لقد أمر الشارع الحكيم بترك السؤال عما لا يعني، وترك البحث والتنقير والتنقيب عما لا يضر جهله ولا ينفع العلم به، وكان السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم يكرهون الكلام فيما لا فائدة فيه، والسؤال عما لم يقع، وكانوا ينهون عن ذلك، بل كانوا يحذرون ممن يفترض الأسئلة التي لم تقع، ومن مجالسته، وذكروا أن من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسئول أن يجيب عنها.
[ ١٢ / ١ ]
باب ترك السؤال عما لا يعني الدخول فيه والبحث والتنقير عما لا يضر جهله ولا ينفع علمه
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
عودة إلى ما بدأناه من المحاضرات فيما يتعلق بمسائل الإيمان من كتاب (الإبانة) لـ ابن بطة وكنا قد شرحنا مواضيع من كتابه في بعض المحاضرات؛ لإلقاء الضوء على أصول بعض الفرق، وهذا الكتاب تناول أصول الفرق الضالة.
وموضوع اليوم هو من أخطر الموضوعات التي تمس العمل الإسلامي، والساحة الدعوية، فهو من الموضوعات التي ينبني عليها العمل، والتي يجب أن يتخلق بها السائر إلى الله ﷿، وكذا طالب العلم، بل وكل مسلم عليه أن يتخلق بهذه الأصول التي سنتعرض إليها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك السؤال عما لا يعني].
يعني: إذا كان الأمر لا يعنيك فينبغي عليك أن تترك السؤال عنه؛ لأن هذا من حسن إسلامك وإيمانك.
ثم قال: [والبحث والتنقير عما لا يضر جهله، ولا ينفع علمه].
يقول أهل العلم في بعض الأمور: العلم به لا ينفع، والجهل به لا يضر، فلم تبحث عنه، وتنقب وتضيع العمر فيه، وتترك ما قد فرض الله ﷿ عليك معرفته، تترك الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج وغير ذلك، ثم تبحث في أدق المسائل التي لا يحاسبك الله ﷿ عليها يوم القيامة؟! ثم قال: [من قوم يتعمقون في المسائل، ويتعمدون إدخال الشكوك على المسلمين] يعني: سواء حرصت على ذلك لنفسك، أو حرصت على صحبة من تخلق بهذا الخلق.
وهذا الباب يحذر من عدة مسائل: المسألة الأولى: السؤال عما لا يعني.
المسألة الثانية: التحذير من التنقير والتنقيب عما لا يضر جهله، ولا ينفع العلم به.
المسألة الثالثة: التحذير من صحبة قوم يتعمقون ويتشدقون في دين الله ﷿، فإما أن تكون أنت الذي تصنع ذلك فتنتهي بنهي الله تعالى ورسوله لك، وإما أن تنتهي عن صحبة قوم تخلقوا بهذا الخلق.
إذًا: فهذه المسائل الثلاث من أعظم ما يمكن أن يتخلق به طالب العلم في هذا الزمن، وإلا ضاع وقته.
[ ١٢ / ٢ ]
أسباب خروج الناس عن السنة والجماعة إلى البدعة والشناعة
قال: [اعلموا إخواني! أني فكرت في السبب الذي أخرج أقوامًا من السنة والجماعة].
أي: فكرت وتدبرت في الأسباب التي أخرجت أقوامًا من عداد أهل السنة والجماعة، وأدخلتهم في عداد أهل البدع.
قال: [واضطرهم إلى البدعة والشناعة، وفتح باب البلية على أفئدتهم، وحجب نور الحق عن بصيرتهم، فوجدت ذلك من وجهين] يعني: هناك سببان أديا بهؤلاء الأقوام إلى ترك الحق، والتنافس في الباطل.
قال: [أحدهما: البحث والتنقير وكثرة السؤال عما لا يعني، ولا يضر العاقل جهله، كما أنه لا ينفع المؤمن فهمه].
أي: النهي عن كثرة السؤال فيما لا يعني، وأما إذا كان السؤال مبناه على الفهم والعلم والعمل فلا حرج فيه شرعًا، بل هو واجب، يقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، بل يشرع كذلك للعالم أن يسأل عما يعلمه إذا كان القصد نشر العلم وبثه في الناس.
قال: [والآخر: مجالسة من لا تؤمن فتنته، بل وتفسد القلوب صحبته]، فلست فقط منهيًا عن فساد قلبك أو تجنبك للفتنة، بل أنت مطالب أيضًا أن تجتنب أهل الأهواء بألا تصاحبهم، ولا تقترب منهم، بل تفر منهم فرارك من الأسد؛ لغلبة الفتنة، وانتصار الشر، وغلبة الفساد، وربما أثر عليك في قلبك فوقعت في المحذور.
[ ١٢ / ٣ ]
قول النبي: (اتركوني ما تركتكم)، ونهيه عن كثرة المسائل والاختلاف على الأنبياء
قال: [وسأذكر في هذين الوجهين ما يكون فيه بلاغ لمن قبل النصيحة، وكان بقلبه أدنى حياء إن شاء الله].
فيبدأ ﵀ بحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم قال: [قال النبي ﷺ: (اتركوني ما تركتكم)]، وهذا الخطاب في عمومه موجه للأمة كلها، وليس خاصًا بأصحاب النبي ﵊.
قال: [(اتركوني ما تركتكم)] يعني: لا تجادلوني ولا تخاصموني ولا تسألوني حتى أبادركم بالعلم.
قال: [(اتركوني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فاعملوا منه ما استطعتم)].
وجاء في الحديث: (قام رجل إلى النبي ﵊لما فرض الله ﷿ الحج- فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت النبي ﵊، فأعاد عليه ثانية: يا رسول الله آلحج كل عام؟ فسكت، حتى أعادها عليه ثلاثًا، فقال النبي ﵊: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم) يعني: لو رددت عليك بالإيجاب لكان الحج واجبًا على كل مسلم في كل عام، والمعلوم قطعًا أن أحدًا لا يقدر على ذلك، والحج فرض في العمر مرة، وما دون ذلك فهو نافلة.
ثم قال: [وقال النبي ﵊: (ذروني ما تركتكم)] يعني: إذا لم أحدثكم بشيء ابتداءً فلا تحدثوني وتنازعوني وتخاصموني وتحاجوني فيه؛ لأن هذا كان سبب هلاك الأمم من قبلكم: كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فسبب هلاك بني إسرائيل وسبب ضلالهم: أن الله شدد عليهم لما شددوا على أنفسهم.
فمثلًا: قصة البقرة، فقد فرض الله تعالى على بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، ثم سألوا عن هيئة البقرة، ولون البقرة، وصفات البقرة، ولو سكتوا من أول الأمر لكان يجزئهم ذبح أي بقرة، ولكنهم شددوا وتعنتوا حتى اختار الله ﷿ لهم بقرة واحدة لا مثيل لها، فبحثوا عنها ونقبوا عنها وتعبوا أيما تعب، ولما وصلوا إلى البقرة المعلومة المعينة المذكورة بأماراتها وأوصافها غالى صاحبها أيما مغالاة في ثمنها، فوقعوا في مشقة أخرى؛ لأنهم لم يسمعوا ويطيعوا من أول الأمر، بل جادلوا وكثرت أسئلتهم.
[ ١٢ / ٤ ]
النهي الشرعي في مقدور كل إنسان تطبيقه بخلاف الأمر
قال: [قال النبي ﵊: (اتركوني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم)] وهذا يدل على أن النهي الشرعي في مقدور كل إنسان؛ لأنه لم يستثن منه شيئًا ﷺ، وإنما قال: (فاجتنبوه) بخلاف الأمر، فإن الأمر أحيانًا يكون أكبر من قدرة المكلف، وأحيانًا يكون في مقدوره، ولذلك قال ﵊: (وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم) ولم يقل: فائتوه كما قال في النهي: (فاجتنبوه)، ولم يقل في النهي: فاجتنبوا منه ما استطعتم، وإنما قال: (فما نهيتكم عنه فاجتنبوه) أي: للدلالة على أن النهي في مقدور كل إنسان أن يبتعد عن المعاصي والمنهيات، وأما الأوامر فقد أمرنا النبي ﵊ أن نصلي قيامًا، وأمرنا الله ﷿ أن نصلي قيامًا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وهذا يدل على أن القيام في الصلاة واجب في الفرض على المكلف، وأما إذا عجز عن القيام لعلة أو مرض أو غير ذلك؛ جاز له أن يصلي قاعدًا، أو على جنب، أو مستلقيًا حسب قدرته؛ لأن القيام ليس بمقدوره، وهو من باب الأوامر.
قال: [وفي رواية عند مسلم وأحمد قال النبي ﵊: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم)]، وهناك: (بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم - أي: على أنبيائهم-، فإذا أمرتكم بشيء فخذوا به، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا)].
[ ١٢ / ٥ ]
بيان أن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء فحرم من أجل مسألته
قال: [عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ﵀ عن أبيه سعد ﵁ قال: قال النبي ﵊: (إن من أعظم المسلمين جرمًا رجل سأل عن شيء ونقر عنه لم يكن نزل فيه -أي: لم ينزل فيه قرآن ولا وحي-، فحرم من أجل مسألته)].
أي: أعظم الناس جرمًا رجل يتنطع ويسأل، ويتعمق في قضية لم ينزل فيها تشريع، فينزل التشريع بتحريم هذه المسألة لأجل سؤاله، وإلا فالحرام ما حرمه الله ﷿ في كتابه، وما حرمه رسوله ﵊ في سنته، والحلال ما أحله الله في كتابه، وما أحله النبي ﵊ في سنته، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فلا تسألوا عن أشياء سكت عنها الشرع، إن تسألوا عنها وتجحفوا في المسألة وبدت لكم تسؤكم؛ وذلك بأن تحرم عليكم، فتقعون في الحرج والمشقة؛ بسبب أنكم تعمقتم وتنطعتم، ودخلتم فيما لا يعنيكم، وسألتم عما لم تكلفوا بالسؤال عنه.
قال الخطابي في كتاب (معالم السنن): (هذا في مسألة من يسأل عبثًا وتكلفًا فيما لا حاجة به إليه، دون من سأل سؤال حاجة وضرورة) يعني: أن الذي يسأل للتعلم والعمل لا حرج عليه في ذلك، وهو مأمور بذلك، وأما الذي يسأل تكلفًا وتنطعًا فهذا هو المعني بهذا النهي.
[ ١٢ / ٦ ]
النهي عن الاستعجال بالبلية قبل نزولها، فإن العجلة تشتت السبل
قال: [وعن معاذ قال: قال النبي ﷺ: (لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها؛ فإنكم إن لم تفعلوا لم ينفك المسلمون فيهم من إذا قال سدد، أو من إذا قال وفق، وإنكم إن عجلتم تشتت بكم السبل هاهنا وهاهنا)].
هذا الحديث وإن كان ضعيفًا إلا أن بعض أهل العلم قد حسنه، ولو اتفقنا على تضعيفه لقلنا كان عليه العمل في زمن الصحابة ومن بعدهم، وهذا الحديث ظاهره يقضي بأن المرء لا يسأل عن الشيء حتى يكون ويقع، أما أن يفترض المرء ويتصور أمرًا لم يقع بعد، ثم يتكلف المسألة وسؤال أهل العلم هنا وهناك، كأن يقول: هب أن أمرًا حصل وكان كيت وكيت، فماذا يكون الجواب؟ ألم تعلموا أن معظم الشر والبلاء الذي دخل في كتب الفقه وغيرها إنما هو من: أرأيت أرأيت، أرأيت لو كان كذا، ماذا يكون؟ وأرأيت لو كان كذا، ماذا يكون؟ ولكن أهل السنة والجماعة متفقون على ألا يتكلموا في أمر إلا إذا نزل وصار واقعًا، فإذا صار واقعًا قيض الله ﷿ له من يجتهد فيه، وإذا قيض له من يجتهد فيه سدده الله تعالى ووفقه.
[ ١٢ / ٧ ]
تحليف السلف للسائل عن وقوع المسألة من عدمه
قال: [وعن الصلت بن راشد قال: سألت طاوسًا -وهو ابن كيسان - عن مسألة فقال لي: أكانت؟] يعني: أوقعت هذه المسألة التي تسأل عنها أم هو فرض جدلي فرضته أنت؟ [قلت: نعم -أي: أنها وقعت- قال: آلله؟ قلت: آلله] أقسم عليه عما إذا كانت هذه المسألة قد وقعت أو لم تقع، حتى أقسم أنها قد وقعت، قال طاوس: [إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل أنه قال: أيها الناس! لا تسألوا عن البلاء قبل نزوله، فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، وإنكم إن لم تسألوا لم تفتنوا؛ فإنه لا ينفك أن يكون في المسلمين من إذا قال وفق، أو من إذا قال سدد].
[ ١٢ / ٨ ]
بيان أن التنطع والتعمق مهلكة لصاحبه
قال: [عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﵊: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون)].
قال الخطابي: (المتنطع: هو المتعمق في الشيء، المتكلف للبحث عنه على مذهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم).
يعني: كأن يسأل شخص عن دقيقة من دقائق المسائل التي لا ينبغي أن تخطر على بال أحد، ومع هذا هو غير متفقه في أصول دينه، لا في أصول الإسلام: من توحيد وصلاة وصيام وزكاة وحج، ولا في أصول الإيمان: من الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا الإيمان بملائكته والأنبياء، والجنة والنار، والقدر خيره شره، فيترك هذا كله ولا يسأل فيه شيئًا، ولم يتعلم الواجب والفرض الذي يضره جهله في أصول الدين في الإسلام والإيمان، ثم هو يبحث عن دقيقة من الدقائق، ويشغل حياته كلها بهذه الدقيقة، ويتنطع فيها.
فمثلًا: لو دخل شخص الآن المسجد وهو لا يعرف شيئًا عن صلاة، ولا عن صيام، ولا زكاة، ولا أي شيء، فأول ما دخل سمع الشيخ يتكلم عن دار الإيمان ودار الكفر، فمن حين خرج من هذه الخطبة جعل حياته كلها بحثًا عن دار الإيمان ودار الإسلام ودار الكفر، وتقابله بعد سنة أو بعد عشر سنوات أو بعد عشرين سنة وهو لا زال قائمًا يبحث في أول موضوع سمعه مع أول دخلة دخلها بيتًا من بيوت الله ﷿، هل ينفع هذا الكلام؟! هو يبحث عن دقيقة لا تعنيه أصلًا؛ لأنه قدم ما حقه التأخير، وأخر ما حقه التقديم، بل الذي أخره هو يجهله تمامًا، ويتصور أنه غير مكلف بالبحث عنه، وهو الذي يبنى عليه العمل، وهو الذي يسأل عنه يوم القيامة.
فقوله: (هلك المتنطعون) هذا خبر من النبي ﵊ الصادق المصدوق: أن كل من تنطع في دين الله فهو هالك.
ومعنى كلمة: (هلك) أي: انقطع به الطريق، ولذلك ما وجدنا متشددًا في دين الله ﷿ إلا ولا بد أنه ينقطع، وهذا مصداق قوله ﵊: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) يعني: كل من تنطع في الدين وتعمق فيه على غير ما ذكر؛ فلا بد أن يغلبه الدين وأن يرده، فإن كان من أهل التوفيق والسداد رده إلى أصل الديانة والحنيفية السمحة، وإن كان من أهل التعنت لا بد أن يبتلى.
وقد حدثني رجل عن آخر أنه رافق المتنطعين منذ عشر سنوات وزيادة وإلى الآن لم يهلك ولم ينقطع، حتى أخبرني صاحبه منذ ثلاثة أيام أنه ترك صحبة فلان، قلت: ولم؟ قال: لأنه يقول بضلال كل العلماء والشيوخ والدعاة على الساحة إلا ثلاثة، وهؤلاء الثلاثة هم فعلًا من أهل العلم، لكنهم على أية حال مغمورون؛ لأنهم لا يحبون الظهور، وهم من أهل العلم والحجة حقًا نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله.
وأما الحكم على جميع الشيوخ والدعاة والعلماء على الساحة بالضلال، وأنهم ليسوا من أهل الأصول ولا من أهل العلم على الحقيقة؛ فهذا بلا شك تنطع وغلو، بل هو غرور وكبر، حتى ذكر عن واحد من أكابر أهل العلم ممن ألان الله ﷿ له النصوص الشرعية كما ألان الحديد لداود ﵇، يقول هذا الغبي الأحمق: جلوسي على المقهى أحب إلي من بقائي في درس الشيخ محمد عبد المقصود.
فأقول: إن هذا الشخص إن شاء الله تعالى ليس أهلًا لحضور درس الشيخ ولا غيره، وإنما محله بإذن الله تعالى في المستقبل أن يبيع كتبه كما باع غيره كتبه، فقد سبقه المتنطعون والهلكى فباعوا مكتباتهم المجلد بجنيه واحد، وبلغ من حماقتهم أنهم باعوا من الكتاب الذي يضم عدة مجلدات مجلدًا أو مجلدين، فهم ما باعوا الكتاب كله وإنما فرقوه في البيع، فرق الله تعالى شملهم.
[ ١٢ / ٩ ]
قلّة المسائل التي سألها الصحابة للنبي حتى قبض
قال: [وعن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله ﷺ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض -أي: حتى قبض النبي ﵊-، كلهن -أي: كل هذه المسائل الثلاث عشرة- في القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة:٢١٩].
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢٢٠].
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]].
إلى آخر مسائل الصحابة للنبي ﵊، وقد ذكرها الله ﷿ في القرآن على سبيل الجواب للأمة المباركة إلى قيام الساعة؛ لتنتفع بها، وليظهر الحكم في هذه المسائل من الحل والحرمة، والآداب والأحكام وغير ذلك.
ولم يذكر الراوي أكثر مما ذكر هنا، والمسائل في القرآن معروفة مشهورة.
[ ١٢ / ١٠ ]
بيان حديثي: (إن الله كره لكم ثلاثًا)، و(نهى النبي عن الأغلوطات)
قال: [وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله ﷿ كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)]، فهذه الثلاث يكرهها الله ﷿.
[وعن عيسى بن يونس قال: حدثني الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية بن أبي سفيان: (أن النبي ﷺ نهى عن الأغلوطات).
قال عيسى بن يونس: الأغلوطات ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف].
يعني: البحث والتنقير عن مسائل لم يكلف المرء بالبحث عنها، أو الخصومات في الدين.
وبعض أهل العلم يسمي الأغلوطات: الخصومات في الدين، والمجادلات والمنازعات والاشتباكات التي تدور بين الشباب في مسائل لا علم لهم بها.
ومن أعجب الأعاجيب أن اثنين يختلفان في مسألة، وفي وجه الحق والصواب فيها، فيتبنى هذا رأيًا والآخر يتبنى رأيًا آخر، وكلا الرأيين ليسا من آراء أهل العلم، فيحتكمان إلى ثالث ليس من أهل العلم! فلا يردان الأمر إلى كتاب الله ﷿، ولا إلى سنة النبي ﵊، ولا إلى اجتهاد أهل العلم، وإنما يتحاكمان إلى من هو أجهل منهما، فيكثر الخلاف؛ ولذلك يقول ابن حزم: لو سكت الجاهل لقل الخلاف.
وذلك أن الجاهل يأبى وتأبى عليه نفسه الأمارة بالسوء إلا أن يتكلم فيما لا يعنيه، وخاصة في دين الله ﷿.
[عن عبادة بن نسي قال: (تذاكروا عند معاوية المسائل، فرد بعضهم على بعض -يعني: رد بعضهم على بعض حتى ارتفعت أصواتهم- فقال: ألم تسمعوا أن رسول الله ﷺ نهى عن الأغلوطات؟!).
وعن الصنابحي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الأغلوطات).
قال الأوزاعي: شداد المسائل وصعابها].
[ ١٢ / ١١ ]
ضرورة التأهل العلمي عند الدخول في المناظرات والجدال
وهناك مدرس كبير جدًا يسمونه: فيثاغورس؛ باعتبار أن عنده رياضة عقلية فذة، فيسمونه باسم عالم كبير من علماء الرياضة فيثاغورس، قابلني وقال: أنا متخصص في مقارنة الأديان منذ اثني عشر عامًا، قلت: هل درست الدين الإسلامي؟ قال: نعم، قلت: ثم اليهودية والنصرانية؟ قال: نعم، قلت: ربنا يفتح علينا وعليك بالخير.
فلقيني بالأمس فقال: الدكتور الفلاني يقول: إن الإمام البخاري صنف صحيحه من ست عشرة نسخة كنسخ التوراة والإنجيل، فكيف نرد عليه.
فقلت له: وهل عنده أسئلة أخرى؟ قال: نعم، السؤال الثاني: قال: إن حديث الذبابة الذي أخرجه البخاري يغلب على راويه النكارة، قلت: والثالث؟ حتى عد سبعة أسئلة.
منها: إنكار شفاعة إبراهيم ﵇ بالذات، قلت لماذا إبراهيم ﵇؟ قال: لأن إبراهيم صرح بأنه كذب ثلاث كذبات، قلت: غيره من الأنبياء صرح بمثل هذا، فلم منعت إبراهيم من الشفاعة بالذات؟! قلت له: لقد أخبرتني آنفًا أنك عالم كبير في مقارنة الأديان، فكيف تخفى عليك مثل هذه المسائل؟ ولو أن قسيسًا في الكنيسة تناظر معك وألقى عليك هذه الأسئلة فماذا ترد عليه؟ قال: أنا ما عندي خبر غير هذا، قلت: إذًا ستفتضح حجتك أمام العالم في المناظرة، فتكون بذلك قد أفسدت على نفسك، وأوقعت المسلمين في الفتنة والحرج بانتصار هذا القسيس عليك، أليس كذلك؟ فسكت.
فقلت له: إنما مثلك كمثل رجل دخل المسجد فحرص أن يصلي الظهر أربعًا، والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعشاء أربعًا، والصبح ثنتين، ولا علاقة لك في دين الله ﷿ فيما لا يعنيك، كما أنه يحرم عليك أن تنظر في كتب أهل الكتاب، فخاصمني وامتنع عن محادثتي إلى يومنا هذا، وأنا من الأمس إلى اليوم قد ألقيت ﵇ ثلاث مرات في المسجد المجاور لبيتي فلم يرد علي السلام! فهل مثل هذا ينفع أن يفرض نفسه على الأمة أنه عالم كبير في مقارنة الأديان؟! مثل هؤلاء السفهاء الذين في الجامعات يسمونهم: دكاترة وفقهاء في الأديان، وعلم الفلسفة، والمنطق، فيقدمون دراسة هذه العلوم على دراسة كتاب الله ﷿، ويزعمون أن دراسة هذه المواد إنما هي مفاتيح لكتاب الله ﷿، وهؤلاء المفتونون المجرمون آل بهم الأمر إلى محاربة الله تعالى ورسوله جهارًا نهارًا.
[ ١٢ / ١٢ ]
ذم السلف لمن يجيء بشرار المسائل
قال: [قال الحسن: شرار عباد الله يتبعون شرار المسائل؛ يعمون بها عباد الله ﷿.
وقال: إن شرار عباد الله قوم يجيئون بشرار المسائل؛ يعيبون بها عباد الله].
يعني: يعيبون بها أهل العلم، كأن يأتي إنسان ويسأل عما لا يعنيه، ويتعمد إحراج المسئول.
قال: [قال أحمد بن جناب المصيصي: سألت عيسى بن يونس عن قول الله ﷿: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦]، فإن الحور العين يمتن، قال: فغضب عيسى من ذلك غضبًا شديدًا، فقال: لقد بعثرنا الحديث بعثرة ما بعثرها أحد -يعني: جمعنا الحديث جمعًا من كل قطر ومصر- ما بقي كوفي ولا بصري ولا مدني ولا مكي ولا حجازي ولا شامي ولا جزري إلا وقد لقيناه وسمعنا منه، ما سمعنا أحدًا قط يسأل عن مثل هذا.
ثم قال: ما لكم ومجالسة أهل الأهواء ومحادثتهم؟].
أي: لماذا تجالسونهم وتتحدثون معهم؟ وكثير من الناس جرته الحمية في مجالسة أهل الأهواء، ثم يقع في نفس الهوى وفي نفس البلية، فمثلًا: يريد أن يجلس مع جماعة التكفير أو أي جماعة على بدعة معينة؛ ليتعرف على مداخل ومخارج البدعة، فنقول له: هل أعدت لكل بدعة دليلًا ينقض هذه البدع؟ وهؤلاء لا يعرفون شيئًا من دين الله شيئًا إلا ما ظنوا أنهم قد عقلوه من بدعتهم، فإذا بهذا الشخص يجلس أمام مناظرهم ومجادلهم فيلقي عليه الشبهة ثم الشبهة ثم الشبهة، وهو لا علم له أصلًا بدين الله ﷿، ولكن أخذته العاطفة والحمية أن يناظر أهل البدع؛ حتى يردهم بزعمه عن بدعتهم، فإذا به بعد إلقاء الشبهات عليه، وعدم قدرته على رد هذه الشبهات؛ يشربها هو، ويشربها قلبه، ثم يتذبذب ويتشكك، فيلقون عليه بالشبهات الأخرى والحجج المتكررة التي لا جواب عنده على واحد منها، ثم إذا هو يرجع وقد شك فيما كان عليه من الحق، وأيقن بما قد سمعه من شبهات.
فنقول لهذا وأمثاله: أنت لا زلت بعد في بداية طلبك للعلم، ولست مطالبًا بالمناظرة والمجادلة مع هؤلاء، وإنما المجادلة والمناظرة تكون من أهل العلم الأثبات لا من طلاب العلم المبتدئين في العلم.
[ ١٢ / ١٣ ]
ذم السلف لمن يجالس أهل الأهواء فيتيه ثم يطلب من يجادله ليهديه
قال: [قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: كان ذلك الرجل إذا جاءه بعض هؤلاء أصحاب الأهواء يسأله قال: أما أنا فعلى بينة من ربي] يعني: مالك ﵀ يحكي عن نفسه، لكنه يتورع أن يقول: أنا المعني، ولذا فقد جاء في غير كتاب أنه مالك، وفي رواية أنه ابن سيرين.
ولا مانع بتعدد الحوادث وأن السؤال وجه لـ مالك، ووجه لـ ابن سيرين.
فأتى رجل إلى مالك ليناظره في ربه، ويجادله في إلهه، [فقال مالك: أما أنا فعلى بينة من ربي -أي: لا أحتاج إلى مناظرة ومجادلة-، وأما أنت فشاك، فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.
وقال: يلبسون على أنفسهم، ثم يطلبون من يعرفهم ويهديهم] يعني: هم الذين يوقعون أنفسهم في الشك والحيرة والتيه، ثم هم بعد ذلك يأتون فيسألون لأجل الهداية وغير ذلك.
[وعن سالم بن أبي حفصة قال: إن من قبلكم بحثوا ونقروا حتى تاهوا] يعني: تكلفوا البحث والتنقير عما لا يعنيهم حتى وقعوا في التيه والحيرة.
[ ١٢ / ١٤ ]
تقسيم يحيى بن معاذ الرازي الناس إلى خمس طبقات، ومنها المتعمقون في الدين
قال: [وقال يحيى بن معاذ الرازي -وكلامه جميل أشهى من عسل النحل-: الناس خمس طبقات، فاجتنب أربعًا والزم واحدة].
لكن الإمام ابن بطة اختصر كلامه اختصارًا شديدًا جدًا، حتى إنه لم يذكر الطبقة التي يؤمر العبد بالتزامها، وهم أهل السنة والجماعة.
وأما الأربع التي أمر يحيى بن معاذ باجتنابها فلم يذكر منها ابن بطة إلا طبقة واحدة فقال: [والطبقة الرابعة: هم المتعمقون في الدين، الذين يتكلمون في العقول، ويحملون الناس على قياس أفهامهم، قد بلغ من فتنة أحدهم، وتمكن الشك من قلبه: أنك تراه يحتج على خصمه بحجة قد خصمه بها، وهو نفسه من تلك الحجة في شك].
يعني: أن هذا الشاك هو نفسه غير مؤمن بهذه الحجة، ولذلك إذا أتاه شاك آخر بحجة هي أقوى من حجته تحول إليها، وترك حجته السابقة التي قد خصم بها خصمه وانتصر عليه، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه خصومات أكثر التحول.
يعني: يتحول من دليل إلى دليل؛ لأنه لا يعتقد دليلًا واحدًا، بل كلما رأى أن هذا الدليل أحسن وأجمل وأطيب من غيره تحول إليه.
قال: [وهو نفسه في تلك الحجة في شك، ليس يعتقدها ولا يجهل ضعفها، ولا ديانة له فيها، إن عرضت له من غيره حجة هي أوثق منها انتقل إليها، فدينه محمول على سفينة الفتن، يسير بها في بحور المهالك، يسوقها الخطر، وتسوسها الحيرة، وذلك حين رأى عقله أملى بالدين، وأضبط له، وأغوص على الغيب] يعني: دائمًا يعتمد على عقله في التنقيب عن أمور الغيب التي لم يكلف بالبحث عنها.
ثم قال: [وأبلغ لما يراد من الثواب من أمر الله إياه، ونهيه وفرائضه الملجمة للمؤمنين عن اختراق الشذوذ، والتنقير عن غوامض الأمور، والتدقيق الذي قد نهيت هذه الأمة عنه؛ إذ كان ذلك سبب هلاك الأمم قبلها، وعلة ما أخرجها من دين ربها، وهؤلاء هم الفساق في دين الله ﷿ المارقون منه، التاركين لسبيل الحق، المجانبون للهدى، الذين لم يرضوا بحكم الله في دينه حتى تكلفوا طلب ما قد سقط عنهم طلبه، ومن لم يرض بحكم الله في المعرفة حكمًا لم يرض بالله ربًا، ومن لم يرض بالله ربًا كان كافرًا، وكيف يرضون بحكم الله في الدين وقد بين لنا فيه حدودًا، وفرض علينا القيام عليها، والتسليم بها، فجاء هؤلاء بعد قلة عقولهم، وجور فطنهم، وجهل مقاييسهم يتكلمون في الدقائق، ويتعمقون، فكفى بهم خزيًا سقوطهم من عين الصالحين، يقتصر فيهم على ما قد لزمهم في الأمة من قالة السوء، وألبسوا من أثواب التهمة، واستوحش منهم المؤمنون، ونهى عن مجالستهم العلماء، وكرهتهم الحكماء، واستنكرتهم الأدباء، شكاكون جاهلون، ووسواسون متحيرون، فإذا رأيت المريد يطيف بناحيتهم فاغسل يدك منه ولا تجالسه].
يعني: إذا رأيت المبتدئ يطوف حولهم، ويحضر مجالسهم؛ فاغسل يدك منه، واعلم أنه لا خير فيه، فطالب العلم إذا ذهب عند المبتدع وصاحب هوى فاغسل يدك منه لا من صاحب البدعة؛ فإن هذا أمره مفروغ منه، ولكن اغسل يدك من ذلك الذي يحرص على مجالسته، واعلم أنه لا خير فيه.
[ ١٢ / ١٥ ]
ذكر بعض المسائل التي لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسئول أن يجيب عنها
قال: [قال ابن شبرمة: من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسئول أن يجيب فيها].
كان السلف ﵃ إذا ذكر القدر أمسكوا، وإذا ذكر النجوم أمسكوا، وإذا ذكر أصحاب النبي ﵊ أمسكوا، وهذه أمور متفق عليها، فما كان أحد من أصحاب النبي ﵊ يتكلم في القدر قط، ولم يثبت أن صحابيًا تكلم في القدر، وكل ما هنالك إذا سئل أحدهم عن القدر قال: إن الله على كل شيء قدير، فكل قارئ للقرآن يقرأ هذا، وكل مطلع في سنة النبي ﷺ يطلع على هذا، ولم يفسروا ويؤصلوا ويقعدوا لنا مسائل القدر التي كتبت فيها هذه الكتب التي لا نهاية لها، وإنما كانوا يؤمنون بالقدر خيره وشره، وأن كل ذلك من عند الله، كما جاء ذلك في تعريف الإيمان في غير ما حديث: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) أي: أنه من عند الله ﷿، وأن الله على كل شيء قدير.
فالسلف خاصة الصحابة ما زادوا في القدر عن هذه الكلمات اليسيرات، ولو أنك أتيت الآن بأكابر المثقفين لنازعك في القدر أيما منازعة، وخاصمك فيه أيما مخاصمة، حتى يقول القائل: إذا كان الله تعالى قد قدر علي هذا العمل فلم يعذبني؟ وإذا كان الله تعالى قد كتب لي الجنة فلم العمل إذًا؟ لا بد أن يصل الأمر بمثقفي العصر إلى هذه المشكلة؛ لأن أسلافهم من القدريين ومن السالكين على غير هدى قد وجهوا هذه الأسئلة لسلف الأمة، ولذلك كان الصحابة إذا ذكر القدر أمسكوا، مع إيمانهم الجازم بأن كل شيء من عند الله، وأن الله تعالى كتب كل شيء من الخير والشر.
قوله: (وإذا ذكر الصحابة أمسكوا) أي: إذا ذكر الصحابة بما دار بينهم من خلاف؛ أمسكوا، وعلموا أن السنة في ذلك حب الصحابة أجمعين، والترضي عنهم أجمعين، وأن الله ﵎ غفر لهم ورضي عنهم، كما حذرنا النبي ﵊ في سنته في الصحيحين وغيرهما من الكلام فيهم وسبهم، وبين أن أحدنا لو أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه إلى آخر فضائل الصحابة في كتاب الله ﷿، وفي سنة النبي ﵊.
لكن هؤلاء لا بد أن ينشروا الفتن التي دارت بين معاوية وعلي بن أبي طالب ﵄، ولا بد من الخوض في هذا، بل يخرج بعض من لا يفهم أمور الدعوة، ولا يفهم قدرات الخلائق على استيعاب هذا الأمر، فينشر على مسامع العامة ما دار بين أصحاب النبي ﵊، وقد أمرنا بالسكوت والترضي عنهم.
[ ١٢ / ١٦ ]
الشيعة في مصر
وآخر الأمر أن الشيعة عليهم من الله ما يستحقون يريدون نشر التشيع في مصر، والتشيع لا يمكن قط أن يستقيم مع أخلاق المصريين وسلوكهم؛ لأن التشيع قام على سب الصحابة ولعنهم، والمصريون في الأصل لا يتفقون مع هذه الدعوة، أنتم تعرفون المصريين لو أن حمارًا أو كلبًا دفن في قبر، وقيل لهم: هذا المدفون هو رجل صالح لعبدوه؛ فقلوب المصريين جبلت على حب الصالحين وخاصة الصحابة، فتأتي وتقول للمصري: أبو بكر عليه لعنة الله، أو عمر عليه لعنة الله؛ فلا يستقيم هذا معه قط؛ ولذلك تجد دعوة الشيعة قديمًا وحديثًا لم تلق رواجًا في مصر.
ومنذ عشر سنوات أو يزيد قليلًا ظهر هذا الكلب الذي يدعى حسن شحاتة، وهو إمام مسجد الجامعة في مقابلة الجامعة الجديدة، وقال ما قال في شأن الصحابة، خاصة في أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة ﵃، قال كلامًا هو كفر بواح، ثم تألب الرأي العام والصحافة وغير ذلك في ذلك الوقت على هذا الكلب، وسجن مدة من الزمان، لكن لوساطة بعض الوجهاء الشيعة في لبنان قام بعضهم بزيارة لمصر خاصة لإخراجه من السجن، وخرج هذا الكلب، وأنا على يقين أن الحكومة المصرية تخشى التشيع، وتخاف من ظهوره وانتشاره في مصر؛ لأن الشيعة في إيران شكيمتهم قوية جدًا.
والدرس الذي تلقاه صدام حسين من خميني إيران وشعب إيران لا يمكن أن تنساه الحكومة المصرية، ولا غيرها من الحكومات.
والآن تهاونت الحكومة المصرية مرة أخرى بعد أن أخذت موقفًا حاسمًا منذ عشر سنوات فيما يتعلق بظهور الشيعة في مصر خاصة في المنصورة، فمنبع التشيع هو في المنصورة، وإن شئت فقل: المنصورة في المرتبة الثانية بعد حي شبرا في القاهرة.
وللأسف الشديد ظهرت مجلة في مصر من عدة أشهر، هذه المجلة اسمها: أهل البيت، وأهل البيت -يعلم الله- أنهم بريئون جميعًا ممن ينتسب إليهم من الشيعة.
فهذه المجلة إنما تتقرب إلى مولاها بزعمها بتكفير أبي بكر وعمر وعثمان، وردة عائشة ﵂، واتهامها بالفاحشة، وأن حادثة الإفك ليست حادثة وهمية، بل هي حادثة حقيقية، وأن عائشة حقًا وقعت في الزنا، هكذا قالوا، ولا تزال هذه المجلة تصدر على قدم وساق في كل شهر مرة على مسمع ومرأى من الحكومة المصرية، فلم لا تقوم الحكومة المصرية بمصادرة هذه المجلة ومعاقبة القائمين عليها؟ ماذا تنتظر؟ هل تنتظر أن يستفحل الأمر ولا يمكن علاجه؟! فكل ثلم يبدأ بعفن.
كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر هل تنتظر الحكومة حتى يكون الشيعة في مصر بالملايين؟ إن شاء الله لا يكونون كذلك، لكن ولو كان واحدًا فلابد من حربه، أما سمعتم أن صبيغًا الذي كان يتكلم ويتعمق ويتنطع في زمن عمر بن الخطاب ﵁؛ لما سأل عن الذاريات والمرسلات وغير ذلك نظر عمر في وجهه فعلم أنه متنطع لا يقصد التعلم، فجلده وضربه، وقال: والله لو كنت حالقًا لضربت عنقك.
وربما يأتي هذا الدليل معنا في هذا الباب لأنه من مظانه.
إذًا: فهناك من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، كما لا يجوز للمسئول أن يجيب فيها، بل إذا سئلت في مسألة فقل: أثم هي؟ أوقعت؟ فإذا كانت قد وقعت فإن الله تعالى يسدد ويعين المجتهد في القضاء فيها أو الإفتاء فيها، وإذا لم تكن قد وقعت فيجب عليك أن تنهى السائل عن ذلك؛ لأن هذا ليس هو منهج السلف ولا منهج أهل السنة.
[ ١٢ / ١٧ ]
ضرورة الكف عما كف الشرع عنه، وعدم الخوض فيه
قال: [مر القاسم بن محمد بقوم يتكلمون في القدر، فقال: انظروا ما ذكر الله تعالى في القرآن فتكلموا فيه، وما كف عنه فكفوا] أي: لا تذكروا القَدَرَ إلا بالقَدْرِ المذكور في كتاب الله لا تزيدوا عليه، ولا تخوضوا فيه؛ لأن هذا القول يؤدي إلى الحيرة، والتيه، والضلال والابتداع في دين الله ما لم ينزل به سلطانًا.
قال: [وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: قال رجل: لقد دخلت في هذه الأديان كلها فلم أر شيئًا مستقيمًا].
يعني: كأن هذا الرجل يقول: دخلت في القدرية والمعتزلة والمرجئة وغير ذلك من الفرق الكبار في زمن مالك فلم أر شيئًا منها مستقيمًا.
[فقال رجل من أهل المدينة من المتكلمين: فأنا أخبركم لم ذلك؟ -أي: لم دخل هذا الرجل في كل الأديان ولم ير شيئًا منها قط مستقيمًا- قال: لأنك لا تتقي الله، فلو كنت تتقي الله جعل الله لك من أمرك مخرجًا].
أي: نور بصيرتك، وهداك إلى معرفة الحق، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، فالمهم أن يعقدوا قلوبهم على الهدى ويحبوه، ويبذلوا المهج في سبيل الوصول إليه، ثم الله تعالى يوفقهم لذلك بعلمه صدق نيتهم، أما من كان يتنطع ويتعمق ولا يريد الوصول إلى الحق؛ فإن الله ﵎ يضله، ويجعله يتيه في ظلمات الضلال هنا وهناك.
[ ١٢ / ١٨ ]
بيان النبي أن الله تعالى سكت عن أشياء من غير نسيان رحمة بنا فلا نبحث عنها
قال: [وعن أبي ثعلبة قال: قال النبي ﷺ: (إن الله ﷿ فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان لها رحمة لكم؛ فلا تبحثوا عنها، ثم تلا قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤])].
هذه الأشياء التي سكت الله ﷿ عنها لا نتكلف نحن السؤال فيها؛ لأن الله ﵎ لما تركها تركها لنا من باب العفو، ومن باب المباحات، فمن فعلها كان له ذلك، ومن لم يفعلها فلا حرج عليه، فأما أن تتكلف البحث عنها، ومعرفة الحكم فيها؛ فإن هذا الأمر يسبب الحرج لصاحبه.
[ ١٢ / ١٩ ]
آثار عن السلف في ردهم الافتراضات في الأسئلة، والسؤال عما لم يكن
قال: [وعن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن مسألة، فقال لي: أكانت؟ قلت: لا، قال: فأجمنا حتى يكون] أجمنا أي: أرحنا، والاستجمام بمعنى الراحة.
قال: [فأجمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا رأينا].
يعني: لك أن تأتي بسؤالك الذي وقع، ولا تسأل عن غيره؛ لأنك منهي عن هذه الطريقة الجاهلية، فسؤالك الذي ينبني عليه العمل في سلوكك إلى الله ﷿ أنت مكلف به فقط دون سواه.
قال: [وعن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تسألوا عن أمر لم يكن؛ فإن الأمر إذا كان أعان الله عليه، وإذا تكلفتم ما لم تبلوا به وكلتم إليه].
يعني: يتخلى الله تعالى عنكم، ويكلكم إلى هذا، وربما أصبتم وربما خالفتم.
قال: [وعن خارجة بن زيد بن ثابت قال: سئل زيد بن ثابت عن شيء فقال: أكان هذا؟ فقيل: لا، فقال: دعه حتى يكون؛ فإنما هلك من كان قبلكم بأنهم قاسوا ما لم يكن بما قد كان، حتى تركوا دين الله ﷿.
وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا لا يسألون إلا عن حاجة.
وعن الشعبي قال: سل عما كان، ولا تسأل عما لم يكن ولا يكون].
[ ١٢ / ٢٠ ]
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
قال: [عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)] يعني: من أصول الإسلام أن تترك كل شيء لا يعنيك من أمر الدين أو الدنيا؛ لأنه ليس كل أمر الدين أنت مكلف به.
[ ١٢ / ٢١ ]
التمادي في الأسئلة والافتراضات قد يؤدي بالإنسان إلى السؤال عمن خلق الله
قال: [وقال النبي ﵊: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟)].
يعني: إذا كنت ممن يسأل كثيرًا فلا بد أن تصل إلى عين هذا
السؤال
(هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟) ولا بد أن تعلم أنك أضعف من أصحاب النبي ﵊ وأقل إيمانًا؛ ولذلك حاك في قلوبهم وصدورهم هذا
السؤال
[(قالوا: يا رسول الله إن أحدنا لتحدثه نفسه بشيء لئن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، قال النبي ﵊: أو قد فعلها؟ -يعني: أو قد غلبكم عليها الشيطان؟ - ذاك محض الإيمان)] أي: تحرجكم أن تتكلموا بهذا الكلام دليل على إيمانكم، ولكن النبي ﷺ قال: [(وإن الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ فتقولون: الله، فيقول الشيطان: هذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله؟ قال: فإذا بلغ الشيطان منكم ذلك المبلغ فاستعيذوا بالله وانتهوا، وقولوا: آمنا بالله ورسوله)].
يحدد ﵊ علاج شبه الشيطان بالاستعاذة بالله ﷿ من الشيطان، والانتهاء، ومجاهدة النفس؛ حتى لا يستقر هذا الخاطر في القلب، بل يمر على القلب مرورًا ولا يستقر فيه، ولا يتمكن منه، ثم بقولك: آمنت بالله ورسوله؛ لأن الشيطان يفر إذا سمع هذا الشيء.
فبين ﵊ الجواب لهذا السؤال وعلاجه.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٢ / ٢٢ ]