معتقد غلاة المرجئة والجهمية في الإيمان أنه العلم والمعرفة، ولازم قولهم هذا أن أغلظ الكفار كفرًا- كفرعون وإبليس- مؤمنون؛ لأنهم عرفوا الله وعرفوا دينه، وهذا قول باطل ترده العقول السليمة والفطر المستقيمة، فالعلم الإداركي المعرفي لا يحصل به الإيمان، وإنما يحصل الإيمان بعلم القبول.
[ ٨ / ١ ]
باب من جعل الإيمان المعرفة بالقلب وإن لم يكن عمل
[قال أبو عبيد: قد ذكرنا ما كان من مفارقة القوم إيانا في أن العمل من الإيمان، على أنهم وإن كانوا لنا مفارقين، فإنهم ذهبوا إلى مذهب قد يقع الغلط في مثله.
ثم حدثت فرقة ثالثة شذت عن الطائفتين جميعًا ليست من أهل العلم ولا الدين، فقالوا: الإيمان معرفة بالقلوب بالله وحده، وإن لم يكن هناك قول ولا عمل! وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملل الحنفية؛ لمعارضته لكلام الله ورسوله ﷺ بالرد والتكذيب، ألا تسمع قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة:١٣٦].
الآية، فجعل القول فرضًا حتمًا، كما جعل معرفته فرضًا ولم يرض بأن يقول: اعرفوني بقلوبكم.
ثم أوجب مع الإقرار الإيمان بالكتب والرسل كإيجاب الإيمان
ولم يجعل لأحد إيمانا إلا بتصديق النبي ﷺ في كل ما جاء به فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه﴾ [النساء:١٣٦] وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] يعني النبي ﷺ، فلم يجعل الله معرفتهم به إذ تركوا الشهادة له بألسنتهم إيمانًا؛ ثم سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) في أشياء كثيرة من هذا لا تحصى.
وزعمت هذه الفرقة أن الله رضي عنهم بالمعرفة! ولو كان أمر الله ودينه على ما يقول هؤلاء ما عرف الإسلام من الجاهلية، ولا فرقت الملل بعضها من بعض، إذ كان يرضى منهم بالدعوى على قلوبهم، غير إظهار الإقرار بما جاءت به النبوة والبراءة مما سواها، وخلع الأنداد والآلهة بالألسنة بعد القلوب، ولو كان هذا يكون مؤمنًا ثم شهد رجل بلسانه أن الله ثاني اثنين كما يقول المجوس والزنادقة، أو ثالث كقول النصارى، وصلى للصليب، وعبد النيران بعد أن يكون قلبه على المعرفة بالله لكان يلزم قائل هذه المقالة أن يجعله مؤمنًا مستكملًا الإيمان كإيمان الملائكة والنبيين! فهل يلفظ بهذا أحد يعرف الله أو مؤمن له بكتاب أو رسول؟ وهذا عندنا كفر لم يبلغه إبليس فمن دونه من الكفار قط!].
[ ٨ / ٢ ]
قول غلاة المرجئة والجهمية أن الإيمان هو العلم والمعرفة
هذا القول -وهو أن الإيمان هو العلم، أو الإيمان هو المعرفة- هو قول غالية المرجئة، وهو مضاف إلى الجهم بن صفوان الرجل المعروف باختراع البدع، وهو من كبار أئمة الضلال الذين أجمع السلف على ذمهم وتبديعهم، بل وذهب طائفة إلى تكفيره، وقد قتل، وإن كان اختلف السبب في قتله، ويضاف ما يقارب هذا القول إلى أبي الحسين الصالحي وهو من كبار المرجئة.
[ ٨ / ٣ ]
أنواع العلم
هنا سؤالان:-
السؤال الأول: أليس العلم يعد إيمانًا في كتاب الله ﷾؟
أليس قد عظم الله شأن العلم به، وقال ﷺ: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة) وفي قول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]
والجواب: أن العلم ينقسم إلى نوعين:
النوع الأول: علم إدراك.
النوع الثاني: وعلم قبول.
والذي عظمه الشارع ووصف المؤمنين به هو علم القبول، وهذا هو الذي وصِف أهل الإيمان به في قول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] فالمقصود بالعلم هنا علم القبول لا علم الإدراك، وهو العلم الإيماني.
وأما علم الإدراك فإنه يقع لغير المسلمين، وهو التصور المحض للشيء، والذي لا يتبعه إذعان وقبول، وهو المذكور عن الكفار في مثل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] فهذه معرفة إدراك لا معرفة قبول، وهذا هو المذكور في قول الله تعالى عن أغلظ الكفار كفرًا وهو فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤]
وبهذا يتبين ضرورة اعتبار الأسماء في كتاب الله بسياقاتها.
وقد يقول قائل -مثلًا-: إن الجهل ليس عذرًا في مسألة التكفير؛ لأن الله كفّر الكفار وقد وصفهم بالجهل في آيات كثيرة في كتابه، فقد وصفهم بأنهم أهل جاهلية
إلى غير ذلك، مما يدل على أن علمهم ليس بلازم، وأن الجهل ليس عذرًا في التكفير، وليس مانعًا من التكفير.
وهناك أيضًا من ينظر على العكس في هذه المسألة، فيقول: إن الله لم يكفر الكفار إلا بعدما قام عليهم العلم، ولهذا وصفهم بقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]
فنقول: ألا يصح أن يقال عن القوم الذين قال الله عنهم: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] أو قال عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤] فأثبت لهم شديدًا من قدر العلم الإدراكي أن هؤلاء في كتاب الله هم أهل الجهل والجاهلية؟
أليس الله يقول: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] واليهود يدخلون في هذا السياق؟
إذًا: لهم قلوب لا يفقهون بها، ومع ذلك هم في السياق الآخر يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
إذًا: الله ﷾ وصف المشركين بالجهل في مقام، ووصفهم بالإدراك في مقام آخر، فهو ﷾ قد نفى عنهم تحقيق علم القبول، أما علم الإدراك فهو موجود، وإلا لو كان علم الإدراك غير موجود فإن الحجة لن تقوم عليهم، وإذا كان الرسل يبعثون، ولا يقوم على المكلفين العلم الإدراكي، فما معنى أن الرسل بعثت؟! وما معنى أن الحجة قامت؟!
ولهذا لما بعث الله الرسل قامت بهم الحجة؛ لأن المخاطبين حصلوا علم الإدراك، وهذا قول النبي ﷺ: (ما من الأنبياء من نبي إلا قد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر) أي: ما مثله يجب أن يؤمن البشر به.
وهذه المسألة -وهي اختلاف مورد الأسماء في كتاب الله- يأتي إن شاء الله ذكرها في كتاب شرح حديث الافتراق؛ لأنه يقع عنها كثير من الاختلاف.
إذًا: العلم الإدراكي يقع للكفار، وأما علم القبول فهو العلم الإيماني.
[ ٨ / ٤ ]
ما هو العلم الذي أراده الجهم في قوله أن الإيمان هو العلم والمعرفة
السؤال الثاني: هل أراد الجهم بن صفوان لما قال: إن الإيمان هو المعرفة العلم الإدراكي، أم أراد العلم القبولي ولكنه أخرج العمل منه؟
هذا أمر متردد فيه، والرجل ليس نزيهًا عن الأخذ عن الفلسفة، ومن المعلوم أن أساطين المتكلمين لخصوا كثيرًا من كلامهم في مسائل أصول الدين عند المسلمين من فلسفة الفلاسفة إما فلسفة اليونان أو غيرهم، وقد كان يقال عند الفلاسفة: إن العلم هو أشرف المقاصد.
ويريدون بالعلم العلم الإدراكي، وليس العلم الذي عنه قبول؛ لأنهم لا يؤمنون بمقام العبودية لله ﷾.
فإذا قيل: ماذا أراد جهم بقوله هذا؟
قيل: هذا متردد، ف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يميل في تقاريره -وإن كان لا يصرح به- أن الجهم بن صفوان يذهب إلى أن العلم هنا هو العلم الإدراكي، ولهذا يعريه عن أعمال القلوب والقبول، ويرى أن الإيمان محض معرفة ..
فهذا فهم لكلام جهم.
والفهم الثاني: فهم أبي الحسن الأشعري، فقد قال الأشعري في مقالاته: "إن جهمًا يقول: الإيمان هو المعرفة والعلم".
لكن لما فسر أبو الحسن الأشعري مقالة جهم ضمنها -كما في كتاب مقالات الإسلاميين- معانٍ قلبية كالمحبة والخضوع، فقال: "فإذا عرف محبةً وخضوعًا كان عنده مؤمنًا".
فواضح من تفسير الأشعري لمقالة جهم أن الأشعري يفسر العلم عند الجهم بعلم القبول، ولكنه يغلو في تضييقه حتى يخرج جملة أعمال القلوب منه، ويخرج الأعمال الظاهرة منه.
فهذا هو التردد في تفسير كلام الجهم.
وقد تقدم أن شيخ الإسلام إذا أراد تفسير قول الجهم وحده فكأنه يميل في تقريره إلى أن جهمًا يذهب إلى أنه علم إدراكي، ولكن يشكل عليه في كلام شيخ الإسلام نفسه أنه إذا تكلم عن مذهب أبي الحسن الأشعري فإنه يقول: "إن قول أبي الحسن هذا -أي: أن الإيمان هو التصديق- أصله قول جهم بن صفوان ".
مع أن أبا الحسن الأشعري قطعًا لا يقصد بالتصديق العلم الإدراكي، وإنما يريد علم القبول، فهل أراد ابن تيمية بهذا التردد في تفسير كلام جهم، أم أنه أراد أن الأشعري يشارك الجهم في الأصل دون التحقيق للقول؟
هذه مسألة تردد.
وقد يقول قائل: فما هو الراجح؟ أقول: لا يلزم العلم بالراجح، فـ الجهم أقل من أن نهتم بترجيح إلى أي المذهبين يذهب، لكن المهم أنه يذهب إلى مذهب باطل بدعي
إلخ؛ فالسلف كـ وكيع وأحمد وعبد الرحمن بن مهدي وأمثالهم جعلوا مقالة جهم بن صفوان كفرًا، وقد نقل هذا شيخ الإسلام وغيره، وهذا ما أشار إليه المصنف في قوله: "وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملل الحنفية".
[ ٨ / ٥ ]
حقيقة الخلاف بين مرجئة الفقهاء وبين السلف في مسألة الإيمان
قبل أن ننتقل عن تقرير الفرق بين قول مرجئة الفقهاء وقول السلف، يمكن أن يلخص هذا الفرق من أوجه؛ لأن هذا الفرق يتلخص عند المتأخرين بجملة من الألفاظ، والمعتبر هو أن تذكر الحقائق المتضمنة لهذا الفرق، فإن بعض الحنفية المنتصرين لقول أبي حنيفة يقولون: إن الخلاف بين أبي حنيفة وأمثاله، وبين العامة من السلف خلاف لفظي، ومنهم من عبر بأن هذا الخلاف من الخلاف الصوري، أما الإمام ابن تيمية ﵀ فإنه يقول: "إن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي".
ويقول: "إن بدعة حماد بن أبي سليمان ومن وافقه من الفقهاء من بدع الأقوال وليست من بدع العقائد".
وهذه التعبيرات في حقيقتها ليست تقريرًا للفرق بقدر ما هي أوصاف لهذا المذهب وحقيقة مخالفته.
أما القول بأن الخلاف لفظي، فهذا تعبير حنفي لم ينتصر له إلا من يعظم قول أبي حنيفة من الأحناف، وهو مائل إلى الإرجاء.
وهذا التعبير لا شك أنه غلط؛ فإن الخلاف بين الجمهور من السلف، وبين أبي حنيفة وحماد وأمثالهم ليس خلافًا لفظيًا، ولاسيما أن السلف الأول لم يعرفوا هذا المصطلح -وهو مصطلح الخلاف اللفظي- وإنما درج على هذا المصطلح أهل النظر، حيث يعبرون به عن المسائل التي لا ثمرة للخلاف فيها؛ أي: إنما اختلفت الألفاظ ..
وهذا لا شك أنه غلط، بل الخلاف اللفظي في هذه المسألة إنما هو في جمل الأئمة في تعريف الإيمان، فإن منهم من يقول: الإيمان قول وفعل، ومنهم من يقول: قول وعمل، ومنهم من يقول: قول وعمل ونية ..
فهذا هو الذي يصح أن يقال: إنه خلاف لفظي؛ لأنه لا ثمرة له، بل المعنى متفق على التمام.
وأما قول حماد ومن وافقه كـ أبي حنيفة وقول العامة من السلف فإن الخلاف بينهما ليس لفظيًا على هذا التقرير.
ولهذا من عبر بأنه لفظي أو صوري وأطلق فإن قوله هذا غلط وفيه توهم كثير.
وأما شيخ الإسلام ﵀ فإنه لم يعبر بهذا في شيء من كتبه، وإنما قال: "إن أكثر الخلاف لفظي".
ومراده بهذا أن الفقهاء كـ حماد وأمثاله يوافقون السلف في مسألة الأحكام في الآخرة من جهة وعيد أهل الكبائر، ويوافقون السلف في مسألة لزوم الواجبات، وفي الطعن على أهل الكبائر بالفسق
وأمثال هذه المسائل، ولم يرد الإمام ابن تيمية ﵀ أن الخلاف لا ثمرة له من كل وجه.
وكذلك قوله ﵀: "إن بدعتهم -يعني: الفقهاء- هي من بدع الأقوال وليست من بدع العقائد .. " إنما هو مصطلح متأخر ينبغي أن يفقه على وجهه، فإنه يمكن أن يقال باعتبار آخر: إن بدعة حماد بدعة عقدية، فإنه تكلم في مسألة تعد من أصول العقائد، وإخراج العمل من الإيمان يعد غلطًا صريحًا على الشريعة، وعلى إجماع السلف الأول قبل ظهور مقالة حماد.
ومثل هذه التعبيرات من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيها نفس متأخر لا يقصد إلى نقدها أو عدم التحقيق لها، وإنما يقصد إلى ضرورة ولزوم فقهها على وجهها؛ حتى لا يفهم من قول شيخ الإسلام ويتبادر إلى ذهن ما أن هذه المسألة مما يسوغ فيها الخلاف أو الاجتهاد، أو أنه لا ينكر على حماد ومن وافقه، أو أن هذا ليس من باب الأصول وإنما هو من باب الفروع ..
فهذه التبادرات الذهنية لم يردها شيخ الإسلام ﵀، فإننا نجد أن شيخ الإسلام مع أقواله السابقة إلا أنه في مقام آخر يشنع على هذا القول ويقول: "إن أصحابه خالفوا السنة والكتاب والإجماع الأول -إجماع الصحابة- في إخراجهم العمل عن مسمى الإيمان"، وقال: "إن السلف ممن شارك هؤلاء في العصر أو سبقهم قد نصوا على أن العمل أصل في الإيمان " إلى غير ذلك.
أي: أن ابن تيمية ﵀ يعارض هذا المذهب بشدة.
فتعبيره السالف في وصفه لهذا المذهب هو وصف يفقه على وجهه، ويمكن أن يقال: إنه يفقه من كلام شيخ الإسلام نفسه في مواضع أخرى.
وعليه فهذا اصطلاح حين يقال: إن هذا من بدع الأقوال، فمن قال: إن هذه من بدع الأقوال وأراد بذلك أن من قال هذا القول لم يخرج به عن مسمى السنة والجماعة من كل وجه، ولم يصبح من أئمة أهل البدع، فهذا مراد صحيح، وإن أراد به أن المسألة من الفروع، أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو أنها لم تخالف إجماعًا منضبطًا
أو ما إلى ذلك فهذا كله غلط.
وعلى هذا يصح أن يقال: إنها -أي بدعة الفقهاء- من بدع الأقوال، ويصح أن يقال أيضًا: إنها من بدع العقائد.
ومن قال: إنها بدعة عقدية؛ فإنه لا يمكن أن ينازع في قوله هذا، وإنما المهم أن يضبط هذا المراد.
إذًا تلخص لنا: أن تسمية بدعة حماد بن أبي سليمان ومن وافقه -أو ما يسمى بقول مرجئة الفقهاء- بدعةً قولية أو بدعة عقدية التحقيق فيه أن هذا اصطلاح وصفي، وإنما المهم في شأنه المراد به.
فمن قال: إنها بدعة قولية، وفسرها من جنس تفسير شيخ الإسلام فهذا صحيح.
ومن قال: إنها بدعة قولية، وأراد بذلك أنها من مسائل الفروع أو مما يسوغ فيه الاجتهاد، أو لم ينضبط للسلف فيها إجماع، أو ما إلى ذلك من الافتراضات، فهذا قول غلط وإن كان اللفظ قد يكون مشتركًا.
وبعبارة أخرى: أن وصف بدعة الفقهاء بكونها بدعة قولية أو بدعة عقدية، يقال فيه: هذه ألفاظ أو أوصاف مشتركة، فقد يصح في مقام أن يقال: إنها بدعة قولية، وقد يمنع ذلك في مقام آخر، وكذلك تسميتها بدعة عقدية قد يصح في مقام ويمنع في مقام بحسب مراد من تكلم به.
ولهذا ليس المهم عند طالب العلم أن يحرر: هل نقول إنها بدعة قولية أو نقول: إنها بدعة عقدية، إنما المهم أن يحرر المعاني المرادة بهذه الأوصاف.
[ ٨ / ٦ ]
الفروق بين مذهب مرجئة الفقهاء ومذهب السلف في مسألة الإيمان
أما الفروقات بين مذهب حماد بن أبي سليمان وبين مذهب العامة من السلف فهي كالتالي:
أولًا: قد تقدم أن في المسألة إجماعًا قطعيًا من السلف قبل ظهور مقالة حماد، ولهذا نقول: هو قول السواد أو الجمهور من السلف باعتبار، ولكن إذا قررنا الإجماع قيل: القول بأن الإيمان قول وعمل، وأن العمل داخل في مسمى الإيمان، هو إجماع للسلف.
أي: إذا أردنا تقرير الدلائل على هذا القول؛ فإن الدلائل على أن الإيمان قول وعمل وأن العمل داخل في الإيمان، الكتاب والسنة والإجماع القطعي، وليس الإجماع الظني أو السكوتي.
فإن قيل: لقد سُمي حماد ومن وافقه من أهل السنة ومن السلف!
قيل: هم كذلك، وهم مخصومون بالإجماع المنضبط الصريح قبلهم؛ ولهذا كان قولهم بدعة، وإلا لو لم يخصموا بالإجماع قبلهم ما كان قولهم بدعة، بل كان من مسائل النزاع والخلاف بين السلف.
ثانيًا: أن حمادًا ومن وافقه لا يذهبون إلى أن العمل أصل في الإيمان، ولا يُدخلون العمل في مسمى الإيمان، فهم لم يدخلوه في مسمى الإيمان فضلًا عن أن يجعلوه أصلًا، وعلى هذا فإن حمادًا ومن وافقه لا يذهبون إلى التكفير بترك العمل سواء كان ترك آحاد من العمل أو ترك جملة العمل.
وهذا الفرق باعتبار جملة العمل هو فرق لازم، أما باعتبار آحاد العمل فإن فيه تفصيلًا تقدمت الإشارة إليه.
ثالثًا: أن حمادًا خالف صريح الكتاب والسنة؛ فإن الله ورسوله ﷺ أدخلا العمل في مسمى الإيمان.
فإن قيل: إن هذه مخالفة لفظية.
قيل: بل هي مخالفة على الحقيقة، فإن تسمية العمل إيمانًا ليس أمرًا لفظيًا، بل له حقيقة شرعية دينية.
رابعًا: أن السلف يذهبون إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وحمادًا ومن وافقه يجعلون الإيمان على قدر متوحد، وإن لم يكن قولهم هذا مطردًا من جنس اطراد في قول المتكلمين الذين يجعلون الإيمان واحدًا
إلى أمثال ذلك من الفروقات.
ومن نتائج بعض هذه الفروقات أن أبا حنيفة والأحناف لا يكفرون تارك الصلاة؛ لأن الصلاة عمل.
ومن هنا قيل: إن من لم يكفر تارك الصلاة ينظر في مبنى قوله:
فإن كان مبنى قوله أن الصلاة عمل والعمل لا يكفر تاركه، فهذا القول بدعة.
وإن كان معتبر النظر في الأدلة فهذا دائر بين الراجح والمرجوح.
[ ٨ / ٧ ]
مسألة عدم تكفير الإمام مالك والشافعي لتارك الصلاة
من المهم هنا أن ننبه إلى مسألة وهي: أن القول بأن مالكًا والشافعي -كما يقول بعض أهل العلم من المعاصرين- لم يثبت عنهما أنهما لم يكفرا تارك الصلاة وأنه من غلط المتأخرين من أصحابهما، قول ليس بصحيح؛ لأمرين:
الأمر الأول: أن لدى أصحاب مالك إطباقًا -في الجملة- على أن مالكًا لا يكفر تارك الصلاة، فمن المتعذر أن الأصحاب بجملتهم ومحققيهم وطبقاتهم يجمعون على غلط على مالك، بل هذا فيه تكلف وزيادة، وهم علماء وأجلاء وعقلاء، ولاسيما أن كبارًا من المالكية القدماء كانوا يذهبون إلى ذلك ويجعلونه مذهبًا لإمامهم، فمن المتعذر عقلًا أن يطبق المالكية على قول ومالك بريء منه براءة تامة، بل إن مالكًا يجعله إجماعًا على خلافه.
الأمر الثاني: أن من هو خبير بأقوال الفقهاء والأئمة، وهو من المتقدمين في الجملة، وهو محمد بن نصر، والذي يعتبر من أضبط الناس للخلاف، وقد أشاد به ابن تيمية ﵀ وقال عنه: "إنه من أضبط الناس لأقوال الأئمة وخلافهم" يقرر أن هذا قول معروف لـ مالك وجملة من السلف؛ وهو أنهم لا يذهبون إلى كفر تارك الصلاة.
إذًا من يقول: إن هذا غلط من متأخري المالكية ..
قوله هذا ليس بصحيح، بل هو توارد عند المالكية وتوارد عند الشافعية، وإن كان هذا المذهب مرجوحًا، لكنه مذهب محفوظ وباق؛ مما يجعل المسألة لا يمكن أن تعد من الأصول التي يبدع فيها المخالف.
ويلزم من يقول: إن الصلاة مجمع عليها أن يكون مالك خالف إجماع السلف، وأن يكون قوله فرعًا عن قول المرجئة
وما إلى ذلك؛ كما قيل عن حماد بن أبي سليمان.
وهذه اللزومات ما نطق بها أحد من المحققين لا عن مالك ولا عن الشافعي.
وكذلك الإمام ابن تيمية ﵀ لم ينكر الخلاف، مع أنه ينتصر لكون ترك الصلاة كفرًا، إلا أنه يقر في الجملة بهذا الخلاف، ولا يطعن فيه، وإنما يطعن في مسألة واحدة، وهي: أن من ترك الصلاة -عند الشافعي ومالك - ودعي إليها فإن أبى قتل.
قال: "إن المتأخرين من أصحاب مالك قالوا: يقتل فاسقًا.
قال: وهذا غلط على مالك، بل هذا إذا قتل لابد أن يقتل كافرًا كضرورة عقلية، فإنه يمتنع أن يصبر على السيف مقابل أن يؤدي صلاة أو صلاتين مما حضر وقتها .. ".
فهذا ما يقال في هذه المسألة.
[ ٨ / ٨ ]