شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [١٢]
لقد ثبت بالنصوص القاطعة من الكتاب والسنة تسمية بعض الأعمال كفرًا، مع أن صاحبها موحد له من الأعمال الصالحة ما له، فوجب تفسيرها على أن المراد بها الكفر أو الشرك الأصغر، وهذا معتقد الفرقة الناجية، معتقد أهل السنة والجماعة، وهم في ذلك وسط بين الوعيدية والمرجئة.
[ ١٢ / ١ ]
النصوص الدالة على أن المعاصي لا تزيل إيمانًا ولا توجب كفرًا وإنما تنفي حقيقته
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنة نحوًا مما وجدنا في النوعين الأولين، فمن الشاهد على الشرك في التنزيل: قول الله ﵎ في آدم وحواء عند كلام إبليس إياهما ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف:١٨٩] إلى ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠]، وإنما هو في التأويل: أن الشيطان قال لهما: سميا ولدكما عبد الحارث، فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة والمكان من الله؟! فقد سمى فعلهما شركًا وليس هو الشرك بالله].
سبق أن المؤلف ﵀ ذكر أن المعاصي التي يفعلها المؤمنون جاءت على أربعة أنواع: النوع الأول: نفي الإيمان عن العاصي، كقوله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن).
النوع الثاني: البراءة منه، كقوله ﵊: (برئ النبي ﷺ من الصالقة والحالقة والشاقة).
النوع الثالث: أن يخبر عنه بأنه شرك، كقوله ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
النوع الرابع: أن يخبر عنه بأنه كفر، كقول النبي ﷺ: (اثنتان في الناس هما بهم كفر).
وسبق الكلام على بيان معناها وتأويلها عند أهل العلم، وذكر المؤلف ﵀ مثالًا هنا لما ورد في النصوص تسميته شركًا، وهو من الكبائر ومن الشرك الأصغر الذي لا يصل إلى حد الشرك الأكبر فقال: (فمن الشاهد على الشرك في التنزيل قول الله ﵎ لآدم وحواء عند كلام إبليس إياهما: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩٠]، أن الشيطان قال لهما: سميا ولدكما عبد الحارث، فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة والمكان من الله؟! فقد سمى فعلهما شركًا وليس هو الشرك بالله.
هذه القصة ذكرها الله ﷾ في كتابه يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف:١٨٩]، ظاهر السياق أنه في آدم وحواء، فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف:١٨٩] هي آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١] هي حواء ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] أي: ليسكن آدم إلى زوجه ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] يعني: جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٨٩].
دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا، يعني: ولدًا حليمًا مستوي الخلقة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٨٩] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠]، ذكر المفسرون في تفسير هذه الآية أثرًا عن ابن عباس ﵄: أن الشيطان جاء لهما لما حملت حواء وقال لهما: سمياه عبد الحارث؛ لئن لم تسميه عبد الحارث لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقها، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا ثم حملت المرة الثانية فأتاهما فقال لهما مثل ذلك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت في المرة الثالثة فقال لهما مثل ذلك فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث.
[ ١٢ / ٢ ]
أمثلة من الكتاب والسنة على تسمية بعض الذنوب شركًا وليست بشرك أكبر
[ ١٢ / ٣ ]
تفسير قوله تعالى: (فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما)
جاء في الأثر عن ابن عباس ﵄ أن الشيطان جاء إلى آدم وحواء لما حملت حواء وقال لهما: سمياه عبد الحارث، لئن لم تسمياه عبد الحارث لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت المرة الثانية فأتاهما فقال لهما مثل ذلك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت في المرة الثالثة فقال لهما مثل ذلك، فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قول الله تعالى: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠].
قوله: (شركاء) يعني: شركاء في التسمية والطاعة، وليس شركًا في العبادة، وهذه القصة من أخبار بني إسرائيل لا تثبت، لكن روي عن الحسن وغيره قال: أشفقا أن يكون بهيمة، وقال بعضهم: شركاء في التسمية والطاعة وليس في العبادة، وكون هذه القصة لا تثبت فالآية كافية لمن تدبرها وتأملها فإنها ظاهرة في آدم وحواء.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف:١٨٩] هي آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] هي حواء، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] جامعها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ [الأعراف:١٨٩] ثقل الحمل في بطنها ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ [الأعراف:١٨٩] يعني: إنسانًا مستويًا سليم الأعضاء ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩٠].
أما قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠] فهو انتقال من الشخص إلى جنس الذرية، وقال بعض العلماء: إن الآية في الجنس لا في آدم، لكن الصواب: أنها في آدم وحواء، وهذا هو الظاهر من الآية، والشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه ذكرها في كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف:١٩٠] وذكر أثر ابن عباس بصرف النظر عن كونه ثابتًا أو غير ثابت، وذكر الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب تيسير العزيز الحميد: أن الآية صريحة في أن القصة في آدم وحواء، وأن على هذا تفاسير السلف، وأن إنكار كون الآية في آدم وحواء مكابرة وعدول عن تفاسير السلف إلى تفاسير أهل البدع.
ومن العلماء من قال: إنها ليست في آدم وحواء، وإنما هي في جنس بني آدم، وذهب إلى هذا فضيلة الشيخ: محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ في كتابه القول المفيد، وقال: إنه لا يمكن أن يقع الشرك من آدم، والأنبياء معصومون من الشرك، ولو كان وقع الشرك لذكر الله توبتهما منه كما ذكر توبتهما من الأكل من الشجرة.
والصواب والذي يظهر لي: أنها في آدم وحواء، وأن هذا شرك في التسمية، وقع منهم الذنب في التسمية كما وقع الذنب في الأكل من الشجرة، ولهذا قال العلماء: إن من ينكر وقوعهما في طاعة الشيطان في التسمية كيف يغفل عن معصيتهما في المرة الأولى، فهما وقعا في المعصية وأكلا من الشجرة، وسول لهما مرة أخرى وأطاعاه في التسمية، فهو شرك في التسمية لا شرك في العبادة.
أما قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩٠] فهذا في الذرية، فهو انتقال من الشخص إلى الجنس، والشرك في هذه الآية ليس شركًا في العبادة والتوحيد، وإنما هو شرك في الطاعة والتسمية، وهو لا يمنع وقوعهما منهما كما وقعت المعصية منهما في أول الأمر، والمؤلف ﵀ ذهب إلى أنها في آدم وحواء وقال: (فمن الشاهد على الشرك في التنزيل قول الله تعالى في آدم وحواء عند كلام إبليس ثم قال: وإنما هو في التأويل: أن الشيطان قال لهما: سميا ولدكما عبد الحارث، فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة؟!) فالمقصود: أن الله أخبر أنه وقع منهما الشرك، وآدم نبي ﵊، فهل يتوهم أحد وقوع الشرك الأكبر منه، والأنبياء معصومون من الشرك الأكبر وفيما يبلغون عن الله؟ قوله: (فقد سمى فعلهما شركًا وليس هو الشرك بالله)، يعني: هو شرك أصغر، شرك في الطاعة والتسمية ينافي كمال التوحيد.
فالشرك الذي وقع من الأبوين شرك في طاعة الشيطان في التسمية، فإنما سمياه عبد الحارث وليس شركًا في العبادة، ولهذا استدل المؤلف ﵀ بهذه الآية على أن بعض المعاصي تسمى شركًا كقوله ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) فكما سمى الحلف بغير الله شركًا، فكذلك سمى ما وقع من الأبوين شركًا في التسمية وهو شرك أصغر، ويكون قد تابا منه، فهذا مثال في الشرك الذي لا يخرج من الملة.
[ ١٢ / ٤ ]
مثال من السنة على تسمية بعض الذنوب شركًا
قال المؤلف ﵀: [وأما الذي في السنة: فقول النبي ﷺ: (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر)، فقد فسر لك بقوله: (الأصغر) أن هاهنا شركًا سوى الذي يكون به صاحبه مشركًا بالله].
هذا مثال من السنة على تسمية بعض الذنوب شركًا وليس شركًا في العبادة، وإنما هو كبيرة من الكبائر وسمي شركًا، وهو الرياء: (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر).
والمؤلف يشير إلى حديث النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الرياء، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه)، فالرياء شرك أصغر، وكذلك الحلف بغير الله شرك أصغر، فبعض الذنوب تسمى شركًا ولا يكون ذلك شركًا في العبادة.
قال المؤلف ﵀: [ومنه قول عبد الله: الربا بضع وستون بابًا، والشرك مثل ذلك].
أي: أن الشرك مثل الربا أبوابه كثيرة، والحديث أخرجه البزار من حديث ابن مسعود ولا بأس بسنده.
[ ١٢ / ٥ ]
بيان وجه الدلالة من النصوص السابقة وتوجيهها
قال المؤلف ﵀: [فقد أخبرك أن في الذنوب أنواعًا كثيرة تسمى بهذا الاسم، وهي غير الإشراك التي يتخذ لها مع الله إلهًا غيره].
هذا بيان وجه الدلالة من هذه النصوص، يقول: هناك ذنوب كثيرة سميت شركًا، منها: ما وقع من الأبوين، ومنها: الرياء، ومنها: الحلف بغير الله، ومنها ما جاء في حديث ابن مسعود أن الربا بضع وستون بابًا، والشرك مثل ذلك، يعني: هو بضع وستون بابًا، وهي ذنوب سميت شركًا.
قوله: (وهي غير الإشراك الذي يتخذ لها مع الله إلهًا غيره) يعني: غير الشرك الأكبر الذي يكون شركًا في العبادة ويخرج من الملة، وإنما هي معاص وكبائر سميت شركًا، فهي تضعف الإيمان وتنقصه، ولا يخرج صاحبها عن اسم الإيمان بل يبقى اسم الإيمان عليه كسائر المعاصي، فإذا ارتكب كبيرة، زنا أو سرق أو شرب الخمر أو عق والديه أو قطع رحمه أو شهد زورًا أو حلف بغير الله فإن إيمانه يكون ضعيفًا ناقصًا، ولن ينتهي إلا إذا فعل الشرك الأكبر، فالمؤلف يبين أن بعض الذنوب تسمى شركًا ولا يخرج صاحبها عن الإيمان، وإن كانت أكبر من الكبائر، ولذلك ما سميت شركًا وكفرًا أكبر من الكبائر إلا لأنها لا تخرج من الملة؛ لأنها ليست شركًا في العبادة ولا ناقضًا من نواقض الإسلام.
قال المؤلف ﵀: [تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلا أنها أخلاق المشركين وتسميتهم وسننهم وألفاظهم وأحكامهم ونحو ذلك من أمورهم].
سبق الكلام أن الأصل في هذا أن يقال: إن هذه النصوص تفيد الوعيد والزجر وأنها من الكبائر، وما سميت شركًا أو كفرًا فهو أصغر لا يخرج من الملة ما لم يكن شركًا في العبادة أو ناقضًا من نواقض الإسلام، فإذا حلف بغير الله يكون إيمانه ناقصًا وضعيفًا، لكن لا يخرج من الإيمان ولا ينتهي إيمانه إلا بالشرك الأكبر.
[ ١٢ / ٦ ]
أمثلة من الكتاب والسنة على تسمية بعض الذنوب كفرًا وليست كفرًا أكبر
[ ١٢ / ٧ ]
أحوال الحكم بغير ما أنزل الله
قال المؤلف ﵀: [وأما الفرقان فالشاهد عليه بالتنزيل: قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
وقال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة، وقال عطاء بن أبي رباح: كفر دون كفر، فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا خلاف الكفار وسنتهم على ما أعلمتك من الشرك سواء؛ لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله، ألا تسمع قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، تأويله عند أهل التفسير: أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون].
هنا قوله: (وأما الفرقان) فلعله (وأما الكفر)، وقوله: (فقد تبين أنه كان) الأصح (فقد تبين لنا إذ كان)، وقوله: (إلا خلاف الكفار وسنتهم) الأصح (إلا أخلاق الكفار).
هذا مثال للكفر الذي لا يخرج من الملة، مثله المؤلف ﵀ بقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، واستدل بتفسير ابن عباس وتفسير عطاء، قال ابن عباس في هذه الآية الكريمة: ليس بكفر ينقل عن الملة، وكمال كلام ابن عباس ولم يذكره المؤلف قوله: ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعله فهو فيه أو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، هذا تكملة الأثر عند ابن عباس، وقال عطاء بن أبي رباح: (كفر دون كفر) على هذا يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أصغر.
والصواب: أن الآية محتملة للكفر الأكبر والكفر الأصغر على حسب الحاكم واعتقاده، فإن حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن الحكم بما أنزل الله لا يناسب العصر، وأنه لا يناسب العصر إلا الحكم بالقوانين الوضعية فإن هذا كفر أكبر يخرج عن الملة، وكذا إذا حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن الحكم بما أنزل الله مماثل الحكم بالقوانين والآراء وأنهما سيان، وأن الإنسان مخير بين أن يحكم بما أنزل الله أو يحكم بالقوانين والآراء فهذا كفر أكبر يخرج من الملة، وكذا إذا حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن الحكم بما أنزل الله أحسن وأفضل إلا أنه يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا أيضًا كفر أكبر يخرج من الملة؛ لأنه استحل أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة تحريمه، والحكم بغير ما أنزل الله حرام بالإجماع، فإذا استحله ورأى أن الحكم بالقوانين والآراء جائز صار كافرًا كفرًا أكبر، ولو اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن، وكذلك إذا حكم بغير ما أنزل الله واستهان بحكم الله، وكذا إذا بدل الدين رأسًا على عقب.
فالمقصود: أن الآية محتملة للكفر الأكبر والأصغر، والمؤلف ﵀ مثل بها للكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة وأنه ينافي الإيمان، ولهذا علق عليها فقال: (فقد تبين لنا إذ كان) يعني الحكم بغير ما أنزل الله (إذ كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله) يعني: أن من حكم بغير ما أنزل الله يكون دينه باق وإيمانه باق ولا يخرج من الملة ولا ينتهي إيمانه؛ لأنه لم يفعل شركًا في العبادة ولم يفعل ناقضًا من نواقض الإسلام، وإنما فعل كبيرة من كبائر الذنوب وإن سميت كفرًا، إلا أنها لا تخرج من الملة، فيكون إيمانه ضعيفًا وناقصًا، ويكون فاسقًا بهذا العمل لكنه لا يخرج من الملة، ولهذا قال المؤلف ﵀: (فقد تبين لنا إذ كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا أخلاق الكفار وسنتهم على ما أعلمتك من الشرك سواء؛ لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله، ألا تسمع قوله ﷿: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون) فالمعنى: أنه لا يخرج من الملة، وإن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب وكفرًا أصغر لا يخرج من الملة ولا ينتهي إيمانه بذلك، بل يكون إيمانه ضعيفًا وناقصًا، ويفسق بهذا العمل إلا أنه لا يكفر كفرًا يخرج من الملة.
[ ١٢ / ٨ ]
توجيه حديث: ثلاثة من أمر الجاهلية
قال المؤلف ﵀: [وهكذا قوله: (ثلاثة من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب والنياحة، والأنواء)].
هذا الحديث يدل على أن من فعل هذه الثلاثة أو واحدًا منها يكون مرتكبًا لكبيرة؛ لأنه فعل فعلًا من أفعال الجاهلية التي حذر منها النبي ﷺ.
وقوله: (الطعن في الأنساب) يعني: عيبها وتنقصها وذمها.
قوله: (والنياحة) هي: رفع الصوت بالبكاء على الميت والندب، وتعداد محاسن الميت.
قوله: (والأنواء) يعني: الاستسقاء بالأنواء وهي: النجوم، بمعنى نسبة المطر والسقي إلى النجوم والأنواء على أنها سبب، فهذا شرك وكفر أصغر، وهو من أعمال الجاهلية، لكنه لا يخرج به من الملة، مثل قوله ﵊ في الحديث الآخر: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت)، وهذا الحديث يفيد فائدتين: الفائدة الأولى: أن هذه الأمور واقعة في هذه الأمة، فهي علم من أعلام النبوة وأنه رسول الله حقًا.
والفائدة الثانية: التحذير من فعل هذه الأشياء، وأنه ينبغي للمسلم أن يحذرها ولا يفعل شيئًا منها.
قال المؤلف ﵀: [ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي: ثلاثة من سنة الجاهلية: النياحة، وصنعة الطعام، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم].
أما النياحة فالأحاديث فيها كثيرة في أنها من كبائر الذنوب ومن أعمال الجاهلية، وكذلك صنعة الطعام والاجتماع كما قال جرير بن عبد الله البجلي ﵀: كنا نعد الاجتماع عند الميت وصنعة الطعام من النياحة، وأما مبيت المرأة في أهل الميت فيحتاج إلى النظر في ثبوت هذا الحديث.
[ ١٢ / ٩ ]
توجيه حديث: آية المنافق ثلاث
قال المؤلف ﵀: [وكذلك الحديث: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)].
هذا الحديث فيه أن هذه الثلاث من علامات النفاق: الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، والخيانة في الأمانة، وهذه معاص وليست نفاقًا أكبر يخرج من الملة، وإنما هو نفاق عملي، والصواب: كون صاحبها ضعيف الإيمان وناقص الإيمان، لكن لا ينتهي إيمانه ولا يخرج من الإيمان؛ لأنها ليست كفرًا أكبر ولا ردة.
قال المؤلف ﵀: [وقول عبد الله: الغناء ينبت النفاق في القلب].
فإذا سمع الغناء وتلذذ به تلذذًا يذهب النفوس ويقعدها ضعف إيمانه ونقص.
[ ١٢ / ١٠ ]
وصف بعض الأعمال بالنفاق أو الكفر أو الشرك ليس معناها أنه يخرج من الملة
قال المؤلف ﵀: [ليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب أن راكبها يكون جاهلًا ولا كافرًا ولا منافقًا وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنة ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها، فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم].
المؤلف يبدي ويعيد ويبين أن هذه الآثار التي فيها وصف بعض الأعمال بالنفاق أو بالكفر أو بالشرك أو بنفي الإيمان أو بالبراءة منه ليس معناها أنه يخرج من الملة، وأنه ينتهي إيمانه وأنه يكفر كفرًا أكبر، وليس معناها أن راكبها يكون جاهلًا جهل الكفار ولا كافرًا كالكافرين الخارجين من الملة، ولا منافقًا النفاق الأكبر وهو مؤمن بالله وبما جاء من عنده، بل معناها: أنه يكون جاهلًا لمعصيته جهلًا أصغر، وكافرًا كفرًا أصغر، ومنافقًا نفاقًا أصغر، ولهذا قال: (وليس معناها: أن راكبها يكون جاهلًا ولا كافرًا ولا منافقًا وهو مؤمن بالله، وما جاء من عنده ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنة) أي: أن صاحبها يكون مرتكبًا لكبيرة ومعصية، ويكون إيمانه ضعيفًا وناقصًا لكنه لا يخرج من الملة، ولهذا قال: (ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها، فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم).
قال المؤلف ﵀: [ولقد روي في بعض الأحاديث: (أن السواد خضاب الكفار) فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب؟!].
هذا الحديث ضعيف أخرجه الطبراني والحاكم والذهبي وغيره، وهو حديث منكر، لكن على فرض صحته فليس معناه أن الخضاب بالسواد يكون كفرًا، إنما يكون معصية، ولهذا قال المؤلف: (فهل يكون لأحد أن يقول: إنه يكفر من أجل الخضاب) بل يكون معصية، ويكون صاحبه ضعيف الإيمان وناقص الإيمان لو صح هذا.
قال المؤلف ﵀: [وكذلك حديثه في المرأة: (إذا استعطرت ثم مرت بقوم يوجد ريحها أنها زانية)، فهل يكون هذا على الزنا الذي تجب فيه الحدود؟!].
هذا الحديث حديث صحيح ولفظه: (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية).
فالمؤلف يقول: الحديث معناه: أنها عاصية وأنها مرتكبة لكبيرة، وأن إيمانها ناقص وضعيف، وليس المراد أنها فعلت الزنا الذي يوجب الحد ويقام فيه.
قال المؤلف ﵀: [ومثله قوله: (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان)، أفيتهم عليه أنه أراد الشيطانين الذين هم أولاد إبليس؟! إنما هذا كله على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن].
هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان في صحيحه، وليس المراد أنهما شيطانان من أولاد إبليس؛ لأن إبليس هو أبو الجن، ولهذا قال: أتعرف الخلاق أم أصبحت ذا نكران وسل أبا الجن اللعين فقل له فهو أبو الجن، ومن لم يسلم من الجن سمي شيطانًا لتمرده، ومن أسلم فلا يسمى شيطانًا، وليس معنى الحديث أن المستبان من أولاد إبليس، وإنما المراد كما يقول: (على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن) يعني: المراد أنه تمرد، والمتمرد من كل جنس يسمى: شيطانًا، والمعنى: أن كونهما يتهاتران ويتكاذبان هذا معصية وكبيرة تضعف الإيمان وتنقصه، ولا يخرج بهما صاحبهما من الملة والإيمان بذلك، والمراد: أن هذا العمل من كبائر الذنوب ويضعف به الإيمان وينقص، ولا يخرج به الإنسان من الإيمان، بل يبقى معه أصل الإيمان ووصفه، فيدخل في خطاب المؤمنين وتشمله أحكام المؤمنين.
[ ١٢ / ١١ ]
النصوص التي فيها ذكر الكفر أو الشرك لأهل القبلة المراد بها الكفر والشرك الأصغر دون الأكبر
قال المؤلف ﵀: [وكذلك كلما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا].
أي: أن كلما جاء من النصوص مما فيه ذكر الكفر أو الشرك لأهل القبلة الموحدين فالمراد به الكفر والشرك الأصغر دون الأكبر، مثل (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ومثل قوله ﷺ: (الرياء من الشرك) ومثل قوله ﷺ: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت)، ومثل قوله ﷺ: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، ومثل قوله ﷺ: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) ومثل كفر النعمة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢]، ومثل قوله ﷺ: (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، وما أشبه ذلك، فهذه النصوص التي فيها تسمية بعض الذنوب كفرًا أو شركًا وفاعلها موحد وهو من أهل القبلة فالمراد بها: أنه فعل شركًا أصغر أو كفرًا أصغر، وارتكب هذه الكبيرة العظيمة فيكون إيمانه ناقصًا وضعيفًا ولا يخرج به من الإسلام والإيمان، وتبقى أحكام الإسلام واسم الإيمان وجميع الأحكام ثابتة له إلا أنه ضعيف الإيمان وناقص الإيمان.
[ ١٢ / ١٢ ]
الآثار الدالة على أنه لا يبلغ العبد كفرًا ولا شركًا حتى يفعل الشرك الأكبر
قال المؤلف ﵀: [ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبة بردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها، وبذلك جاءت الآثار مفسرة].
يقول المؤلف: إن هذه النصوص التي سبقت وفيها تسمية بعض الكبائر شركًا أو كفرًا إنما هي كبائر، وإن كان الشرك والكفر أكبر من الكبائر إلا أنها كبائر لا تخرج صاحبها من الملة، ولا يلحقه اسم الكفر الأكبر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبها ردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها، وكلام المؤلف ﵀: (ويلحق صاحبه ردة إلا كلمة الكفر خاصة دون غيرها) هذا فيه نظر، والصواب: أن الردة تحصل بكلمة الكفر كما سبق، وبفعل الكفر: كما لو سجد للصنم أو داس المصحف بقدمه أو لطخه بالنجاسة، هذا يكفر بهذا الفعل ولو لم يتكلم، كذلك أيضًا يكون الكفر باعتقاد الكفر: كما لو اعتقد أن لله صاحبة أو ولدًا، ويكون أيضًا بكلمة الكفر: كمن سب الله أو سب رسوله أو سب دينه أو استهزأ بالله وكتابه ورسوله، ويكون الكفر أيضًا بالإعراض: كما لو أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به.
إذًا: قول ليس بسليم بل يكون كافرًا بكلمة الكفر وبفعل الكفر وباعتقاد الكفر وبالإعراض عن دين الله لا يعلمه ولا يتعلمه، فهذه الأنواع كلها يخرج بها من الإسلام إلى دائرة الكفر.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن جعفر بن برقان عن ابن أبي نشبة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (ثلاث من أصل الإسلام: الكف عن من قال: لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار كلها)].
الشيخ: هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده مجهول وهو يزيد السلمي، ولكن معناه صحيح، وبعضه له شواهد.
قوله: (ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل) هذا صحيح، فمن قال: (لا إله إلا الله) وكان لا يقولها في كفره فإنه يحكم بإسلامه ثم بعد ذلك إن التزم بأحكام الإسلام فالحمد لله، وإن فعل ناقضًا من نواقض الإسلام عومل بذلك، فمن قال: (لا إله إلا الله) لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، هذا معتقد أهل السنة والجماعة.
قوله: (والجهاد ماض من يوم بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل) هذا ثابت، وقوله: (والإيمان بالأقدار كلها) هذا يحتاج إلى نظر، فالإيمان بالأقدار كلها لا يعلم أنه ثابت في حديث صحيح ويحتاج إلى مراجعة، لكن معناه صحيح بل هو من أصل الإيمان، وركن من أركان الإسلام، لا يصح الإسلام إلا به.
إذًا: الكف عمن قال: (لا إله إلا الله) لا يكفر بذنب، ولا يخرج من الإسلام بعمل، إلا إذا فعل ناقضًا من نواقض الإسلام وفعل شركًا في العبادة، وكذلك أيضًا الجهاد ماض إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، كل هذا صحيح.
والمؤلف ﵀ بهذا الحديث يبين أن المسلم والمؤمن لا يخرج من الإيمان بذنب من الذنوب، ولا يخرج من الإسلام بعمل يعمله كما لو فعل كبيرة كالزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو عقوق الوالدين أو قطيعة الرحم، ما دام أنه مسلم ومؤمن وموحد فلا يخرج من الإسلام بذنب ولا يكفر بمعصية من المعاصي إلا إذا فعل ناقضًا من نواقض الإسلام أو فعل شركًا في العبادة، كما لو دعا غير الله أو ذبح لغير الله أو نذر لغير الله أو طاف بغير بيت الله تقربًا لذلك الغير أو سجد للصنم أو اعتقد الكفر، أما إذا فعل معصية أو كبيرة فإنه يبقى عليه اسم الإسلام وحكم الإسلام، ولكن إيمانه يكون ناقصًا وضعيفًا.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: حدثنا عباد بن عباد عن الصلت بن دينار عن أبي عثمان النهدي قال: دخلت على ابن مسعود وهو في بيت مال الكوفة فسمعته يقول: لا يبلغ بعبد كفرًاَ ولا شركًا حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغيره].
قوله: (لا يبلغ بعبد) لعله (لا يبلغ عبد) وهذا الأثر عن ابن مسعود ضعيف؛ من أجل الصلت بن دينار فإنه ضعيف جدًا، لكن المؤلف ﵀ يبين أن الإنسان المؤمن لا يخرج من الإيمان بالمعاصي إلا إذا فعل كفرًا أو شركًا، وعلى فرض صحته فقوله: (لا يبلغ عبدًا كفرًا ولا شركًا حتى يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله) لأنه إذا ذبح لغير الله أشرك شركًا أكبر، وكذلك إذا صلى لغير الله، وهذا مثال، وكذا جميع النواقض وجميع أنواع الشرك إذا فعلها خرج من الإسلام.
قوله: (لا يبلغ عبد كفرًا ولا شركًا) يعني: بالمعاصي حتى يفعل الشرك الأكبر، ومثل لذلك: بالذبح لغير الله أو الصلاة لغير الله.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان قال: جاورت مع جابرًا بن عبد الله بمكة ستة أشهر فسأله رجل: هل كنتم تسمون أحدًا من أهل القبلة كافرًا؟ فقال: معاذ الله! قال: فهل تسمونه مشركًا؟ قال: لا].
الشيخ: هذا الأثر عن جابر ﵁ سنده صحيح، وفيه: أن جابرًا بن عبد الله سأله رجل: هل كنتم تسمون أحدًا من أهل القبلة كافرًا؟ قال: معاذ الله، فأهل القبلة الذين يستقبلون القبلة في الصلاة والذبح وغيرها ويلتزمون بأحكام الإسلام، لا يسمى أحد منهم كافرًا إلا إذا فعل ناقضًا من نواقض الإسلام أو شركًا في العبادة، ولهذا قال جابر: معاذ الله! قال: (فهل تسمونه مشركًا؟ قال: لا) لا يسمى مشركًا ولا يسمى كافرًا بل هو مؤمن يبقى عليه اسم الإيمان وأحكام الإسلام إلا إذا وجد ما ينقض ذلك من الشرك في العبادة أو ناقض من نواقض الإسلام.
[ ١٢ / ١٣ ]