معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، وأن هذه الزيادة والنقصان تكون في الأعمال الظاهرة والباطنة، وهذا محل إجماع عندهم، وإن وجد اختلاف بين بعض السلف في معنى الزيادة والنقصان فإنما هو خلاف ألفاظ، وقد خالف بعض أهل البدع في هذه المسألة ففسروا الزيادة بمعان مخالفة لما جاء في الكتاب والسنة.
[ ٦ / ١ ]
باب الزيادة في الإيمان والانتقاص منه
يعتبر هذا الباب من المسائل الأصول في الإيمان، فليس هو كمسألة الاستثناء، بل هو من أشرف أصول هذه المسألة، وهو إجماع للسلف.
وجُمل السلف ﵏ كما أنها تنوعت في مسمى الإيمان، فقالوا فيه أقوالًا هي من باب الخلاف اللفظي، وقالوا في جوابهم في الاستثناء أقوالًا تنوعت هي من باب خلاف التنوع، كذلك نقول هنا: كلام السلف في مسألة الزيادة والنقصان فيها خلاف لفظي، فالجمهور من السلف يقولون: الإيمان يزيد وينقص، ويطلقون هذا.
ومنهم من يقول: الإيمان يتفاضل، وهذا جواب معروف عن عبد الله بن المبارك وأمثاله.
وقد نقل عن مالك في إحدى الروايتين أنه قال: الإيمان يزيد، وسكت عن لفظ النقصان، وأما المعنى فإنه ثابت عنده.
فهذه هي أجوبة السلف ﵏، والخلاف بينها من باب الخلاف اللفظي؛ فإن معنى التفاضل في قول بعضهم: إنه يتفاضل، أي: أنه يزيد وينقص، وأن أصحابه على درجات.
[ ٦ / ٢ ]
الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص
أما دليله: فما جاء ذكره صريحًا في كتاب الله في عدة مواضع من ذكر لزيادة الإيمان، وأما النقصان فإنه كما قال الإمام أحمد وغيره: "إن الإيمان كما يزيد فإنه ينقص".
ولم يعبر بلفظ النقصان في القرآن، وإنما نفى الشارع الإيمان عمن ترك بعض الواجبات أو فعل بعض الكبائر، كقول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ونفي الاسم أبلغ من ذكر لفظ النقصان في هذا الفعل من الكبائر؛ لأن ذكر لفظ النقصان لا يلزم منه أن يكون الفعل من الكبائر، بخلاف نفي الاسم الشرعي؛ فإن القاعدة -كما نص عليها شيخ الإسلام وغيره-: "إن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمرٍ -أمر الله به ورسوله- إلا إذا ترك بعض واجباته".
فلما قال النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) دل هذا على أن الزاني قد فعل كبيرةً من الكبائر، وكذلك قوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له)
إلى أمثال ذلك، ولهذا كان قوله ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) دليلًا على أن قراءة الفاتحة لازمة في الصلاة إما ركنًا وإما وجوبًا على ما هو معروف.
[قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ بن جبل لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة -يعني: نذكر الله-.
وبهذا القول كان يأخذ سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس يرون أعمال البر جميعًا من الازدياد في الإسلام؛ لأنها كلها عندهم منه، وحجتهم في ذلك ما وصف الله به المؤمنين في خمس مواضع من كتابه، منه قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] وموضعان آخران قد ذكرناهما في الباب الأول، فاتبع أهل السنة هذه الآيات وتأولوها أن الزيادات هي الأعمال الزاكية].
بهذه الأدلة يعلم أن ذكر زيادة الإيمان صريح في كتاب الله ﷾، وقد سبق الإشارة إلى أصل جامع ذكره ابن تيمية ﵀ حيث قال: "وأصل نزاع هذه الفرق من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا إذا زال بعضه زال جميعه"، أي: إن الأصل الذي تفرعت عنه جميع البدع في مسألة الإيمان، وخالف أصحابها قول السلف، هو: أنهم اعتبروا أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، فعند الخوارج والمعتزلة أنه قول وعمل، لكنه لا يزيد ولا ينقص، فمن ترك واجبًا فيه فقد كفر -أو فسق عند المعتزلة- وعدم الإيمان.
وعند المرجئة يجعلونه هو التصديق، أو مع القول، أو القول وحده على حسب أقوال المرجئة، ويكون الإيمان عندهم واحدًا.
وقد تقدم أن في كتاب الله تصريحًا تامًا بزيادة الإيمان، وإن لم يكن هو الدليل الوحيد الدال على أن الإيمان يزيد وينقص، بل هو نوع من الأدلة، وإلا من الأدلة: الضرورة الشرعية؛ فإن الضرورة الشرعية تدل على أن المؤمنين ليسوا درجة واحدة، وهذا هو اللازم في حكم العقل؛ فإنه ما من شيء يؤمر به بنو آدم من الأمور الشرعية أو الدينية أو الدنيوية إلا ويتفاضلون فيه.
فهذا التفاضل ضرورة حسية قاطعة، وهي مدركة بضرورة العقل.
وعلى هذا يكون القول بتساوي الإيمان ممتنعًا في العقل والحس.
[ ٦ / ٣ ]
مذهب المرجئة والخوارج في تفسير الآيات الدالة على زيادة الإيمان
وقد يرد هنا سؤال: ما هو موقف المخالفين للسلف من هذا التصريح في كتاب الله بزيادة الإيمان؟
[وأما الذين رأوا الإيمان قولًا ولا عمل فإنهم ذهبوا في هذه الآيات إلى أربعة أوجه].
هذا التفسير ليس خاصًا بمن يقول: إنه قول، فمن المعروف أن من يقول: إن الإيمان قول فقط هو محمد بن كرام السجستاني، بل هو -أيضًا- تفسير من يقول: إن الإيمان هو التصديق كجمهور المرجئة، ومن يقول: إن الإيمان قول وعمل ولكنه لا يزيد ولا ينقص، كالمعتزلة والخوارج، فإن جميع هؤلاء يفسرون هذه الآيات بما يأتي ..
[أحدها أن قالوا: أصل الإيمان الإقرار بجمل الفرائض مثل الصلاة والزكاة وغيرها، والزيادة بعد هذه الجمل، وهو أن تؤمنوا بأن هذه الصلاة المفروضة هي خمس، وأن الظهر هي أربع ركعات، والمغرب ثلاثة ..
وعلى هذا رأوا سائر الفرائض.
والوجه الثاني أن قالوا: أصل الإيمان الإقرار بما جاء من عند الله، والزيادة تمكن من ذلك الإقرار.
والوجه الثالث أن قالوا: الزيادة في الإيمان الازدياد من اليقين.
والوجه الرابع أن قالوا: إن الإيمان لا يزداد أبدًا، ولكن الناس يزدادون منه].
هذا هو تفسير المرجئة ويشاركهم في بعضه الخوارج، وإن كان الخوارج يرتبونه على قولهم المعروف.
وهذا التفسير لما ذكر من زيادة الإيمان في القرآن لأهل العلم تجاهه طريقان:
الطريق الأول: أن هذا التفسير غلط؛ لأنه وإن كان بعضه ممكنًا من جهة جملة المعاني إلا أن تفسير الآيات المعينة به خروج عن السنة ومراد الله ورسوله.
الطريق الثاني: أن هذا تفسير قاصر، وفيه تحكم.
أي: قصر للزيادة على هذه المعاني، ولا شك أن الزيادة أجل من هذا المعنى، فهي في الأعمال الظاهرة والباطنة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣]
فمن هذا السياق وأمثاله أن الزيادة متحققة في الأعمال الظاهرة والباطنة، وأنها متحققة في التصديقات، ولهذا قال: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا) أي: تصديقًا ويقينًا، كما أنها زادتهم بقوله: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) توكلًا، وهذا فعل القلب، وزادتهم فعلًا في الجوارح وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٣].
فبينٌ من سياق الآيات أن الزيادة والنقصان متعلقة بأوجه الإيمان كلها الظاهرة والباطنة، فيكون القصر على هذا من التحكم في تفسير كلام الله ورسوله.
[ ٦ / ٤ ]
تفسير المرجئة والخوارج للآيات الدالة على زيادة الإيمان بدعة محدثة
[وكل هذه الأقوال لم أجد لها مصدقًا في تفسير الفقهاء ولا في كلام العرب، فالتفسير ما ذكرناه عن معاذ حين قال: (اجلس بنا نؤمن ساعة) فيتوهم على مثله أن يكون لم يعرف الصلوات الخمس ومبلغ ركوعها وسجودها إلا بعد رسول الله ﷺ، وقد فضله النبي ﷺ على كثير من أصحابه في العلم بالحلال والحرام، ثم قال: (يتقدم برتوة) هذا لا يتأوله أحد يعرف معاذًا!
وأما في اللغة فإنا لم نجد المعنى فيه يحتمل تأويلهم، وذلك كرجل أقر له رجل بألف درهم له عليه، ثم بينها فقال: مائة منها في جهة كذا، ومائتان في جهة كذا، حتى استوعب الألف، ما كان هذا يسمى زيادة، وإنما يقال له: تلخيص وتفصيل، وكذلك لو لم يلخصها ولكنه ردد ذلك الإقرار مرات، ما قيل له زيادة أيضًا، إنما هو تكرير وإعادة؛ لأنه لم يغير المعنى الأول ولم يزد فيه شيئًا.
فأما الذين قالوا يزداد من الإيمان، ولا يكون الإيمان هو الزيادة، فإنه مذهب غير موجود، لأن رجلًا لو وصف ماله فقيل: هو ألف، ثم قيل: إنه ازداد مائة بعدها، ما كان له معنى يفهمه الناس إلا يكون المائة هي الزائدة على الألف، وكذلك سائر الأشياء، فالإيمان مثلها، لا يزداد الناس منه شيئًا، إلا كان ذلك الشيء هو الزائد في الإيمان].
"في تفسير الفقهاء" مقصوده: في تفسير السلف، أي أن السلف -﵏- ما كانوا يفسرون هذه الآيات بهذه الأوجه، إنما يقولون: إن هذه الآيات تدل على أن الإيمان يزيد في جميع أوجهه وموارده.
ومن هنا يمكن أن يقال: إن هذا التفسير بدعة بهذا الاعتبار، ووجه كونه بدعةً هو كونه مخالفًا لتفسير السلف، لكن لا يلزم أن تكون المعاني المذكورة في هذا التفسير باطلة.
فإن قول من قال: إن المؤمنين يزدادون إيمانًا بكثرة أدلته -وهذا من تفسير المرجئة لآيات الزيادة- في جملته صحيح، لكن قصر التفسير عليه بدعة مخالفة للسلف، وهو من التحكم الذي لا دليل عليه، وهو من جنس الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض.
ومن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض؛ فإن القدر الذي آمن به من حيث جملته يعتبر إيمانًا، لكنه لم ينفعه؛ لأنه فاسد وباطل؛ لكونه قابله بالكفر بالبعض الآخر.
ومن هنا يصح أن يقال: إن هذا التفسير باعتبار مادته الأصل فيه صحة؛ لأن معنى القول بإن هذا التفسير خطأ من الأصل أن يكون قول من قال: إن الإيمان يزيد بزيادة الأدلة.
خطأ، وهذا غير صحيح.
لكنه مع ذلك يسمى بدعةً؛ لكونه مخالفًا لتفسير السلف؛ لأن فيه تحكمًا بتفسير القرآن، وقصرًا على معنى دون معنى.
ومعنى هذا باختصار: أن السلف -﵏- الذين يقولون: الإيمان يزيد وينقص، إذا سئل أحدهم: هل الإيمان يزيد بالطاعة؟ فسيقول: نعم.
وإذا قيل له: هل الإيمان يزيد بأعمال القلوب؟ فسيقول: نعم.
ولو قيل له: هل الإيمان يزيد بتعدد أدلته؟ فسيقول: نعم.
مثلًا: من المقطوع به أن الإيمان بعذاب القبر الذي ذكره النبي ﷺ يتفاضل إذا ذكر في عشرة أحاديث عنه بحديث واحد، وهذه ضرورة في عقول بني آدم.
وكذلك إذا نظر شخص في مسألة من المسائل الفقهية عليها دليل واحد، ومسألة عليها عشرة أدلة، فإن التي عليها عشرة أدلة تكون أقوى في الثبوت.
وعلى هذا يصح أن يقال: إن تعدد الأدلة يزيد في التصديق، واليقين، والمعرفة، والعلم، والإيمان هو العلم، وإنما أخطأ هؤلاء المفسرون من المرجئة وأمثالهم من جهة مخالفة تفسير السلف، ومن جهة قصر تفسير الآيات على هذه الأوجه التي حدوها، فمن هنا كان تفسيرهم بدعة، وإن كانت أصول معانيه مقبولة، لكن السلف لا يقتصرون عليها، بل يذكرون الزيادة فيها وفي غيرها.
[ ٦ / ٥ ]
الرد على المرجئة القائلين بأن زيادة الإيمان هي ازدياد اليقين
[وأما الذين جعلوا الزيادة ازدياد اليقين فلا معنى لهم لأن اليقين من الإيمان، فإذا كان الإيمان عندهم كله برمته إنما هو الإقرار، ثم استكمله هؤلاء المقرون بإقرارهم ..
أفليس قد أحاطوه باليقين من قولهم؟! فكيف يزداد من شيء قد استقصي وأحيط به؟! أرأيتم رجلًا نظر إلى النهار بالضحى حتى أحاط عليه كله بضوئه هل كان يستطيع أن يزداد يقينًا بأنه نهار ولو اجتمع عليه الإنس والجن؟! هذا يستحيل ويخرج مما يعرفه الناس].
هذا وجه فاضل في الرد.
وهو الوجه الآخر في الرد على المرجئة الذين فسروا الزيادة بهذا، وهو أن المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان واحد وهو التصديق، يمنعون الاستثناء فيه ويجعلونه واحدًا، فما وجه زيادة اليقين فيه؟!!
أي: إن معنى القول بأن الإيمان واحد يلزم منه نفي زيادة الإيمان من كل وجه؛ فإذا أُثبتت زيادة الإيمان ولو من وجه تعدد الأدلة أو من وجه تمام اليقين، أو أمثالها من التفسيرات التي أريد بها التخلص من معارضة القرآن فإن هذا يكون من باب التناقض.
فمن يقول: إن الإيمان واحد، ومع ذلك يقول: يزداد، فإن مجرد تسليمه بزيادته على أي وجه فسر هذه الزيادة يعد تناقضًا؛ فإنه إذا سوغ زيادته باعتبار تعدد الأدلة فمعناه أن أهله تفاضلوا.
وإن قال: إنه لم يتفاضل إيمانهم وإنما تفاضلت أدلتهم؛ قيل: الدليل يدل على حكم في مدلوله، وهذا الحكم هو الذي يجب الإيمان به، ولهذا يكون الحكم المُؤمَن به -وهو إيمان بالقطع- متفاضلًا بين المخاطبين.
فمقصود هذا الوجه: أن من قال: إن الإيمان واحد -وهو قول كل من خالف السلف- يمتنع أن يقر بزيادة الإيمان بأي وجه من الأوجه، فمن أقر بذلك كان متناقضًا.
وخلاصة هذا الرد هي: أنه إذا كان الإيمان واحدًا سواء كان هو التصديق أو الإيمان أو المعرفة أو ما إلى ذلك فقد استكملوه بالأول، فما وجه الزيادة؟!
ومن المعلوم في النظر العقلي أن من يقول: إن هذا الشيء واحد، يمتنع عليه أن يقول: أنه يزيد، بأي وجه فسر الزيادة.
وهذا من باب تناقض أهل البدع.
[ ٦ / ٦ ]