مجوس هذه الأمة هم القدرية؛ لأنهم زعموا أن الله خلق الخير ولم يخلق الشر، وقدر الخير ولم يقدر الشر، وقد شابهوا المجوس في قولهم بثانوية الإله: إله الخير وإله الشر، وقد أنكر الصحابة والتابعون وسلف الأمة عليهم أشد الإنكار، وردوا عليهم وكفروهم، وآثارهم في ذلك كثيرة.
[ ٥٥ / ١ ]
ما روي في المكذبين بالقدر
[ ٥٥ / ٢ ]
القدرية مجوس هذه الأمة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما روي في المكذبين بالقدر: عن ابن عمر ﵄ قال: جاءه رجل فسأله عن القدر، فقال: من هؤلاء القدرية؟ قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (هم مجوس هذه الأمة)].
هذا الحديث روي من طرق متعددة عن ابن عمر، ورواه غير ابن عمر جمع من الصحابة ﵃، وفي كل طريق من هذه الطرق راوٍ كذاب، أو متروك، أو ضعيف، أو ضعيف جدًا، وبالتالي اختلفت كلمة المحدثين في إثبات هذا الحديث من عدمه، فبعضهم يرى أن مجموع هذه الطرق والشواهد يرتقي بها الحديث إلى درجة الحسن أو الصحيح، وبعضهم يقول: لا يزيد الحديث بذلك إلا ضعفًا.
[وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون: لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)، وفي رواية: (وإن ماتوا فلا تشيعوهم، ولا تناكحوهم)] أي: لا تنكحوا إليهم ولا منهم.
[وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله ﷿ أن يلحقهم بـ الدجال).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية، لا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا)، وفي رواية: (وإن ماتوا فلا تشيعوهم).
وعن ابن عمر قال: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر)]، وغير ذلك من الروايات التي تثبت أن القدرية هم مجوس هذه الأمة.
[وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في أمتي مسخ، وذلك في القدرية والزنديقية)].
والزنديقية: من الزندقة وهي النفاق، والزنديق هو المنافق.
[وعن محمد بن أيوب المكي قال: سمعت عبد الله بن عباس ﵄ لما ذكر عنده القدرية يقول: هذا أول شرك هذه الأمة] يعني: أول شرك وقع في الأمة هو قول الذين يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، وكان أول ظهورهم في البصرة.
قال: [ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كأني بنسائهم يطفن حول ذي الخلصة)].
يعني: كأني بنساء القدرية الذين يقولون: لا قدر؛ يطفن حول ذي الخلصة، وذو الخلصة كما في كتاب النهاية لـ ابن الأثير بيت كان فيه صنم لدوس باليمن يسمى: الخلَصَة بفتحات، أراد لا تقوم الساعة حتى ترجع دوس عن الإسلام، وذلك قبل يوم القيامة، فلا تقوم الساعة حتى ترتد دوس على أعقابها وتشرك بالله ﷿، فتطوف النساء بذي الخلصة، وتضطرب أعجازهن وألياتهن كما كن يفعلن بالجاهلية.
[فقال النبي ﵊: (كأني بنسائهم يطفن حول ذي الخلصة، تصطك ألياتهن مشركات -أو ألياهن-، والذي نفسي بيده لا ينتهي سوء رأيهم -أي: لا يذهب سوء رأيهم فيما يتعلق بمسألة القدر- حتى يخرجوا الله من أن يقدر الخير كما أخرجوه من أن يقدر الشر)].
لأن بعض فرق القدرية قالت: إن الله تعالى خلق الخير ولم يخلق الشر، وقدر الخير ولم يقدر الشر، وشاء الخير ولم يشأ الشر، فشابهوا تمامًا المجوس الذين قالوا: بثنائية الإله، إله الخير وإله الشر، إله الظلمة وإله النور، فسماهم النبي ﵊ مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس قالوا بأن للعالم إلهين: إله للخير وإله للشر، إله للظلمة وإله للنور، وكذلك كادت القدرية أن تقول: لهذا الكون كذلك إلهان: إله للخير وإله للشر، وذلك بقولهم: إن الله شاء الخير ولم يشأ الشر، قدر الخير ولم يقدر الشر، فإذا كان الشر مخلوقًا وموجودًا في واقع الناس وفي هذه الحياة فلا بد أن يكون له خالق، فإذا كنتم تقولون: إن الشر لم يخلقه الله فلا بد أن يكون لهذا الشر خالق غير الله، وهذا باب عظيم من أبواب مشابهة القدرية للمجوس؛ لأنهم قالوا بثانوية الإله.
إذًا: قوله ﵊: (القدرية مجوس هذه الأمة) علة ذلك أن المجوس يقولون بثانوية الإله، وأن القدرية كادوا أن يقولوا بثانوية الإله، لأنهم قالوا: إن الله قدر الخير ولم يقدر الشر، والشر مخلوق فلا بد له من خالق، وإلا فك
[ ٥٥ / ٣ ]
حكم من أنكر مرتبتي العلم والكتابة من القدر
والمكذب بالقدر إذا كان من الغلاة، وكان من علماء القدرية فإنه يكفر بهذا خاصة إذا أنكر مرتبة العلم والكتابة، فإن من أنكر مرتبة العلم الأزلي لله ﷿، وأن الله لم يكتب ذلك في اللوح المحفوظ فقد كفر بذلك، وأما من أنكر المرتبتين التاليتين وهما: مرتبة الإرادة ومرتبة الخلق ففيه نزاع كبير جدًا بين أهل العلم في تكفيره؛ خلافًا للمرتبتين السابقتين: العلم والكتابة فقد اتفقت كلمة الأمة على تكفير من أنكرهما؛ لأنه ينفي العلم عن الله ﷿، ويصفه بالجهل، وأن الله تعالى لا يعلم الأمر إلا بعد أن يقع، وأنه لا قدر، وأن الأمر أنف كما ذكرنا مرارًا من قبل.
فقوله: (لا يدخل الجنة مكذب بالقدر) هذا التكذيب إن حصل في المرتبة الأولى والثانية فالكلام على إطلاقه، وأنه كافر بالله العظيم مخلد في نار جهنم مع الكافرين، وإذا كان هذا التكذيب منصب على المرتبة الثالثة والرابعة ففيه نزاع مشهور معروف لأهل العلم ذكرناه مرارًا من قبل.
فمن كان مستحلًا لهذا العقوق مع قيام الحجة بالدليل عليه، فيسب ويضرب والديه، فإذا قيل له هذا حرام، قال: ليس بحرام، وإذا تلونا عليه آيات وأحاديث تبين حرمة العقوق وأنها كبيرة من الكبائر أنكرها وجحدها؛ فقد كفر بالله ﷿، وكذلك إذا كان يشرب الخمر ويجحد حرمة ذلك مع قيام الحجة عليه: باجتماع الشروط، وانتفاء الموانع؛ فلا شك أنه يكفر بالله ﷿.
[ ٥٥ / ٤ ]
حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والخوارج والمعتزلة
وظاهر الحديث أنه لا يدخل الجنة لأول وهلة مع الداخلين الأوائل: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمكذب بالقدر، فيكون معنى قوله ﵊: (لا يدخل الجنة) أي: لا يدخل الجنة أولًا، والخوارج والمعتزلة أجروا هذه النصوص على ظاهرها فقالوا: لا يدخل الجنة، أي: لا يدخلها أبدًا بل يخلد في النار؛ لأن الخوارج يكفرون صاحب الكبيرة، بل غلاة الخوارج يكفرون بالصغائر، وأنتم تعلمون أن الكبائر إن أقيم على صاحبها الحد فهو كفارته؛ لقوله ﷺ: (الحدود كفارة لأهلها)، فمن أقيم عليه الحد في أمر قد استوجب الحد فالحد ينفي عنه ما كان منه، وإذا تاب إلى الله ﷿ تاب الله تعالى عليه، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، وإذا مات مصرًا عليها غير مستحل لها فهو في مشيئة الله ﷿: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، هذا حكم الكبيرة عند أهل السنة والجماعة.
وأما الخوارج فقالوا: مرتكب الكبيرة يخرج من الملة ويكفر بكبيرته، ويخلد في النار مع المخلدين.
والمعتزلة قالوا: ليس مؤمنًا ولا كافرًا، هذا حكمه في الدنيا، وأما حكمه في الآخرة فهو مخلد في النار مع المخلدين، وهذا كلام لا دليل له؛ لأنه لا يخلد في النار إلا الكافر الأصلي والمنافق؛ لأنه عند الله كافر، ولكنه تجرى عليه أحكام الإسلام في الدنيا لإظهاره شعائر الإسلام، ونطقه بكلمة التوحيد، وأما هو في حقيقة الأمر فقد أبطن الكفر، والله تعالى مطلع على باطنه، فهو عند الله كافر مخلد في النار مع الكفار، فحينئذ يكون قوله ﵊: (لا يدخل الجنة عاق) أي: لا يدخل الجنة لأول وهلة، وإنما يدخلها بعد أن يطهر في النار، أو يعفو الجبار ﵎.
[ ٥٥ / ٥ ]
انتشار السحر والتنجيم بين المسلمين
[وقال النبي ﷺ: (إنما أتخوف على أمتي ثلاثًا: التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة)].
والتصديق بالنجوم: هو أن تعتقد الأمة في النجوم، وأن تعمل بالسحر والشعوذة، والأمة قد وقعت في هذا، وهو من المهلكات، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات - أي: المهلكات - الشرك بالله ﷿، والسحر)، والأمة فيها كثير من السحرة بل منها ولايات ودول لا تحسن إلا أعمال السحر والتنجيم، واعتمدت على ذلك في كل أقوالها وأفعالها، حتى في تعاملاتها مع الدول المجاورة وغير المجاورة، وحتى مع الدول الكافرة إنما تعتمد على السحر والتنجيم، كبلاد المغرب كلها: المغرب، تونس، الجزائر، ليبيا، فيعتمدون على السحر والتنجيم، وأما زعماء العالم الغربي الكافر والعالم العربي المسلم فغالبًا ما يعتمدون على التنجيم والسحر والشعوذة، ولقد اتخذ كل منهم ساحرًا له، لا يصدر إلا عن أمره، وينبئوه كذبًا بما سيكون في غد، فيتخذ لذلك الحيطة.
وقد قال النبي ﵊: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يدعونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) فبدلًا من أن يستمطروا السماء بالدعاء والعمل الصالح؛ يستمطروها بالنجوم، قال الله ﷿ في الحديث القدسي: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما من قال: مطرنا بنوء كذا فهو مؤمن بالكوكب كافر بي، وأما من قال: مطرنا بفضل الله فقد أصبح مؤمن بي كافرًا بالكوك) فبين الله ﷿ في هذا الحديث أن هذه المسألة متعلقة بالإيمان والكفر، فهي من مسائل الإيمان وليست من مسائل العمل.
قال: (والتكذيب بالقدر)، وقد تكلمنا عنه كثيرًا.
[ ٥٥ / ٦ ]
صلاح الأمة بصلاح علمائها وحكامها
قوله: (وحيف الأئمة) الحيف هو: الظلم، والميل والعدول عن الحق، والأئمة المقصود بهم أئمة الحكم والسلطة، وأئمة العلم، فالأئمة عند الإطلاق في نصوص الشرع يعني بهم أئمة السياسة، أو إمام الدولة وإمارة البلاد، ويعنى بهم كذلك أئمة العلم، فهذان إذا هلكا هلكت بهلاكهما الأمة، وإذا صلحا صلحت بصلاحهما الأمة، السلطان والعالم إذا صلحا صلحت بصلاحهما الأمة، وإذا فسدا فسد بفسادهما الأمة، ولقد فسد الكل وأضاعوا الأمة معهما، فلا سلاطين على منهاج النبوة، ولا علماء على منهاج النبوة إلا من رحم الله وقليل بل نادر جدًا ما هم، وهم مبعدون مغضوب عليهم، لا يسمع لهم القول، وحري إذا تكلموا ألا يسمع لهم، وإذا نكحوا ألا ينكحوا، هذا حالهم في هذا الزمان، لكنهم عند الله ﵎ مباركون مقبولون بإذن الله تعالى، فهذا الحديث مخيف إلى أقصى حد لمن كان يخاف الله ﷿.
[وعن ابن محيريز قال النبي ﷺ: (إن أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: حيف الأئمة، وإيمان بالنجوم، والتكذيب بالقدر)].
[ ٥٥ / ٧ ]
الأدلة على إثبات القدر
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاءت مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر -يعني: يجادلونه ويناظرونه فيما يتعلق بالقدر- قال: فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩])].
وهذه آية عظيمة احتج بها جميع الأئمة في إثبات القدر، وأن كل شيء بقدرة الله ﷿، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ [القمر:٤٩] (كل) من ألفاظ العموم، و(شيء): نكرة في سياق الإثبات فتفيد العموم، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ﴾ [القمر:٤٩] فلا خالق إلا الله ﴿بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] أي: بعلم سابق، وبقدرة إلهية على الخلق، فكل شيء في الكون بقدر الله ﷿، وهذا يشمل في عمومه الخير والشر، والصالح والطالح.
[وعن محمد بن كعب القرظي أنه قرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩] قال: ما نزلت إلا تعييرًا لأهل القدر] أي: تبكيتًا لهم فيما يزعمون إنكاره ورده.
وكثير من أهل العلم لما سئل عن القدرية قال: صنفان ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية، وقتالهم أحب إلينا من قتال الروم وفارس والديلم.
[ ٥٥ / ٨ ]
تكفير السلف ولعنهم للقدرية الأولى
[وعن عبد الله بن مسعود ﵄ قال: ما كان كفر بعد نبوة إلا كان مفتاحه التكذيب بالقدر]، يعني: أن التكذيب بالقدر رأس الشر، وناقض لرسالات الرسل، ونبوة الأنبياء، وما كان كفرًا بعد نبوة إلا بدأ بالتكذيب بالقدر.
[وعن محمد بن يزيد الرحبي قال: قلت لـ نافع مولى ابن عمر: إن قبلنا -أي: ناحيتنا- قومًا يقولون: إن الله ﷿ لم يقدر الذنوب على أهلها، والناس مخيرون بين الخير والشر، قال: أولئك قوم كفروا بعد إيمانهم].
أي: الذي يقول هذه المقولة يكفر بعد إيمانه.
[وعن نافع قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: ناس يتكلمون بالقدر؟ فقال: أولئك القدريون، وأولئك يصيرون إلى أن يكونوا مجوس هذه الأمة].
وهم الذين يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف، أي: أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها.
وهؤلاء القدرية أناس بلغوا في العلم مبلغًا وشأنًا عظيمًا جدًا، والذين تكلموا في القدر كـ معبد الجهني، وكذلك الجهم بن صفوان من الجهمية وغير واحد من أعلام أهل البدع كانوا في غاية العلم والذكاء والفطنة ولم يكونوا جهالًا، وفرق كبير جدًا بين العلم والهداية، ولذلك فالعلماء يقولون: العلم علمان: علم بالله، وعلم بأحكام الله ﷿، فالعلم بالله على رأسه مخافة الله ﷿، وإجلال الله ﵎ وعبادة الله ﵎، بذل وإخبات وخضوع وخشوع، فهذا هو العلم الذي ينتفع به صاحبه يوم القيامة.
وأما العلم الثاني: فهو العلم بالأحكام الشرعية، وبالحلال والحرام، فمن أهل هذا العلم من جمعوا إلى علمهم العلم الأول، فهؤلاء هم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وهم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، أما عالم بالحلال والحرام يلوي بالحرام لسانه حتى يجعله حلالًا، ويلوي بالحلال لسانه حتى يجعله حرامًا، فإذا كان التوجه العام والسياسة العامة تريد تحريم هذا الشيء فيذهبون ويأتون بأدلة باطلة وموضوعة وغير ذلك لإثبات أن هذا الشيء على هوى السائل، وإذا كان العكس فبالعكس كذلك، كما سئل أحدهم وكان قد سأله كافر فقال: أليس نبيكم قد حرم مصافحة النساء؟ وقد رأيناك تصافح النساء بنفسك، وبعض الناس منكم يقول: إن النبي لم يصافح النساء في بيعة كذا، قال: مصافحة النساء حلال، ولكن النبي ﷺ لم يصافح النساء؛ لأنه كان قادمًا من سفر متعبًا فاعتذر عن مصافحة النساء! أنا أظن أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون قد خطر على بال إبليس، فهذا المفتي ليس له حظ ولا نصيب إلا النار إن لم يتب؛ لأنه يقول على النبي ﵊ ما لم يقله، ويتأول النصوص الشرعية على غير مراد الله ﷿، ومراد رسوله ﷺ؛ ليضل الناس بما عنده من علم، وهو يعلم أن ذلك حرام، ولو طلب منه وكان التوجه العام إثبات حرمة مصافحة النساء، ووجوب لبس النقاب؛ لأتى بأدلة هائلة لإثبات هذا؛ لأنه غاب عنه أن يرضي الله ﷿، وإنما أتى بمهمة عظيمة وهي إرضاء التوجه العام في البلاد الإسلامية، فأنا لا أدري كيف يبيع المرء دينه بعرض من الدنيا قليل لا ينفعه، فهو لا يأكل إلا كما كان يأكل، ولا يلبس إلا كما كان يلبس، ولا ينام إلا كما ينام، وسيترك هذا كله ولا يخرج من دينه ودنياه إلا بالخسران والبوار، فكيف يقدم على ذلك رجل عنده مسكة من عقل، ثم هو قد بلغ من العمر أرذله، فإذا كان يخشى سجن أو تعذيب فإنه ليس من أهل السجن ولا من أهل التعذيب، والناس عندهم نظر لهذا السن، ولا يسمح بذلك، وأقصى ما يقال فيه: إنك قد بلغت السن القانوني فاخرج لا نريدك، وقد قيل لسابقه هذا القول، فعجيب جدًا أن يبيع المرء دينه بفتات من فتات الدنيا، فاللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تثبتنا على إيماننا.
[وعن نافع عن ابن عمر قال: إن لكل أمة مجوسًا، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر.
وعن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع في زمزم -يعني: يأخذ منه بالدلو- قد ابتلت أسافل ثيابه -يعني: أطراف ثيابه من أسفل- فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال ابن عباس: أوقد فعلوها؟! قلت: نعم، فقال: فو الله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩]، أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن أريتني أحدًا منهم فقأت عينه بأصبعي هاتين]، يعني: إن أريتني واحدًا منهم سأفقأ عينيه ولا دية له ولا يقاد مني في ذلك.
[وعن عكرمة بن عمار اليمامي قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يلعن القدرية.
وق
[ ٥٥ / ٩ ]
الطاعة تسلم إلى الطاعة والبدعة والمعصية يسلمان إلى البدعة والمعصية
[وعن مجاهد قال: يبتدءون فيكونون مرجئة].
فالطاعة تسلم إلى الطاعة، فكذلك البدعة تسلم إلى بدعة، والمعصية تسلم إلى معصية، وهذه سنة الله تعالى في الكون، فالذي يحرص على أن يصلي إذا ما فرغ من صلاته انشغل بالأذكار، وإذا فرغ من الأذكار انشغل بالتسبيح، ثم انشغل بقضاء حوائج المسلمين، أو بأي طاعة من الطاعات حتى تأتيه الصلاة مرة أخرى.
والمعصية تسلم إلى معصية أخرى، والمرء يخرج من ذنب فيدخل في آخر، وهو في الذنب الأول يفكر ماذا يصنع في الذنب الثاني وغير ذلك، فكذلك البدعة تسلم إلى بدعة أخرى.
[ ٥٥ / ١٠ ]
مداخل الشيطان على العبد
والبدع أخطر من المعاصي بكثير جدًا، والشيطان يحبها حبًا جمًا، ولذلك يجتهد عليك الشيطان في باب الكفر والخروج من الإيمان، وفي الغالب أنه لا يفلح في الردة، فيجتهد عليك في باب البدع ولا يجتهد عليك في باب المعصية، فإن فشل معك في باب البدع فإنه يجتهد آسفًا عليك فيما يتعلق بالمعصية؛ لأن البدعة وسط بين الإيمان والكفر، وأما الذنب فليس كفرًا فهو في المرتبة الثالثة.
ولذلك تجد صاحب البدعة يبتدع وهو يزعم أنه يتقرب إلى الله، وأما صاحب الذنب فلا يمكن أن يزعم ذلك، فلو سألت شخصًا يشرب الخمر وتقول له: أنت تشرب الخمر لماذا؟ فسيقول: هذه معصية، وربنا يتوب علي وادع لي، لكن لو ذهبت إلى شخص يطوف حول قبر الحسين، وقلت له: هذا شرك، لماذا تعمل هذا؟ يقول لك: لا تتكلم، هؤلاء أولياء الله ﷿، سوف يحصل لك ويأتي إليك ويعمل فيك! فأصحاب البدع دينهم الكذب على الله وعلى رسوله، فصاحب البدعة يبتدع وهو يعتقد أنه يتقرب من الله ﷿، ولذلك تجده متمسكًا جدًا ببدعته ومجاهرًا بالبدعة؛ لأنها في نظره دين.
لكن صاحب المعصية يعصي الله، وإذا ناقشته أو اطلعت عليه في حال معصيته خزى واستحى، ووضع وجهه في الأرض؛ لأنه يعلم أنه على معصية، فالشيطان يهتم دائمًا أن يجتهد عليك في باب البدعة.
[ ٥٥ / ١١ ]
ما روي عن الصحابة فيما جاء في كتاب الله وسنة رسوله من التشنيع على المكذبين بالقدر
وقد روي عن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين مواقف مشهودة لهم فيما يتعلق بحكمهم على القدرية.
[ ٥٥ / ١٢ ]
أثر أبي بكر الصديق في إثبات التقدير السابق
قال: [فهذا أبو بكر الصديق ﵁ قال: خلق الله ﷿ الخلق وكانوا قبضتين، فقال للتي عن يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال للتي في يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالي].
ومعنى هذا الكلام أن الله تعالى لما أخرجهم من صلب آبائهم جعلهم فريقين: فريقًا في يده اليمنى، وفريقًا في يده الأخرى، وقال للذين في يده اليمنى: أنتم من أهل الجنة، وقال للذين في يده الأخرى: أنتم من أهل النار، وهذا يدل على علم الله الأزلي السابق.
والقدرية هم الذين أنكروا العلم الأزلي لله ﷿، فقول أبي بكر هنا: إن الله تعالى قسم خلقه إلى قسمين: أحدهما في النار والآخر في الجنة؛ ليدل على أن كل شيء بقدر، وأن كل شيء كان معلومًا لله ﷿ قبل أن يكون، وفي هذا أعظم رد على القدرية.
[ويقول: (قلت: يا رسول الله! أنعمل على عمل قد فرغ منه؟ أم على أمر مؤتنف؟)].
يعني: هذا الذي نحن نعمله يا رسول الله! نحن مطلوب منا أن نعمله، أم أنه أمر قد فرغ منه؟ يعني: أن الله عرفه وكتبه وقدره علينا، أم أمر مؤتنف لا يعلمه الله إلا بعد أن يقع منا، فإذا أوقعناه كتب الله ﷿ لنا أو علينا.
[فقال النبي ﵊: (بل على أمر قد فرغ منه، قلت: يا رسول الله! إذا كان هذا الأمر قد فرغ منه ففيما العمل إذًا؟ -وهذا السؤال سأله أيضًا عمر ﵁ وغير واحد من الصحابة- قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق، فأما من خلق للجنة فييسر لعمل أهل الجنة، وأما من خلق للنار فييسر لعمل أهل النار).
ولعل شخصًا يقول: ما دام الأمر قد فرغ منه فأنا لن أعمل، فنقول له: أنت الذي حكمت على نفسك بأنك من أهل النار، فالذي يجعلك قدرت أنك من قبضة أهل النار يجعلك تقدر أنك من قبضة أهل الجنة، فاعمل ولابد، فإذا كان خلق للجنة بعلم الله الأزلي السابق فسييسر لعمل أهل الجنة، والأخرى بالأخرى.
[ ٥٥ / ١٣ ]
أثر عمر بن الخطاب في إثبات قدر الله والرد على جاثليق النصارى في إنكاره إضلال الله لمن يشاء
وأما عمر ﵁: فقد جاء [عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ بالجابية -يعني: في الشام- فحمد الله وأثنى عليه، فلما أتى على قوله: من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له -يعني: من كتب الله تعالى له الهداية في الأزل فلا يمكن أن يضل، ومن أضله الله في الأزل فلا يمكن أن يهتدي- فلما قال ذلك عمر والجاثليق بين يديه -وهو زعيم من زعماء النصارى- قال بقميصه فنفضه وقال: بركست بركست -يتكلم بكلام عبري- فقال عمر: ما يقول عدو الله؟ فقالوا: لم يقل شيئًا يا أمير المؤمنين! دعك منه وواصل كلامك، ثم أعادها فتشهد فقال: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، فقال الجاثليق بقميصه فنفضه]، يريد أن يقول: إن هذا كلام غلط.
وهذا كما جاء عن الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما عندما كانوا يذكرون راويًا منكر الحديث أو كذابًا أو وضاعًا بين يدي أحدهم فإنه يقوم ينفض ثيابه ويترك المجلس وينصرف ولم يقل شيئًا، وهذا الفعل أعظم مما لو قال: كذاب أو وضاع.
فهذا الجاثليق لما قال عمر: من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نفض ثيابه وقال: بركست بركست.
قال: [فقال عمر: ما يقول عدو الله؟ قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله ﷿ يهدي ولا يضل -يعني: يخلق الخير ولا يخلق الشر- فقال عمر: كذبت يا عدو الله! بل الله ﷿ خلقك، وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله].
فلم يقل واحد من المسلمين: يا أمير المؤمنين أنت زدت فيها، كان المفروض أن تتلطف مع هذا الرجل النصراني لعل الله أن يهديه، فهل نحن نخفي الحق من أجل هداية فلان أو فلان؟! قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، وكما قال النبي ﵊: (وأما من ذهب منا إليهم فأبعده الله) أي: لا نريده، أما أنك تخفي الحق من أجل فلان أو علان فليس هذا منهجًا للسلف أبدًا، فلا بد من قول الحق.
فقال: [كذبت يا عدو الله! بل الله ﷿ خلقك، وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله]، فاستثنى وذكر المشيئة لأنه ربما يهتدي ويتوب.
ثم قال: [والله لولا لوث عهد لك -أي: لولا عهد بينا وبينك- لضربت عنقك، إن الله ﷿ لما خلق آدم ﵇ نثر ذريته في يده، فكتب أهل الجنة وأعمالهم، وأهل النار وأعمالهم، وقال: هذه لهذه -أي: لأهل الجنة- وهذه لهذه -أي: لأهل النار- فتفرق الناس يومئذ وهم لا يختلفون في القدر]، أي: فتفرق الناس في يوم أن قال ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
[وعن عبد الله بن الحارث قال: خطب عمر بن الخطاب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه، وعنده جاثليق يترجم له ما يقول، فقال: من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، قال: فنفض جبته كالمنكر لما يقول عمر، فقال عمر ﵁: ما يقول هذا؟ قال ذلك ثلاث مرات، قالوا: يا أمير المؤمنين! يزعم أن الله ﷿ لا يضل أحدًا، قال عمر: كذبت يا عدو الله! بل الله خلقك، وقد أضلك، ثم يدخلك النار إن شاء الله، أما والله لولا لوث من عهد لك لضربت عنقك، إن الله ﷿ خلق أهل الجنة وما هم عاملون -أي: من خير- وخلق أهل النار وما هم عاملون -أي: من شر-].
إذًا: فخالق الخير والشر هو الله ﷿، لكنه لا يحب الشر ولا يرضى به، ويأذن في وجوده؛ لأنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد الله.
فقال: [هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه، قال: فتفرق الناس وما يختلفون في القدر].
[ ٥٥ / ١٤ ]
القدر قدرة الله فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله تعالى
قال: [وعن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: القدر قدرة الله ﷿].
والإمام أحمد بن حنبل عندما سئل: ما القدر؟ قال: إن الله على كل شيء قدير.
قال: [القدر قدرة الله ﷿، فمن كذب بالقدر فقد جحد قدرة الله ﷿].
فالذي يقول: لا شيء هناك اسمه قدر كأنه نفى علم الله، ونفى قدرة الله، فالله تعالى عليم، وموصوف بالعلم، وقادر وموصوف بالقدرة، والذي ينكر القدر ينفي عن الله تعالى بعض أسمائه وبعض صفاته.
[ ٥٥ / ١٥ ]
يقظة السلف عند التعامل مع الألفاظ المخالفة
[وعن هشام بن عروة عن أبيه: أن رجلًا قال لـ عمر بن الخطاب: أعطاك من لا يمن ولا يحرم].
فالسلف كانوا متيقظين جدًا لأهل البدع، وكانوا في غاية اليقظة لكلمات أهل البدع، فهذا الشخص يقول له: يا عمر أعطني يعطيك من لا يمن ولا يمنع، فـ عمر قال له: كذاب، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧].
إذًا: فالله تعالى يمن، والمن في حقنا منقصة، لكن المن في حق الله صفة كمال، والله تعالى يحرم الكافر من الجنة ويدخله النار، والحرمان في حقنا صفة عيب ونقص لكنه في حق الله صفة كمال في مقابلة من يستحق الحرمان، ولا يسمى الله تعالى: المان، كما لا يسمى: المحرم، أي: الذي يحرم عباده؛ لأنه لا يؤخذ من أفعال الله ﷿ أسماء له، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فلا يسمى: المنتقم.
وأما الحنان المنان فهما من أسماء الله، فقد ورد في ذلك نص صريح (يا حنان يا منان)، وأما المان فهو ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه مستخرج من أفعاله، وكل أفعال الله تعالى التي لم يثبت منها أسماء لا تستخرج منها الأسماء، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فلا يسمى الله تعالى المنتقم، فالانتقام في العموم صفة نقص في حق المخلوقين، وهي في حق الله ﷿ صفة كمال؛ لأنه لم ينتقم إلا ممن يستحق الانتقام، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦] فلا يسمى الله تعالى: الكائد، وعندما نقول: فلان كياد فهذه صفة نقص، ولا يوصف الله تعالى بذلك ابتداءً، وإنما يوصف بها على سبيل الكمال في مقابلة كيد الكائدين، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، والمكر في حق المخلوق صفة نقص، لكن في حق الله ﷿ مهما مكر الماكرون فمكرهم عند الله ﷿، وفي قدرة الله ﷿، وسابق في علم الله ﷿ قبل أن يخلقه.
إذًا: إحاطة المولى ﷿ بكيد الكائدين، وإجرام المجرمين، وانتقام المنتقمين، وغير ذلك صفة كمال لله ﷿، ولذلك ذهب أهل العلم إلى أن أسماء الله ﷿ الثابتة له التي ظاهرها النقص أنها لا تقال على سبيل الإفراد، بل تقال على سبيل المقابلة، فتقول: النافع الضار، والضار من أسماء الله ﷿، لكن لا تقل: الله تعالى هو الضار؛ لأن الاسم عند الإطلاق والإفراد يوحي بشيء من النقص، لكن تقول: الله تعالى هو النافع الضار.
ولا تقل: الله تعالى المعيد، بل قل: هو المبدئ والمعيد، فهو الذي بدأ الخلق ثم يعيدهم؛ لتجمع الأمر من أوله إلى آخره لله ﷿، وأما لو قلت: هو المبدئ؛ فربما قيل: ومن المعيد؟ ولو قلت: هو المعيد؛ لتوهم بعض السامعين أنه لم يبدأ الخلق، بل هناك خالق بدأ وخالق ثانٍ يعيد هذا الخلق، وهذا من قواعد الأسماء والصفات.
قال: [إن رجلًا قال لـ عمر بن الخطاب: أعطاك من لا يمن ولا يحرم.
فقال له عمر: كذبت، بل الله يمن عليك بالإيمان، ويحرم الكافر الجنة].
وابن عباس عندما قيل بين يديه: ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل قال: نعيم الجنة لا يزول.
وهذا فيه رد على قوله: وكل نعيم لا محالة زائل، فنعيم الجنة دائم سرمدي أبدي لا نهاية له، فلما صدق في شطر بيته الأول أقره، ولما كذب في الشطر الثاني كذبه فورًا؛ حتى توضع النقاط على الحروف.
[وقال ثابت: إن رجلًا أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! أعطني، فوالله لئن أعطيتني لا أحمدك، ولئن منعتني لا أذمك، فقال أمير المؤمنين عمر: لم؟ قال: لأن الله ﷿ هو الذي يعطي وهو الذي يمنع]، أي: أن المعطي الحقيقي والمانع الحقيقي هو الله.
قال: [أدخلوه بيت المال ليحضره -أي: أدخلوا الرجل بيت المال إلى أن يرى المال بعينيه- وليأخذ منه ما يشاء]، وشكره عمر.
وهذا القول رغم أنه توحيد لكن لا يخلو من شيء من الجفاء مع الأئمة والوجهاء، والأصل فيه قول النبي ﵊: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، وقال ﵊: (دعوا الناس يزرق الله بعضهم من بعض) يعني: لو أعطاه عمر لكان رازقًا له بإذن الله، وينبغي تأدبًا شكر من أنعم عليك، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فسمى الله النبي ﷺ منعمًا وهو مخلوق؛ لأنه أنعم ومنّ على
[ ٥٥ / ١٦ ]
إيمان عمر الجازم بأن الذي يملك السعادة والشقاوة والخير والشر هو الله تعالى
قال: [وقال أبو عثمان النهدي: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ وهو يطوف بالكعبة يقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت علي الذنب والغضب في الشقاء فامحني وأثبتني في أهل السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب].
وأنتم تعلمون أن مسألة المحو والإثبات وإنما تكون في الصحف التي بأيدي الملائكة، وأما أم الكتاب واللوح المحفوظ ففيها القضاء المبرم الذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، فـ عمر ﵁ يدعو ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في الصحف التي بأيدي الملائكة شقيًا فامحني من الشقاء وأثبتني في أهل السعادة، وأعني على ذلك، وهذا إيمان جازم من عمر ﵁ أن الذي يملك السعادة والشقاء هو الله ﷿، وأن الذي يخلق الخير والشر هو الله ﷿.
[وعن عمرو بن ميمون: أن عمر سمع غلامًا وهو يقول: اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه، فحل بيني وبين الخطايا فلا أعلم بشيء منها]، يعني: يا رب! اجعل بيني وبين الذنوب والخطايا حاجزًا وساترًا، واجعلني في غفلة عن الذنب حتى إني لا أعلم ما الذنب.
[فقال عمر: رحمك الله! ودعا له بخير.
وعن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر يوم أصيب وعليه ثوب أصفر، فخر وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]].
وكان أمر الله مقدرًا في الأزل، (مقدورًا) أي: مخلوقًا وموجودًا لا محالة، وكأنه يريد أن يقول: إن الذي حل بي اليوم علمه الله تعالى في الأزل، وكتبه في اللوح المحفوظ.
فهذا الخبر يذكره عمر في أخريات لحظات حياته، ويبرز لنا قضية مهمة وهي قضية الإيمان بالقدر، ويقول: إن الذي حل بي إنما هو مقدر في اللوح المحفوظ ولا بد أن يقع، ولذلك عمر ﵁ ما كان يخفى عليه أن أبا لؤلؤة المجوسي كان غلامًا مجوسيًا للمغيرة بن شعبة، وكان يصنع الرحى، وقد ضرب عليه سيده المغيرة مبلغًا من الدنانير يدفعها في كل عام، فأتى أبو لؤلؤة المجوسي إلى أمير المؤمنين عمر ﵁ يشكو له غلاء الضريبة التي ضربت عليه من سيده، فقال: كم يأخذ منك؟ قال: أربعة دنانير، قال: ما عملك؟ قال: أصنع الرحى، وأنا فوق ذلك حداد نجار، قال: ما خراجك بكثير، أتصنع رحى؟ قال: نعم.
قال: اصنع لي رحًا.
فقال الغلام: سأصنع لك رحًا تتكلم عنها العرب والعجم، فلما وقع الذي وقع من أبي لؤلؤة المجوسي -عليه لعنة الله- قال عمر: لقد تهددني العلج آنفًا، والعلج بمعنى القبيح.
فـ عمر فهم مراد أبي لؤلؤة ولم يكن غافلًا، وعمر كان ذكيًا جدًا، وقد كان قبل الإسلام سفير قريش مع بقية القبائل وعنده من العمر ستة وعشرون عامًا، فلا يعقل أن قريشًا مع مكانتها وفصاحتها وذكائها وخدمتها للحجيج؛ تتخذ رجلًا لا عقل له، أو رجلًا غبيًا، أو لا يدرك أبعاد المسائل؟ هذا لا يمكن، وفي الغالب أن كل أمة إنما تختار سفراءها من أذكى الناس فيها، وأنا أتكلم هنا عن سفراء العرب قديمًا، وأما الآن فالسفير قد يقول: خطب شارون خطابًا بالأمس وكان في خطابه إيجابيات، وهناك في خطابه أمور ليست إيجابية، لماذا لا تقول: سلبية؟ خائف ممن؟ فحتى هذه الكلمة يخاف من قولها، وهو يحاول أن يخرج من أسئلتك شمالًا ويمينًا، ويقول: فيه أشياء غير إيجابية.
والكذاب الكبير حق أمريكا يتصل بـ شارون ويقول له: لا عليك، من أجلنا تصالح مع العرب، فـ شارون يقول له: إلى الآن والكتائب اليهودية لم تحقق أهدافها العسكرية، فيقول له: افعل ذلك من أجلنا، فاليمن والسودان والخليج كلهم أتباعنا، واليهود والصليبيون في أرض الجزيرة العربية، وفلسطين ملكنا، لكن أريد أن أقول: إن البيع المعلن لم يتم، وهو سيتم ولا بد، ولا حل لهذه الأمة إلا أن ترجع إلى ربها.
فانظروا إلى عمر بن الخطاب عندما كتب رسالة إلى سعد بن أبي وقاص قال له: يا سعد! اتق الله في الخاصة من نفسك، وفيمن معك من الجند، فإنك إن عصيت الله كان جند العدو خيرًا منك؛ لأنك لا تنتصر إلا بتقوى الله، فإذا كنت على غير ذلك فاقك العدو بالعدد والعدة، فكان خيرًا منك في أرض المعركة؛ لأنك صاحب معاص وذنوب، فإما أن تتوب الأمة إلى الله ﷿ وترجع إلى ربها، وإما فسيأتي شارون إلى هذه البلاد بل وإلى كل بلد من بلاد الإسلام، وسيكون هناك أسماء كثيرة جدًا كلها تمثل شارون، لكن هذا شارون عربي وهذا شارون ليبي، وهذا شارون مغربي، وهذا شارون سعودي وهكذا، فلا بد أن ترجع الأمة إلى ربها.
أسأل الله تعالى التوفيق والسداد، اللهم انصر المجاهدين
[ ٥٥ / ١٧ ]