الخلاف في مسألة الاستثناء في الإيمان إذا كان متعلقًا بأصل يخالف قول السلف في الإيمان وأنه قول وعمل؛ فإنه يكون خلافًا في الأصل، وأما إذا كان على قدر من تعدد المرادات فإنه لا يعد أصلًا، فيكون مدار مسألة الاستثناء على المقاصد، ومنه يعلم سبب تعدد أجوبة أئمة السنة والجماعة عن هذه المسألة.
[ ٥ / ١ ]
باب الاستثناء في الإيمان
قال المصنف ﵀: [باب الاستثناء في الإيمان].
المراد بهذا الباب بيان حكم قول الرجل: هو مؤمن إن شاء الله.
ويراد بالاستثناء: هو التعليق بالمشيئة، وهذا أوسع من الاستثناء في كلام النحاة.
[ ٥ / ٢ ]
حكم الاستثناء في الإيمان
الخلاف في مسألة الاستثناء في الإيمان إذا كان متعلقًا بأصل يخالف قول السلف في الإيمان -أي: في مبدئه، وأنه قول وعمل- فإنه يكون خلافًا في الأصل.
وأما إذا كان على قدر من تعدد المراد -من المرادات الصحيحة- فإنه لا يعد من الأصول.
وتفصيل هذا المعنى: أن من ترك الاستثناء قد يكون مبتدعًا وقد يكون ترك أمرًا سائغًا، فإن من ألزم ترك الاستثناء -أي قال: لا بد أن يقول الرجل هو مؤمن، ولا يصح له أن يقول: هو مؤمن إن شاء الله- على معنى أن الإيمان واحدٌ وهو التصديق؛ فإن هذا التفريع تفريع عن بدعة مخالفة لإجماع السلف.
وأما من قال بترك الاستثناء في الإيمان -أي: أن يقول الرجل: هو مؤمن ولا يلزمه أن يقول: إن شاء الله- لأن العلم بأصل الإيمان علم ضروري، وكان الإيمان عنده قولًا وعملًا، فهذا الترك للاستثناء ترك واسع.
إذًا: هذه المسألة قد يتكلم فيها الأعيان فيكون بعضهم مخرجًا قوله على السنة؛ فتكون المسألة ليست من الأصول، وإذا تكلم فيها من خرّج قوله على أصله المخالف لقول السلف في باب الإيمان فإن قوله بدعة.
فإذا قيل: هل قرر السلف ﵏ وجهًا واحدًا في هذه المسالة؟
فالجواب: أما باعتبار مراداتها فنعم، وأما باعتبار إطلاق اللفظ فإنهم متوسعون في ذلك، فإن طائفة منهم يميلون إلى ذكر الاستثناء، ومعتبرهم في هذا أن الإنسان المسلم المؤمن لا يجزم لنفسه بالتمام؛ فإن الإيمان المطلق هو فعل الواجبات وترك المحرمات، وهذا لا أحد يجزم باستتمامه، ومن هنا استحبوا وأمروا بالاستثناء على هذا الوجه.
ومنهم من أمر بالاستثناء واستحبه وحسنه على معنى أن تركه فيه تزكية، والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢]
فهذان الوجهان هما مراد من استحب الاستثناء من السلف وقصد إليه.
وطائفة من السلف رخصوا في الاستثناء وتركه، فإذا أمروا بالاستثناء فعلى هذين المرادين، وإذا رخصوا في الترك فعلى مراد أن أصل الإيمان يصح الجزم به؛ لأن كل مسلم ومؤمن يجزم بأن معه الأصل، وهذا لابد من اليقين فيه، وليس هو من التزكية، بل هو من العلم الواجب، ولهذا قال النبي ﷺ: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله صدقًا من قلبه)، وقال أيضًا: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله) والجملة جملة حال.
وعلى هذا من ترك الاستثناء على معنى أنه يجزم بأصل إيمانه، وأنه مصدق بالله كافر بالطاغوت، يكون تركه سائغًا.
أما مسألة هل الحكم بهذين الاعتبارين على الوجوب أم على السعة؟
فنقول: إذا ما أراد المتكلم بقوله "هو مؤمن إن شاء الله" ترك التزكية، فهذا ليس من المسائل الواجبة، بل هو من المسائل الواسعة.
أما إذا كان قاصدًا لأصل الإيمان فنقول: هناك تفصيل:
فإن كان تعليقه من باب التردد فلا شك أن هذا إبطال للجزم.
وأما إن كان على معنى أنه يجوز في الأمور المحققة ذكر مشيئة الرب فهذا سائغ؛ لأن التعليق بمشيئة الله لا يلزم عنه التردد، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] مع أن دخولهم كان متحققًا مجزومًا به.
وبهذا يتبين أن مدار مسألة الاستثناء على المقاصد؛ فمن كان على باب من السنة والجماعة ويقول: إن الإيمان قول وعمل؛ فإن مسألة الاستثناء في حقه لا تعد من مسائل الأصول، بل يستثني في مقام ويترك في مقام آخر، ويكون ذلك بحسب مقصده، فإذا استثنى تركًا للتزكية فهذا مما يسوغ، وإذا ترك الاستثناء على معنى أنه جازم بأصل الإيمان فهذا أيضًا مما يسوغ، وإذا استثنى على معنى أنه يعلق أمره بمشيئة الرب النافذة في كل شيء -حتى الأشياء المحققة- فإن هذا أيضًا مما يسوغ.
وبهذا التفصيل يفهم سبب تعدد أجوبة أئمة السنة والجماعة عن هذه المسألة.
[ ٥ / ٣ ]
السبب في اختلاف السلف في مسألة الاستثناء في الإيمان
إن قيل: فلم كان جملة من السلف ينزعون إلى الاستثناء ويؤكدون شأنه، وجملة من الأئمة ينزعون إلى تركه؟
قيل: هذا من حكمتهم وفقههم؛ فإن من نزع من السلف إلى تأكيد مسألة الاستثناء فإن مراده بذلك الرد على المرجئة، الذين جمهورهم يحرمون الاستثناء ويمنعونه؛ لكون الإيمان عندهم واحدًا بالتصديق ونحوه ..
ولهذا إذا قيل: صاحب السنة من بعدهم ينزع إلى أي الوجهين في أجوبة السلف؟
قيل: ينزع إلى جميعها بحسب المقاصد والأحوال؛ ولهذا قال الله للمؤمنين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦] ولم يلزم من ذلك أن يقولوا: إن شاء الله، والعبد يقول: لا إله إلا الله ولا يقول: إن شاء الله.
فالقول بأن الاستثناء واجب في الإيمان ليس بصحيح، ومن نُقل عنه الوجوب من السلف فإنه معلق بمقصد من المقاصد الشرعية، وأما أن أحدًا من السلف يوجب الاستثناء في سائر المقامات وباعتبار سائر المقاصد فهذا لا يصح عن واحد من السلف، ومن حكى عن أحد من السلف إيجاب الاستثناء في سائر المقامات، وباعتبار سائر المقاصد فهذا غلط عليه، وإن كان هذا قد حكاه بعض المتأخرين من أهل العلم.
بل الصواب: أن جوابات السلف هنا هي على مادة التنوع، وليس التضاد أو الخلاف اللفظي؛ لأن الخلاف اللفظي معناه أن لا فرق بين حقيقة الأقوال، وخلاف التنوع: أن يكون لكل معنى، وليس بين المعاني تعارض.
أي: أن هذا يقصد معنىً فيستثني، ويقصد الآخر معنى آخر فيترك الاستثناء، فمن استثنى قصد ترك التزكية أو قصد أن الإيمان قول وعمل وهو لم يستتم التمام في القول، ومن ترك الاستثناء قصد أن أصل الإيمان مما يجزم به، ولهذا قال النبي ﷺ عن الجارية: (أعتقها؛ فإنها مؤمنة)، ولم يقل ﷺ: إن شاء الله؛ مع أن الجارية لم يستفض إيمانها، حتى كان معاوية بن الحكم مترددًا في شأنها
إلى أمثال ذلك.
[ ٥ / ٤ ]
مذهب المرجئة في مسألة الاستثناء في الإيمان
أما أهل البدع فكما أسلفت أنهم تكلموا في هذه المسألة على أصول بدعهم، ومن هنا حرّم عامة المرجئة الاستثناء في الإيمان؛ لأنه يعني الشك، وهذا غلط من جهتين:
الأولى: أنهم فرعوا هذا القول عن أن الإيمان واحد، والصواب: أن الإيمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل.
الثانية: أنه لو فرضنا جدلًا أن الإيمان واحد، فإن الاستثناء بذكر مشيئة الرب في الأمور المحققة أمر سائغ، بشرط أن يكون المتكلم لا يقصد التردد، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤] ولو كان الإنسان عازمًا وجازمًا في مقصد فعله.
[ ٥ / ٥ ]
كلام أبي عبيد عن مسألة الاستثناء في الإيمان وعرضه لأقوال السلف
[قال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي الأشهب عن الحسن قال: قال رجل عند ابن مسعود: أنا مؤمن.
فقال ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو.
فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟.
قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بن سعيد عن الأعمش عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: بينا نحن نسير إذ لقينا ركبًا فقلنا: من أنتم؟ فقالوا: نحن المؤمنون! فقال: أولا قالوا: إنا من أهل الجنة؟!.
قال أبو عبيد: حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر كلاهما عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن إبراهيم عن علقمة قال: قال رجل عند عبد الله: أنا مؤمن! فقال عبد الله: فقل: إني في الجنة! ولكن آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله.
قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن محل بن محرز قال: قال لي إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن معمر عن ابن وطاس عن أبيه قال: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين قال: إذا قيل لك أمؤمن أنت؟ فقل: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [البقرة:١٣٦]
قال أبو عبيد: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن إبراهيم قال: قال رجل لـ علقمة: أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو إن شاء الله.
قال أبو عبيد: ولهذا كان يأخذ سفيان ومن وافقه الاستثناء فيه، وإنما كراهيتهم عندنا أن يبسوا الشهادة بالإيمان مخافة ما أعلمتكم في الباب الأول من التزكية والاستكمال عند الله، وأما على أحكام الدنيا فإنهم يسمون أهل الملة جميعًا مؤمنين، لأن ولايتهم وذبائحهم وشهاداتهم ومناكحتهم وجميع سنتهم إنما هي على الإيمان، ولهذا كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه جميعًا واسعين.
قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي قال: من قال: أنا مؤمن فحسن، ومن قال: أنا مؤمن إن شاء الله فحسن، لقول الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] وقد علم أنهم داخلون.
وهذا عندي وجه حديث عبد الله حين أتاه صاحب معاذ فقال: ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة أصناف: مؤمن ومنافق وكافر، فمن أيهم كنت؟ قال: من المؤمنين.
إنما نراه أراد أني كنت من أهل هذا الدين لا من الآخرين، فأما الشهادة بها عند الله فإنه كان عندنا أعلم بالله وأتقى له من أن يريده، فكيف يكون ذلك والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]!
والشاهد: (على ما نظن) أنه كان قبل هذا لا يقول: أنا مؤمن على تزكية ولا على غيرها، ولا نراه أنه كان ينكره على قائله بأي وجه كان، إنما كان يقول: آمنت بالله وكتبه ورسله، لا يزيد على هذا اللفظ، وهو الذي كان أخذ به إبراهيم وطاوس وابن سيرين، ثم أجاب عبد الله إلى أن قال: أنا مؤمن؛ فإن كان الأصل محفوظًا عنه فهو عندي على ما أعلمتك، وقد رأيت يحيى بن سعيد ينكره ويطعن في إسناده؛ لأن أصحاب عبد الله على خلافه].
هذا يبين أن ابن مسعود وأصحابه يميلون إلى الاستثناء ويؤكدون شأنه، ولكن أجوبتهم تدور على المعاني السابقة: أنهم يتركون التزكية ..
أنهم يقصدون أن الإيمان قول وعمل، وأن الإنسان لا يجزم لنفسه باستمامهما، ولهذا قال للرجل: (أفأنت من أهل الجنة؟) يعني: إن المؤمن المطلق يكون من أهل الجنة، وهذا مما لا يجزم بتحققه، وهكذا نقل بعد ذلك عن أصحاب ابن مسعود كـ علقمة وغيره.
وهنا مسألة في مسألة الاستثناء، وهي فرق لطيف فات بعض المتأخرين ممن علق على هذه المسألة؛ فقد تبين أن من أوجه السلف في الاستثناء أنهم يستثنون باعتبار ترك التزكية، وباعتبار أن الإيمان قول وعمل، وأن الإنسان لا يجزم بهذا التحقق.
[ ٥ / ٦ ]
من أوجه الاستثناء أن الإنسان لا يدري بماذا يختم له
هنا وجه ثالث أيضًا في مقاصد السلف في الاستثناء: وهو أن الإنسان لا يعلم ماذا يختم له، فيقول: هو مؤمن إن شاء الله؛ لأنه لا يدري بالخاتمة، والله ﷾ هو العليم بذلك.
إذًا قد يستثني من يستثني من السلف أو يسّوغ الاستثناء أو يأمر به؛ لكون الإنسان لا يدري ماذا يختم له.
وهذا الوجه -أعني الثالث- يختلف عن الوجه الذي كان يعلل به ابن كلاب، فقد كان يذهب إلى إيجاب الاستثناء في الإيمان؛ ويعلل ذلك بأن الإنسان لا يدري ما يوافي به ربه.
فالمؤمن عنده الموافي.
والفرق بين اعتبار ختم العمل عند من يستثني من السلف وبين مسألة الموافاة عند ابن كلاب ومن وافقه، أن ابن كلاب كانت عنده قاعدة -وهي قاعدة بدعية- وهي: أن الإيمان هو ما يوافي العبد به ربه، فمن علم الله أنه يوافيه بالإيمان فإنه لا يزال محبوبًا له حتى حال كفره، ومن علم الله أنه لا يوافيه إلا بالكفر فإنه لا يزال مبغَضًا عنده حتى حال إيمانه الذي يعقبه كفر وردة ..
وهذا الوجه من البدع الحادثة في كلام ابن كلاب؛ ولهذا إذا قال شيخ الإسلام: "وهذا الوجه في الاستثناء لم ينطق به أحد من السلف"، فلا بد أن يفرق بينه وبين مسألة الختم؛ فمسألة ختم العمل وجه معروف في كلام السلف، وأما الموافاة فمراد ابن كلاب بها: أن الإيمان هو الموافاة، وأما الإيمان الأول -الذي لا يوافي به، أو يعقبه ردة وما إلى ذلك- فليس إيمانًا، وكذلك الكفر الأول الذي يعقبه إيمان لا يكون صاحبه حال كفره مبغضًا .. !
ولا شك أن هذا غلط، بل الكفار حال كفرهم مع أن الله يعلم أن منهم من يؤمن مبغضون عنده ﷾.
[ ٥ / ٧ ]
كلام أبي عبيد عمن قال إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل
[وكذلك نرى مذهب الفقهاء الذين كانوا يتسمون بهذا الاسم بلا استثناء، فيقولون: نحن مؤمنون، منهم عبد الرحمن السلمي، وإبراهيم التيمي، وعون بن عبد الله، ومن بعدهم، مثل عمر بن ذر، والصلت بن بهرام، ومسعر بن كدام، ومن نحا نحوهم، إنما هو عندنا منهم على الدخول في الإيمان لا على الاستكمال.
ألا ترى أن الفرق بينهم وبين إبراهيم وبين ابن سيرين وطاوس إنما كان أن هؤلاء كانوا به أصلا، وكان الآخرون يتسمون به.
فأما على مذهب من قال: كإيمان الملائكة والنبيين! فمعاذ الله، ليس هذا طريق العلماء، وقد جاءت كراهيته مفسرة عن عدة منهم.
قال أبو عبيد: حدثنا هشيم أو حدثت عنه عن جوير عن الضحاك: أنه كان يكره أن يقول الرجل: أنا على إيمان جبريل وميكائيل ﵉.
قال أبو عبيد: حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري عن نافع عن عمر الجمحي قال: سمعت ابن أبي مليكة وقال له إنسان: إن رجلًا في مجالسك يقول: إن إيمانه كإيمان جبرائيل! فأنكر ذلك وقال: سبحان الله! والله لقد فضل جبريل ﵇ في الثناء على محمد صلى الله عليه فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١].
قال أبو عبيد: حدثنا عن ميمون بن مهران: أنه رأى جارية تغني فقال: من زعم أن هذه على إيمان مريم بنت عمران فقد كذب.
وكيف يسع أحدًا أن يشبه البشر بالملائكة، وقد عاتب الله المؤمنين في غير موضع من كتابه أشد العتاب، وأوعدهم أغلظ الوعيد، ولا يعلم فعل بالملائكة من ذلك شيئًا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢] وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
فأوعدهم النار في آية، وآذنهم بالحرب في أخرى.
وخوفهم بالمقت في ثالثة، واستبطأهم في رابعة، وهو في هذا كله يسميهم مؤمنين، فما تشبه هؤلاء من جبريل وميكائيل مع مكانهما من الله؟! إني لخائف أن يكون هذا من الاجتراء على الله والجهل بكتابه].
[ ٥ / ٨ ]