أهل السنة والجماعة يطلقون اسم الإسلام على الإيمان والعكس، وذلك عند الانفراد، فإذا جاء الاسمان معًا في سياق واحد، كان لكل واحد معنى، وذلك كما في حديث جبريل ﵇، فإن فيه بيان معنى الإسلام والإيمان وغيرهما.
[ ٢٨ / ١ ]
باب معرفة الإسلام وعلى كم بني
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: معرفة الإسلام وعلى كم بني].
والذي يجعلنا نتكلم عن ماهية الإسلام وما هو، يُلزمنا أن نعرف الإسلام لغة ثم نعرفه اصطلاحًا، فينبغي أن يضم إليه مصطلح الإيمان، فالكلام ليس فحسب على الإسلام، وإنما على الإسلام والإيمان معًا.
[قال سالم بن أبي الجعد: عن رجل قال: (قيل لـ ابن عمر: ألا تجاهد؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الإسلام بني على خمس كلمات: الإخلاص، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)].
وهذا الرجل كان كفيفًا، فقال لـ ابن عمر: ألا تجاهد؟ كأن ابن عمر قال له: لا.
وهذا الكلام محمول على طلب الجهاد في الفتنة، والمسلم العاقل الحازم إذا غلب على ظنه أن الحق مع إحدى الطائفتين وجب عليه أن يقاتل مع الطائفة التي غلب على ظنه -أو تيقن من باب أولى- أنها صاحبة الحق، ويحرم عليه أن يقاتل مع الطائفة التي في ظنه أو تيقن أنها جانبت الحق والصواب، وإذا لم يترجح لديه هذا ولا ذاك وجب عليه أن يكون حلس بيته، فيلزم بيته، ولا يشارك في هذه الفتنة.
فلعل هذا السائل الذي سأل ابن عمر أن يجاهد -يعني: في الفتنة- مع أحد الطائفتين، كأنه أراد أن يقيم الحجة على ابن عمر أن الجهاد أمره عظيم وخطير، فلم لا تجاهد إذًا يا أبا عبد الرحمن؟ فأراد أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر أن يبين له أن الجهاد في هذا الموطن ليس من مباني الإسلام ولا من أسسه وقواعده، إنما مباني الإسلام كما سمعها من النبي ﵊ خمس: أولها الإخلاص، والإخلاص بمعنى التوحيد، ولذلك سميت كلمة التوحيد بكلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ثم قال: (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)، وتقديره: من استطاع إليه سبيلًا، فهذه مباني الإسلام، والجهاد ليس منها، ويقينًا فإن الجهاد رغم أهميته إلا أنه ليس من مباني الإسلام، إنما هو ذروة السنام الذي يحفظ الله تعالى به البلاد والعباد؛ فضلًا عن حفظ الدين.
وهذه المباني فرض عين على أهلها وأصحابها إلى قيام الساعة لا تزول قط، بخلاف الجهاد، فالجهاد فرض كفاية على الأمة بمجموعها، ولا يتعين إلا في حالات خاصة.
إذًا: مباني الإسلام فرض عين، فلا يصح أن يصلي أحد لأحد؛ لأن الصلاة فرض عين على كل مسلم عاقل بالغ، بخلاف الجهاد؛ فإنه فرض كفاية على الأمة في مجموعها، إذا جاهد بعضها سقط الإثم على الباقين، وإذا نكلوا ونكصوا جميعًا عن الجهاد حتى أُضِرَّ بالدين والدنيا فإن الجميع يأثم، أي: جميع من تعين عليه القتال والجهاد ولم يجاهد، كما أن الجهاد سيسقط في آخر الزمان، وآخر الزمان موعود بنزول عيسى ﵇ من السماء وقتله المسيح الدجال فحينئذ تضع الحرب أوزارها؛ لأنه لا يكون ملة على الأرض إلا ملة الإسلام، وسيدعو عيسى ﵇ بعد قتله الخنزير وكسره للصليب إلى دين وشريعة محمد ﵊، فلا يكون هناك ملة إلا ملة الإسلام فحسب.
فحينئذ يسقط الجهاد، بخلاف هذه المباني فإنها باقية حتى قيام الساعة.
فـ ابن عمر أراد أن يقول: الجهاد ليس فرض عين علي؛ لأن فروض الأعيان معلومة، وقد جاءت في حديث سمعته عن النبي ﵊، ثم ذكر حديث المباني.
[وقيل لـ ابن عمر: ألا تجاهد؟ قال: إن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله]، والتقدير: وأن محمدًا رسول الله، للتلازم بين الشهادتين حتى وإن لم يذكر الشق الآخر من الشهادة في الرواية، فإنه معلوم يقينًا؛ لأن أحد الشقين لا يصح بغير صاحبه، فلو قال الإنسان: أشهد أن لا إله إلا الله ولم يؤمن بمحمد ﵊ فهو كافر، ولو آمن بمحمد ولم يشهد بوحدانية الله ﷿ فكذلك هو كافر.
فقوله هنا: شهادة أن لا إله إلا الله، يعني: وأن محمدًا عبده ورسوله، [وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)، هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول].
قال: ثم الجهاد بعد حسن]، يعني: الجهاد بعد هذه المباني أمر حسن.
وفي رواية [عن ابن عمر قال: قال النبي ﵊: (بني الإسلام على خمس)]، وكلمة (بني) للدلالة على أن المذكور من مباني الإسلام وأسسه وقواعده التي لا يقوم بدونها؛ لأنها كالقواعد الراسيات الراسخات في الأرض التي يبنى عليها البناء، وبغير هذه المباني والقواعد لا يقوم البناء، أو يقوم على ضعف فيه.
قال: [(بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن م
[ ٢٨ / ٢ ]
باب معرفة الإسلام والإيمان وسؤال جبريل النبي ﷺ
[ ٢٨ / ٣ ]
حديث جبريل في بيان أمور الدين من رواية عمر بن الخطاب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب معرفة الإسلام والإيمان، وسؤال جبريل النبي ﷺ].
وأنتم تعلمون هذا الحديث المشهور، وهو في الصحيحين من حديث [عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ قال: (بينا نحن عند رسول الله ﷺ)] أي: جلوس عند النبي في مجلسه أو في مسجده، وهذا كان بالمدينة.
[(إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس بين يدي النبي ﷺ)]، هذا الرجل هو جبريل ﵇، نزل في هيئة كانت مثار عجب من كل من رآه، لأن المدينة بعيدة المنأى عن البلدان المجاورة، ومن قصد المدينة من أرض الحجاز أو غيرها لابد أن يظهر عليه أثر السفر واتساخ ملابسه وشعث شعره وغير ذلك، ولكن هذا الذي أتى ليسأل عن أمور دينه، إنما هو رجل (شديد بياض الثياب) على غير عادة المسافر، (شديد سواد الشعر) على غير عادة المسافر الذي اغبر وجهه وتترب شعره وغير ذلك من آثار السفر، كما أنه ليس من أهل المدينة بدليل أن أحدًا لم يعرفه.
قال: [(حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ، وركبته تمس ركبته)]، يعني: ركبة جبريل ﵇ لامست ركبة النبي ﵊ لما جلس أمامه ﵊، وجبريل تصور في صورة رجل ولم يظهر في صورته الحقيقية التي خلقه الله ﷿ عليها، لأن أحدًا من البشر دون الرسل لا يطيق ولا يقدر أن يرى ملكًا في صورته التي خلقه الله ﷿ عليها.
فجاء وجلس بين يدي رسول الله ﵊ [(حتى أسند ركبتيه إلى ركبتيه)]، يعني: جعلهما بمحاذاة ركبتيه.
[(ووضع كفيه)]، أي: وضع جبريل كفيه [(على فخذيه)]، والضمير يعود على جبريل، لأنه جلس جلسة المتعلم السائل، ومن سوء الأدب أن يضع السائل يده على كتف المسئول أو على ظهر المسئول أو على بطنه أو على فخذه، أو أن يسلم عليه من خلف ظهره، إنما الأدب ما فعله جبريل ﵇، فهو يعلم الصحابة إذا سألوا النبي ﵊ كيف يسألون وكيف يقولون مرادهم من السؤال، وكيف يجلسون بين يدي أستاذهم وشيخهم صلوات الله وسلامه عليه.
[(ثم قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، فقال: صدقت)].
من شأن السائل أنه جاهل بما يسأل، وهذا الذي دعا الصحابة أن يتعجبوا من تصديق السائل للمسئول بأنه صادق فيما أخبر.
عرف الإسلام بكلمة الإخلاص التي يحصن بها المرء دمه ونفسه وماله وعرضه، ثم الأعمال الظاهرة أعمال الجوارح، والأعمال المالية كالزكاة، والأعمال التي تجمع بين المال والبدن كالحج، فالصلاة من أعمال الجوارح، والزكاة متعلقة بالمال، والحج متعلق بالمال والبدن، فعرف الإسلام بالأعمال الظاهرة.
قال: (أن تشهد) والشهادة لا تكون إلا بلسان، إلا لمن عجز عن النطق فإنه يعدل عن النطق إلى الإشارة.
[(قال: صدقت.
فتعجبنا من سؤاله وتصديقه، ثم قال: فما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وحده، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت، والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره، قال: صدقت، فتعجبنا من سؤاله وتصديقه.
ثم قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعمل لله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت، فتعجبنا من سؤاله وتصديقه.
قال: فأخبرني عن الساعة؟)]، أي: عن ميعاد ووقت قيامها [(قال النبي ﵊: ما المسئول بأعلم من السائل؟)]، يعني: أنا وأنت فيها سواء لا نعلمها؛ لأنها من علم الله ﷿ الخاص به الذي لم يطلع عليه أحد، لا ملك مقرب ولا رسول مرسل [(قال: فأخبرني عن أماراتها)] أي: علاماتها وأشراطها [(قال: أن تلد المرأة ربتها)] أي: سيدتها.
[وفي رواية: (أن تلد الأمة سيدها وربها)]، وهذه أمارة، وهي دلالة على كثرة السراري والإماء في آخر الزمان، وأن المرأة إذا كانت تحت حر وسيد فولدت له ولدًا كان الولد سيد أمه تبعًا لأبيه؛ لأن ابن الأمة يكسب الحرية من حرية أبيه، أو ربما تكثر الإماء ويكثر بيعهن وشراؤهن في الأسواق حتى يشتري الولد أمه، فتكون أمة عنده، وهذا أيضًا من علامات الساعة.
قال [: (وأن ترى العراة الحفاة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان)]، وهذه علامة ثانية، أن ترى البدو أي: الأعراب الأجلاف الذين قل مالهم ونفد زادهم، تفتح عليهم الدنيا فيبنون البنيان ويتطاولون فيه، وإذا كان ذلك فهو علامة على قرب الساعة [(قال: صدقت.
ثم انطلق، فلما كان ثالثة -أي: في الليلة الثالثة-، قال لي رسول الله ﷺ: يا عمر! هل تدري من الرجل؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك جبريل أتاكم يعلمكم أمر د
[ ٢٨ / ٤ ]
رواية أخرى لحديث جبريل عن عمر بن الخطاب
[وفي رواية: (بينما نحن مع رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ جاءه رجل هيئته مسافر وثيابه ثياب مقيم، أو ثيابه ثياب مسافر وهيئته هيئة مقيم، فقال: يا رسول الله أدنو منك؟ قال: نعم.
قال: فدنا منه حتى وضع يديه على ركبتيه فقال: ما الإسلام؟ قال: أن تسلم وجهك لله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، أخبره بعرى الإسلام، قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟)]، أي: لو أنني فعلت هذه المباني وأتيت بهذه العرى، أكون قد حققت الإسلام لله ﷿ على الحقيقة.
[(قال النبي: نعم.
قال: صدقت.
قال: قلنا: انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه)] أي: كيف يسأل الرسول ويقول له: صدقت.
[(قال: يا رسول الله! فما الإحسان؟ قال: الإحسان أن تعبد الله أو تخشى الله كأنك تراه، فإنك إلا تكن تراه فإنه يراك.
قال: صدقت.
قال: قلنا: انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه! قال: يا رسول الله! فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالموت والبعث، والجنة والنار وبالقدر كله، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم.
قال: صدقت.
قال: قلنا: انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه)].
قال الحافظ ابن رجب: الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بالقلب وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عيانًا في الآخرة.
أي: الجزاء من جنس العمل، إذا استشعر المرء أن الله تعالى ينظر إليه ويراه، فإن الله يكافئه في الآخرة، بأن يحقق له الرؤية كما كان يتخيلها ويتصورها في الدنيا.
قال: وقوله ﷺ: (أن تعبد الله كأنك تراه) والكاف للتحويل والتشبيه، يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة؛ وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم، كما في رواية أخرى عن أبي هريرة: (أن تخشى الله كأنك تراه).
وكذلك يوجب النصح في العبادة -والنصح بمعنى أن يخلص المرء في عبادة ربه- وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها، وقد وصى النبي ﷺ جماعة من الصحابة بهذه الوصية، أي: أن يعبدوا الله كأنهم يرونه سبحانه.
[ ٢٨ / ٥ ]
حديث جبريل في بيان أمور الدين من رواية أبي هريرة
[وفي رواية عن أبي هريرة قال: (تؤمن بالقدر كله خيره وشره)]، أي: وأن الخير والشر من عند الله ﷿.
[(قال: صدقت.
قال: قلنا: انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه.
قال: يا رسول الله! متى الساعة؟)] وهذا يبين المراد من قوله: (أخبرني عن الساعة) أنه قصد بهذا السؤال الميعاد والوقت، لا الكيفية ولا الهيئة ولا الصورة، وإنما قال له: [(متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ثم انطلق فقال رسول الله ﷺ: علي بالرجل، فنظروا فلم يوجد، فقال النبي ﵊: جاء جبريل يعلم الناس أمر دينهم، أو يعلم الناس دينهم)].
[ ٢٨ / ٦ ]
حديث جبريل من رواية يحيى بن يعمر عن ابن عمر
[وقال يحيى بن يعمر: قلت لـ ابن عمر: إن عندنا رجالًا بالعراق يقولون: إن شاءوا عملوا وإن شاءوا لم يعملوا، وإن شاءوا دخلوا الجنة وإن شاءوا وإن شاءوا، فقال: إني منهم بريء وإنهم مني براء].
وهذا سبب سرد عبد الله بن عمر للحديث الطويل، فإن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري لما أتيا من البصرة إلى مكة قالا: لعلنا نوفق إلى أحد من أصحاب النبي ﷺ، فوفقا إلى أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر ﵄ وهو يطوف حول الكعبة، قال يحيى بن يعمر: فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي.
أي: أيقنت أن حميدًا سيدع تكليم عبد الله بن عمر إلي، أي لأجل أنه أفطن وأفصح منه بيانًا، قال: فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، قلت: أبا عبد الرحمن! إن أناسًا ظهروا قبلنا بالبصرة يتعلمون العلم، أو قال: يقرءون القرآن ويتقفرون العلم.
ومعنى (يتقفرون) وفي رواية (يتفقرون) أي: يطلبون دقائق العلم ومسائله المستعصية، ويتتبعون خباياه وخفاياه، كما أنهم قائمون على تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار.
يقولون: لا قدر وأن الأمر أنف.
يعني: ينفون القدر، كما أنهم ينفون علم الله الأزلي؛ لأنهم يقولون: وأن الأمر أنف، يعني: أن الله تعالى لا يعلم العمل إلا بعد إيجاده، وبعد أن يعمله العبد، وهذا صريح معتقدهم، وهؤلاء هم شر خلق الله ﷿، وقال فيهم النبي ﵊: (القدرية مجوس هذه الأمة) ينفون العلم عن الله ﷿، يقولون: إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يكون.
فقال أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر: أوقد قالوها؟ إذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني.
أي: لا أنا منهم ولا هم مني.
وهذا الكلام محمول على تكفيرهم وإخراجهم من الملة، والأمر كذلك؛ فإن من نفى علم الله ﷿ وقال: إن الله لا يعلم الأمر إلا بعد أن يكون، أو نفى قدرة الله ﷿، أو نفى الكتابة الأزلية في اللوح المحفوظ؛ فلابد من كفره، وهذا أمر قد أجمع عليه العلماء.
قال الإمام النووي: وهؤلاء -أي: الطائفة من القدرية الذين قالوا: لا مشيئة لله ﷿، وإنما المشيئة مشيئة العبد، وأن الله لا يعلم ما العباد إليه عاملون وصائرون إلا بعد أن يكون- قال النووي: هؤلاء الصنف من القدرية قد انقرضوا تمامًا.
ولعل ذلك كان في زمان الإمام النووي، ولا يبعد أن يكون من هؤلاء أناس في هذا الزمان.
[قال يحيى بن يعمر العدوي: (قلت لـ ابن عمر: إن عندنا رجالًا في العراق يقولون: إن شاءوا عملوا وإن شاءوا لم يعملوا وإن شاءوا دخلوا الجنة وإن شاءوا وإن شاءوا، فقال: إني منهم بريء وإنهم مني براء)، ثم قال: (إن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد! ما الإسلام؟ فقال النبي ﷺ: تعبد الله ﷿ ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.
قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم.
قال: صدقت.
قال: فما الإحسان؟ قال: أن تخشى الله كأنك تراه، فإلا تراه فإنه يراك.
قال: فإذا فعلت ذلك فأنا محسن؟ قال: نعم.
قال: صدقت.
قال: فما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث من بعد الموت، والجنة والنار، والقدر كله.
قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم.
قال: صدقت)].
[وفي رواية عن ابن عمر قال: (جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ في صورة دحية الكلبي، فقال: ما الإسلام؟) إلى آخر الحديث]، ولكن هذا الحديث ضعيف جدًا؛ لأنه يعارض الروايات السابقة أنه لا يعرفه منا أحد، ودحية الكلبي كان معروفًا لدى الصحابة.
[ ٢٨ / ٧ ]
رواية أخرى لحديث جبريل عن أبي هريرة
[وعن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ في ملأ من أصحابه إذ جاءه رجل فسلم)]، وهذا يدل على وجوب السلام للداخل على القوم.
قال: [(فرد رسول الله ﷺ ورد الملأ)]، وهذا على وجه الاستحباب، وإلا فرد السلام على المذهب الراجح فرض كفاية، إذا رد البعض سقط عن الباقين، وإذا كان إلقاء السلام على العموم سنة مؤكدة، فإنه واجب على من دخل على قوم وهم جلوس، ولا أدل على ذلك من قوله ﵊: (حق المسلم على المسلم ست، وذكر منها: إفشاء السلام.
أو قال: إلقاء السلام).
قال: [(فقال: يا محمد! ألا تخبرني ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والحساب، والميزان، والجنة والنار، والقدر خيره وشره.
قال: فإذا فعلت هذا فقد آمنت؟ قال: نعم.
قال: صدقت.
قال: فطفق رسول الله ﷺ تعجبًا لقوله صدقت)].
إذًا: التعجب فضلًا عن كثير من الصحابة إلا أنه كان من شأنه ﵊ كذلك؛ لأنه لم يعرف جبريل، ولو عرفه لما تعجب.
قال: [(فقلت: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: الإحسان أن تخشى الله كأنك تراه، فإنك إلا تكن تراه فإنه يراك.
قال: فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت؟ قال: نعم.
قال: صدقت.
قال: يا محمد! متى الساعة؟ قال: سبحان الله العظيم! سبحان الله العظيم! سبحان الله العظيم! ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟ استأثر الله بعلم خمس لم يطلع عليهن أحدًا، ثم تلا قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤] حتى ختم السورة.
ولكن سأخبرك بشيء يكون قبلها)]، أي: بأماراتها وعلاماتها التي تسبقها.
قال: [(حين تلد الأمة ربتها -وفي رواية: ربها- ويتطاول أهل الشاء -أي: رعاة الغنم والإبل والأبقار- في البنيان، وتصير الحفاة العراة على رقاب الناس)]، والحفاة العراة أي: الفقراء تفتح عليهم الدنيا حتى يكونوا على قمة الناس.
[(ثم ولى الرجل، فأتبعه رسول الله ﷺ بصره طويلًا، ثم رد رسول الله ﷺ طرفه إليهم، ثم قال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم).
وفي حديث أحدهما: (أو جاءكم يتعاهد دينكم)]، وهذه الروايات التي وردت في بيان الإسلام وكيف هو.
[ ٢٨ / ٨ ]
شرح الإمام النووي لحديث جبريل
هذا الحديث وهو المعروف بحديث جبريل الطويل، أنتم تعلمون أن هذا الحديث مخرج في الصحيحين، والإمام النووي له كلام رائع جدًا ممتع إلى أقصى حد فيما يتعلق بشرح هذا الحديث، يتناول عدة مباحث: المبحث الأول: بيان ماهية الإيمان والإسلام.
المبحث الثاني: الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيماني.
المبحث الثالث: هل الإيمان يزيد وينقص أم لا؟ المبحث الرابع: هل الأعمال داخلة في مسمى الإيمان أم لا؟ المبحث الخامس: بم يدخل الكافر في الإسلام؟ وبم يخرج المؤمن من الإسلام؟ المبحث السادس: الاستثناء في الإيمان.
المبحث السابع: حكم مرتكب الكبيرة، وهل هو من أهل القبلة أم لا؟ قال الإمام النووي: أهم ما يذكر في الباب اختلاف العلماء في الإيمان والإسلام وعمومهما وخصوصهما.
يعني: هل بين الإيمان والإسلام عموم وخصوص أم لا؟ وهل كل مسلم مؤمن والعكس صحيح أم لا؟ فأنتم تعلمون أن الإيمان والإسلام بينهما عموم وخصوص، العموم أن كل مؤمن مسلم، وليس العكس، يعني: ليس كل مسلم مؤمنًا أي: كامل الإيمان، وإلا فلابد أن يكون عند كل مؤمن قدر من الإيمان، وإذا قلت (قدر من الإيمان) يثبت به إسلامه، وقلنا: (ليس كل مسلم مؤمنًا)؛ فهذا أمر يدعونا إلى ذكر مراتب الإيمان، فنفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق.
فمطلق الإيمان هو: الجزء الذي لا يثبت عند الله ﷿ إسلام أحد إلا به، مع أننا نعلم يقينًا أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقد عصم بها نفسه ودمه وماله.
هب أنه شهد بالشهادتين تعوذًا وخوفًا من القتل، حقنًا لدمائه وماله وغير ذلك، ولم ينعقد عليها قلبه، فهل يكون عند الله تعالى مسلمًا؟
الجواب
لا، إنما هو منافق، والمنافق له في الدنيا حكم الإسلام بالشهادتين، أما في الآخرة فهو في الدرك الأسفل من النار.
إذًا: إذا جاء رجل بنفسه مختارًا مذعنًا، وقال: أريد الإسلام، فقلنا له: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أرسله الله ﷿ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأن عيسى هو رسول الله وكلمته وروحه إلى غير ذلك من أصول الإيمان والإسلام، فنطق وشهد بهذا؛ فهل يستقيم هذا الرجل أم هو في إيمانه كمن عاش في الإسلام عشرات السنين يصوم ويصلي ويزكي ويحج، ويفعل الطاعات، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ هل إيمان هذا الرجل كإيمان من مضى عليه عمر طويل ودهر مديد في الإسلام يعمل الطاعات ويبتعد عن المعاصي؟
الجواب
لا، لكن هذا الرجل الذي آمن الآن قد حصل مطلق الإيمان.
فإذا قلنا: إن هذا العبد الذي أتى وشهد الشهادتين، لابد أن يتوفر لديه أصل الإيمان ولو واحد من عشرة، لابد أن يعتقد ما شهد به في قلبه، وأن يجزم على ذلك قلبه، فإذا عمل الطاعات ازداد هذا الإيمان حتى يصل إلى قمته، فهذا الذي وصل إلى قمة الإيمان هو الإيمان المطلق، فلابد أن تفرق بين الإيمان المطلق، وهو كمال الإيمان وتمامه، وبين مطلق الإيمان.
فلو أن عبدًا شهد الشهادتين بغير مطلق الإيمان، فهل يسمى مسلمًا عند الله ﷿؟ الجواب: لا يكون مسلمًا، إنما هو مسلم عند الخلق، أي: تجري عليه في الدنيا أحكام الإسلام.
[ ٢٨ / ٩ ]
نقل النووي لكلام الخطابي في معنى الإسلام والإيمان
فقال الإمام النووي هنا: بين الإيمان والإسلام عموم وخصوص.
أي: كل مؤمن مسلم، وليس العكس.
قال: وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من الإيمان، وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين القول في كل ما ذكرناه، وأنا أقتصر على نقل أطراف من متفرقات كلامهم يحصل منها مقصود ما ذكرته مع زيادات كثيرة، نقلًا عن الإمام أبي سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الفقيه الأديب الشافعي المحقق، في كتابه معالم السنن.
قال: ما أكثر ما يغلط الناس فى هذه المسألة، فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة والإيمان العمل، واحتج بالآية: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤].
فالله ﷿ أنكر على الأعراب ذلك، وقال: بل قولوا أسلمنا.
فنفي الله ﷿ هنا لإيمان الأعراب نفيٌ للإيمان المطلق الذي هو الإيمان الكامل التام؛ لأنه لو لم يكن في قلوبهم إيمان بما شهدوا به لكانوا منافقين وكانوا كفارًا، فالله ﷿ قال لهم: بل قولوا أسلمنا.
قال: وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد.
يعني: أن كل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم، وهذا كلام خطأ كالكلام السابق تمامًا، هذا على فرض ثبوته عن الإمام الزهري.
أما القائل الثاني، الذي قال بأن الإيمان والإسلام شيء واحد، فاحتج بقول الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].
قال الخطابي: وقد تكلم في هذا الباب رجلان من كبراء أهل العلم، وصار كل واحد منهما إلى أحد هذين، ورد الآخر منهما على المتقدم، وصنف عليه كتابًا يبلغ عدد أوراقه المئين.
قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق.
الإمام الخطابي من عظماء وفحول أهل العلم، كما أن الذهبي كذلك في بابه، والحافظ ابن حجر في بابه، فهؤلاء أئمة علماء الاستقراء، إذا قال الخطابي: قلت، بعد ذكر خلاف العلماء في قضية ما، فعض على قول الخطابي بالنواجذ، واعلم أنه دين الله ﷿ الذي أنزله من السماء.
وكذلك قول الذهبي: قلت، وقول الحافظ ابن حجر: قلت وغير ذلك من كلام سائر علماء المسلمين المشهود لهم بالعلم والتثبت والإمامة.
الخطابي يقول: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، يعني: لا يقال: كل مؤمن مسلم، ولا كل مسلم مؤمن، بل لابد من تقييد الكلام.
قال: وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنًا، وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها، ولم يختلف شيء منها عليك.
يريد أن يقول: إن المسألة تحتاج إلى تقييد: إذا كان الإيمان أعلى من الإسلام فلابد أن يكون المؤمن مسلمًا، وليس العكس، فليس كل مسلم مؤمنًا؛ لأن الإيمان درجة أعلى من درجة الإسلام، فالذي يحقق المرتبة الدون لابد أنه يقصر عن المرتبة العليا، أما الذي حقق المرتبة العليا فلابد أن يحقق بالتبعية المرتبة الدون؛ لأنه لا يرتقي هذه الدرجة إلا وقد حقق ما قبلها وهو الإسلام.
ثم قال: وأصل الإيمان التصديق، والأصح من هذا القول الإقرار، أصل الإيمان هو الإقرار، وهو إقرار القلب واللسان، فهو عرف الإيمان بالتعريف اللغوي، كما في قول الله تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، أي: وما أنت بمصدق لنا، فالإيمان بمعنى التصديق، فعرف الإيمان لغة بأنه التصديق.
أما الإيمان في الشرع فإنه إقرار القلب وإقرار اللسان، أي: الشهادة باللسان، وأن اللسان عبر عن مكنون القلب، وعما انعقد عليه القلب.
قال: وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد.
إذًا: الإسلام هو الاستسلام والانقياد والإذعان والخضوع والذل لله ﷿.
فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر غير منقاد في الباطن، وهذا شأن المنافقين، كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجون بيت الله الحرام، ويجاهدون مع النبي ﵊، ولكنهم غير منقادين في الباطن.
وقد يكون صادقًا في الباطن غير منقاد في الظاهر، يعني: يكون عاصيًا، هو يحب الله ويحب رسوله، ولا يرضى أبدًا بالكفر، وأنتم تعلمون عندما يقول شخص لشخص: يا نصراني! فيقول الآخر: أعوذ بالله من الشيطان، لأنه يكره الكفر ويحب الإيمان.
وإذا بحثنا عن ظاهره نجده صاحب معاص، منها الكبا
[ ٢٨ / ١٠ ]
نقل النووي لكلام البغوي في معنى الإسلام والإيمان
وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي ﵀ في حديث سؤال جبريل ﷺ عن الإيمان والإسلام وجوابه، قال: جعل النبي ﷺ الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال.
يعني: الإسلام يطلق على أعمال الجوارح، وهي الأعمال الظاهرة التي يعملها المرء بجوارحه.
قال: وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد؛ لأنه قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالجنة والنار، والبعث بعد الموت، والجزاء والصراط، والثواب والعقاب، وبالقدر خيره وشره)، وهذه الأعمال من أعمال القلب.
إذًا: جعل النبي ﵊ أعمال الإسلام هي الأعمال الظاهرة المتعلقة بالجوارح، وأعمال الباطن أعمال القلب المتعلقة بالإيمان، لا ينفي أن يكون المؤمن مسلمًا؛ لأنه إذا آمن وعقد قلبه على شعب الإيمان فلابد أن يظهر هذا على جوارحه، وإذا أقر المسلم أو جاء المسلم بشعب الإسلام وخصاله ومبادئه، فلابد أن يكون ذلك مبنيًا على حب الإيمان الذي في قلبه.
وخلاصة القول في ذلك: بين الإيمان والإسلام عموم وخصوص، فلابد أن يكون لكل مسلم أصل الإيمان أو مطلقه حتى يثبت إسلامه لا أقول يثبت إيمانه؛ أما الذي حقق الإيمان الكامل فقد حقق الإسلام من باب أولى.
قال: وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين.
يريد أن يقول: إن الدين هو عبارة عن الإسلام والإيمان والإحسان.
ولذلك قال ﵊: (ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فالدين يطلق ويراد به الجزاء، وقد يراد به العمل أيضًا، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار:١٨] أي: ما يوم الجزاء.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] والدين هنا بمعنى العمل، وقال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وقال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] أي: يوم الجزاء، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران:٨٥] أي: عملًا يتقرب به إلى الله، ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
فأخبر ﷾ أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل، وهذا هو الدين الحق الذي أرسل الله تعالى به رسوله؛ أن يترجم التصديق القلبي إلى عمل الجوارح.
هذا آخر كلام البغوي.
[ ٢٨ / ١١ ]
نقل النووي لكلام الإمام الأصفهاني في معنى الإيمان وزيادته ونقصه
وأما الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه التحرير في شرح صحيح مسلم فقال: الإيمان في اللغة هو التصديق، فإن عمل به ذلك فلا يزيد ولا ينقص.
فهو يريد أن يعرف الإيمان في اللغة: بأنه التصديق، وهو على هذا التعريف ليس فيه زيادة ولا نقصان، وهذا كلام يحتاج إلى نظر وتحرير، حتى لو عرفنا أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فنقول: كذلك التصديق يقبل الزيادة والنقصان، فلو أن واحدًا أخبرني خبرًا وكان ثقة صدقته، ولو دخل رجلٌ آخر وأخبرني بنفس الخبر وهو ثقة ازددت تصديقًا لخبر الأول، حتى لو عرفنا الإيمان في اللغة بأنه التصديق فنقول: كذلك التصديق في اللغة يقبل الزيادة والنقصان.
قال: لأن التصديق ليس شيئًا يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه مرة، وهذا الكلام قد رددنا عليه.
قال: أما الإيمان في لسان الشرع فهو التصديق بالقلب والعمل بالأركان.
إن الكلام في مسائل الإيمان والكفر محل نزاع عظيم جدًا على الساحة، فاسمعوا كلام أهل العلم.
قال الإمام الأصبهاني: والإيمان في لسان الشرع -يعني: الإيمان الاصطلاحي- هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، والأركان هي الجوارح.
إذًا: الأعمال داخلة في ماهية الإيمان وحقيقته ومسماه.
وإذا فُسِّر بهذا، أي: إذا اعتبرنا أن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح؛ فلابد أن نتصور تطرق الزيادة والنقص إليه؛ لأنه إذا كان هو إقرار القلب وعمل الجوارح، فمعنى ذلك أن الإيمان يتوقف عليهما، فلو أن الإيمان ضعف في القلب نقص، ولو زاد في القلب ارتفع، كما أن العامل لو عمل بطاعتين ازداد إيمانًا على قدر هذه الطاعات، ولو أنه نقص من هذه الطاعات نقص إيمانه على قدر نقصان عمله.
إذًا: زيادة الإيمان ونقصانه متعلقة بالعمل، ومن الأعمال ما ينقض الإيمان من أصله، ومن الأعمال ما يؤثر على الإيمان الواجب، ومن الأعمال ما يؤثر على كمال الإيمان وتمامه.
فعندي الآن ثلاث مراتب: إيمان أصلي، وهو أصل الإيمان في القلب، لابد من توفر هذا القدر من الإيمان حتى يثبت به الإسلام، ولو كان ذلك قبل أن أعمل عملًا مطلقًا، ولذلك من نطق بالشهادتين مؤمنًا بهما ثم مات يكون مؤمنًا، لكنه لم يحقق كمال الإيمان وتمامه، لأن ارتباط الكمال والتمام بالعمل، وهو لم يعمل، ربما يجازيه الله ﷿ فضلًا من عنده درجات الكُمَّل الذين أتوا بالأعمال على وجهها وزيادة، وهذا فضل الله تعالى ورحمته يؤتيها من يشاء من عباده.
أما هذا فقد حقق أصل الإيمان الذي يدخل به في مسمى الإيمان وإن لم يكن بلغ تمامه وكماله؛ لأن ذلك مرهون بالعمل، وهناك أعمال واجبة في الإسلام يقابلها الإيمان الواجب، فإذا أدى العبد هذه الأعمال الواجبة فقد حقق الإيمان الواجب، وهذه المرحلة الوسطى من مراحل الإيمان.
وإذا أتى العبد بالنوافل والمستحبات والمندوبات وغير ذلك، وحافظ عليها، فقد حقق كمال الإيمان وتمامه، وهو الإيمان المطلق.
إذًا: فمراتب الإيمان ثلاث، يقابل هذه المراتب أعمال.
المرتبة الأولى: وهي مرتبة مطلق الإيمان وأساس الإيمان وقاعدة الإيمان، وجزؤه الذي لا يثبت للمرء الإيمان إلا به، وهو المصاحب لنطقه بالشهادتين وإقراره واعتقاده القلبي بما نطق به لسانه، وبغير هذا الجزء من الإيمان لا يكون مؤمنًا على الحقيقة، بل يكون منافقًا.
المرتبة الثانية: مرتبة الإيمان الواجب، يقابلها الأعمال الواجبة في الإسلام، إذا أداها فقد حقق الإيمان الواجب الذي يأثم المرء بتركه.
أما كمال الإيمان وتمامه ومطلقه فإن ذلك متعلق بالمستحبات والمندوبات وغير ذلك من أعمال النوافل.
قال: والإيمان في لسان الشرع: هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقصان، وهو مذهب أهل السنة، أن العمل داخل في مسمى الإيمان.
قال: فالخلاف في هذا على التحقيق إنما هو: أن المصدق بقلبه إذا لم يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان، هل يسمى مؤمنًا مطلقًا أم لا؟ والمختار عندنا: أنه لا يسمى به، قال النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)؛ لأنه لم يعمل بموجب الإيمان فيستحق هذا الإطلاق.
هذا آخر كلام صاحب كتاب التحرير.
ولو سلمنا أن الإيمان هو التصديق فإنه يتطرق إليه الزيادة والنقصان، وهذا غير مقصود في الشرع.
والمرجئة قالوا: الإيمان هو التصديق.
وإذا كان الإيمان هو التصديق فلا يتصور نزول التصديق إلا إلى الشك، فيقولون: الشاك ليس مؤمنًا، وهو كذلك، لكن التصديق يتصور فيه الزيادة أو النقص، وقد ضربت لذلك مثلًا، وكذلك جاء في كتاب الله ﷿ أمثلة عن سيدنا إبراهيم وكيف مات وغير ذلك، ولا يتصور مسلم أن إبراهيم ﵇ كان كافرًا، ومع هذا قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]، فإبراهيم ﵇ سأل عن الكيفية، هل إبراهيم ﵇ لا يوقن أن الله تعالى يحيي الموتى؟ فإبراهيم يوقن ذلك، ويوقن أن الله ت
[ ٢٨ / ١٢ ]
نقل النووي لكلام ابن بطال في زيادة الإيمان ونقصانه
وقال الإمام أبو الحسن علي بن خلف بن بطال المالكي المغربي في شرح صحيح البخاري: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخاري من الآيات في كتاب الإيمان عنده.
قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] فقوله: «مَعَ إِيمَانِهِمْ» يعني: الأصل هو الإيمان، ثم ازدادوا عليه إيمانًا آخر.
إذًا: عندنا أصل الإيمان وهو مطلق الإيمان، ثم الإيمان المطلق وهو الإيمان الزائد.
﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] يعني: أن معهم قدرًا من الإيمان، وازدادوا عليه إيمانًا بالعمل.
وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد:١٧]، وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١]، وقال تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التوبة:١٢٤]، فقد أثبت لهم الإيمان، ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤].
إذًا: المرء يكون معه أصل الإيمان، وكلما نزلت آية آمن بها وأقر وصدق أنها من عند الله وعمل بها؛ ازداد بذلك إيمانًا.
وقال تعالى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران:١٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
قال ابن بطال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص، واعلم أن أي شيء يقبل الزيادة فلابد أن يقبل النقصان، ولذلك قال إبراهيم بن عيينة لأخيه سفيان لما قال: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: يا أبا محمد! قل يزيد، قال: اسكت، إنما ينقص حتى لا يبقى منه شيء.
إذًا: الزيادة والنقصان في الإيمان متصوران، ومادام الإيمان يقبل الزيادة فلابد أن يقبل النقصان، هذا شيء طبيعي جدًا، حتى في حياة الخلق، فالذي يقبل الزيادة لابد أن يقبل النقصان؛ لأنه قبل أن يزيد كان ناقصًا.
قال: فإن قيل: الإيمان في اللغة هو التصديق، ف
الجواب
أن التصديق يكمل بالطاعات، وهذا الكلام الذي قلته يحتاج إلى نظر أولًا؛ لأنه قال: إذا كان الإيمان هو التصديق فلا يتصور فيه الزيادة ولا النقصان؛ لأنه لا يزيد، يعني: هل سيصدق مرتين أو يصدق ثلاثًا؟ هو تصديق واحد، كما أنه لا يقبل النقصان؛ لأنه لا يقبل النقصان إلا إذا شك، والشاك ليس مؤمنًا أصلًا، فهذا يعتبر التعريف اللغوي، مع أنه من جهة الشرع يحتاج إلى نظر، ولذلك قال ابن بطال: إذا كان الإيمان في اللغة هو التصديق، ف
الجواب
أن التصديق يكمل بالطاعات، يعني: حتى التصديق يقبل الزيادة، ويكون بالطاعات كلها.
فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد الإيمان، وبنقصانها ينقص، فمتى نقصت أعمال البر من المستحبات والمندوبات نقص معها كمال الإيمان.
ومتى زادت زاد الإيمان كمالًا وتمامًا، هذا توسط القول في الإيمان.
يعني: هذا هو القول المعتدل فيما يتعلق بتعريف الإيمان.
وأما التصديق بالله تعالى ورسوله فلا ينقص، ولذلك توقف مالك ﵀ في بعض الروايات عن القول بالنقصان، إذ لا يجوز نقصان التصديق؛ لأنه إذا نقص صار شكًا وخرج عن اسم الإيمان.
وقال بعضهم: إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب، وقد قال مالك بنقصان الإيمان وزيادته مثل جماعة أهل السنة، وقول مالك في ذلك مشهور، لكنه قال: الإيمان بالله ورسوله هو التصديق الذي لا يتصور معه النقصان.
لأنني مؤمن بالرسول ﵊، والإيمان بالرسول هو التصديق بأنه أرسل من عند الله ﷿، أيصح أنني في يوم من الأيام أشك في أن الله تعالى أرسله؟ لو شككت لحظة واحدة في أن الله أرسل محمدًا لكفرت بذلك.
فقالوا: إنكار مالك أن الإيمان هو التصديق في باب الإيمان بالله ورسوله فقط، وأن ذلك يتصور النقصان إلا إذا شك، وهو كلام يحتاج إلى تأويل.
وعلى أية حال! ثبت أن الإمام مالكًا ﵀ قال بنقصان الإيمان وزيادته كما قاله جماعة أهل السنة.
قال عبد الرزاق: سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا -الذين هم سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبيد الله بن عمر و
[ ٢٨ / ١٣ ]
نقل النووي لكلام ابن الصلاح في معنى الإسلام والإيمان
وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: قوله ﵊: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)، (والإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)؛ قال: هذا بيان لأصل الإيمان ولزيادة الإيمان وكمال الإيمان وتمام الإيمان إلى آخره.
وأصل الإيمان هو مطلق الإيمان، إذًا: النبي ﵊ يقول: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) وهذا قبل العمل، إذًا: قد توفر فيه أصل الإيمان ومطلق الإيمان.
قال: هذه الشعب الإيمانية بيان لأصل الإيمان وهو التصديق الباطن، وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر، وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين.
وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال انقياده أو اختلاله.
ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، ومقويات ومتممات وحافظات له، ولهذا فسر ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين، وذلك عندما أتى وفد عبد القيس، وقالوا: (يا رسول الله! إن بيننا وبينك مضر، وإنا لا نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا، قال: آمركم بالإيمان، أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتؤدي الخمس من المغنم)، وهذه شعائر الإسلام، ومع هذا أطلق عليها هنا الإيمان؛ لأنها لابد أن تكون موجودة ومصاحبة لإقرار القلب.
ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة.
ويفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان؛ لأن اسم الشيء مطلقًا يقع على الكامل منه، فقوله ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، نفى الإيمان عن الزاني، وهو نفي للإيمان الواجب الذي يأثم العبد بتركه، ومن سوء ما يخل به، ولو قلت: إن هذا نفي لأصل الإيمان للزمني أن أقول: إن من زنى كفر، وهذا الذي وقع فيه الخوارج وكادت المعتزلة أن تقع فيه، أي: كادت المعتزلة أن تذهب إلى مذهب الخوارج، ولكنهم ذهبوا مذهبًا رديئًا أيضًا، وقالوا: هو في منزلة بين المنزلتين، لا نثبت له الإيمان ولا نثبت له الكفر، بل نقول: هو في منزلة بين المنزلتين.
قال: لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة؛ لأن اسم الشيء مطلقًا يقع على الكامل منه، يعني: لو قلت: فلان مؤمن، فمعناه أنه حقق كمال الإيمان، ولذلك في حديث سعد بن أبي وقاص قال: (يا رسول الله! إنك تعطي فلانًا ولا تعطي فلانًا، وهو مؤمن، فقال عليه النبي ﵊: أو مسلم؟)، يعني: يا سعد هذا الرجل يأتي بالشعائر الظاهرة، وعند أن رد النبي ﷺ على سعد قال له: (أو مسلم) لم يكن يقصد نفي الإيمان المطلق، إنما يقصد نفي كمال الإيمان فيما يتعلق بعلم سعد؛ لأنه لا علم له بذلك، ولا يستعمل في الناقص ظاهرًا إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله: (لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها حين ينتهبها وهو مؤمن).
إذًا: نفي الإيمان هنا، إنما هو نفي للإيمان الواجب، أما أصل الإيمان فهو باق؛ لأنه لا يتصور أن يقال: إن الزاني كافر، وإن السارق كافر، وإن القاتل كافر؛ لأن هؤلاء مرتكبون للكبائر، ومرتكب الكبيرة ليس كافرًا، خلافًا للخوارج.
نكتفي بهذا القدر، ولنا إن شاء الله تكملة بعد ذلك.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم
[ ٢٨ / ١٤ ]