اختلاف أهل السنة والجماعة مع مرجئة الفقهاء في تعريف الإيمان مبني على إنكار المرجئة لدخول العمل في مسمى الإيمان، وبالتالي فهو لا يزيد ولا ينقص عندهم، وأهل السنة والجماعة يردون قولهم هذا مستدلين بما نطق به القرآن، وسنة المصطفى ﵊.
[ ٣ / ١ ]
ترجيح مذهب السلف القائل بأن الإيمان قول وعمل
[وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعًا، وينفيان ما قالت الأخرى.
والأصل الذي هو حجتنا في ذلك: اتباع ما نطق به القرآن؛ فإن الله -تعالى ذكره علوًا كبيرًا- قال في محكم كتابه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] وإنا رددنا الأمر إلى ما ابتعث الله عليه رسوله صلى الله عليه، وأنزل به كتابه فوجدناه قد جعل بدء الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه، فأقام النبي ﷺ بمكة بعد النبوة عشر سنين أو بضع عشرة سنة يدعو إلى هذه الشهادة خاصة].
[ ٣ / ٢ ]
الدخول في الإيمان بالنطق بالشهادتين
هذا من شريف فقه المصنف ﵀؛ فإنه أبان أن النبي ﷺ أول ما بعث -وهذا مجمع عليه بين المسلمين- إنما بعث بالشهادتين، فمن قال الشهادتين فإنه يكون مؤمنًا، ولهذا لم يكن ﷺ يكتفي من أحد باعتبارها في قلبه، بل كان لا بد من التصريح بذكرها؛ ونتيجة هذا الاستدلال أن القول بالإيمان أصل فيه، ولهذا كان الشارع ﷺ يعتبر ثبوت الإسلام والإيمان بالنطق بها على يقين وتصديق في معناها.
وهذا يبين أيضًا: أن أصل الإيمان هو أصل الإسلام، ويبين أن أصل الإيمان هو تصديق القلب، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الأمر.
[وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذٍ سواها، فمن أجاب إليها كان مؤمنًا لا يلزمه اسم في الدين غيره، وليس يجب عليهم زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من شرائع الدين، وإنما كان هذا التخفيف عن الناس يومئذٍ -فيما يرويه العلماء- رحمةً من الله لعباده ورفقًا بهم؛ لأنهم كانوا حديث عهد بجاهلية وجفائها، ولو حملهم الفرائض كلها معًا نفرت منه قلوبهم، وثقلت على أبدانهم؛ فجعل ذلك الإقرار بالألسن وحدها هو الإيمان المفترض على الناس يومئذٍ، فكانوا على ذلك إقامتهم بمكة كلها وبضعة عشر شهرًا بالمدينة وبعد الهجرة، فلما أثاب الناس إلى الإسلام وحسنت فيه رغبتهم زادهم الله في إيمانهم أن صرف الصلاة إلى الكعبة بعد أن كانت إلى بيت المقدس، فقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] ثم خاطبهم وهم بالمدينة باسم الإيمان المتقدم لهم في كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه، فقال في الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] وقال في النهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]].
وجه هذا الاستدلال أن اقتران خطاب العمل بنداء الإيمان دليل على أن هذه الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وهذا معروف من جهة لسان العرب؛ فإن ما طلب فعله بنداء مختص بصفة داخل في الصفة التي وقع بها هذا الطلب أو لازم لها، ولهذا لزم من مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] أن يكون هذا الركوع لازمًا للإيمان أو داخلًا في مسماه.
[ ٣ / ٣ ]
الجواب عن شبهة المرجئة: لو كان العمل أصلًا في الإيمان لما أمكن ثبوت الإيمان قبل فرض العمل
[وعلى هذا كل مخاطبته كانت لهم فيها أمر أو نهي بعد الهجرة، وإنما سماهم بهذا الاسم بالإقرار وحده إذ لم يكن هناك فرض غيره.
فلما نزلت الشرائع بعد هذا وجبت عليهم وجوب الأول سواء، لا فرق بينها؛ لأنها جميعها من عند الله، وبأمره وبإيجابه].
هذا الكلام فيه رد على شبهة بعض المرجئة، فإن من شبههم وحججهم أنهم يقولون: إن الإيمان كان ثابتًا في أول الإسلام قبل العمل، فلو كان العمل أصلًا في الإيمان لما أمكن ثبوت الإيمان في أول الإسلام.
وهذا غلط من جهة العقل قبل أن يكون غلطًا من جهة الشرع؛ لأن الإيمان هو ما وجب الإيمان به في كلام الله ورسوله، والعمل قبل فرضه ليس حكمًا شرعيًا.
وهذه القاعدة التي فرضوها لو طردوها ما صحت لهم؛ فإن هناك تصديقات ذكرت في الكتاب والسنة بعد كلمة الشهادتين -كالتصديق بقصص الأنبياء، فإن من لم يؤمن بقصص الأنبياء والمرسلين في القرآن وكذبها يكون كافرًا- ومع ذلك أصبح التصديق بهذه الأخبار من الإيمان، مع أن إيمان المؤمن قبل بلوغ الخطاب كان ثابتًا.
فقولهم: لو كان العمل أصلًا في الإيمان لما أمكن ثبوت الإيمان قبل فرض العمل، يرد عليه بأنه لو كان الأمر كذلك لقيل أيضًا: إن ما زاد على أصل الإيمان من التصديقات لا يعد من الإيمان؛ لأن الإيمان الأول ثبت قبل نزولها أو قبل الخبر بها، فكل ما فرضوه على العمل يلزم فرضه على التصديقات التي تأخر الإخبار بها.
[ ٣ / ٤ ]
أثر الامتناع عن العمل في الإقرار والفرق بينه وبين ترك العمل
[فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أبوا أن يُصلّوا إليها وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه، والقبلة التي كانوا عليها لم يكن ذلك مغنيًا عنهم شيئًا، ولكان فيه نقض لإقرارهم؛ لأن الطاعة الأولى ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية، فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار صارا جميعًا معًا هما يومئذٍ الإيمان، إذ أضيفت الصلاة إلى الإقرار].
وهذا أيضًا فقه منه ﵀، فهو يقرر أنهم لو امتنعوا عن العمل بعد المخاطبة به لبطل إقرارهم.
وفي مقام العمل هنا مقامان:
المقام الأول: الترك الذي لا يصاحبه إباء وامتناع.
المقام الثاني: الامتناع عن العمل.
أما الترك لآحاد الأعمال فإنه لا يستلزم النفي لأصل الإيمان، وأما جملة الأعمال فهذا له تفصيل يأتي إن شاء الله.
وأما الامتناع فإن المصنف يقرر أن حقيقة الامتناع عن العمل هو الترك للإقرار الأول.
وقد يقول قائل: باب الامتناع ليس هو باب الترك للعمل؛ فإن الامتناع فوق الترك ..
وهذا صحيح، لكن لما كان الامتناع عن العمل مسقطًا للإقرار -وهذا وجه بيّن من جهة الشرع- دل على أن هذا العمل داخل في مسمى الإيمان؛ لأنه لو لم يكن داخلًا في مسماه لما أمكن أن يكون الامتناع عن فعله يستلزم إفساد الإيمان الأول؛ فإنه لو كانت الجهة منفكة تمام الانفكاك بين العمل وبين الإيمان الأول -الذي هو الإقرار- لما أمكن أن يكون الامتناع عن هذا موجبًا لإبطال هذا.
وبعبارة أخرى: إن مما هو متقرر في الشريعة أن الامتناع عن الاستجابة للعمل الذي أمر الله ورسوله به يعد إسقاطًا للإقرار، وهذا يدل على أن الأعمال أصل في الإيمان أو داخلة في مسماه على أقل درجة؛ لأنه لو لم يكن العمل داخلًا في مسمى الإيمان لما كان الامتناع عنه مسقطًا لأصل الإقرار.
وهذا فقه شريف من الإمام ﵀، ولاسيما أن كلامه يعتبر بوجه؛ لكونه إمامًا في اللغة فضلًا عما له من الإمامة في الشريعة.
[ ٣ / ٥ ]
التلازم بين تصديق القلب وعمل الجوارح
وتمام هذا المعنى يكون بوجه يفصل به كلامه، وهو يحتاج إلى قدر من التأمل؛ فإن من فقهه بان له أن كل من يقول بأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان قولهم ممتنع في العقل فضلًا عن كونه غلطًا في الشرع.
وتقرير هذا الوجه يكون بالآتي: أن جميع المرجئة فضلًا عن فقهائهم المقاربين للسنة والجماعة يسلِّمون أن تصديق القلب إيمان وبعضهم يقول: هو الإيمان؟
إذًا مسألة التصديقات لا خلاف بين المسلمين أنها إيمان ..
هذه المقدمة الأولى.
والطرد لها أن يقال: كل عمل من الأعمال الظاهرة كالصلاة والطواف بالبيت والسعي بين الصفاء والمروة والوضوء ونحوها، مركب من تصديق ومن حركة ظاهرة، فإذا انفك أحدهما عن الآخر امتنع ثبوت العمل في نفس الأمر، وبعبارة أوضح: امتنع ثبوت العمل في الخارج، أي: في الوجود.
وسوف نبين هذا الكلام بضرب عدة أمثلة:
المثال الأول: لو أن إنسانًا قال: أنا أؤمن بالصلاة وأصدق بحديث النبي ﷺ بالأمر بالصلاة.
لكنه لم يفعل ..
هل يسمى مصليًا؟
بإجماع العقلاء أنه لا يسمى مصليًا، ولو كان مصدقًا حافظًا عارفًا بماهية الصلاة.
المثال الثاني: لو أظهر شخص الحركة الظاهرة لا نقول: دون تصديق، بل دون نية ..
هل يسمى فاعلًا للعمل الشرعي؟
الجواب: لا.
فمن باب أولى إذًا فعله دون تصديق.
المثال الثالث: لو فعل شخص فعل الوضوء، لكنه لم يقصد به الوضوء، بل قصد به التبرد ..
هل يجزئه؟
الجواب: لا يجزئه.
المثال الرابع: لو أن شخصًا يبحث عن شخص آخر في المسجد الحرام بين الطائفين، وعند بحثه عنه كان يدور حول الكعبة بحثًا عن صاحبه، هل يسمى طائفًا؟
الجواب: لا يسمى.
المثال الخامس: لو أن شخصًا حنى ظهره أمام مدربه من باب الرياضة أو من باب اللعب أمامه ..
هل يسمى هذا قد فعل الركوع لغير الله؟!
الجواب: لا؛ لأن هذا العمل أصلًا لم تدخل عليه نية العبادة، فضلًا عن مسألة ارتباط هذا بكونه تصديقًا واستجابة لله ورسوله.
ومن هنا يتضح أن الأعمال الشرعية الظاهرة يمكن أن يفعلها بعض الناس على جهة عادية لا يقصد بها فعل العبادة، وفي هذه الحال لا تسمى أعمالًا شرعية يسقط بها الوجوب ويحصل بها الثواب.
وبهذا يظهر أن الأعمال الشرعية مركبة من مادتين:
١ - التصديق والنية وما يتعلق بالقلب.
٢ - والحركة الظاهرة.
وأما أن تقوم الأعمال الشرعية بأحد الجهتين فهذا ممتنع، فإنه إذا وُجد التصديق ولم توجد الحركة الظاهرة فإن فاعل هذا لا يسمى مصليًا ولا طائفًا، وإذا وجدت الحركة الظاهرة ولم تكن عن نية وتصديق واستجابة ..
إلخ، فإنه لا يسمى مصليًا ولا طائفًا ..
إلى غير ذلك.
[ ٣ / ٦ ]
قول المرجئة بأن التصديق إيمان يلزمهم به إدخال الأعمال في مسمى الإيمان
فإذا كان كذلك فمن يقولون: إن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان.
يقال لهم: أنتم أدخلتم التصديق في مسمى الإيمان، وحقيقة هذه الأعمال أنها تصديقات، ولكنها تصديقات يلتحق بها ويقترن بها الحركة الظاهرة لإثبات هذا التصديق، ولهذا لا شك أن الفاعل للصلاة أشرف تصديقًا من المصدق بالصلاة بقلبه -حتى لو فرضنا جدلًا أنه لا يكفر-.
وبهذا يعلم أن الجواب عن قولهم: إن الأعمال الظاهرة هي حركات فكيف تسمى إيمانًا ..
هو أن الحركات الظاهرة المجردة عن التصديقات لا وجود لها في الأعمال الشرعية.
فإذا قيل: الصلاة.
قيل: هي قبل أن تكون حركة ظاهرة هي تصديق، واستجابة، ونية في القلب
إلى غير ذلك.
وبهذا يتضح أن إدخال الأعمال في مسمى الإيمان لازم لجميع المرجئة؛ لأنهم أدخلوا التصديق، والأعمال مركبة من التصديق والحركة الظاهرة، وإذا انفكت إحدى الجهتين عن الأخرى امتنع وجود العمل الشرعي في الخارج.
وبهذه القاعدة يعلم أن الأعمال الظاهرة يلزم بضرورة العقل أن تكون داخلة في مسمى الإيمان، وأن قول السلف ﵏: إن الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإيمان هو ضرورة شرعية لدلالة النصوص عليه، وهو ضرورة عقلية أيضًا.
والعجيب قول بعض المرجئة -كالأشاعرة-: هذه حركة ظاهرة، والعرب لا تعرف أن تسمي الحركات الظاهرة العادية إيمانًا!
فيقال: وهل أحد من علماء السنة يقول: إن مشي الإنسان إيمان، وأكله وشربه إيمان، وكل أعماله الظاهرة إيمان؟!! كلا، بل هم يقصدون الأعمال الشرعية، والأعمال الشرعية حقيقتها التصديقات قبل أن تكون حركة ظاهرة، ولهذا من لم يصدق بالصلاة كفر بالإجماع، بخلاف من تركها وهو مصدق بها، لأن التصديق أشرف من مقام الحركة الظاهرة.
[ ٣ / ٧ ]
من الأدلة على أن الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإيمان
[والشهيد على أن الصلاة من الإيمان قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣] وإنما نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل رسول الله ﷺ عنهم فنزلت هذه الآية، فأي شاهد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية؟].
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: صلاة من صلى إلى بيت المقدس، وعلى هذا درج أئمة التفسير من الصحابة وغيرهم، وهذه الآية من أخص دلائل السلف على أن الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإيمان، وإذا دخل واحد منها -ولو كان هو الأشرف- فإن غيره يكون كذلك.
وقد أجاب المرجئة عن هذه الآية فقالوا: معنى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: تصديقكم الأول بالصلاة إلى بيت المقدس.
ومعنى كلامهم أن هناك أمرين وقت الصلاة إلى بيت المقدس:
الأمر الأول: التصديق بالصلاة إلى بيت المقدس واعتقاد أن هذا حكم.
الأمر الثاني: العمل.
فهم يقولون: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: تصديق المصدقين بوجوب الصلاة إلى بيت المقدس.
فنقول: هذا ليس بصحيح من جهة النظر في سياق الآية لغة وشرعًا وعقلًا؛ لأن التصديق بالصلاة إلى بيت المقدس في تلك المرحلة لم يكن تصديقًا قصد الشارع رفعه، إنما قصد إيجاد حكم آخر من التصديقات؛ فإنه يمتنع أن يتبادر إلى ذهن أحد من المكلفين الذين صلوا إلى بيت المقدس أو من بقي من أقاربهم أن تصديقهم الأول قد فسد، لكن الذي قد يتبادر إلى الذهن هي مسألة العمل، حيث إن هؤلاء اتجهوا إلى بيت المقدس وهؤلاء اتجهوا إلى الكعبة.
[فلبثوا بذلك برهةً من دهرهم، فلما أن داروا إلى الصلاة مسارعةً وانشرحت لها صدورهم أنزل الله فرض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:١١٠] وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطوه ذلك بالألسنة، وأقاموا الصلاة غير أنهم ممتنعون من الزكاة كان ذلك مزيلًا لما قبله، وناقضًا للإقرار والصلاة، كما كان إباء الصلاة قبل ذلك ناقضًا لما تقدم من الإقرار.].
من فقه المصنف ﵀ أنه يعبر بالامتناع، وقد تقدم أن هناك فرقًا بين الامتناع وبين الترك، فإن الامتناع يقارنه إباءُ في القلب، بخلاف الترك؛ فإنه من جنس ترك الفساق، ولذا كان الممتنع من الصلاة كافرًا بلا خلاف بين السلف، وكذلك الممتنع من الزكاة على شرط معروف فيه يأتي ذكره إن شاء الله، بخلاف التارك فهو محل نزاع كما سيأتي إن شاء الله.
[ ٣ / ٨ ]
القتال الذي وقع في زمن أبي بكر ﵁
[والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق -رحمة الله عليه- بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة كجهاد رسول الله ﷺ أهل الشرك سواء، لا فرق بينها في سفك الدماء وسبي الذرية واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها].
حصل في زمن أبي بكر ﵁ القتال لثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: من ارتد عن أصل الإسلام، وأعلن الكفر بالله وبرسوله ..
فهؤلاء لا خلاف بين المسلمين أنهم كفار مرتدون.
الطائفة الثانية: من جحد وجوب الزكاة، ورأى أن الزكاة شريعة في حق رسول الله ﷺ ثم بعد ذلك لا زكاة في الإسلام، فهؤلاء أيضًا بالإجماع المتحقق أنهم كفار؛ لأنهم جحدوا واجبًا معلومًا من الدين بالضرورة بعد قيام الحجة عليهم.
الطائفة الثالثة: من لم يظهر جحد وجوب الزكاة، وإنما منعوا أداءها، وهم أهل شوكة ومنعة -أي: أهل قتال-.
وهذه الطائفة يقرر جمهور الفقهاء المتأخرين من أصحاب الأئمة -بعد طبقة الأئمة الكبار، والقرون الثلاثة الفاضلة- في كتب الفقه أنها طائفة باغية، وليست طائفةً مرتدة، وممن ذكر هذا وكرره ونسبه إلى الجمهور من الفقهاء الخطابي والنووي رحمهما الله وغيرهما، وهو موجود في كتب الفقه للمذاهب الأربعة.
ونزع جملة من فقهاء المذاهب الأربعة -وهم المحققون في مذاهب أئمتهم- إلى أن هؤلاء مرتدون.
أما قول السلف الأول في شأن هؤلاء فإن المشهور، والذي عليه التقرير في نقل أقوال المتقدمين من السلف أنهم كانوا ينزعون إلى أن هذه الطائفة طائفةٌ مرتدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد اتفق الصحابة والأئمة من بعدهم على قتال مانعي الزكاة، وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، ولهذا كانوا مرتدين وهم يقاتلون على منعها، وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله".
وقد غلَّط الإمام ابن تيمية طائفة من الفقهاء كـ الخطابي وغيره فيما قرروه من أن هؤلاء قوم بغاة.
وبهذا يظهر عدم وجود إجماع صريح على أن الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة كافرة، لكن هذا هو المتقرر في كلام المتقدمين؛ فإنه لم ينضبط عن أحد من المتقدمين أنه جعل هذه الطائفة ليست طائفة مرتدة.
وقد أشار المصنف ﵀ عند ذكر قصة أبي بكر ومراجعة عمر له إلى الإجماع بقوله: "والمصدق لهذا جهاد أبي بكر الصديق -رحمة الله عليه- بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة، كجهاد رسول الله ﷺ أهل الشرك سواء".
فهو التمس هذا الإجماع التماسًا من القصة، لكن الإجماع الذي أشرت إلى أنه لم يصرح به عند المتقدمين: هو الإجماع الذي عليه تواردُ الكبار حتى تكون المسألة لا تحتاج إلى نظر، كإجماعهم على أن الإيمان قول وعمل
أما أن بعض المتقدمين فقه من القصة وجه إجماع عند الصحابة فذكره فهذا موجود، ومن أَخَصِ من ذكر هذا المصنف ﵀.
فكون هؤلاء الممتنعون أهلَ ردة هذا هو المعروف في كلام المتقدمين من السلف كـ مالك وأحمد والأوزاعي وأمثالهم، وهو المذهب الصحيح.
[ ٣ / ٩ ]
حكم تارك الزكاة
أما مسألة هل يكفر تارك الزكاة أو لا يكفر فإنها مسألة نزاع، ولو سلِّم أن هذه الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة كافرة بإجماع متحقق؛ فإنه لا يلزم من هذا أن ترك الزكاة يكون كفرًا؛ لأن هذه الطائفة ليس أمرها في ترك الزكاة فحسب، بل أمرها في اجتماع ترك الزكاة مع الامتناع والقتال.
وللأئمة أقوال في كفر تارك الزكاة:
القول الأول: أن ترك الزكاة كفر، ولو كان التارك فردًا من المسلمين، فلو أن شخصًا واحدًا وجبت عليه زكاة ماله فترك الزكاة، ولم يؤد من ماله زكاة إلى أن توفي؛ فإنهم يجعلون تركه للزكاة وهجره لها كفرًا مخرجًا من الملة، فيوافي ربه بالكفر على هذا الافتراض، ومن هنا يمكن أن يقام عليه حد الكفر إذا حقق عليه قضاءً
إلى غير ذلك.
وهذا المذهب مذهبُ ضعيف، وقد نسب إلى ابن عباس، وإن كان لم ينضبط صحةً عنه، ونسب إلى سعيد بن جبير وبعض كبار فقهاء الحجاز؛ ولهم دلائل على ذلك ليس هذا موضع تفصيلها، لكن أخص ما يستدلون به أن الله ذكر الصلاة والزكاة في القرآن على الاقتران، وهذا وجه ليس بلازم.
القول الثاني: أن ترك الزكاة ليس كفرًا.
وهذا المذهب عليه طائفة من الفقهاء، وهو المشهور في مذهب مرجئة الفقهاء ابتداءً، وعليه غيرهم من الفقهاء.
القول الثالث: أن ترك الزكاة ليس كفرًا إلا إذا قاتل عليه، وهذه هي الرواية الراجحة في مذهب الإمام أحمد ﵀، وهو الصحيح.
وأخص ما يستدل به كثير من الفقهاء الذين ينتصرون لعدم كفر غير المقاتل حديث أبي هريرة في الصحيحين، فقد قال النبي ﷺ: (ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها ) إلخ، وفيه قول النبي ﷺ: (فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار) وهو دليل على أنه ليس من الكفار، بل من أهل الوعيد.
وهذا وجه صريح في الاستدلال من جهة السنة، وهناك وجه صريح من القرآن أن هذا مؤمن بالله ورسوله، ومصدق، ومصلِّ، ومؤمن بالله وملائكته ..
إلخ فلا يكون كافرًا، وهذا الوجه ذكره الإمام مالك ﵀ لما سئل عن مسألة ترك الزكاة.
وبهذا يتبين أن السلف كانوا يفرقون بين حال من قاتل أبو بكر ﵁ وبين حال من ترك الزكاة من الآحاد؛ فإن الإمام مالكًا يذهب إلى أن تارك الزكاة من الآحاد لا يكفر، ومع ذلك هو نفسه يذهب إلى أن من قاتلهم الصديق كانوا كفارًا مرتدين؛ مما يدل على أن ثمة تفريقًا عند السلف بين ترك الزكاة كآحاد وبين الذين قاتلهم الصديق من الممتنعين المنابذين لحجج الإسلام في القرآن والسنة، والتي استدل بها على وجوب دفع الزكاة
إلى غير ذلك، فهذه القرائن المجتمعة الظاهرة تدل على إباءٍ في القلب.
إذًا: تارك الزكاة إذا كان ممتنعًا يكون كافرًا؛ ولذلك من دعي قضاءً إلى فعل الزكاة فامتنع عن أدائها، حتى قيل له: إن عقوبتك القتل ثم صبر على السيف؛ فإن هذا لا يكون إلا عن جحد وإباء، كما أن من دعي إلى الصلاة فلم يصلِّ حتى قتل فبالقطع أن هذا لا يقتل إلا كافرًا مرتدًا؛ لأنه يمتنع أن عاقلًا يصبر على السيف من غير كفر وارتداد وتكذيب في باطنه لهذا الحكم أو ذاك.
هذا ملخص لمسألة قتال الصديق ﵁ لمانعي الزكاة، وما فيها من الخلاف بين المتأخرين والمتقدمين.
وهذا يدل على أن ثمة مسائل قد يحكي المتأخرون فيها مذهبًا هو الشائع عند جمهورهم، ويكون مذهب الجمهور من المتقدمين على خلافه.
وعلى هذا ليس بلازم أن جمهور المتأخرين يوافقون جمهور المتقدمين، بل قد يكون العكس.
وقد تقدم أنه لم ينضبط عن أحد من السلف أنه صرح أن قتال الصديق لهؤلاء ليس قتال ردة، ومع ذلك لا يعتبر هذا الإجماع إجماعًا قطعيًا ..
لكن قد صرح بعض الأئمة كالمصنف وغيره بكونه إجماعًا كفهمٍ في الإجماع، والله أعلم.
[ ٣ / ١٠ ]