم، ولذلك صار من فعل ذلك واتبع عليه صار ربًا، وهذا هو سر التعبير بالأرباب في الآية: اتخذوهم أربابًا؛ لأن الرب هو الذي يأمر وينهى وهو الذي يحلل ويحرم، ولا يجوز لمخلوق أن يحلل شيئًا أو يحرم شيئًا فإذا وقع ذلك من مخلوق ثم اتبع عليه فقد اتخذ ربًا من دون الله جل وعلا.
ومعلوم أن هذا الأمر مناف للتوحيد ولذلك أراد المؤلف ﵀ أن يبين هذا الأمر حتى يكون الإنسان على بينه ولا يقع في الخطأ أو في مناقضة التوحيد.
[ ٩٨ / ٤ ]
لا يقدم قول أحد على قول رسول الله ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس ﵄: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر!)] قال ابن عباس ﵄ هذا الكلام بمناسبة أنه كان يأمر بالمتعة -متعة الحج- ويقول إنها أفضل؛ لأن الرسول ﷺ أمر بها آخر الأمر وكرر ذلك وأكده وسئل عن ذلك فقيل له: (أهذا لنا خاصة؟ فقال: بل للناس عامة) وكان أبو بكر ﵁ وعمر ﵁ يودان أن الإنسان يأتي بالحج مفردًا وبالعمرة مفردة ويقولان: حتى لا يخلو البيت من طائف وزائر؛ لأنه إذا اجتمعت العمرة والحج في سفرة واحدة قل رواد البيت القاصدين له، مع أنه جاء في قول الله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]: أن إتمام الحج وإتمام العمرة أن يأتي بهما في سفرة واحدة من الميقات، هكذا فسروا الآية.
فهذه وجهة نظر أبي بكر وعمر ﵄ في النهي عن المتعة، وليس نهيًا من باب المنع والتحريم، بل يقولان: هذا أفضل، حتى لا يبقى البيت خاليًا من القاصدين والزائرين والطائفين، فكان ابن عباس يخالف ذلك وينهى عن هذا ويقول: بل يؤتى بالحج متمتعًا يعني: بالحج والعمرة معًا، فقالوا له: إنك تأمر بشيء ينهى عنه أبو بكر وعمر فقال: يوشك -يعني: يقرب ويسرع- أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر؟! فهذا من فقهه ﵀ ورضي الله عنه وتعظيم السنة.
ومعلوم أنه لا أحد يوازى بـ أبي بكر وعمر من الأمة مع أن قصدهما معروف، ولم ينهيا عن التمتع نهي تحريم، وإنما للفضل والاختيار، ومع ذلك يقول: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ لأنكم فعلتم فعلًا أو قلتم قولًا تستحقون به نزول الحجارة وهو: أني أقول قال رسول الله ﷺ فتعارضون قول رسول الله ﷺ بقول أبي بكر وعمر! فدل هذا على أنه لا يجوز أن يعارض قول رسول الله ﷺ أو قول الله جل وعلا بقول أحد من الناس مهما كان، وهذا هو الحق، وقد دل كتاب الله وسيرة رسوله ﷺ وسنته على أنه لا يجوز أن يعارض شيء من أمر الله أو أمر رسوله ﷺ بقول أحد من الناس.
[ ٩٨ / ٥ ]
باب: في طاعة العلماء والأمراء ومتى تكون شركًا
قال الشارح رحمه الله تعالى: [باب: من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله، لقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، وتقدم تفسير هذا في أصل المصنف ﵀ عند ذكر حديث عدي بن حاتم ﵁].
لما كانت الطاعة الخاصة هي العبادة، والمقصود بالطاعة الخاصة: الطاعة في التحليل والتحريم؛ لأن هذه من خصائص الله جل وعلا، وهي في الواقع أن يأمر بالشيء فيطاع، وينهى عن الشيء فيمتنع منه، فكان الذي يشاركه في هذا ويتبع عليه بمنزلة الرب، ولذلك ذكر الرب هنا؛ لأن الرب جل وعلا هو المالك المتصرف الذي يملك كل شيء ويتصرف فيه، ومن تصرفه الأمر والنهي، فيشرع لعباده شرعًا ويأمرهم أن يفعلوه، ويمنعهم من موانع ويعينها لئلا يقربوها.
ولا يجوز أن يشارك الرب جل وعلا في هذا أحد من الخلق فإن شاركه أحد من خلقه فقد نازعه في ربوبيته وملكه، ثم الذي يتبع هذا المخلوق في التحليل والتحريم والتشريع يكون متخذًا لهذا المخلوق ربًا من دون الله، ومعلوم أن الحكمة من خلق الخلق هي طاعة الله جل وعلا، كما قال علي بن أبي طالب ﵁ في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، قال: (إلا لآمرهم وأنهاهم)، فيكون الأمر والنهي في التشريع من خصائص الله جل وعلا، ولهذا نص المؤلف على هذا الأمر لأن تركه مضاد للتوحيد، أي أن من أطاع غير الله في التحليل والتحريم فقد وقع في الشرك الأكبر، وقد ذكر الله جل وعلا في آيات كثيرة حال هذا النوع يوم القيامة فقال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨]، ولكن هذا لا يفيد في شيء؛ لأن التابع والمتبوع يجتمعان في جهنم في عذاب النار، ويا ليت وما أشبه ذلك لا تفيد شيئًا في ذلك اليوم.
والمقصود: أن المقلد في هذا لا ينفعه تقليده ولو اعتذر بالجهل أو اعتذر بالغرور، ولذلك فالواجب على العبد أن يخلص نفسه.
وقلنا: في الطاعة الخاصة؛ لأن طاعة المخلوق إذا لم تكن في معصية الخالق فإنها غير ممنوعة.
والمعصية إما أن تكون في تحليل الحرام أو تحريم الحلال وليس شرطًا أن ينص على هذا بقوله: هذا حلال وهذا حرام، ولكن إذا كان أمره مخالفًا لأمر الله ومصادمًا له فهذا هو المحذور والذي لا يجوز أن يقع من الإنسان، وهو الذي يكون فيه الشرك أكبر، ولهذا أمر الله جل وعلا بطاعة أولي الأمر تبعًا لطاعته وطاعة رسوله ﷺ.
ولذلك فإن الولاة والعلماء يطاعون إذا أمروا بطاعة الله، أما إذا أمروا بمعصية فلا طاعة، كما قال ﷺ: (إنما الطاعة في المعروف)، وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله)، وهذا عام يشمل الوالد ويشمل من هو أبعد منه، فكل مخلوق لا يطاع في معصية الله جل وعلا فإن أطاعه وهو يعلم فقد اتخذه ربًا، أما إذا كان جاهلًا ولا يعرف بل يتصور أن طاعته ليست مخالفة لأمر الله فإذا كان هذا الأمر من الأمور الواضحة الجلية فهو داخل فيمن يطيع وهو يعلم، أما إذا كان فيه خفاء فأمره إلى الله وله حكم أهل الجرائم، ولكنه لا يكون كافرًا.
ثم استدل على هذه المسألة بأدلة كعادته التي سار عليها في هذا الكتاب، أنه يعتمد على آيات من كتاب الله ثم يأتي بأحاديث تكون موضحة لهذه الآيات، وربما تكون بعض هذه الأحاديث التي يأتي بها فيها شيء من الضعف؛ لأنه ليس العمدة عليها، وإنما العمدة على الآيات التي يذكرها، وهذه تأتي من باب البيان والتفسير، وهذه طريقة العلماء.
[ ٩٨ / ٦ ]
وجوب تقديم الأدلة على الآراء والاجتهادات
فبدأ أولًا بقول ابن عباس، وهذا ثابت عن ابن عباس في الصحيحين وغيرهما، أنه قال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء)، ومعنى (يوشك) يقرب ويسرع، يعني: أنكم تستحقون أن ترموا بحجارة من السماء، وهذا يقوله عن محض الإيمان الذي في قلبه وتعظيمًا لله جل وعلا وتقديرًا له، حيث أمر الناس باتباع الرسول ﷺ ولا يجوز أن يعتل بقول فلان وفلان ويترك قول رسول الله ﷺ.
والسبب في هذا: أن الرسول ﷺ أمر الناس بالتمتع في الحج، يعني: أن الذي أحرم بالحج مفردًا أو أحرم بالعمرة والحج معًا لما وصل إلى مكة قال لهم: (طوفوا بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة ثم حلوا)، وكان هذا الأمر مستعظمًا في الجاهلية، ويرون أن الإتيان بالعمرة في أيام الحج من أفجر الفجور! فأراد ﷺ أن يبطل هذا الاعتقاد وهذه العادة السيئة بأمره الذي أمرهم به، وأكد ذلك عليهم تأكيدًا مكررًا ومبالغًا فيه، حتى إنهم راجعوه وقالوا له: ما بقي بيننا وبين يوم عرفة إلا أربعة أيام أو ثلاثة أيام، فقال: (أقول لكم فافعلوا ما أقول لكم)، فامتثلوا ذلك.
وقد فهم كبار الصحابة من هذا أن مقصوده ﷺ الرفق بأمته وأن يأتوا بالنسكين في سفرة واحدة وفي عام واحد، ورأوا أن الفضل أن يكرر الإنسان الإتيان للبيت، وقد صرح بذلك أبو بكر وعمر ﵄ حيث قالا: نكره أن يخلو البيت من طائف فيه وقاصد له، فكانا يأمران أو يفعلان الإفراد في الحج، فحدث في ذلك إشكال على بعض الناس، فلما سئل ابن عباس أخبرهم بقول رسول الله ﷺ فقال له السائل: أبو بكر وعمر ينهيان عن المتعة، فقال هذا القول: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله ﷺ وتقولون لي: قال أبو بكر وعمر!) يعني: أنكم تعارضون قول رسول الله ﷺ بقول أبي بكر وعمر، فبذلك تستحقون الرجم من السماء، مع أن قول أبي بكر وعمر خرج عن اجتهاد ودين وقصدا به عبادة الله، وليس فيه مصلحة لهما، فكيف بالذي إذا قيل له: قال الله وقال رسوله، قال: ولكن فلانًا يقول: كذا وكذا! ولكن مذهب فلان كذا وكذا ولكن رأي فلان كذا وكذا يخشى على هذا أن يكون قد نزع منه الإيمان نهائيًا يخشى أن يكون خرج من الدين الإسلامي؛ لأنه جعل فلانًا بمنزلة الرسول ﷺ أو حاكمًا على قول الرسول ﷺ.
وبهذا يتبين أن التقليد في الأمر الواضح لا يجوز، أما الإنسان الجاهل فعليه أن يقلد العلماء الموثوق بعلمهم وتقواهم، فإن هذا هو الذي يستطيعه، والله جل وعلا يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فهذه وظيفتهم، فإذا لم يعلم سأل أهل الذكر وأخذ بقولهم، هذا هو الواجب عليه بنص كلام الله جل وعلا، ولكن يجب أن يكون المسئول من أهل الذكر وأهل الذكر: هم الذين يعلمون ويعملون بعلمهم ويتقون الله جل وعلا، وليس أهل الذكر الذين يجانبون الحق وإن كان عندهم علم.
[ ٩٨ / ٧ ]
التفسير النبوي لقوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم)
ثم ذكر قول الله جل وعلا الذي هو الأصل في هذا ثم فسرها بالتفسير الواضح (وهو التفسير النبوي) كما جاء في حديث عدي بن حاتم: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ [التوبة:٣١] إلى آخره.
وكان عدي بن حاتم نصرانيًا من نصارى العرب، وعدي هذا هو ابن حاتم الطائي الجواد المشهور الذي يضرب بجوده المثل، ولكن حاتمًا مات في الجاهلية كافرًا فلا ينفعه جوده ولا ينفعه كرمه؛ لأنه لم يكن مسلمًا، وكان عدي كريمًا مثل أبيه ورث منه ذلك، ولكنه كان متنصرًا وكان في طيء، أي: في حائل، وكان له مال وغلمان، وكان يحذر من دعوة الرسول، فكان يقول لغلمانه إذا رأيتم خيل محمد فأخبروني، وقد أعد له نجائب فأرسل الرسول ﷺ سرية بقيادة علي بن أبي طالب إلى طي فوصلوا إليه فجاء أحد غلمانه وقال: ما كنت صانعًا إذا جاءتك خيل محمد؟ فركب مطاياه وذهب إلى الشام إلى النصارى إلى أهل دينه، وترك أهله وماله فارًا بدينه كما زعم، ولكنه يفر إلى الشيطان، إلا أن الله يمن على من يشاء، فأخذت الخيل أخته مع السبايا التي سبيت، وأخته كانت كبيرة في السن.
فلما وصلت إلى المدينة وجاء رسول الله ﷺ ينظر السبايا قالت له: (مُنَّ عليَّ من الله عليك فقد ذهب الوافد وقل الرافد)، يعني: ليس لها شيء تفدى به وليس لها من يطالب بها، فقال لها: (ومن الوافد؟ قالت: عدي بن حاتم قال: ذاك الذي فر من الله ورسوله)، ثم ذهب وتركها، فلما جاء مرة أخرى أعادت عليه الكلام فقال لها: إذا جاء ركب من قومك فأعلميني، فقال لها علي بن أبي طالب: اسأليه الركوب والمركوب يعني: اسأليه شيئًا تتبلغي به، فصارت تسأل، فلما جاء الركب أخبرته وسألته أن يعطيها ما تتبلغ به فأعطاها ما سألت ﷺ ومن عليها وذهبت إلى بلادها، فلما وصلت إلى بلادها كتبت إلى أخيها تؤنبه تقول: والله إنه أكرم من أبيك فأت إليه.
فجاء إلى المدينة والرسول ﷺ ما كان يعرفه، فدخل عليه وهو جالس في المسجد مع أصحابه ﷺ، وكان الرجل الغريب إذا جاء إليه لا يميزه من أصحابه؛ لأن مجلسه بينهم وليس له مجلس مرتفع عليهم، بل يجلس معهم كأحدهم ولا يدع أحدًا يقف، بل إذا جاء وهم جلوس لا يدع أحدًا يقوم وينهى عن ذلك أشد النهي، ويقول: (من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار)، كان الرجل إذا جاء يقول: أين محمد بن عبد الله؟ أو أين رسول الله ﷺ؟ فيشيرون إليه.
فلما جاء كان في أصحابه من يعرف عدي فقال له: يا سول الله! هذا عدي بن حاتم، وكان صلوات الله وسلامه عليه يكرم كرماء الناس، فلما قالوا له قام معه إلى بيته، وقال: هلم، وكان في رقبة عدي صليب من ذهب، فقال له ﷺ: ألق هذا الوثن عنك، ثم قال له: أتفر أن يقال: لا إله إلا الله! وهل تعلم إلهًا يستحق العبادة غير الله؟! ثم قال: أتفر أن يقال: الله أكبر! وهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟! يدعوه إلى الدخول في الإسلام، يقول عدي: فلقيته امرأة في الطريق قبل أن يصل إلى بيته، فقالت: إن لي إليك حاجة، فترك عديًا وأقبل عليها حتى قضى حاجتها، تستفتيه أو تسأله شيئًا يقول: فعلمت أنه ليس ملكًا، لأن الملك لا يقف مع المرأة الضعيفة في مثل هذا الموقف، يقول: فدخل إلى بيته فألقيت له وسادة فوضعها لي، فقلت: لك! فجعلها بيني وبينه، ثم تلا الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة:٣١]، عند ذلك قال له عدي: (يا رسول الله! إننا لم نعبدهم، فقال له: بلى، ألم يحلوا لكم الحرام فتتبعوهم، ويحرموا عليكم الحلال فتتبعوهم؟ فقلت: بلى قال: تلك عبادتهم)، يعني: أن اتباعهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال هي العبادة التي قصدت في الآية، عند ذلك قال عدي: إني حنيف مسلم يقول: فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل مسرورًا فرحًا بإسلامه حيث أسلم.
والمقصود هنا: أن قول الله جل وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، الأحبار: العلماء، أما الرهبان فهم العباد، والأحبار غالبًا من اليهود، واليهود يغلب عليهم العلم ولكن تغلب عليهم القساوة والجفاء والعناد والكبر والإباء وعدم العمل بالعلم، ولهذا صاروا أهل غضب الله عليهم ولعنته.
أما النصارى فيغلب عليهم الجهل ويكثر فيهم التعبد والترهبن، فالرهبان منهم، والرهبانية هي ترك الدنيا والتخلي للعبادة والتقشف والانعزال عن الخلق، يكون الواحد منهم في صومعة يترهبن وهذا يوجد في النصارى بكثرة، ولكنهم على ضلال وعلى جهل، فالجهل يغلب عليهم، ولكن الناس -غالبًا- جبلوا على طاعة العلماء وتعظيمهم وكذلك العباد الذين يتعبدون ويتزهدون، فلهذا قال جل وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].
وعدي بن حاتم بين أنهم ما كانوا يسجدون لهم وما كانوا يدعونهم في كشف الخطوب وإزالة الكروب وإيهاب المرغوب، وإنما كانوا يطيعونهم إذا أمروهم بأوامر ويعرفون أن هذه الأوامر ليست في التوراة التي نزلت على موسى، ولا في الإنجيل الذي أنزل على عيسى عليهما الصلاة والسلام، فأحسنوا الظن بهم فاتبعوهم في ذلك وقالوا: هم الذين يعرفون المعاني ويفسرون كلام الله جل وعلا ونحن نتبعهم ونكتفي بأقوالهم، فصاروا بذلك متبعين لهم عابدين لهم.
[ ٩٨ / ٨ ]
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق
ومقصود المؤلف من ذلك أن يطبق هذه الآية على هذه الأمة؛ لأن كل ما ذكر في أهل الكتاب يقصد به تحذير المسلمين منه.
فالمقصود بالخطاب من يمتثل الخطاب ويؤمن به ويقبله، ولهذا ذكر في المسائل: أن طاعة الفقهاء في كونهم يقولون الحكم كذا وكذا وهو مخالف لقول الله وقول رسوله أنه مثل اتخاذ الأحبار أربابًا، وأن طاعة العباد والزهاد في تشريع ما يقترحونه ويقولونه ويأتون به أنه من عبادتهم.
ثم يقول: (ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين) أي: بالمعنى الأول، وهم أناس متعلمون وليسوا علماء، فاتبعوا على ذلك فصار ذلك الاتباع عبادة لهم، وعبد بالمعنى الثاني من ليس من العباد بل هو من الشياطين، يعني: الذين يعلمون أنهم يتعبدون بالبدع ويدعون أنهم أولياء فيضلون الناس، ومقصوده أن يطبق ذلك على الواقع الذي كان في زمنه ولا يزال هذا في بلاد المسلمين، والأمر أعم من هذا وأشمل، فكل من أطاع مخلوقًا في معصية الله جل وعلا وهو يعلم فإنه داخل في هذه الآية وفي هذا الحكم، وإن كان والده أو والدته فضلًا عن غيرهما فلا طاعة لمخلوق في معصية الله جل وعلا.
وقد ثبت في صحيح مسلم أن الرسول ﷺ بعث سرية وأمر عليها رجلًا من الأنصار وحضهم على طاعته فقال: (من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني) فغضب عليهم أميرهم فقال لهم: ألم يقل لكم رسول الله ﷺ: من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني؟ قالوا: بلى، قال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا له حطبًا كثيرًا فلما جمعوه قال: أججوا فيه نارًا فأججوا فيه النار عند ذلك قال: اقتحموا في النار فوقفوا وقالوا: لا نقتحم في النار نحن من النار فررنا، ولما سكن غضبه وطفئت النار وعاد الأمر على ما هو عليه، يعني: ساروا في طريقهم وفي مقصدهم ثم لما رجعوا إلى النبي ﷺ ذكروا له القصة، فقال ﷺ: (لو دخلتموها ما خرجتم منها، لا طاعة لمخلوق في معصية الله إنما الطاعة بالمعروف)، والمعروف هو الشرع الذي جاء به الرسول ﷺ ومن خالف الشرع فقد أتى بمنكر لا بمعروف.
إذًا: تكون طاعة المخلوق تبعًا لطاعة الله جل وعلا ولاسيما أولي الأمر فإنهم ينفذون أمر الله والعلماء يبينون أمر الله ويطاعون تبعًا لطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.
[ ٩٨ / ٩ ]