شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [٩]
جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان، وجاء عكس ذلك، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية المراد من ذلك ودلالاته.
[ ٩ / ١ ]
أصل مهم في الفرق بين الوصف بالإسلام دون الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهنا أصل آخر، وهو أنه قد جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٤] وقال تعالى في قصة لوط ﵊: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].
وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإيمان والإسلام واحد، وعارضوا بين الآيتين وليس كذلك، بل هذه الآية توافق الآية الأولى؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنًا، وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين.
وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب، وكانت في الظاهر مع زوجها على دينه، وفى الباطن مع قومها على دينهم خائنة لزوجها، تدل قومها على أضيافه، كما قال تعالى فيها: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠]، وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، إذ نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع، وهن الكتابيات، وأما نكاح البغي فهو دياثة، وقد صان الله النبى عن أن يكون ديوثًا.
ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب].
بعد أن ذكر المؤلف ﵀ الأصل الأول: وهو أن الأحكام تجرى على الظاهر في الدنيا، أما في الآخرة فإنها تجرى على الظاهر وعلى الباطن جميعًا، فالمؤمن ظاهرًا وباطنًا عند الله مؤمن، والكافر ظاهرًا وباطنًا عند الله كافر، والمنافق عند الله كافر، فهذا أصل ينبغي معرفته، وهو التمييز بين الحكم الظاهر والباطن، والفرق بينهما، وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع.
[ ٩ / ٢ ]
الآيات التي فرقت بين الإسلام والإيمان أو ساوت بينهما
والأصل الثاني: ما ذكره هنا، وهو أنه قد جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان، مثل الأعراب في سورة الحجرات، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] فإذًا: نفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام.
وكذلك قول الله تعالى في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، وهؤلاء هم أهل بيت واحد، وصفهم بالإيمان ووصفهم بالإسلام، وفي الآية الأولى فرق الله بين الإسلام والإيمان.
[ ٩ / ٣ ]
القول بأن الإسلام والإيمان شيء واحد
واختلف العلماء في تفسير ذلك: فمن العلماء من قال: إن الإسلام والإيمان شيء واحد، فالإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان، ولا فرق بينهما، واستدلوا بهذه الآية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]، فقالوا: هذا بيت واحد وصف بالإيمان، ووصف بالإسلام، فدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد، وذهب إلى هذا طائفة من أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام البخاري، وقالوا: إن هذه الآية تعارض الآية الأولى، وهي: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فتحمل آية الحجرات على المنافقين الذين نفى الله عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام، قالوا: والمراد بالإسلام الذي استثناه هو الإسلام في الظاهر، والمعنى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، يعني استسلمنا وانقدنا للإسلام ظاهرًا نفاقًا، وقال بهذا القول أيضًا الخوارج والمعتزلة.
[ ٩ / ٤ ]
القول بعدم كون الإسلام والإيمان شيئًا واحدًا
القول الثاني: وهو قول جمهور أهل السنة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الإيمان والإسلام ليسا شيئًا واحدًا، بل إذا اجتمعا فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة، والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، وإذا أفرد أحدهما بالذكر دخل فيه الآخر.
وأجابوا عن هذه الآية: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] بأنه بيت واحد تحقق فيه وصف الإيمان، ووصف الإسلام، فلوط وابنتاه اتصفوا بالإسلام والإيمان، وزوجة لوط اتصفت بالإسلام.
قالوا: وأما آية الحجرات فإنها تتحدث عن ضعفاء الإيمان، وليست في المنافقين، فقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] يعني: ولكن قولوا أسلمنا؛ لأنهم لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، وهم أظهروا الإسلام، ولكنهم لا يطلق عليهم الإيمان لضعف إيمانهم، ويدل على ذلك أن هذه السورة ليست في المنافقين، وإنما هي في العصاة، وتسمى سورة الآداب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات:١٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣]، ثم قال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ثم قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] يعني: أنه متوقع دخوله، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤]، فأثبت لهم طاعة، ولو كانت في المنافقين لما أثبت لهم طاعة، ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧]، فأثبت لهم إسلامًا.
فدل على أن هذه الآية في ضعفاء الإيمان، وهذا هو الأرجح، ولهذا فإن المؤلف ﵀ ذكر القولين، قال: (وقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية، وهي: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦] تقتضي أن مسمى الإيمان والإسلام واحد، وعارضوا بين الآيتين) وبين المراد بهذه الآية وآية الحجرات، فآية الحجرات أثبتت لهم الإيمان ونفت عنهم الإسلام، وآية الذاريات تصفهم بالإيمان والإسلام معًا.
[ ٩ / ٥ ]
بيان توافق معنى آية الحجرات وآية الذاريات
قال المؤلف: (وليس كذلك بل هذه الآية توافق الآية الأولى) أي: أن آية الذاريات توافق آية الحجرات؛ لأن الله أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنًا، قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥]، وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين، وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، فقال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦]، أي: ومنهم امرأة لوط، ولكن من حصل لهم الإخراج وصفهم الله بالإيمان، وامرأة لوط ليست من المخرجين، وأما الموجودون في البيت فقد وصفهم جميعًا بالإسلام فقال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦]، وامرأة لوط كانت كافرة، هي موجودة معهم في البيت، فلما كانت معهم وصفهم الله بالإسلام؛ لأنها كانت تظهر أنها على دين زوجها، وهي في الحقيقة على دين قومها، ولذلك لم يخرجها الله معهم، وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] ومعهم المرأة؛ لأنها من الذين أظهروا الإسلام.
ولهذا يقول المؤلف ﵀: (وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب) كما قال تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء:١٧١] أي: في الباقين، وكانت في الظاهر مع زوجها على دينه، فتظهر الإسلام، وفي الباطن مع قومها على دينهم، خائنة لزوجها تدل قومها على أضيافه، فإذا جاء إلى لوط أضياف دلت عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [التحريم:١٠] وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش؛ لأن زوجة النبي مصونة العرض، وإنه ما بغت امرأة نبي قط، وهذا من صيانة الله لأنبيائه.
[ ٩ / ٦ ]
حكم نكاح البغايا والكافرات
إن كان نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، كما في شريعة لوط، وفي شريعتنا يجوز للمسلم أن يتزوج الكافرة إذا كانت كتابية يهودية أو نصرانية؛ لقول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] أي: إذا كانت من الذين أوتوا الكتاب وهي عفيفة الفراش، فيجوز للمسلم أن يتزوجها، فإن اليهودية والنصرانية أخف كفرًا من الوثنية.
فلا يجوز للمسلم أن يتزوج وثنية، ولا مجوسية، ولا شيوعية، ولا غيرها من الكافرات إلا اليهودية والنصرانية بشرط أن تكون محصنة، يعني عفيفة طاهرة في عرضها.
وفي شرع من قبلنا كشريعة لوط وشريعة نوح كان يجوز الزواج من امرأة كافرة.
وأما نكاح البغايا والزانيات فقد صان الله الأنبياء عن أن تكون في بيوتهم بغي، وقد صان الله الأنبياء عن الدياثة.
ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب، فالزانية لا يجوز نكاحها حتى تتوب؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] أي: فالزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ما دامت على زناها ولم تتب، ولكن إذا صحت توبتها وظهرت فيجوز أن يتزوجها المسلم.
ومن هذا أن بعض الناس والعياذ بالله يقول: قد يقع رجل مع امرأة في الفاحشة، فإذا علم أهلها أنه عمل بها الفاحشة قالوا: نريد أن نزوجها إياه حتى نستر عليهما، وهذا لا يجوز؛ لأنها هي عاهرة، ولا يتزوج بها، فإنها زانية، ولابد أن يفرق بينهما، حتى تظهر توبتها وصلاحها، وتظهر توبته وصلاحه، ثم بعد ذلك يتزوج هو أو غيره بها.
والولد الذي جاء من السفاح لا يجوز أن ينسب إلى الذي زنى، بل هو لقيط، فيفرق بينهما، وهذا الولد يكون لقيطًا ليس له أب، ولا ينسب إلى أحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمقصود أن امرأة لوط ﵊ لم تكن مؤمنة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] وكانت من أهل البيت المسلمين، وممن وجد فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] وبهذا تظهر حكمة القرآن، حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود].
أي: أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة، بل كانت كافرة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] وهو بيت واحد وفيه امرأة لوط، لكن لما أخرج الله لوطًا وابنتيه لم تخرج المرأة، بل هلكت وأصابها ما أصاب قومها؛ لكفرها وضلالها، فلم تكن من أهل البيت المخرجين، ولكن كانت من أهل البيت المسلمين، وممن وجد فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] أي: وجدنا في هذه القرية بيتًا من المسلمين.
وسماهم الله مسلمين وفيهم امرأته؛ لأنها أظهرت الإسلام، وهي في الباطن مع قومها، فتجرى عليها أحكام الإسلام.
(وبهذا تظهر حكمة القرآن، حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود) أي: لما ذكر الإخراج وصفهم بالإيمان، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥]؛ لأن المرأة الكافرة لم تكن معهم، ولما ذكر الوجود ذكر الإسلام؛ لأنها أظهرت الإسلام، فهي معهم في الإسلام الظاهر، والأحكام تجرى على الظاهر.
[ ٩ / ٧ ]
مسمى الإيمان والإسلام: مدلولهما، والفرق بينهما
[ ٩ / ٨ ]
عموم الإسلام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وفرق بين هذا وهذا، فهذه ثلاثة مواضع في القرآن].
فرق الله تعالى في كتابه العظيم بين الإيمان والإسلام في ثلاثة مواضع: فالموضع الأول: في سورة الحجرات، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أثبت لهم الإسلام ونفع عنهم الإيمان.
الموضع الثاني: في سورة الذاريات، يقول تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].
الموضع الثالث: في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
وكذلك جاء في السنة حديث سعد بن أبي وقاص الذي رواه الشيخان وغيرهما أنه لما وصف سعد رجلًا بالإيمان قال: (أو مسلم) ففرق بين الإيمان والإسلام.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁، (أعطى رسول الله ﷺ رجالًا ولم يعط رجلًا، فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن قال: أو مسلم، قال: ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلانًا وفلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال أو مسلم؟ مرتين أو ثلاثًا)، وذكر في تمام الحديث: (أنه يعطي رجالًا ويدع من هو أحب إليه منهم؛ خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم).
قال الزهري ﵀: فكانوا يرون أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل].
هذا الحديث وهو حديث سعد أن النبي ﷺ أعطى رجالًا ولم يعط رجالًا، أي: أعطاهم من الغنائم يتألفهم على الإسلام، والنبي ﷺ لا يعطي على الهوى، ولكن يعطي ضعفاء الإيمان حتى يتقوى إيمانهم وحتى لا يرتدوا، وأقوياء الإيمان لا يعطيهم، وإنما يكلهم إلى إيمانهم، فعطاؤه ﵊ هو لله وليس عن الهوى.
فلما أعطى النبي ﷺ رجالًا وترك رجلًا، قال: سعد: فترك رجلًا هو أعجبهم إلي أرى أنه مؤمن، فكيف يتركه الرسول ﷺ ولا يعطيه؟ ولا يدري ما الحكمة في ذلك، يظن أنه من كان قوي الإيمان يعطيه ومن كان ضعيف الإيمان لا يعطيه، فقال: (يا رسول الله! مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال النبي ﷺ: أو مسلم؟ -يعني: ما بلغ درجة الإيمان- فسكت سعد ﵁، قال: ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله! أعطيت فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم، للمرة الثانية، فسكت سعد، ثم غلبه ما يجد، فقال في المرة الثالثة، يا رسول الله! مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: أو مسلم، ثم قال النبي ﷺ: إني أعطي رجالًا وغيرهم أحب إلي خشية أن يكبهم الله في النار)، أي: أحس أنه سيرتد، فهو ضعيف الإيمان، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١].
وفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال: (إني لأعطي رجالًا لما في قلوبهم من الهلع والجزع، وأترك أقوامًا لما في قلوبهم من الخير، منهم فلان وفلان) فقال من استثناه: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله الدنيا وما فيها.
فالنبي ﷺ يعطي ليتألف على الإسلام.
والشاهد من الحديث أن النبي ﷺ أثبت له الإسلام ورفع منزلته.
أما قول الزهري: (فكانوا يرون الإسلام الكلمة والإيمان العمل)، فقد سبق في مسمى الإسلام، وقد قلنا إن فيه ثلاثة أقوال: القول الأول للزهري وجماعة: أن الإسلام هو كلمة النطق بالشهادتين، والإيمان هو العمل، لكن الزهري إمام وليس مقصوده ﵀ أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان بل المقصود أن الكافر إذا نطق بالشهادتين تميز عن اليهودي والنصراني وحكم له بالإسلام، وإلا فالعمل داخل في مسمى الإسلام.
القول الثاني: أن الإسلام والإيمان مترادفان، فالإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام.
والثالث: أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة.
والقول الرابع وهو الصحيح الراجح: أنها تختلف دلالة الإسلام والإيمان بالتفرد والاقتراب، فإذا قرن الإسلام بالإيمان صار لكل واحد معنى، وصار الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة كما في حديث جبريل، وإذا أفرد الإسلام دخل فيه الإعمال الظاهرة والباطنة، وإذا أفرد الإيمان دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأجاب سعدًا بجوابين: أحدهما أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا].
هذا هو الجواب الأول الذي أجاب به النبي ﷺ سعدًا وهو: أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلمًا لم يصل إلى درجة الإيمان، ولهذا لما قال سعد ﵁: والله إني لأراه مؤمنًا، قال: أو مسلم، أي: ما وصل إلى درجة الإيمان؛ لأن المسلم هو الذي عنده تقصير في بعض الواجبات، فهو مسلم موحد لكن عنده تقصير في بعض الواجبات، أو يفعل بعض المحرمات، فإذا أدى الواجب وترك المحرمات يسمى مؤمنًا بإطلاق، وإن كان مسلمًا لابد له من إيمان يصحح إسلامه، لكن لا يطلق عليه اسم الإيمان إذا كان عاصيًا، بل يسمى مسلمًا ولا يسمى مؤمنًا، فإذا أدى الواجبات وترك المحرمات يسمى مؤمنًا بإطلاق.
فهذا هو الجواب الأول ومعناه: أن هذا الذي تشهد له بالإيمان قد يكون مسلمًا، وما وصل إلى درجة الإيمان، وذلك لتقصيره في بعض الواجبات، أو لفعله بعض المحرمات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الثاني: إن كان مؤمنًا وهو أفضل من أولئك، فأنا قد أعطي من هو أضعف إيمانًا؛ لئلا يحمله الحرمان على الردة فيكبه الله في النار على وجهه، وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم].
هذا هو الجواب الثاني، وهو أنه لو سلمنا أنه مؤمن كما تقول يا سعد فأنا أعطي المال لمن كان أضعف إيمانًا حتى يتقوى إيمانه، أما هذا فقوي الإيمان فلا أعطيه بل أتركه لإيمانه، وضعيف الإيمان أعطيه لئلا يحمله الحرمان على الردة.
[ ٩ / ٩ ]
الأسئلة
[ ٩ / ١٠ ]
الحكمة في ترك النبي ﷺ قتل المنافقين
السؤال
الرسول ﵊ عرف أن عبد الله بن أبي منافق، فلماذا لم يقتله، ولماذا لم يظهر أصحابه على أسماء المنافقين؟
الجواب
بين النبي ﷺ ذلك وقال: لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لأن من لم يعرفهم من اليهود والنصارى وغيرهم يرى أن عبد الله بن أبي من الصحابة، فإذا قتله النبي ﷺ قالوا: محمد يقتل أصحابه، وهذا تنفير عن الدين، ولا يعلمون أن هناك منافقين؛ لأن عبد الله بن أبي وغيره يظهرون أنفسهم أنهم من المسلمين ويعتبرون أنفسهم من الصحابة فإذا قتلوا تحدث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه، فكان في هذا تنفير عن الإسلام.
وأما كونه لم يعلم بأسمائهم فهناك أسماء أسرهم النبي ﷺ إلى حذيفة، وهناك منافقون لا يعلمهم، فليس كل المنافقين يعلمهم، ولهذا قال الله تعالى للصحابة: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١].
إذًا هناك بعض المنافقين لا يعلمهم النبي ﷺ، وبعضهم أعلمه الله بهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٢٩ - ٣٠]، وفي الآية الأخرى قال تعالى: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١]، فبعضهم يعلمهم وبعضهم لا يعلمهم.
[ ٩ / ١١ ]
الخلاف في التفريق بين عوام الشيعة والخوارج وأئمتهم
السؤال
هل يفرق بين عوام الصوفية والخوارج والشيعة، وبين أئمتهم؟
الجواب
بعض العلماء فرق بينهم وآخرون من أهل العلم جعلوا حكم العامة حكم غيرهم؛ لأنهم تبع لهم؛ ولأن الله تعالى جعل حكم عوام الكفار والتابعين كحكم المتبوعين، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧]، ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨] أي: للتابعين والمتبوعين.
وقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، ثم قال بعد ذلك: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة:١٦٧]، فالتابعون والمتبوعون والعوام والسادة حكمهم واحد.
[ ٩ / ١٢ ]
واجب الأبناء تجاه الوالدين بعد موتهما
السؤال
لقد بلغت من العقوق لوالدي أيام حياته شيئًا كثيرًا، حتى أنني لعنته في الصغر وقد مات والدي ﵀، وأنا الآن نادم على ذلك فما المخرج من ذلك، مع العلم بأني تعيس في حياتي وتزداد تعاستي كلما تذكرت ذلك؟
الجواب
هذه عقوبة معجلة لقطيعة الرحم؛ لكن عليك التوبة ومن تاب تاب الله عليه، وعليك مع ذلك أن تدعو لوالديك وتستغفر لهما في ظهر الغيب، وتكثر من الدعاء لهما ليل نهار، وتتصدق عنهما، وتحج عنهما، وتعتمر عنهما وكل هذا ينفعهم.
(جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما)، وهذه كلها من الحقوق، الدعاء وإنفاذ الوصية والعهد، وإكرام صديقهما، والصدقة، والحج والعمرة وكل هذا ينفعهم.
[ ٩ / ١٣ ]
الخلاف في رؤية الكفار لربهم بعد الموت
السؤال
ما المقصود من قوله جل وعلا ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] هل هم الكفار فقط أم يشمل المنافقين، ومتى يحجبون عن الله ﵎؟
الجواب
هذا يشمل جميع الكفار، فكل الكفار محجوبون عن الله، والمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة، يرونه في موقف القيامة ويرونه بعد دخولهم الجنة.
وأما الكفار فقد اختلف العلماء في رؤيتهم لربهم في الموقف، فمن العلماء من قال: بأنه يراه أهل الموقف جميعًا، ومنهم الكافرون، ثم يحتجب عن الكفرة.
وقيل: لا يراه إلا المؤمنون فقط.
وقيل: لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون؛ لأن المنافقين مع المؤمنين في الدنيا.
فهذه أقوال ثلاثة لأهل العلم، ومن قال إن المؤمنين والكفار يرون ربهم قال: إن الكفار يرون الله في موقف القيامة ولكن لا تفيدهم هذه الرؤية بل تكون عذابًا لهم، كالسارق الذي يؤتى به أمام الأمير وأمام الملك يوبخه، ثم بعد ذلك يعاقب، وتكون هذه زيادة عقوبة له.
ومن العلماء من استدل بهذه الآية على أن جميع الكفرة محجوبون عن الله، وقال: لا يراه إلا المؤمنون: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ﴾ [المطففين:١٥]، فالضمير للكفرة بجميع أصنافهم و﴿يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] أي: يوم القيامة.
[ ٩ / ١٤ ]
الجمع بين حديث: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، وأن أهل الكبائر تحت المشيئة
السؤال
كيف نجمع بين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)، وبين ما استقر من نصوص الشريعة عند أهل السنة من أن أهل الكبائر تحت المشيئة إن شاء الله غفر لهم وإن شاء أدخلهم النار؟
الجواب
لا يوجد منافاة، فهذا من باب الوعيد عند أهل السنة، وقد ينفذ الوعيد وقد لا ينفذ، والوعيد قد ينفذ في بعضهم، فقاطع الرحم تحت مشيئة الله إن شاء الله غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه فلا يدخل الجنة مع الأولين، بل يعذب ثم يدخل الجنة بعد ذلك، إذا لم يكن عنده كفر أكبر أو نفاق أكبر أو شرك أكبر، فلا توجد منافاة.
[ ٩ / ١٥ ]
حكم بقاء المرأة في عصمة زوج يتعمد تأخير الصلاة
السؤال
أنا امرأة متزوجة ولدي أولاد، وزوجي -هداه الله- ينام طيلة اليوم ولا يصلي أحيانًا أكثر الصلوات إلا جمعًا، فيصلي الظهر مع العصر والفجر مع الظهر أو مع العصر وهكذا، هذا ديدنه، علمًا بأنه يتكاسل حتى عن أغراض كثيرة نحتاجها للبيت في فترة نومه وبعد استيقاظه، فما حكم ذلك؟
الجواب
أغراض البيت سهلة، لكن المصيبة الصلاة، فكيف يجمع الفجر مع الظهر، والفجر لا تجمع مع الظهر لا للمسافر ولا للمريض ولا غيره، وهو يجمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذا نخشى عليه من الردة والكفر.
وبعض العلماء يرى أنه إذا تعمد تأخير الصلاة عن وقتها تكون ردة وكفرًا والعياذ بالله، فالواجب على هذه المرأة أن تنصح هذا الرجل فإن لم يقبل تذهب إلى أهلها وتتركه، ولا يجوز لها البقاء عنده على هذه الحال.
بعض العلماء يرى كفره وضلاله، وقال آخرون: إنها جريمة عظيمة أعظم من جريمة الزاني والسارق وشارب الخمر والعاق لوالديه وقاطع الرحم.
والمقصود أن على هذه المرأة أن تذهب إلى أهلها وتترك هذا الرجل حتى يتوب إلى الله، ولا تبقى عنده.
[ ٩ / ١٦ ]
حكم زواج الرجل بامرأة زنى بها
السؤال
إذا زنا رجل بامرأة وأرادوا منه التزوج بها قبل توبتهما، فهل نقول بجواز ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾ [النور:٣]، فهما لم يتوبا، فهل يصح زواجهما، وما حكم ذلك؟
الجواب
لا يجوز أن تزوج وهي زانية، وإن كان بينهما ولد فهو سفاح، ويفرق بينهما، ويقام الحد على الرجل وعلى المرأة، فالرجل يجلد مائة جلدة ويغرب عامًا، والمرأة تجلد مائة جلدة وتغرب، وإن كانت متزوجة ترجم بالحجارة حتى تموت، وإذا صحت التوبة بعد ذلك وظهرت توبتها وإصلاحها تزوج، وهو إذا صحت توبته يزوج منها أو من غيرها، أما أن تزوج وهي على زناها والعياذ بالله، فهذا منكر.
[ ٩ / ١٧ ]
حكم وصف الله بالصانع
السؤال
هل يجوز أن يطلق على الله جل وعلا وصف الصانع؟
الجواب
لا، وهذا من باب الخبر، وباب الخبر أوسع من باب الوصف عند أهل العلم، فيذكر عن الله بأنه صانع، بأنه شيء، وبأنه ذات، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩]، يخبر عن الله بأنه موجود، ولكن لا يقال: إن من أسماء الله الموجود أو الصانع أو الذات.
فالقاعدة عند أهل العلم أن الخبر أوسع من باب الصفة؛ لأن الصفة توقيفية وكذلك الأسماء، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، وأطلقه على نفسه كالعليم، السميع، البصير.
أما الإخبار عن الله بأنه صانع، أو بأنه ذات، أو بأنه شيء، فهذا من باب الخبر لا من باب الوصف فيجوز.
[ ٩ / ١٨ ]
شرط نكاح الكتابية
السؤال
هل من شروط للزواج من الكتابية؟
الجواب
نعم، يشترط أن تكون الكتابية محصنة لجواز الزواج بها، فتكون محصنة عفيفة تعمل بدينها، وتعرف بأنها من أهل الكتاب، أما إذا تحللت من دينها فقد صارت جاحدة أو معطلة تخرج عن أهل الكتاب.
[ ٩ / ١٩ ]
حكم ولد الزنا
السؤال
ما الحكم في الابن الذي أتى من الزنا؟
الجواب
يكون لقيطًا من اللقطاء، فإذا كان هناك دار خاصة له يتربى فيها فهو أفضل، وإن لم يكن أخذه أحد المسلمين ورباه حتى يكبر وله الأجر.
[ ٩ / ٢٠ ]
حكم مخالفة أهل السنة في مسائل الإيمان
السؤال
ما حكم من خالف أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان؟
الجواب
هذا السؤال مجمل، فما المراد بمسائل الإيمان؟ هل في شعب الإيمان؟ أو خالف أهل السنة والجماعة في أنه ما عمل بشرائع الإيمان، فيكون عاصيًا، أو هل خالف المعتقد؟ فينظر مراد السائل.
[ ٩ / ٢١ ]
حكم تزويج اللقيط
السؤال
ما هو حكم تزويج اللقيط؟
الجواب
إذا كان يرضى دينه، وكان مستقيمًا فلا بأس بذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وهو ليس عليه شيء، بل يكون فردًا من أفراد المسلمين، يزوج كغيره، والإثم على الزاني وليس عليه.
[ ٩ / ٢٢ ]
حكم إمامة ولد الزنا
السؤال
هل يكون ولد الزنا إمامًا في الصلاة؟
الجواب
نعم، يكون إمامًا، كما ذكر الفقهاء وقالوا: تصح إمامة ولد الزنا، إذا سلم دينه وصح؛ لأنه ليس عليه الإثم، إنما الإثم من الزاني.
[ ٩ / ٢٣ ]
كلام مسيء إلى النبي ﷺ
السؤال
يقول أحدهم: وكذلك ذله -يعني: النبي ﷺ- وانكساره بين يدي الله عندما يطالع المقامات العظيمة، والمنن الوفيرة التي أعطيها؛ ما ذلك إلا لأنه أوتي شيئًا هو أحقر من أن يعطاه ببشريته وإنسانيته وآدميته ودينه، فما رأيكم في مثل هذا الكلام؟
الجواب
هذا الكلام ليس بطيب، بل هو كلام سيء، فإننا لا نشك أن الرسول كان متواضعًا، فهو يتواضع لربه ﵊، عندما دخل مكة دخلها وقد خفض رأسه، تواضعًا لربه ﷿.
وقوله: (أحقر من أن يعطى ببشريته) فإنه ﵊ أهل لذلك، فلولا أنه أهل لذلك لما أعطاه الله ذلك، والله تعالى كمله وجعله في أعلى مقام العبودية والرسالة، فكيف يكون أحقر في ذلك؟
[ ٩ / ٢٤ ]