طائفة من المرجئة يذهبون إلى أن الإيمان شهادة باللسان، وإقرار بالقلب، وهذا القول المنسوب إلى المرجئة قال به بعض فقهائهم ومتكلميهم، من المعروفين بالسنة ومن الخارجين عنها، وهذا الاتفاق إنما هو اتفاق في جملة القول وقدره الكلي وليس في تفصيله.
[ ٧ / ١ ]
باب تسمية الإيمان بالقول دون العمل
[قال أبو عبيد: قالت هذه الفرقة: إذا أقر بما جاء من عند الله وشهد شهادة الحق بلسانه، فذلك الإيمان كله؛ لأن الله ﷿ سماهم مؤمنين، وليس ما ذهبوا إليه عندنا قولًا، ولا نراه شيئًا، وذلك من وجهين:-
أحدهما: ما أعلمتك في الثلث الأول أن الإيمان المفروض في صدر الإسلام لم يكن يومئذ شيئًا إلا إقرار فقط.
وأما الحجة الأخرى: فإنا وجدنا الأمور كلها، يستحق الناس بها أسماءها مع ابتدائها والدخول فيها، ثم يفضل فيها بعضهم بعضًا، وقد شملهم فيها اسم واحد، من ذلك أنك تجد القوم صفوفًا بين مستفتح للصلاة، وراكع وساجد ..
وقائم وجالس، فكلهم يلزمه اسم المصلي، فيقال لهم: مصلون، وهم مع هذا فيها متفاضلون].
[ ٧ / ٢ ]
الطائفة التي تقول بأن الإيمان هو الإقرار والشهادة
هذه الطائفة التي أراد المصنف ﵀ ذكرها في هذا الباب هم من يقولون بأن من أقر وشهد فقد آمن.
وكلمة "أقر" تعني: إقرار القلب، و"شهد" أي: بلسانه.
وقد تقدم أنه يقرر أن المرجئة من الفقهاء يذهبون إلى أن الإيمان يكون بإقرار القلب وتصديقه وبقول اللسان، ومع ذلك ذكرهم على أنهم طائفة من أهل العلم والديانة، أما من ذكرهم في هذا الباب فمن الملاحظ أنه مغلظ في ذكره لهم، فهو لم يذكرهم على أنهم طائفة من أهل العلم والديانة كما سبق في مرجئة الفقهاء.
وهو يريد بهذا إحدى طائفتين:
إما من يقول بأن الإيمان هو القول، وهذا القول قاله محمد بن كرام السجستاني، وهو متأخر في التاريخ عن المصنف، وعلى هذا يكون هذا القول قد قاله طوائف من قدماء المرجئة الذين أدركهم المصنف فنَسَبَ هذا القول على إطلاق عام، ونسبه المتأخرون إلى محمد بن كرام؛ لأنه هو الذي نظمه وشهره، وليس بالضرورة أن يكون هو الذي ابتدعه واخترعه ..
فهذا وجه التفسير لكلامه.
[ ٧ / ٣ ]
طوائف المرجئة عند المتأخرين
قبل أن نتكلم عن التفسير الصحيح لكلام المصنف نريد أن نبين أن المتأخرين إذا ذكروا المرجئة فإنهم يقسمونهم إلى طوائف، فيقولون:
منهم من يقول: الإيمان المعرفة ..
وهذا قول الجهم بن صفوان، وأبي حسين الصالحي وأمثالهم.
ومنهم من يقول: هو التصديق، وهذا القول لـ بشر المريسي وجماعة.
فإذا قالوا: ومنهم من يقول: إنه قول اللسان وتصديق القلب، جعلوا هذا القول قول مرجئة الفقهاء، وكأن هذا القول هو قول المرجئة الفقهاء فقط.
والصحيح: أن القول بأن الإيمان شهادة باللسان وإقرار بالقلب هو قول لكثير من المرجئة، من فقهائهم ومتكلميهم، من المنتسبين إلى السنة كـ حماد بن أبي سليمان، وممن هو خارج عن السنة والجماعة ممن عرفوا بالابتداع، والخروج عن طريقة الأئمة.
لكن الاشتراك بين فقهائهم كـ حماد بن أبي سليمان وبين غيرهم من متكلميهم أو من خرج عن السنة والجماعة هو اشتراك في قدره الكلي.
[ ٧ / ٤ ]
قول طائفة من المرجئة بأن الإيمان هو الإقرار والشهادة
إذًا نقول: إن طائفة من المرجئة يذهبون إلى أن الإيمان شهادة باللسان، وإقرار بالقلب.
وهذا القول هو قول طائفة من المرجئة من فقهائهم ومتكلميهم، من المعروفين بالسنة والخارجين عنها، وهذا الاتفاق اتفاق في جملة القول وقدره الكلي وليس في تفصيله؛ فإنه من حيث التفاصيل ثمة فرق.
وقبل تقرير الفرق نورد تقريرًا لمقدمة أخص، وهي: أن فقهاء هذا النوع من المرجئة المعروفين بالسنة والجماعة كـ حماد أقرب في تقرير هذا القول ومرادهم به إلى السنة والجماعة من متكلمة هذا القول، فإن هؤلاء يبتعدون في تقريرهم عن كلام الأئمة من جهة الدلائل ومن جهة تقرير الحقائق.
والفرق بين فقهائهم ومتكلميهم الذين يشتركون في تقرير هذه الجملة من وجهين:
الوجه الأول: من جهة الدلائل وطرق الاستدلال، فإن حمادًا وأمثاله لم يخرجوا في طرق الاستدلال عن المعروف عند السلف، وهو الاعتبار بكلام الله ورسوله في الدليل.
أي: لم يستعملوا علم الكلام وغيره من الطرق المبتدعة في الاستدلال، بخلاف متكلمة المرجئة؛ فإنهم استعملوا هذا العلم.
وكذلك حماد بن أبي سليمان وأمثاله، لم يطعنوا في شيء من سنة النبي ﷺ من جنس ما يطعن متكلمة المرجئة، كطعنهم في أخبار الآحاد.
الوجه الثاني: من جهة المعاني؛ فإن تقرير حماد بن أبي سليمان لمقام العمل أشرف من تقرير متكلمة المرجئة، وإن كان حماد وأبو حنيفة رحمهما الله لا يدخلون العمل في مسمى الإيمان، إلا أنهم يعظمون شأنه، ويعظمون شأن الواجبات، ويذكرون مسألة الوعيد ..
وما إلى ذلك؛ ولهذا هم في مسألة وعيد أهل الكبائر لا يخالفون جملة السلف.
إذًا: تقرير حماد لمسألة العمل وإن كان خارجًا عن السنة والجماعة، باعتباره لا يجعل العمل داخلًا في مسمى الإيمان، إلا أنه أشرف من تقرير متكلمة المرجئة.
وإذا تبين أن هذا القول: -وهو أن الإيمان إقرار بالقلب وقول باللسان- هو قول لكثير من المرجئة، وليس مختصًا بفقهائهم؛ تبين ما سبق الإشارة إليه، وهو أن كثيرًا من شراح الحنفية -ولا سيما متكلمة الحنفية- لمقالة أبي حنيفة التي أخذها عن حماد، إنما ينسب عند التحقيق إلى الحنفية المتكلمين به، ولا يلزم أن ينسب إلى حماد وأمثاله.
ولسنا هنا نقصد إلى المدافعة عن قول حماد؛ فقد تقدم أن قول حماد بدعة بإجماع السلف، وخارج عن السنة والجماعة بإجماع السلف، ولكن الزيادة أيضًا على الأعيان في الأقوال مما لا ينبغي أن يصار إليه، فقد شرح المتأخرون كثيرًا من الأقوال وزادوا عليها، كزيادة بعض الحنابلة الذين قصدوا السنة والجماعة على أقوال الإمام أحمد في الصفات، كزيادات أبي عبد الله بن حامد مثلًا، ومنهم من تأولوا أقواله إلى شيء من التعطيل كـ ابن الجوزي وابن عقيل في أول أمره، وكذلك القاضي أبو يعلى في أول أمره.
ومن هنا يتبين أن شرح أصحاب الأئمة لكلام الأئمة لا يلزم أن يكون جميعه صوابًا.
هذا ليس من مسائل الأصول التي قد يتعذر على كثير منهم الضبط لها، ولا سيما أصحاب أبي حنيفة، فإنهم مختلفون في ضبط عقيدته اختلافًا واسعًا، فصوفيتهم يميلون إلى الصوفية، والكرامية يميلون إلى التشبيه، والماتريدية يميلون إلى طريقتهم، وأشعريتهم كذا
ومن المعروف أن أكثر ما استعمل من المذاهب الفقهية مذهب الأحناف ..
فهذا المذهب فيه إشكال من هذا الوجه.
وكذلك فيه إشكال من جهة أن أبا حنيفة ﵀ رجل اختلف عليه كثيرًا، وروي عنه أشياء، وبلغت الأئمة الكبار كـ أحمد وأمثاله عنه بلاغات شديدة، لو صحت عنه لكان من كبار أهل البدع، كما يذكر ذلك عبد الله بن أحمد والخطيب البغدادي وابن عدي وأمثال هؤلاء.
وقد يقول قائل: إن بعض الأسانيد في السنة لـ عبد الله بن أحمد أسانيد صحيحة عن فلان وفلان من الأئمة ..
فنقول: صحة الإسناد لا تعني أن المتكلم أخذ هذا القول أو سمعه من أبي حنيفة، إنما هذا الإمام الذي صح الإسناد إليه بحسب إسناد عبد الله بن أحمد بلغه هذا القول عن أبي حنيفة فقاله، وهذه بلاغات، فليس الشأن مقتصرًا على الطعن في أسانيد ثابتة إلى فلان وفلان من الأئمة، بل الشأن في المقدمة التي هي أهم من هذا، وهي: أن هذا المتكلم -في الغالب- لم يسمع هذا القول من أبي حنيفة، وإنما بلغه بلاغًا، ولهذا لم ينضبط عن أبي حنيفة شيء ثابت، ولو انضبط لشاع عند الأئمة، ولهذا يجعل شيخ الإسلام ابن تيمية أبا حنيفة على السنة والجماعة، وإنما نستثنيه في مسألة الإيمان، وهذا هو التحقيق.
ولو فرض جدلًا أن أبا حنيفة كان عنده بدع ما بلغت فهذا بينه وبين ربه، وليس من المقصود في السنة أن يتهم أحد أو يجزم له بشيء لم ينضبط عنه.
[ ٧ / ٥ ]
الأدلة الشرعية والعقلية على أن الإيمان يزيد وينقص
[وكذلك صناعات الناس، لو أن قومًا ابتنوا حائطًا ..
وكان بعضهم في تأسيسه، وآخر قد نصفه، وثالث قد قارب الفراغ منه، قيل لهم جميعًا: بناة، وهم متباينون في بنائهم.
وكذلك لو أن قومًا أمروا بدخول دار، فدخلها أحدهم، فلما تعتب الباب أقام مكانه وجاوزه الآخر بخطوات، ومضى الثالث إلى وسطها، قيل لهم جميعًا: داخلون، وبعضهم فيها أكثر مدحًا من بعض.
فهذا الكلام المعقول عند العرب السائر فيهم، فكذلك المذهب في الإيمان، إنما هو دخول في الدين، قال الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر:١ - ٣] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] فالسلم الإسلام، وقوله: (كافة) معناها عند العرب الإحاطة بالشيء.
قال رسول الله ﷺ: (بني الإسلام على خمس) فصارت الخمس كلها هي الملة التي سماها الله سلمًا مفروضًا.
فوجدنا أعمال البر وصناعات الأيدي ودخول المساكن كلها تشهد على اجتماع الاسم وتفاضل الدرجات فيها، هذا في التشبيه والنظر، مع ما احتججنا به من الكتاب والسنة، فهكذا الإيمان هو درجات ومنازل، وإن كان سمى أهله اسمًا واحدًا وإنما هو عمل من أعمال تعبّد الله به عباده وفرضه على جوارحهم، وجعل أصله في معرفة القلب، ثم جعل المنطق شاهدًا عليه، ثم الأعمال مصدقة له، وإنما أعطى الله كل جارحة عملًا لم يعطه الأخرى، فعمل القلب الاعتقاد، وعمل اللسان القول، وعمل اليد التناول، وعمل الرجل المشي، وكلها يجمعها اسم العمل، فالإيمان على هذا التناول إنما هو كله مبني على العمل، من أوله إلى آخره، إلا أنه يتفاضل في الدرجات على ما وصفنا.
وزعم من خالفنا أن القول دون العمل، فهذا عندنا متناقض، لأنه إذا جعله قولًا فقد أقر أنه عمل، وهو لا يدري بما أعلمتك من العلة الموهومة عند العرب في تسمية أفعال الجوارح عملا.
وتصديقه في تأويل الكتاب في عمل القلب واللسان، قول الله في القلب: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] وقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] وقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٣٥] وقال رسول الله ﷺ: (إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وهي القلب) وإذا كان القلب مطمئنًا مرة، ويصغى أخرى، ويوجل ثالثة، ثم يكون منه الصلاح والفساد، فأي عمل أكثر من هذا، ثم بين ما ذكرنا قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨] فهذا ما في عمل القلب.
وأما عمل اللسان فقوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] فذكر القول ثم سماه عملًا، ثم قال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١] هل كان عمل رسول الله ﷺ معهم إلا دعاؤه إياهم إلى الله، وردهم عليه قوله بالتكذيب، وقد أسماها هاهنا عملًا؟ وقال في موضع ثالث: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] * ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥٢] إلى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] فهل يكون التصديق إلا بالقول، وقد جعل صاحبها هاهنا عاملًا؟! ثم قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] فأكثر ما يعرف الناس من الشكر أنه الحمد والثناء باللسان، وإن كانت المكافأة قد تدعى شكرًا.
فكل هذا الذي تأولنا إنما هو على ظاهر القرآن وما وجدنا أهل العلم يتأولونه، والله أعلم بما أراد، إلا أن هذا هو المستفيض في كلام العرب غير المدفوع، فتسميتهم الكلام عملًا، من ذلك أن يقال: لقد عمل فلان اليوم عملًا كثيرًا، إذا نطق بحق وأقام الشهادة، ونحو هذا، وكذلك إن أسمع رجلٌ صاحبه مكروهًا، قيل: قد عمل به الفاقرة، وفعل به الأفاعيل، ونحوه من القول، فسموه عملًا، وهو لم يزده على المنطق.
ومنه الحديث المأثور: (من عد كلامه من عمله، قلّ كلامه إلا فيما ينفعه).
فوجدنا تأويل القرآن، وآثار النبي ﷺ، وما مضت عليه العلماء، وصحة النظر، كلها تصدق أهل السنة في الإيمان، فيبقى القول الآخر، فأي شيء يتبع بعد هذه الحجج الأربع؟!
وقد يلزم أهل هذا الرأي ممن يدعي أن المتكلم بالإيمان مستكمل له، من التبعة ما هو أشد مما ذكرنا، وذلك فيما قص علينا من نبأ إبليس في السجود لآدم، فإنه قال: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ [ص:٧٤] فجعله الله بالاستكبار كافرًا وهو مقر به غير جاحد له، ألا تسمع: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] فهذا الآن مقر بأن الله ربه، وأثبت القدر أيضًا في قوله: (أَغْوَيْتَنِي) وقد تأول بعضهم قوله: (وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ) أنه كان كافرًا قبل ذلك! ولا وجه لهذا عندي، لأنه لو كان كافرًا قبل أن يؤمر بالسجود لما كان في عداد الملائكة، ولا كان عاصيًا إذا لم يكن ممن أمر بالسجود.
وينبغي في هذا القول أن يكون إبليس قد عاد إلى الإيمان بعد الكفر لقوله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] وقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] فهل يجوز لمن يعرف الله وكتابه وما جاء من عنده أن يثبت الإيمان لإبليس اليوم؟!].
هذا هو ما سبق: وهو أن زيادة الإيمان دليلها آيات في القرآن، وأيضًا دليلها الضرورة الشرعية والضرورة العقلية، فإن تماثل بني آدم في فعل ما شرعي أو غير شرعي تماثل ممتنع، ولهذا لا يوجد فعل من الأفعال، إلا وأهله القاصدون إليه يتفاضلون فيه، وهذا هو مقصود المصنف لما قال: "وكذلك صناعات الناس".
أي: أن من قصدوا إلى صناعة شيء لابد أن يتفاضلوا، ولهذا يكون هذا في مبدأ الصناعة، وهذا في وسطها، وهذا في منتهاها، وهذا تقدم على هذا، وهذا أتقن من هذا ..
إلى غير ذلك.
فالقول: بأن الإيمان لا يتفاضل قول ممتنع في العقل ..
ممتنع في الخارج، ولهذا كان من فقه السلف أنهم ألزموا الذين لا يقولون بتفاضل الإيمان، وزيادته ونقصانه بلازم يلزمهم، وإن كان عند التحقيق ليس مذهبًا لهم، قالوا: يلزم من هذا القول أن يكون إيمان جبريل كإيمان آحاد الناس، وأن يكون إيمان أبي بكر كإيمان الفساق ..
وهذا فعلًا لازم، يدل على بطلان هذا المذهب، لأن من يقول: إن الإيمان واحد، يلزمه أن إيمان أبي بكر كإيمان الحجاج بن يوسف، أو أمثال هؤلاء ممن اشتهر بشيء من القتل أو الفجور أو الفسوق.
فهذا القول يعلم بديهةً بضرورة العقل أنه ممتنع، وعلى هذا يكون أصل هذا القول ممتنعًا عقلًا وشرعًا.
[ ٧ / ٦ ]