تعد الشيعة من أوائل الفرق ظهورًا في تاريخ الإسلام، وقد كان لها أثر سيئ في تفريق وإضلال كثير من الناس، وقد وقف لها سلف الأمة بالمرصاد، فبينوا ضلالها، وحذروا الناس منها، وهي أكثر من ثلاثين فرقة، ومردها جميعًا إلى أصول ثلاثة: غلاة، وزيدية، وإمامية.
[ ١١ / ١ ]
فرقة الخطابية من الشيعة ومعتقداتها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فلا يزال الكلام موصولًا عن الفرق التي ظهرت في الإسلام، وقد تكلمنا عن الفرقة الأولى وهي: الشيعة، وهي من أوائل الفرق ظهورًا، وبينا أن الشيعة إنما مردها جميعًا إلى أصول ثلاثة: فهم إما غلاة، وإما زيدية، وإما إمامية.
وتكلمنا عن بعض فرق غلاة الشيعة وقلنا: إن منها: السبئية أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام.
ومنها: الكاملية، وهم أصحاب أبي كامل.
ومنها: البيانية، وهم أصحاب بيان بن سمعان.
ومنها: المغيرية، وهم أصحاب المغيرة بن سعيد.
ومنها كذلك: المنصورية، وهم أصحاب أبي منصور العجلي.
ومنها: الجناحية، وهم أصحاب عبد الله بن جعفر ذي الجناحين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومنها: الخطابية، وهم أصحاب أبي الخطاب الأسدي، واسمه: محمد بن أبي زينب الأجدع، مولى بني أسد، أبو إسماعيل، وقد قتله عيسى بن موسى والي الكوفة من قبل العباسيين في عام ١٤٣هـ.
وقد عزا أبو الخطاب الأسدي نفسه إلى أبي عبد الله جعفر الصادق، فلما علم منه جعفر الصادق غلوه في حقه تبرأ منه، فلما اعتزل عنه ادعى الأمر لنفسه، وهو نفس ما فعله من قبل أبو منصور العجلي]، أي: أنه لما يظهر غلوه يتبرأ منه الإمام، ثم يزعم أن الأمر لنفسه بعد ذلك.
وهؤلاء الخطابية يقولون: إن الأئمة أنبياء أو رسل، وهذه أول بلية من بلاياهم، وهم يقولون: إن أبو الخطاب إمام، إذًا فهو نبي، ويزعمون أن الأنبياء فرضوا على الناس طاعة أبي الخطاب، أي: أن الأنبياء تنبئوا بنبوة أبي الخطاب، ولذلك أمر كل نبي قومه بطاعة أبي الخطاب، بل يزيدون على ذلك ويقولون: إن الأئمة آلهة، وهذا الكلام لا يستغرب منهم؛ لأن الذي يغالي في الإمام لابد أنه يضعه في موضع العصمة، وبالتالي لابد أن يثبت له النبوة، ثم إذا ثبت لأحد النبوة عند هؤلاء الفرق الضالة فاعلم أنه لابد أن يصل إلى مرحلة ادعاء الإلهية.
كما يزعمون أن الحسنين ابنان الله تعالى! وأن جعفر الصادق إله، لكنَّ أبا الخطاب أفضل منه ومن علي، ويستحلون شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم، والإمام بعد قتل أبي الخطاب هو معمر، ذهب إلى ذلك جماعة منهم، فعبدوا معمرًا كما كانوا يعبدون أبا الخطاب، وقالوا -أي: المعمرية أتباع معمر خليفة أبي الخطاب -: إن الجنة هي نعيم الدنيا، والنار آلامها، أي: أنهم لا يؤمنون بالجنة والنار كما يؤمن أهل السنة، والدنيا عندهم لا تنتهي بقيام الساعة؛ لأنهم لا يؤمنون بالساعة، ولا يؤمنون بالبعث ولا بالنشور.
كما استباحوا المحرمات: من الخمر والسرقة والزنا وشرب الخمر وغير ذلك، وتركوا الفرائض من التوحيد والصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من سائر الواجبات.
وقيل: إن الإمام بعد قتله هو بزيغ، ذهب إلى ذلك طائفة أخرى منهم، وقالوا -أي: البزيغية-: إن كل مؤمن يوحى إليه! أي: أن الوحي لا يزال ينزل على كل مؤمن، متمسكين في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٤٥]، أي: إلا بوحي من الله، فلا تموت عندهم نفس قط إلا إذا أوحى الله تعالى إليها، ولو أوحى إليها: أن موتي؛ فهذا نوع من أنواع الوحي.
وزعموا أن في أصحاب بزيغ من هو خير من جبرائيل وميكائيل! وإذا كان هذا في أصحاب بزيغ وهو الإمام الثالث في هذه الطائفة من الخطابية بعد أبي الخطاب ومعمر؛ فما بالكم بـ بزيغ كيف يكون حاله؟! وهم لا يموتون أبدًا، فإذا بلغوا النهاية رفعوا إلى الملكوت، وعلى أي حال فهذا مصطلح عندهم ربما عم به البلاء؛ لكن البلاء عندما أوصلوا بـ بزيغًا إلى مرحلة الإلهية، وبزيغ قد مات، وهم الذين دفنوه، فكيف يدفن إله، ومن دون الإله يرفع إلى الأعلى؟! فهذا كلام كله تخبيط.
[ ١١ / ٢ ]
فرقة الغرابية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: الغرابية، ولقبوا بذلك لأنهم قالوا: كان محمد أشبه بـ علي من الغراب بالغراب، ومن الذباب بالذباب، وهذا مثل قبيح جدًا؛ لأن الغراب عند العرب من الطيور الحقيرة، ولم يقولوا ذلك من فراغ، ولذلك ضربوا هذا المثل الحقير في مشابهة النبي ﵊ لـ علي بن أبي طالب، فقالوا: كان محمد أشبه بـ علي من الغراب بالغراب، والذباب بالذباب؛ لأنك لو أتيت بذبابتين أو غرابين فربما لا تكاد تميز بينهما.
كما قالوا: إن جبريل ﵇ أُمر أن ينزل بالوحي على علي، لكن لوجود الشبه بين علي ومحمد أخطأ جبريل فنزل على محمد.
ولذلك هم يتقربون إلى الله -بزعمهم- بسب صاحب الريش، ويعنون بصاحب الريش: جبريل ﵇، فهم دائمًا يلعنون جبريل ﵇.
[ ١١ / ٣ ]
فرقة الذمية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: الذمية، ولقبوا بذلك لأنهم ذموا وسبوا وشتموا محمدًا ﷺ؛ لأن عليًا هو الإله، وقد بعث من يدعو الناس إليه، فدعاهم إلى نفسه.
أي: هم يقولون: بإلهية علي بن أبي طالب، وأن علي بن أبي طالب -باعتباره إلهًا- هو الذي بعث محمدًا ﵊؛ ليدل الناس عليه، لكنه دل الناس على نفسه، وبالتالي يكون محمدًا قد غدر وخان إلهه وهو علي بن أبي طالب.
وقالت طائفة منهم بإلهيتهما، أي: بإلهية محمد وعلي، وأظن قائل هذا القول من فرق المعتزلة، ولهم في التقديم خلاف مشهور، أي: هما إلهان، لكن أيهما أكثر إلهية من غيره؟ فمنهم من قال: محمد، ومنهم من قال: علي.
وقال بعضهم بإلهية خمسة أشخاص، وهذه فرقة ثالثة داخل الفرقة الأولى، فقالوا بإلهية خمسة: محمد، وعلي، ثم الحسن، والحسين، وفاطمة ﵃.
كما يزعمون أن هؤلاء الخمسة شيء واحد، وأن الروح حالة فيهم بالسوية، أي: أن الروح الإلهية نزلت فتقسمت وتوزعت بين هؤلاء الخمسة بالسوية، فلا مزية لواحد منهم على الآخر، ولا يقولون: فاطمة؛ تحاشيًا للأنوثة؛ ولأنهم يعتقدون أن الإله لا يكون أنثى، بل يعبرون عنها بأي رمز، ورموزهم في ذكر فاطمة كثيرة جدًا.
فإذا كانوا يعتقدون أن الإله لا يكون أنثى، ويتحاشون عن ذكر الاسم ليقينهم بأنها أنثى، وأنها أم الحسن والحسين؛ فكيف يجعلونها إلهًا في الوقت نفسه؟!
[ ١١ / ٤ ]
فرقة الهشامية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: الهشامية، وهي من هذه الفرق الغالية الكافرة، وقد اتفقنا من قبل أن الغلاة من كل فرقة كفار، وعليهم تتنزل النصوص المطلقة التي وردت في السنة، وفي آثار السلف ﵃.
وهؤلاء هم أصحاب هشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي، وقد زعموا أن الله تعالى جسد، واتفقوا على ذلك، ثم اختلفوا، أي: اتفقوا على أنه جسد، لكنهم اختلفوا في كنه هذا الجسد، فهم قد اتفقوا على الكفر، ثم تفرع وتغلغل كل منهما في كفره.
يقول هشام بن الحكم: الله تعالى طويل، عريض، عميق، متساو طوله وعرضه وعمقه، وهو كالسبيكة البيضاء الصافية، ويتلألأ من كل جانب، وله لون وطعم ورائحة! تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
وأقول هذا الكلام وأنا في منتهى الحزن، وغاية الغم والنكد أن يقول أحد ممن ينسب إلى الإسلام هذا الكلام، ولولا إجماع أهل العلم على أن ناقل الكفر ليس بكافر، وأن أئمة الدين وأعيان الشريعة إنما نقلوا إلينا مقالة هؤلاء الملاحدة الكفار؛ ما نقلنا إليكم كلمة واحدة من هذا.
وهذه الصفات المذكورة ليست غير ذاته تعالى، فهو تعالى يقوم ويقعد، ويتحرك ويسكن، وله مشابهة بالأجسام، ولولاها لم تدل عليه، ويعلم ما تحت الثرى بشعاع ينفصل عنه إليه! أي: أن الله تعالى لا يعرف ما تحت التراب إلا بشعاع ينبثق منه إلى هذا الذي تحت الثرى.
وهو سبعة أشبار بأشبار نفسه، مماس للعرش بلا تفاوت بينهما، على وجه لا يفضل أحدهما على الآخر، وإرادته تعالى حركة هي لا عينه ولا غيره، وإنما يعلم الأشياء بعد وقوعها وحدوثها لا قبل ذلك، وهم بهذا يتفقون مع القدرية.
وعلمه بالأشياء بعد كونها لا قبله بعلم لا قديم ولا حادث؛ لأنه صفة والصفة لا توصف، وكلامه صفة له لا مخلوقة ولا غير مخلوقة؛ لما مر.
والأعراض لا تدل عليه، وإنما تدل عليه الأجسام؛ لما عرفت من مشابهته إياها.
والأئمة عندهم معصومون دون الأنبياء، وحجتهم في ذلك: أن النبي يوحى إليه، ويتقرب به إلى الله، بخلاف الإمام فإنه لا يوحى إليه، فوجب أن يكون معصومًا، وكذلك: أن الله تعالى هو الذي تولى حفظ ورعاية النبي، وهذا بخلاف الإمام، فإنه للزوم عصمته لابد أن يكون له ملك السماء.
وقال هشام بن سالم الجواليقي: الله تعالى على صورة الإنسان له يد ورجل، وخمس حواس: أنف وأذن وعين وفم، وله وفرة سوداء -أي: شعر أسود- ونصفه الأعلى مجوف ونصفه الأسفل مصمت، إلا أنه ليس لحمًا ودمًا! وقائل هذا الكلام يكفر بلا خلاف عند أهل العلم.
[ ١١ / ٥ ]
فرقة الزرارية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: الزرارية، وهم أصحاب زرارة بن أعين، وهؤلاء قالوا: صفات الله تعالى حادثة، أي: أن الله تعالى كان ذاتًا بغير صفات، ثم اكتسب الصفات بعد ذلك، فلم يكن عليمًا ثم صار عليمًا، ولم يكن قادرًا ثم صار قادرًا، ولم يكن قديرًا ثم صار قديرًا، ولم يكن رازقًا ثم صار رزاقًا وهكذا، أي: أنها مستحدثه بعد أن لم تكن! تعالى الله عن قولهم العظيم علوًا كبيرًا.
وقبل حدوثها لم يكن لله تعالى حياة ولا علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر، فيلزم حينئذ ألا يكون حيًا، ولا عالمًا، ولا قادرًا، ولا سميعًا، ولا بصيرًا!
[ ١١ / ٦ ]
فرقة اليونسية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: اليونسية، وهم أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي، مولى آل يقطين، وهم من جهة الشيعة، وقد صنف لهم كتبًا في ذلك، أي: في تشبيه الله ﷿، وهو الذي قال: إن الله تعالى على العرش تحمله الملائكة، وهو أقوى من الملائكة، مع كونه محمولًا لهم!
[ ١١ / ٧ ]
فرقة الشيطانية أو النعمانية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: الشيطانية، وهم أصحاب محمد بن النعمان الملقب بـ شيطان الطاق.
وكذلك يسمون النعمانية؛ نسبة إلى صاحبهم محمد بن النعمان أبي جعفر الأحول الملقب بـ شيطان الطاق، ويلقبه الشيعة بمؤمن الطاق! فانظر إلى تحريف الشيعة، فالعالم كله يسمونه: شيطان الطاق، لكن لما كان شيعيًا ومنظرًا من منظري الشيعة سموه: مؤمن الطاق! وهو ليس مؤمنًا.
وقد صنف كتبًا جمة للشيعة منها: افعل لم فعلت، ومنها: افعل لا تفعل.
ويذكر في هذه الكتب أن كبار الفرق أربع: القدرية، ثم الخوارج، ثم العامة، ثم الشيعة.
وقال هذا الشيطان: إن الله نور غير جسماني، ومع هذا هو على صورة إنسان، وإنما يعلم الأشياء بعد وقوعها لا قبلها.
[ ١١ / ٨ ]
فرقة الرزامية من الشيعة ومعتقداتها
[ومنها: الرزامية، وهم أتباع رزام بن رزم، وهؤلاء ظهروا في خرسان في أيام أبي مسلم صاحب الدولة في ذلك الوقت، والذي كان على مذهب الكيسانية في الأول، ثم حاد إلى أبي العباس عبد الله بن محمد بن عباس وقلده أمره.
وهؤلاء قالوا: إن الإمامة بعد علي لـ محمد بن الحنفية، ثم لابنه عبد الله، ثم لـ علي بن عبد الله بن عباس، ثم لأولاده إلى المنصور، ثم حل الإله في أبي مسلم، وأنه لم يقتل، واستحلوا المحارم، وتركوا الفرائض]، واستحلالهم للمحارم لوحده كاف في الكفر؛ لأن أهل السنة متفقون على أن من أحل حرامًا، أو حرم حلالًا متعمدًا بعد قيام الحجة عليه؛ فإنه يكفر.
[ ١١ / ٩ ]
فرقة المفوضة من الشيعة ومعتقداتها
[ومنها: المفوضة، ولقبوا بذلك لأنهم يقولون: بأن الله تعالى فوض الخلق كله إلى محمد] أي: أن الله قال: يا محمد! أنا فوضتك في أن تخلق الدنيا وما فيها! [وقال بعضهم: بل فوض ذلك إلى علي] أي: أنهم متفقون على أن الله فوض أمر الخلق إلى غيره، لكن منهم من قال: إن هذا الغير هو محمد، ومنهم من قال: هو علي، والمهم أنهم ينفون عن الله تعالى صفة الخلق؛ لأنه لم يخلق، وإنما فوض الخلق إلى غيره من المخلوقين.
[ ١١ / ١٠ ]
فرقة البدائية من الشيعة ومعتقداتها
ومنها: البدائية، أي: الذين جوزوا على الله البداء، والبداء مصطلح في غاية الأهمية نجده في كتب المتكلمين، كما تجد في كتب الأزهر إثبات الكلام النفساني لله ﷿! فأنت رجل من أهل السنة تعلم أن الله تعالى يتكلم متى شاء، وكيف شاء، وبأي كلام شاء، ويتكلم المولى ﷿ بحرف وصوت، لا ككلام البشر، ويتكلم بكيفية تليق بجلاله وكماله، فأنت تعلم هذا الأمر ومؤمن به.
بينما تقرأ في كتب الأزهر: أن الله تعالى يتكلم بكلام نفساني، فما معنى: أن الكلام نفساني؟ إن كنت لا تعلم معناها فستمرها كما هي، ثم بعد ذلك عندما تكون في موطن المسئولية ستعلمها الغير، وبهذا تكون قد أسهمت في نشر الباطل وأنت لا تدري أنه باطل.
القول بالكلام النفساني لله ﷿ أمر في غاية البطلان والخذلان، وهو مصطلح عند الأشاعرة والماتريدية الذين يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم بصوت ولا حرف، وأما أهل السنة فيعتقدون أن الله تعالى يتكلم بصوت وحرف، بينما الأشاعرة يقولون: لا يتكلم بصوت ولا حرف، وإنما هو كلام نفساني، أي: أن الكلام يدور في نفس الله ﷿، مثل السر تمامًا حينما يحيك في صدرك، ثم إن الله ﷿ يطلع جبريل ﵇ على هذا الكلام النفساني فيعرفه جبريل، فإذا عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإذا عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وإذا عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وهذا يعني في نهاية الأمر أن القرآن هذا كلام جبريل، وليس بكلام الله ﷿! أرأيتم خطورة هذا المصطلح، ففي نهاية الأمر أن الله تعالى لا يتكلم، لكنه يدور في نفسه الشيء فيطلع عليه جبريل، ثم يعبر عنه جبريل من عند نفسه؛ لأن جبريل له شأن كبير، فهو يعرف كل اللغات، فإذا عبر بالعبرانية فهو التوراة، وإذا عبر بالسريانية فهو إنجيل، وإذا عبر بالعربية فهو قرآن.
وفي نهاية الأمر هذه الكتب السماوية من كلام جبريل لا من كلام الله ﷿! والصواب: أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت، ويتكلم بما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، وأن كلام الله ﵎ لا ينفد ولا يفنى.
وأما أهل الباطل فإنهم يعتقدون أن الله تعالى لا يتكلم بحرف ولا صوت، وإنما له كلام نفساني.
وكذلك مصطلح: البداء، فإنك تجد بعض الفرق تجوُّز على الله البداء، أي: أن الله ﵎ يقول الشيء، ويأمر بالشيء، وينهى عن الشيء، ثم يعرض له ما كان جاهلًا به فيرجع عن أمره وينهى، فبعد أن نهى وهو يعلم أن هذا النهي فيه مصلحة للناس يبدو له بعد ذلك أن هذا النهي ليس فيه مصلحة للناس، بل فيه مفسدة، فيرجع عن نهيه، أي: أنه يفعل الشيء ثم يبدو له خلاف ما كان عليه في الأول، وهذا اتهام لله ﷿ بأنه ليس عظيمًا ولا قديرًا ولا حكيمًا.
والذين جوزوا البداء على الله ﷿ هم من الفرق الضالة وليسوا من أهل السنة، ولا علاقة للنسخ ألبتة بالبداء، والنسخ محل نزاع بين أهل السنة، فمنهم من يقول به، ومنهم من لا يقول به، لكن الذي يقول به ليس من باب البداء على الإطلاق، وإنما هو باب آخر.
والبدائية لقبوا بذلك لأنهم جوزوا البداء على الله تعالى.
[ ١١ / ١١ ]
فرقة النصيرية من الشيعة ومعتقداتها
[ومنها: النصيرية والإسحاقية، وهم موجودون في بلاد المسلمين، وأقول هذا الكلام لأن هناك فرقًا معاصرة موجودة، فإن كانت ليست موجودة عندك فهي عند غيرك، وأنت تذهب لغيرك وغيرك يأتي إليك، ثم أليس في بلادنا شيعة؟! عندما كنت في السنة الثالثة في الجامعة كان لي أصحاب شيعة، إلى أن قامت ثورة الخميني الإسلامية، وفي أثناء الثورة وقع تحت يدي كتاب: الحكومة الإسلامية للخميني، وهو مجلد صغير، فقرأته فوجدت نصفه كفرًا، فعلمت أن هذا الرجل كذاب، وأنه مجرم أفاك، وأن هذه الثورة ليست ثورة إسلامية، بل هي ثورة شيعية، ومزقته وحذرت منها وأنا في الجامعة، فلما حذرت منها إذا بهؤلاء الأصدقاء الشيعة قد انقلبوا علي رأسًا على عقب، وكانوا قبل هذه الثورة إذا اعترضهم شيء في دينهم استفتوا رجلًا من أهل العلم من أهل السنة، ثم أجدهم يخالفون الفتوى ويعملون بمعكوسها، وهذا مذهب الإمامية، إذ إن الإمامية على خلاف في الأصول والفروع مع أهل السنة، ولذلك استفتي الخميني من قبل طلاب جامعة القاهرة، فقيل له: ماذا نصنع إذا اعترضنا شيء في أمر ديننا أو دنيانا؟ فقال: إذا اعترضكم شيء في أمر دينكم فاسألوا عنه أحد الناصبة، فـ الخميني والاثنا عشرية الإمامية يسمون أهل السنة الناصبة؛ لأننا بزعمهم ناصبنا عليًا العداء، ونحن في الحقيقة نحب عليًا ﵁، لكن بغير إفراط ولا تفريط.
فقال: إذا اعترضكم شيء في أمر دينكم فاسألوا عنه أحد الناصبة -أي: أحد أهل السنة- ثم اعملوا بخلاف قوله! إنه حقد دفين، هذا الخميني الذي كان يمدحه ويثني عليه الكثير هنا في مصر، بل إن أعظم محافظة فتنت بـ الخميني هي المنصورة؛ إذ إنها أكثر محافظة فيها شيعة بعد القاهرة، وأنتم تعلمون أن أئمة التشيع في مصر وجودهم في المنصورة بعد وجودهم في القاهرة، لكن ليس لهم انتشار في المنصورة كما هو انتشارهم في القاهرة.
والنصيرية موجودة في سوريا، والزيدية وجودهم في منطقة من اليمن، والاثنا عشرية وجودهم الأول في إيران، ثم في العراق، والعجيب أن الزيدية والاثنا عشرية انتشروا انتشارًا عظيمًا جدًا في جنوب الحجاز، أي: في جنوب المملكة العربية السعودية، وأصبح لهم قوة وصولة وجولة لا يقف أمامها ملك البلاد ولا غيره.
كما لابد أن تعلموا أن الأسرة الحاكمة منذ قديم الزمان في سوريا نصيرية، وحافظ الأسد أنا أعتقد أنه لا علاقة له لا بالنصيرية، ولا بالنصرانية، ولا باليهودية، ولا بالإسلامية، فهو كغيره من الناس لا علاقة له بهذا كله، لكن أنا أقصد بالنصيرية هناك في سوريا في الشام، وحافظ الأسد ينسب إليها شاء أم أبى، وكذلك ولده الذي يحكم البلاد الآن هو نصيري.
فانظر إلى عقيدة هؤلاء فقد قالوا: إن الله تعالى تجلى في علي، فإن ظهور الروحاني في جسد جثماني أمر لا ينكر، وهذه العقيدة هي التي سماها الصوفية: عقيدة الحلول والاتحاد، أي: أن روح الإله حالة في روح فلان، أو حلت في فلان حتى صار فلان هو الإله، والإله هو فلان، وهذا هو الاتحاد، فصار كل منهما يدل على الآخر.
أما في جانب الخير فكظهور جبريل في صورة البشر، وأما في جانب الشر فكظهور الشيطان في صورة الإنسان.
ثم قالوا: لما كان علي وأولاده أفضل من غيرهم، وكانوا مؤيدين بتأييدات متعلقة بباطن الأسرار قلنا: ظهر الحق ﷾ في صورتهم، ونطق بلسانهم، وأخذ بأيديهم.
إذًا: فـ ابن حافظ الأسد عُين ملكًا أو رئيسًا على هذه البلاد؛ لأن النصيرية يعتقدون أن روح الإله تحل في هذا الغلام؛ إذ إنه مؤيد بتأييدات السماء وبتأييدات الأرض.
وعليه فالذي اختاره عليهم هو الإله؛ لأن هذا معتقدهم، ومن هاهنا أطلقوا الآلهة على الأئمة، فهم يقولون: إذا حلت روح الإله في الإمام؛ مع اتحاد الإله والإمام باتحاد الروح فيهما؛ فلا بأس أن يكون الإمام إلهًا، ولذلك يقولون: من هاهنا أطلقنا الآلهة على الأئمة، ألا ترى أن النبي ﷺ قاتل المشركين؛ لأن هؤلاء شركهم ظاهر لا خفاء فيه، بل كانوا ينصبون له العداء، وأما المنافقون فإنهم أظهروا الإسلام، وشاركوا المسلمين في الأعمال الظاهرة، لكن عليًا عرفهم فقاتلهم فقتلهم، وهذا يدل على أن عليًا إله؛ لأنه يعلم السر وهو النفاق، وأما محمد فإنه ليس كذلك، بل عمل بالظاهر، فقالوا: إن محمدًا حارب المشركين لظهور شركهم، وما استطاع أن يحارب المنافقين؛ لأنه لم يعلم النفاق فيهم، مع أن الله تعالى قد أطلعه على المنافقين بأسمائهم وأعيانهم وذواتهم، لكنهم ينكرون هذا كله.
وأن عليًا قاتل المنافقين؛ لأنه عرفهم، وهذا يدل على أنه قد حلت فيه روح الإله، ولذلك يقولون: إن النبي ﵊ يعلم الظاهر والله تعالى يتولى السرائر، ويقولون: إن عليًا يعلم السرائر.
فلا يعقل أن هذه
[ ١١ / ١٢ ]
فرقة الإسماعيلية من الشيعة ومعتقداتها
[ومنها: الإسماعيلية، ولقبوا بذلك لإثباتهم الإمامة لـ إسماعيل بن جعفر الصادق، وهو أكبر أبناء جعفر الصادق، وقيل: لانتساب زعيمهم إلى محمد بن إسماعيل، وهؤلاء لقبوا بألقاب أخرى:
[ ١١ / ١٣ ]
من ألقاب الإسماعيلية: الباطنية
[منها: الباطنية، وحي الباطنية في القاهرة، وحي الإسماعيلية موجودان إلى اليوم، وأنتم تعملون أن الإسماعيلية والباطنية والفاطمية يسكنون الحي إلى يومنا هذا، ولهم أحياء تحفهم ومساجد تأويهم، ولا يأذنون لأحد قط من أهل السنة أو من غيرهم أن يدخل هذه المساجد إلا هم، ولابد أن يتدين بدينهم، ولذلك حينما تذهب إلى حي هؤلاء الإسماعيلية لا يأذنون لك بالدخول إلا إذا كنت رجلًا منهم، وهؤلاء كاليهود تمامًا، فقد اشتروا الدور والمحلات والشوارع والطرقات بأغلى الأثمان؛ حتى تكون لهم دولة واحدة، وهكذا أخذوا بهذه الطريقة ثمان حارات، وهدوا ست عشرة عمارة وبنوها كنيسة! والباطنية لقبوا بذلك لأنهم يعتقدون أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وأن المراد باطنه لا ظاهره، وأن العمل بالظاهر يؤدي إلى ترك العمل بالباطن، وهو المراد، ويحتجون في ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]، مع أن الآية حجة عليهم وليست لهم.
[ ١١ / ١٤ ]
من ألقاب الإسماعيلية: الحرامية
وكذلك يسمون بالحرامية؛ نسبة إلى إباحتهم المحارم والمحرمات، أي: أن الواحد منهم قد يقع على أي امرأة شاء سواء كانت من محارمه، أو ليست من محارمه بشكل عام، وكذلك إباحتهم المحرمات: من القتل، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، وكل هذا عندهم حلال، ولذلك سموا بالحرامية.
[ ١١ / ١٥ ]
من ألقاب الإسماعيلية: السبعية
وسموا كذلك بالسبعية؛ لأنهم زعموا أن النطقاء بالشرائع سبعة أشخاص من الأنبياء، وهم: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، ومحمد المهدي هو سابع النطقاء، أي: أن محمدًا المهدي عندهم نبي من الأنبياء؛ لأنه ناطق بالشريعة، وبين كل اثنين من النطقاء سبعة أئمة يتممون شريعة النبي السابق، ولابد لكل عصر من سبعة بهم يهتدى في الدين.
[ ١١ / ١٦ ]
مراتب الأئمة السبعة عند الشيعة الإسماعيلية
وهم متفاوتون في الرتب -وانتبه إلى قوله: متفاوتون في الرتب- فالإمام يؤدي عن الله تعالى، وهو غاية الأدلة إلى دين الله تعالى، فأحسن من يدلك على الله هو الإمام.
ثم بعد الإمام: الحجة، وانتبه إلى هذا الترتيب؛ حتى تعلم من أين أتى الإيرانيون بهذه الألقاب! فالشيعة قالوا: إن الخميني حجة -وهذا هو دينهم- وهو يؤدي عن الإمام؛ لأن الخميني اثنا عشري، وهو من أكابر علماء الشيعة بشهادة الألباني، وهذا من باب العدل في إثبات العلم له، لكن هل هو مجتهد؟ هذه قضية أخرى، فالثناء عن الرجل هو في باب واحد توغل فيه وهو علم الشيعة، أو علم التشيع.
وعلى أي حال فالحجة يكون بعد الإمام، وهو يؤدي عن الإمام، ولذلك نحن نعلم الآن أن الشيعة دائمًا لهم إمام، وهم يحفظون إمامهم، وهو محمد بن الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء وعنده من العمر أربع سنوات، وهذا هو الإمام الثاني عشر؛ لأنهم يتبعون الأئمة الاثني عشرية، وآخر الأئمة عندهم هو محمد بن الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء بالعراق، وينتظرونه يومًا في كل عام بالخيل والطبول والزينة والبهرج وغير ذلك.
وإيران تعتقد أن الاتصال قائم بين الحجة -أي: الخميني - والإمام، فـ الخميني كان يؤدي عن الإمام.
وهم يقولون: صلاة الجمعة لا تجوز إلا خلف الحجة؛ لأنه يؤدي عن الإمام؛ لأن أصل المعتقد عندهم أن الجمعة تسقط عن الشيعي في غيبة الإمام، لكن إذا أدى عنه الحجة فلا بأس، وقبل هذا الحجة كان هناك كلب من الكلاب موجود اسمه: شاه إيران، وهو فعلًا شاة، حتى إن الشاة أنظف منه؛ لأن الشاة تؤكل وتحلب ويشرب لبنها، وأما هذا فكان مجرمًا، وكان قبل وجود الخميني، والخميني كان مبعدًا في فرنسا، وكان القائم على أمر الشيعة عمومًا في إيران: شاه إيران، وهو لا يؤمن بالإمامة ولا بالحجة، بل لا يعرف أين يقف في الصف ليصلي.
ومصر بلد بابها وصدرها واسع ورحب، وهي ترحب بكل من يأتي إليها، ففيها الشيعي والشيوعي والملحد، يعني: فيها كل شيء، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولذلك فمصر سوف تظل على ثغر إلى يوم القيامة، أعني موحدي مصر سيظلون على ثغر إلى يوم القيامة، وموقفهم هو الصمود أمام الباطل إلى قيام الساعة، فهذه منطقة حساسة جدًا، ولذلك الطمع فيها بالليل والنهار، وأنت الوحيد الذي تعمل غصة في حلقهم، وكل ملل الكفر والإلحاد والزندقة ممكن أن يضعوا أيديهم في أيدي أي شخص، إلا أنت فلا تضع يدك إلا في يد من هو على شاكلتك، ولذلك أنت تسبب إزعاجًا كبيرًا جدًا، فمرة يسمونك بالمتطرف، ومرة يسمونك بالإرهابي، ومرة يسمونك بالأصولي، ومرة يقولون: إنك تريد أن تصل إلى السياسة وإلى السلطة، وأن تحكم البلد، وتريد، وتريد، وكل هذا وهم يعلمون ويفهمون جدًا أنك في أول أمرك وآخره صاحب الشأن، وهم أعلم الناس بشأن هذه الدعوة.
فالحجة يؤدى عن الإمام، ويحمل علمه، ويحتج به.
الثالث من مراتبهم: ذو مطة، مط مطة من العلم، أي: من علم الحجة.
الرابع: داع أكبر، وهو يرفع درجات المؤمنين! مع أنه في الحقيقة لا يرفع الدرجات إلا الله ﷿.
الخامس: داع مأذون، أي: مأذون له في التصرف، فيأخذ العهود على المخالفين من أهل الظاهر، وقد قلت: إنهم يهتمون بالباطن؛ لأن الباطن هو المراد، وأما الظاهر في القرآن فغير مراد، وهذا يعني أن أهل الظاهر مخالفون لهم، فالداعي الآخر مهمته هي: أنه يأخذ العهود والمواثيق على أهل الظاهر المخالفين ليدخلهم في خدمة الإمام، أي: أن هذا دوره أن يعمل معك عهدًا وميثاقًا.
والعهود والمواثيق كثيرة جدًا في هذا الزمان، وأنا أتوقع أن العقود والمواثيق الآن يمكن أن تباع في السوبر ماركت خاصة عند الصوفية، وقد يأتي الواحد منهم فيقول لك: يا شيخ! أنا أعمل كيت وكيت، فتقول: هذا لا يجوز، فيقول لك: أنا لا أستطيع أن أرجع، فقد عاهدت، فتقول له: هل قال لك: المكان الفلاني لا تذهب إليه؟ هذا كذب، فيقول: أنا لو تركته فسيهلك أولادي وامرأتي وأبي وأمي، أرأيت إلى أين أوصله هذا؟! يعني: ما هو إلا خرقة في أيديهم يتصرفون فيه كيف شاءوا، وفي مثل هذه الحالات قد يستخدمون الجن، والسحر، والشعوذة وغير ذلك.
السادس: مكلب، وهو يستاهل هذا اللقب، وهو من ارتفعت درجته في الدين لكن لم يؤذن له في الدعوة، بل في الاحتجاج على الناس، فهو يحتج ويرغب إلى الداعي ككلب الصيد.
بمعنى: أنه لم يؤذن له في الدعوة العامة، بل يؤذن له في أنه يصطاد واحدًا أو اثنين أو ثلاثة فيوصلهم إلى الإمام أو الشيخ، وهذه الألقاب لها سحر في القلوب، فلدى هذا الإمام والخليفة الراشد ألقاب كبيرة جدًا، فحينما يسمعها الشخص يقول لك: إلى أين أذهب؟ فيقوم بأخذه ويذهب به إلى المأذون وهو الداعي، والذي سوف يقرأ عليه العهود والمواثيق، وبعد ذلك يسلمه إلى الذي فوقه، وهذا يسلمه إلى الذي فوقه وهكذا، فيكون عندهم درجات وترتي
[ ١١ / ١٧ ]
من ألقاب الإسماعيلية: البابكية
ومن الألقاب المرادفة للإسماعيلية بعد الباطنية، والحرامية، والسبعية: البابكية، وهم أتباع بابك الخرمي.
[ ١١ / ١٨ ]
من ألقاب الإسماعيلية: المحمرة
ومنها كذلك: المحمرة؛ للبسهم الأحمر في أيام بابك، أو لتسمية المخالفين لهم حميرًا.
[ ١١ / ١٩ ]
من ألقاب الإسماعيلية: القرامطة
وكذلك: القرامطة؛ لأن أول من دعا الناس إلى مذاهبهم رجل يقال له: حمدان قرمط، أو حمدان قرمطة، وهي إحدى قرى واسط بالعراق، وأصل دعوتهم إبطال الشرائع؛ لأن الغيارية -وهم طائفة من المجوس- راموا عند شوكة الإسلام تأويل الشرائع على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم؛ وذلك أنهم اجتمعوا وتذكروا ما كان عليه أسلافهم من الملك، وقالوا: لا سبيل لنا إلى دفع المسلمين بالسيف؛ لغلبتهم واستيلائهم على الممالك.
وهذا نفس الذي يصنعه اليهود الآن، حيث أيقنوا بأنه لا يمكن غلبة المسلمين بالسيف، وأن مواجهة المسلمين بالسيف سيجعل القاصي والداني يدافع عن دينه وعرضه ووطنه، فراموا إلى تغيير الشرائع عند ذلك، فغيروا وبدلوا دين المسلمين على أيدي أبناء لهم في بلاد المسلمين لا على أيديهم هم، وهذا وضع طبيعي جدًا، ولذلك فما أشبه اليوم بالبارحة.
فقالوا: لكننا نحتال بتأويل شرائعهم إلى ما يعود إلى قواعدنا، ونستدرج به الضعفاء منهم.
ولذلك لا يمكن قط أن يدعوا العلماء، أي: لا يمكن لأي فرقة ضالة أن تدعو عالمًا إلى دعوتها وإلى مذهبها، ودائمًا تجد في أصول المبتدعة أنهم لا يدخلون بيتًا فيه سراج، ويقصدون بالسراج: العالم، وهذا أمر مشهور عند جماعة التبليغ، واسمحوا لي أن أفصح عن هذا.
فجماعة التبليغ يقولون: لا ندخل بيتًا فيه سراج، وإذا أتيت إلى جماعة التبليغ لوجدت أن من تعاليم الزعيم الأول الذي أسس هذه الجماعة وهو الكاندهلوي أنه يحذر أتباعه من أن يدخلوا بيتًا فيه سراج، ويقصد بالسراج: العالم؛ لأن العالم عنده من الحجج ما يستطيع بها أن يرد عليهم، وأن يثبت أن ما هم عليه ضلال.
فكذلك هؤلاء إنما يدعون الضعفاء، وهذا يوجب اختلافهم واضطراب كلمتهم، ورئيسهم في ذلك هو حمدان قرمط، ولهم في الدعوة مراتب، ولابد أن تدرك أن الذي بلغ مبلغًا عظيمًا في الباطل لم يبلغه في يوم وليلة، وإنما تدرج في هذا الباطل درجة بعد أخرى، وسلمًا بعد آخر، وفي كل درجة يمكث فترة من الزمان كفيلة باستمرار هذه الدرجة، ثم الإيمان بهذه الدرجة، أي: أن يصدق بما هو عليه، وإذا كان يعلم من قبل أنه باطل لكن بمكثه على الباطل فترة من الزمان يألفه، فإذا ألفه صدقه، وإذا صدقه دافع عنه، وإذا دافع عنه دعا إليه بعد ذلك.
ولذلك الباطل لا يمكن أن يستقر في القلب بين يوم وليلة، بل لابد من المكوث عليه فترة طويلة من الزمان؛ حتى يتأهل صاحبه إلى الدعوة إلى هذا الباطل.
[ ١١ / ٢٠ ]
مراحل الدعوة عند القرامطة
فالقرامطة -وإن شئت فقل: الباطنية والإسماعيلية- لهم في دعوتهم مراحل: المرحلة الأولى: مرتبة الرزق، وهو تفرغ حال المدعو من جهة حاجته إلى الدنيا، وهذه طريق للنصارى الآن يستخدمونه خاصة في دعوتهم، فيذهبون إلى كثير من الشعوب وهم يعلمون أن هذه الشعوب مطحونة جوعًا، في الوقت الذي تلقى فيه المواد الغذائية والسلع وغيرها في المحيطات والبحار، وتترك هذه الشعوب الجائعة فريسة في أيدي النصارى، فإذا طلبت هذه الشعوب -تحت وطأة الجوع- طعامًا وشرابًا ذهب القساوسة وذهب النصارى إلى هناك، وبينوا بعد ذلك محاسن الدين النصراني، ومحاسن الشريعة النصرانية، وإثبات أن عيسى نبي الله ورحمة الله، أو رحمة السماء إلى الناس وغير ذلك، ثم يقدمون لهم الطعام والشراب باسم المسيح، أو باسم مريم أو يسوع أو غير ذلك، مع جهل هؤلاء المطبق في دين الله ﷿، فانظر إلى الجهل ويجمع إليه الجوع! ويجمع إليه تقصير المسلمين في حق إخوانهم في جنوب أفريقيا، ويجمع في مقابله دعوة علماء النصرانية إلى دين النصرانية! وقد بلغني بأنه وجد في إحدى البلدان العربية أن قسيسًا مد رغيفًا إلى رجل فلما أراد هذا الرجل أن يتناوله قال له: أتؤمن بعيسى؟ قال: نعم، قال: أتؤمن بمحمد؟ قال: نعم، قال: ليس الرغيف لك، يجب أن تقول: الإيمان بعيسى، والكفر بمحمد ﵊ في مقابل رغيف! وحتى في مصر يذهبون إلى بيوت الفقراء؛ فيقدمون لهم المساعدات والمعونات وغير ذلك.
المرحلة الثانية: ما يطلقون عليها بالأرض السبخة، أي: دعوة من ليس أهلًا لها، أي: أرض ميتة.
المرحلة الثالثة: مرحلة التأنيس، أي: استمالة كل واحد من المدعوين بما يميل إليه هواه وطبعه من رقص وخلاعة وغيرها، فإن كان يميل إلى الزهد زينوه في عينه وقبحوا نقيضه، وإن كان يميل إلى الخلاعة زينوها وقبحوا نقيضها؛ حتى يحصل له الأنس بهم، فإذا كان يشرب خمرًا قالوا له: تعال إلى المسجد وكأس الخمر معك، وادخل المسجد بزجاجة الخمر.
ولذلك كتب بعض أهل العلم: أن مما يثبت أن الدخان حرام عند العامة: أن أحدهم لا يجرؤ أن يدخن في المسجد، ولو كان حلالًا زلالًا فما الذي يمنعه من أن يدخن في المسجد؟ وهذا قد يجده على زنا ولا يقول له: الزنا حرام، بل يقول له: عليك أن تفعل هذا على سطح المسجد، إي والله! لذا فالمهم عنده أنه يلم ويجمع، وليس من المهم التربية والتعليم، وغير مهم بناء الشخصية العلمية القوية التي تزلزل الجبال، لكن المهم بدل أن يكونوا اثنين أن يكونوا ألفًا، لكن هؤلاء الألف لا يثبتون عند أول صيحة.
المرحلة الرابعة: التشكيك في أركان الشريعة، فيقول له: ما قيمة هذا الكلام «الم» «الر» «عسق»؟ لا يمكن أن يكون دينًا ولا قرآنًا، ولا يمكن أن يكون هذا كلام ربنا ﷿! والمدعو جاهل من الأصل فيصدق هذا الكلام، بل ويزيده تشكيكًا في دينه فيقول له: لم وجب قضاء صوم الحائض دون قضاء صلاتها؟ ولم وجب الغسل من المني دون البول مع أنهما يخرجان من سبيل واحد؟ ولم كان عدد الركعات بعضها أربعًا وبعضها ثلاثًا وبعضها اثنتين؟ إلى غير ذلك من الأمور التعبدية، فيشككونهم في هذه الأشياء، ويطوون الجواب عنهم؛ لتتعلق قلوبهم بمراجعتهم إياهم فيها، فيذهبون إليه ويقولون له: إذًا ما هو السبب؟ فيقول له: ليس هذا وقته، فلا يزال أمامك وقت، فانظر إلى هذا الكلام الفارغ! وربما يقول له: هذه المسألة كبيرة عليك! مع أنكم تعلمون أن البدوي كان يأتي من البادية وليس هناك رزق ولا تشكيك ولا تأنيس، فيدخل بجرأة على النبي ﵊ فيقول له: أين محمد؟ فيقول له: أنا محمد، فيقول له: أنا أريد أن أسألك عن كيت وكيت وكيت، والنبي ﵊ يجيبه بكلام مفهوم وواضح، ثم لا يستفسر منه عن شيء، وإنما يأخذ هذا الكلام ويذهب إلى قومه فيدعوهم بهذه الكلمات البسيطات.
لكن كلام هؤلاء الناس كلام فارغ، وقد استفادت منه جميع الطوائف والفرق حتى في العمل، فحينما تريد أن تذهب لتقابل رئيس مجلس إدارة أخرى فأول شيء تقابل الزبال، والزبال يعرف منك قضيتك من أولها إلى آخرها، فتقول له: أتيت إلى رئيس مجلس الإدارة في موضوع شخصي، وأنا صاحبه وأعرفه، فيقول لك: أنا آسف، أنت صاحبه، لكن هذا أيضًا للمصلحة، ثم يرفع الزبال قضيتك إلى رئيس الزبالين، ورئيس الزبالين يرفعها لعامل المطعم، وعامل المطعم يرفعها للسكرتير الأول، وبعد ذلك الثاني والثالث والرابع والنائب والذي فوق النائب، إلى أن تقول: حقيقة أنا أستقيل من هذه المصلحة، وقد قاربت أن تصل، لكنك قلت ذلك من الملل الذي أصابك.
وانظروا إلى الرجل الذي أتى فربط حماره بباب المسجد النبوي ودخل، وقبل أن يسلم أو يتكلم تنحى في المسجد وبال فيه، وبعد أن بال قال: أين محمد؟ قال: أنا، فقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فهل مر هذا بمراحل؟ لم يمر على عمر أولًا، وعمر سلمه إلى أبي بكر، وأبو بكر يسلمه إلى النبي ﷺ،
[ ١١ / ٢١ ]
معاني المصطلحات الشرعية عند القرامطة
وحين يصلون إلى مرتبة اليقين يأخذون بالإباحة، والحث على التحلل من الدين، وتأويل الشرائع، فيقولون: الوضوء هذا عبارة عن موالاة الإمام! ولا ينكر النصوص الواردة في الكتاب والسنة؛ لأنه لا يستطيع ذلك، لكن يؤولها ويصرفها عن معناها المراد، ويقول لك أيضًا: التيمم عبارة عن الأخذ من المأذون عند غيبة الإمام الذي هو الحجة.
والصلاة: عبارة عن الناطق الذي هو الرسول ﵊؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فيقول: الصلاة التي نصليها تتكلم! فتقول له: لا، فيقول لك: هنا نص على أن الصلاة تتكلم؛ لأنها تنهى، والذي ينهى هو الرسول، إذًا فالصلاة هي الرسول ﷺ، «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»، أي: إن الرسول ينهى عن الفحشاء والمنكر.
والاحتلام: عبارة عن إفشاء سر من أسرارهم إلى من ليس من أهله، بغير قصد منه.
والغسل: عبارة عن تجديد العهد، أي: يكتب عهدًا جديدًا وعقدًا جديدًا.
والزكاة: عبارة عن تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه من الدين.
والكعبة: عبارة عن النبي ﵊.
والباب: عبارة عن علي.
والصفا: هو النبي، والمروة: هو علي.
والميقات: هو الإيناس، أي: الأنس.
والتلبية: إجابة المدعو.
والطواف بالبيت سبعًا: هو موالاة أئمتهم السبعة، وآخرهم محمد المهدي.
والجنة: هي راحة الأبدان عن التكاليف، أي: من الصلاة والصوم والزكاة.
والنار: مشقتها، أي: مشقة التكاليف.
[ ١١ / ٢٢ ]