شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [٥]
إن مما يعتقده أهل السنة في الإيمان أنه يتفاوت في القلوب ويتفاضل، وأنه يزيد وينقص، وأن له شعبًا من الأقوال والأعمال القلبية وأعمال الجوارح، وأنه قول وعمل ونية، وكل ذلك قامت عليه دلائل الوحيين، ولم يخالف فيه إلا فرق الضلال.
[ ٥ / ١ ]
شعب الإيمان ودلائلها من النصوص
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو عبيد: فإن قال لك قائل: فما هذه الأجزاء الثلاثة وسبعون؟ قيل له: لم تُسم لنا مجموعة فنسميها، غير أن العلم يحيط أنها من طاعة الله وتقواه، وإن لم تذكر لنا في حديث واحد، ولو تفقدت الآثار لوجدت متفرقة فيها، ألا تسمع قوله في إماطة الأذى وقد جعله جزءًا من الإيمان وكذلك قوله في حديث آخر: (الحياء شعبة من الإيمان)، وفي الثالث: (الغيرة من الإيمان)، وفي الرابع: (البذاذة من الإيمان)، وفي الخامس: (حسن العهد من الإيمان)؟! فكل هذا من فروع الإيمان].
هذا اعتراض من المؤلف ﵀وهو أبو عبيد القاسم بن سلام - حيث قال -يعني نفسه-: فإن قال لك قائل واعترض عليك معترض: فما هذه الأجزاء الثلاثة وسبعون؟)، يشير إلى حديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فهذا الحديث فيه بيان أن الإيمان شعب متعددة وأنه بضع وسبعون، والبضع: من ثلاثة إلى تسعة، ولهذا فإن الإمام البيهقي ﵀ جمع في كتابه الذي سماه (شعب الإيمان) تسعًا وسبعين شعبة.
وقول المؤلف ﵀: (فما هذا الأجزاء الثلاثة وسبعون) الذي يظهر لي أنه ليس في الحديث تخصيص بأنها ثلاث وسبعون، وإنما (بضع وسبعون)، والبضع من ثلاثة إلى تسعة، فلو قال: فما هذه الأجزاء البضع والسبعون) لكان أفضل؛ لأن الحديث لم يحدد ثلاثًا، وإنما قال النبي ﷺ: (بضع وسبعون) في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: (بضع وستون).
يقول رحمه الله تعالى مجيبًا: [قيل: لم تسم لنا مجموعة فنسميها]، أي: هذه الأجزاء البضع والسبعون ما سماها لنا الشارع، وقال الجزء الأول كذا والجزء الثاني كذا والثالث كذا فما سماها في مكان واحد وفي حديث واحد.
[غير أن العلم يحيط أنها من طاعة الله وتقواه]، أي: غير أننا نجزم بأنها هذه الشعب كلها من طاعة الله وتقواه وإن لم تذكر لنا في حديث واحد، لكن تؤخذ من مجموع النصوص من الكتاب والسنة، ولهذا قال: [ولو تفقدت الآثار لوجدت متفرقة فيها] يعني النصوص، فلو تفقدت لوجدت متفرقة فيها، وأقول: ليس ذلك خاصًا بالآثار، بل كذلك نصوص القرآن الكريم، فلو بحثت عنها وتفقدتها في نصوص الكتاب والسنة لوجدت هذه البضع والسبعين، ثم مثل ﵀ فقال: [ألا تسمع قوله في إماطة الأذى وقد جعله جزءًا من الإيمان؟!]، ونص الحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
فمثل النبي ﷺ في هذا الحديث لأعلاها ولأدناها، وقال: (أعلاها قول لا إله إلا الله) فكلمة التوحيد هي أعلاها، وهي من قول اللسان مع الاعتقاد في القلب، وأدناها أماطة الأذى عن الطريق، وهذا عمل بدني، (والحياء شعبة من الإيمان) وهذا عمل قلبي، فمثل للشعبة القولية، ومثل للشعبة العملية، ومثل للشعبة القلبية، فدل على أن شعب الإيمان تكون من أعمال القلوب، ومن أعمال البدن، ومن أقوال اللسان، وكلها داخله في مسمى الإيمان، وهذا يدل على أن مسمى الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح.
يقول: [ألا تسمع قوله في إماطة الأذى وقد جعله جزءًا من الإيمان، وقوله في حديث آخر: (الحياء شعبة من الإيمان)] وهو في نفس الحديث، وهذا الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ (الإيمان بضع وسبعون) في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: (بضع وستون شعبة، فأعلاها -وفي لفظ: فأفضلها -قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
قال: [وفي الثالث: (الغيرة من الإيمان)] يعني: في حديث آخر: (الغيرة من الإيمان).
قال المحقق: رواه البزار وابن بطة في الإبانة عن أبي سعيد وصله بسند فيه مجهول الحال، لكن جاء في الحديث الآخر في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ألا تعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغير منه، والله أغير مني)، فالغيرة صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته لا يماثل فيها أحدًا من المخلوقين، وسبب الحديث أن سعد بن معاذ قال: (يا رسول الله! لو رأيت أحدًا مع أهلي لضربته بالسيف غير مصفح.
فقال النبي ﷺ: أتعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغير منه، والله أغير مني)، فوصف الله بالغيرة.
قال: [وفي الرابع] يعني: في حديث رابع: [(البذاذة من الإيمان)] فجعلها من الإيمان، إلا أن الأفضل للمسلم إذا أنعم الله عليه بنعمة أن يظهر هذه النعمة عليه، كما في الحديث: (إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)، لكن إذا ترك الثياب الجميلة في بعض الأحيان كسرًا للنفس وتواضعًا فهذا مطلوب، وهذا هو معنى البذاذة، فالبذاذة: هي ترك الثياب الجميلة في بعض الأحيان تواضعًا وكسرًا للنفس وإبعادًا لها عن العجب.
قال: [وفي الخامس] يعني: في الحديث الخامس: [(حسن العهد من الإيمان)، فكل هذه من فروع الإيمان] ولو تتبعت النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما تتبعها البيهقي ﵀ لوجدت هذه الشعب، فكل الشعب التي وردت في هذه النصوص من فروع الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه حديث عمار: (ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار والإنصاف من نفسك، وبذل السلام على العالم)].
يقول المحقق: روي مرفوعًا وموقوفًا، والراجح أنه موقوف، على أن في سنده من كان اختلط، ولكن فات على المحقق -وهو الشيخ ناصر الدين الألباني - أن أثر عمار هذا رواه البخاري في صحيحه معلقًا مجزومًا به، قال: (صح عن عمار أنه قال: ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار، والإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم) ومن المعلوم أن البخاري إذا رواه معلقًا مجزومًا به فهو صحيح إلى من علقه، والإنفاق من الإقتار يعني: أن ينفق الإنسان ويتصدق ويحسن ولو كان ماله قليلًا، والإقتار: هو الضيق والفقر، فإذا كان عنده درهمان ينفق درهمًا ويبقى لأهله درهمًا، فهذا هو الإنفاق مع الإقتار، وقد يسبق هذا الدرهم الآلاف، ولهذا جاء في الحديث الآخر: (سبق درهم ألف درهم)، فكيف ذلك؟! الجواب أن هذا عنده درهمان فتصدق بدرهم وأبقى لأهله درهمًا، وآخر عنده ملايين وأنفق من هذه الملايين ألفًا، فيكون ذاك أنفق نصف ماله وهذا أنفق ألفًا من ملايين، فيسبق درهم ألف درهم.
وقد كان الصحابة ﵃ إذا حثهم النبي ﷺ على الصدقة يحاملون، أي: يعمل الواحد منهم فيكون حمالًا يحمل على ظهره، فإذا أعطي الأجرة درهمين تصدق بدرهم وأبقى لأهله درهمًا ﵃.
والأمر الثاني: الإنصاف من نفسك، فتقول الحق ولو كان على نفسك، وهذا لا يستطيعه إلا أهل العدل، وهو من كمال الإيمان.
والثالث: بذل السلام للعالم، أي: للناس جميعًا، فبعض الناس لا يسلم إلا على من يعرف، والذي لا يعرفه لا يسلم عليه، وهذا غلط، فالسنة إفشاء السلام على كل من لقيت، إلا إذا عرفت أنه كافر فلا تبدأه بالسلام؛ لقول النبي ﷺ: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)، وإذا سلم عليك وهو غير مسلم فرد عليه وقل له: وعليكم؛ لقول النبي ﷺ: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)، فبذل السلام للعالم جاء في حديثين في سندهما بعض الشيء، فذاك الأول، والثاني: (في آخر الزمان يكون السلام للمعرفة)، فبعض الناس يسلم على من يعرف، أما الذي لا يعرف فلا يسلم عليه، وهذا غلط وإن كان ابتداء السلام سنة، لكنه من أسباب المحبة، وفي الحديث: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).
[ ٥ / ٢ ]
زيادة الإيمان ونقصانه وتفاوته
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم الأحاديث المعروفة عند ذكر كمال الإيمان حين قال: (أي الخلق أعظم إيمانًا؟ فقيل: الملائكة، ثم قيل: نحن يا رسول الله، فقال: بل قوم يأتون بعدكم)، فذكر صفتهم].
هذا الحديث ذكر المحقق أنه أخرجه الحسن بن عرفة في جزئه، وأن سنده ضعيف، وهو عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه -أيضًا- قوله: (إن أكمل -أو من أكمل المؤمنين- إيمانًا أحسنهم خلقًا)].
هذا فيه ذكر كمال الإيمان، فالأحاديث التي جاء فيها ذكر كمال الإيمان تدل على أن الإيمان يزيد وينقص ويتفاوت، وأنه أجزاء وأنه متعدد، وهذا فيه رد على المرجئة، وهذا هو الذي يريده ﵀، فالأحاديث التي فيها ذكر كمال الإيمان تدل على أن الإيمان يكون كاملًا عند بعض الناس ويكون ناقصًا عند بعض الناس، وإذا كان الإيمان يكمل وينقص فذلك يدل على أنه متعدد وليس شيئًا واحدًا كما تقوله المرجئة، فهم يقولون: الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، بل هو تام في القلب وهو التصديق، لكن الأحاديث التي فيها ذكر كمال الإيمان ترد هذا المذهب، وتدل على أن الإيمان يكون كاملًا ويكون ناقصًا عند بعض الناس؛ لأنه متعدد؛ لأنه عمل بالقلب وعمل بالجوارح وقول باللسان وتصديق بالقلب، فهذا هو مقصود المؤلف ﵀ من ذكر الأحاديث في كمال الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله: (لا يؤمن الرجل الإيمان كله حتى يدع الكذب في المزاح والمراء وإن كان صادقًا)].
وهذا فيه دليل على أن الإيمان يتفاوت، وأن بعض الناس يؤمن الإيمان كله، وبعضهم لا يؤمن الإيمان كله فدل على أنه متفاوت وأنه متبعض وأنه متعدد، وليس شيئًا واحدًا كما تقول المرجئة.
وفيه نفي الإيمان الكامل عمن لم يدع الكذب في المزاح والمراء وإن كان صادقًا، فهذا إيمانه ناقص، أما الذي يدع الكذب والمراء وإن كان صادقًا مع أداء الواجبات وترك المحرمات فإن إيمانه كامل، فدل على أن الناس يتفاوتون في الإيمان خلافًا للمرجئة الذين يقولون: إيمان أهل الأرض وإيمان أهل السماء شيء واحد لا يزيد ولا ينقص.
وهذا باطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي مثله أو نحوه عن عمر بن الخطاب وابن عمر، ثم من أوضح ذلك وأبينه حديث النبي ﷺ في الشفاعة حين قال: (فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، وبرة من إيمان، ومثقال ذرة من إيمان)].
أي: ومن أوضح الأدلة وأبينها في رد مذهب المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاوت ولا يتبعض، حديث الشفاعة؛ فإن أحاديث الشفاعة متواترة في إخراج عصاة الموحدين من النار، فقد ثبت أن نبينا ﷺ يشفع أربع شفاعات في العصاة، وفي كل مرة يحد الله له حدًا بعد أن يسجد لربه ﷿ ويأتيه الإذن من الله ﷿ ويقول الله له: (يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع.
قال: فيحد الله له حدًا) أي: علامة، فيخرجهم من النار إلى الجنة، وجاء في بعضها: أن النبي ﷺ يقال له في المرة الأولى: (أخرج من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان)، وفي بعضها مثقال نصف دينار وفي بعضها (مثقال ذرة من إيمان) وفي بعض الأحاديث ثلاث مرات، الأولى: (مثقال ذرة من إيمان) والثانية (أدنى مثقال ذرة من إيمان) والثالثة: (أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان) والرابعة فيمن قال: لا إله إلا الله، فدل هذا على أن الإيمان يتفاوت، فبعض الناس لا يكون في قلبه من الإيمان إلا مثقال ذرة، وبعضهم مثقال شعيرة، وبعضهم مثقال برة، وبعضهم مثقال دينار، وبعضهم أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، وأحاديث الشفاعة فيها دليل واضح وبين على بطلان قول المرجئة الذين يقولون: من إيمان الناس واحد، وإيمان أهل الأرض وأهل السماء واحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه حديثه في الوسوسة حين سئل عنها فقال: (ذاك صريح الإيمان)].
وذلك حين قال الصحابة رضوان الله عليهم: (يا رسول الله! إنا لنجد في أنفسنا ما لأن يخر الإنسان من السماء خير له من أن ينطق به)، وفي لفظ: (ما يحب أن يكون حممة) أي: فحمة ولا يتكلم به، فقال النبي ﷺ: (وقد وجدتموه؟! قالوا: نعم يا رسول الله.
قال: ذاك صريح الإيمان)، أي أن كتم الوسوسة ومحاربتها واستعظامها وعدم التكلم بها هو صريح الإيمان.
ولهذا فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تميزوا على المتأخرين بأنهم كانوا إذا وجدوا وسوسة في أنفسهم حاربوها ودافعوها وكتموها ولم يتكلموا بها، أما المتأخرون فإنهم تكلموا بها وسودوا بها الكتب وشبهوا بها على الناس، الأمر الذي اضطر أهل العلم من أهل السنة والجماعة إلى الرد عليهم، وقد كان الناس في العصر الأول في عافية من هذا، ثم تكلم المعتزلة والخوارج والجهمية والرافضة وغيرهم بالوساوس التي تكون في أنفسهم والتي تخالف النصوص، أما الصحابة والتابعون ومن بعدهم فإنهم حاربوا الوسوسة وكتموها ودافعوها، فقال النبي ﷺ: (ذاك صريح الإيمان).
وهذا يدل على بطلان مذهب المرجئة؛ لأنه قال: (صريح الإيمان)، فالإيمان فيه صريح وغير صريح، والمرجئة يقولون: الإيمان واحد، فكل الناس إيمانهم صريح.
وهذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك حديث علي ﵇].
وعلي ﵁ لا يخصص فيقال له: (﵇) دون غيره من الصحابة، بل نقول للصحابة جميعًا: (﵃).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك حديث علي ﵇: إن الإيمان يبدأ لمظة في القلب، فكلما ازداد الإيمان عظمًا ازداد ذلك البياض عظمًا].
هذا موقوف على علي ﵁، يعني أن الإيمان يبدأ شيئًا بعد شيء حتى يكبر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [في أشياء من هذا النحو كثيرة يطول ذكرها تبين لك التفاضل في الإيمان بالقلوب والأعمال].
أي: هناك أدلة وآثار ونصوص غير هذه النصوص التي ذكرها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومن أقوال الصحابة ومن أقوال التابعين والأئمة والعلماء، كلها تبين أن الإيمان يتفاضل في القلوب والأعمال، وذلك لأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وهذه كلها ترد وتبطل مذهب المرجئة الذين يقولون: الإيمان شيء واحد لا يتفاضل، وإيمان البر والفاجر سواء.
وهذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلها يشهد -أو أكثرها- أن أعمال البر من الإيمان، فكيف تعاند هذه الآثار بالإبطال والتكذيب؟!].
المرجئة عاندوا هذه الآثار، فبعضها أبطلوها وبعضها كذبوها، والواجب على المسلم أن يقبل شرع الله ودينه وأن يقبل الآثار إذا صحت أسانيدها، كما أنه يقبل كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما يصدق تفاضله بالأعمال قول الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]، إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٤]].
أي: ومما يدل على أن الإيمان يتفاضل بالأعمال هذه الآيات الكريمة من سورة الأنفال، قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ» أي: إنما المؤمنون الكمل الذين اتصفوا بهذه الصفات «الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ»، وهذا عمل قلبي «وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا»، وهذا من عمل القلب، «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، وهذا عمل القلب وعمل الجوارح، فالتوكل يجمع أمرين: فعل الأسباب والاعتماد على الله «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ»، وإقامة الصلاة من أعمال الجوارح، «وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ»، ثم قال: «أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا»، فهذا فيه بيان المؤمنين الكمل، فالذين كمل إيمانهم هم الذين اتصفوا بهذه الصفات، فدل على أن الإيمان يتفاضل بالأعمال.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلم يجعل الله للإيمان حقيقة إلا بالعمل على هذه الشروط].
وجه الاستدلال من الآيات قوله: [لم يجعل الله للإيمان حقيقة إلا بالعمل على هذه الشروط] المذكورة، فوجل القلب عند ذكر الله، وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن، والتوكل على الله، وإقام الصلاة، والإنفاق، جعلها الله علامة على الإيمان الكامل.
[ ٥ / ٣ ]
حكم مدعي ثبوت الإيمان بالقول دون العمل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والذي يزعمه أنه بالقول خاصة يجعله مؤمنًا حقًا وإن لم يكن هناك عمل، فهو معاند لكتاب الله والسنة].
الواحد من المرجئة يزعم أن الإيمان بالقول خاصة، والذي يزعم أن الإيمان بالقول خاصة يجعله مؤمنًا حقًا كامل الإيمان، وإن لم يكن هناك عمل، يقول عنه: إنه معاند لكتاب الله وسنة رسوله؛ لأن النصوص واضحة، ففي القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، وفي الحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فالذي يقول إن الإيمان هو القول خاصة، وإنه يكون مؤمنًا كامل الإيمان بمجرد القول، معاند لكتاب الله ومعاند لسنة رسول الله، وهم المرجئة، والمؤلف ﵀ اشتد في الإنكار عليهم؛ لأن النصوص واضحة في هذا.
[ ٥ / ٤ ]
أدلة تفاضل الإيمان في القلوب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما يبين لك تفاضله في القلب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، ألست ترى أن هاهنا منزلًا دون منزل؟ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:١٠] كذلك].
أي أن هذا مما يدل على أن الإيمان يتفاضل في القلب، خلافًا للمرجئة الذين يقولون: الإيمان في القلب شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ومما يدل عليه آية الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:١٠]، فهي تدل على أن الإيمان يتفاضل في قلوب الناس، فإذا جاءت المرأة مهاجرة إلى المدينة تمتحن حتى يعلم ما في قلبها من الإيمان هل هي مؤمنة صادقة أو مؤمنة غير صادقة، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠]، والمعنى: وإن لم تعلموهن مؤمنات فارجعوهن إلى الكفار، ولذلك قال: ألست ترى أن هاهنا منزلًا دون منزل؟! فالمنزل الأول: «فَامْتَحِنُوهُنَّ»، والمنزل الثاني: «فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ».
يعني: هناك منزلان: الأول: أن تعلم أنها مؤمنة، والمنزل الثاني: أن تعلم أنها ليست مؤمنة، وهذا وجه الدلالة من الآية على أن الإيمان يتفاضل في القلب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦]، فلولا أن هناك موضع مزيد ما كان لأمره بالإيمان معنى].
وهذا دليل آخر مع بيان وجه الدلالة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦] ووجه الدلالة هو أنهم مؤمنون وقال لهم: آمنوا، فبعد أن ناداهم باسم الإيمان قال لهم آمنوا.
أي: ازدادوا إيمانًا، فدل على أن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا قال المؤلف في بيان وجه الدلالة: [فلولا أن هناك موضع مزيد ما كان لأمره بالإيمان معنى] فلو كان الإيمان لا يزيد فكيف يأمرهم بالإيمان؟! والمرجئة يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولو كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص لم يأمرهم الله بالإيمان، ولما كان للأمر معنى، وهذا واضح في الرد على المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإنما هو شيء واحد في القلب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال أيضًا: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]].
وهذه الآية واضحة في أن الإيمان يزيد وينقص، قال الله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: في إيمانهم «وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ».
إذًا: هناك مؤمن صادق وهناك مؤمن غير صادق، فالمؤمن ضعيف الإيمان لا يقال له: صادق الإيمان، بل يقال: غير صادق الإيمان، والمؤمن قوي الإيمان يقال له: صادق الإيمان، فدل على أن الإيمان يتفاوت، فالعاصي إيمانه غير صادق والمطيع إيمانه صادق، ولهذا يقال في العاصي: مؤمن ناقص الإيمان، ويقال: ليس بمؤمن حقًا، وليس بصادق الإيمان، ولهذا قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] في الآية الأخرى، وهنا قال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: صدقوا في إيمانهم «وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ».
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]].
وهذا فيه بيان ضعف الإيمان، حيث يقول تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ»، فهذا ضعيف الإيمان، «فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ»، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] فقوله: (على حرف) أي: على طرف.
إذًا: الناس يتفاوتون، فمنهم ضعيف الإيمان الذي إذا أوذي افتتن عن دينه ونكص على عقبيه، ومنهم الصادق في إيمانه الذي يتحمل الأذى، فدل على أن الإيمان يتفاوت وأن الناس يتفاوتون في الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١]].
إذًا: هناك تمحيص، حتى يتبين المؤمن الصادق من غير الصادق، فدل على أن الناس يتفاوتون في الإيمان، وهذا يدل على أن المؤلف - أبا عبيد القاسم بن سلام ﵀- دقيق الفهم والاستنباط من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فهو إمام ﵀.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أفلست تراه ﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل].
ولذا قال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، فالصادق في إيمانه هو الذي يصدق عمله قوله؛ لأن بعض الناس يقول آمنا بالله، فإذا جاءت الفتنة نكص على عقبيه، وهو يقول: آمنا بالله، فإذا طلب منه الجهاد امتنع، ومن الناس من يقول: آمنا بالله، ثم يجاهد، فهذا صدق إيمانه بالعمل، وذاك كذب عمله ما يدعيه من الإيمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولم يرض منهم بالإقرار دون العمل].
أي: لم يرض بالإقرار بالقلب فقط، بل لابد من العمل، ولهذا قال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣]، أي: الذين صدقت أعمالهم إيمانهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حتى جعل أحدهما من الآخر، فأي شيء يتبع بعد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة؟!].
أي: جعل كل واحد من القول العمل إيمانًا، فأي شيء يتبع الإنسان بعد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ التي دلت على دخول الأعمال في مسمى الإيمان؟! وكذلك أجمع السلف الصالح الذين هم موضع القدوة والإمامة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على هذا، فكيف يترك الإنسان ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله وما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم وهم موضع القدوة؟!
[ ٥ / ٥ ]
خلاصة معتقد أهل السنة في الإيمان
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا مما اقتصصنا في كتابنا هذا أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا، وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءًا، فإذا نطق بها القائل وأقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه، لا بالاستكمال عند الله، ولا على تزكية النفوس، وكلما ازداد لله طاعة وتقوى ازداد به إيمانًا].
هذه الأسطر الستة خلاصة لمعتقد أهل السنة والجماعة تكتب بماء الذهب، ولو كتبت بماء الذهب لم يكن فيها كثيرًا، وفيها بيان القاعدة العظيمة عند أهل السنة والجماعة في الإيمان، فجدير بالمسلم أن يكتب هذه الأسطر في ورقة ويجعلها في جيبه دائمًا؛ حتى يتبين له مذهب أهل السنة والجماعة ويرد على المرجئة في هذا.
يقول المؤلف ﵀: [فالأمر الذي عليه السنة عندنا] يعني معشر أهل السنة والجماعة والأئمة والعلماء [ما نص عليه علماؤنا] يقول صاحب الحاشية: أي ما مضى عليه علماؤنا، يعني: ما استمروا عليه واعتقدوه وقرروه [مما اقتصصنا في كتابنا هذا] يعني: مما ذكرنا في كتابنا هذا من الأدلة والنصوص [أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا] فيكون ثلاثة أجزاء: النية، والقول، والعمل، فلابد من النية في الصلاة، وفي الزكاة، وفي الصوم، وفي الحج وفي سائر العبادات؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى)، فلا تصلح الأعمال إلا بالنية، فالنية من الإيمان، والقول يشمل قول اللسان وهو النطق، وقول القلب، وهو التصديق والإقرار، والعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، فيكون الإيمان مكونًا من النية والقول والعمل.
فيقول الإمام أبو عبيد ﵀: [أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا، وإنه درجات بعضها فوق بعض] خلافًا للمرجئة الذين يقولون: الإيمان شيء واحد ولا يوجد درجات ولا نية ولا عمل، ولا يوجد إلا قول القلب وتصديق القلب فقط قال: [وأنه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها] أي: أول الدرجات وأعلاها [الشهادة باللسان] وهي كلمة التوحيد؛ لأنها أصل الدين وأساس الملة، وأول درجات الإيمان وأصلها وأسها الذي تنبني عليه الأعمال، وهي الشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وجملتها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله).
قال: [كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءًا] والضمير يعود إلى الإيمان، يشير إلى الحديث الذي في الصحيحين: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فإذا نطق القائل بكلمة التوحيد، وقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) وأقر بما جاء من عند الله والترم واعترف وصدق بالأوامر والنواهي [لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه] أي أنه يسمى مؤمنًا [لا بالاستكمال عند الله]، فلا نقول: إن إيمانه مستكمل حتى يمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، [ولا على تزكية النفوس] أي: وليس له أن يقول: أنا مؤمن، فيزكي نفسه، ولكن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله أرجوه، كما قال بعض السلف، وكما سيأتي.
قال: [وكلما ازداد لله طاعة وتقوى ازداد إيمانًا] أي: إذا أدى الإنسان الفرائض فهو مؤمن، لكن إذا زاد عليها السنن الرواتب والضحى، وتحية المسجد، وسنة الوضوء، وصلاة الليل، وكذلك زاد في الصيام فصام ثلاثة أيام من كل شهر، والإثنين والخميس، وتسع ذي الحجة، وستًا من شوال، والتاسع والعاشر من محرم زاد تقواه وإيمانه، وكذلك الزكاة إذا أداها وتصدق من غيرها زاد إيمانه، خلافًا للمرجئة الذين يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
[ ٥ / ٦ ]