ذم السلف لأهل البدع سنة سلفية ماضية، وهم عند ذمهم لهم إنما يريدون الطعن على بدعتهم، وبيان أحوالهم وما إلى ذلك، لا التقرير لمآلهم في الآخرة، فإنه لم يكن من منهج السلف الاشتغال بمسألة تقرير المآلات في الجملة، وإنما كانوا يكفرون الأعيان الذين استقر وظهر كفرهم.
[ ٩ / ١ ]
باب ذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولًا بلا عمل وما نهوا عنه من مجالستهم
[قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو السيباني قال: قال حذيفة: إني لأعرف أهل دينين، أهل ذينك الدينين في النار، قوم يقولون: الإيمان قول، وإن زنا وإن سرق، وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟! وإنما هما صلاتان! قال: فذكر صلاة المغرب أو العشاء وصلاة الفجر.
قال: وقال ضمرة بن ربيعة يحدثه عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن حميد المقرائي عن حذيفة قارن حديث حذيفة هذا قد قرن الإرجاء بحجة الصلاة، وبذلك وصفهم ابن عمر أيضًا:
قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت الجزري عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال: صنفان ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية.
حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن سلمة بن كهيل قال: اجتمع الضحاك وميسرة وأبو البختري، فأجمعوا على أن الشهادة بدعة، والإرجاء بدعة، والبراءة بدعة.
قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري قال: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أعز على أهلها من هذا الإرجاء.
قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال: دخل فلان (قد سماه إسماعيل ولكن تركت اسمه أنا) على جندب بن عبد الله البجلي فسأله عن آية من القرآن؟ فقال: أحرج عليك إن كنت مسلمًا لما قمت، قال: أو قال: أن تجالسني أو نحو هذا القول).
قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال لي سعيد بن جبير غير سائله ولا ذاكرًا له شيئًا: لا تجالس فلانًا (وسماه أيضًا) فقال: إنه كان يرى هذا الرأي.
والحديث في مجانبة الأهواء كثير، ولكنا إنما قصدنا في كتابنا لهؤلاء خاصة.
وعلى مثل هذا القول كان سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس، ومَنْ بعدهم من أرباب العلم وأهل السنة الذين كانوا مصابيح الأرض وأئمة العلم في دهرهم، من أهل العراق والحجاز والشام وغيرها، زارين على أهل البدع كلها، ويرون الإيمان قولًا وعملًا].
في هذا الباب يذكر المصنف ﵀ ذم السلف لأهل البدع، الذين خالفوا في مسألة الإيمان، وهو مستعمل في كلام السلف ﵏، ومرادهم بذلك:
١ - الذم لأقوالهم.
٢ - الذم لأحوالهم.
٣ - الذم لطوائفهم.
وإن لم يكن هذا الذم مرادًا به بالضرورة إبانة المآل.
أي: إن ذم الأئمة لأهل البدع ذمٌ متواتر، وإنما يراد به الطعن على بدعتهم، وبيان أحوالهم وما إلى ذلك، لا التقرير لمآلهم في الآخرة؛ فإن مسألة التقرير للمآلات لم يشتغل بها السلف في الجملة، وإنما كانوا يكفرون الأعيان الذين استقر وظهر كفرهم.
وننبه إلى أن البعض قد يقول: السلف لا يكفرون الأعيان ..
وهذا غلط، بل الأعيان هم الواحد من الناس، وكل من ظهر كفره واستقر وبان عليه أمر الله ورسوله الموجب لكفره فإنه يسمى كافرًا، ولا يصح القول: إن السلف لم يكن من طريقتهم التكفير للأعيان، بل يقال: من كفره الله ورسوله، أو ظهر كفره بدليل الشرع فإنه يجب العلم بتكفيره.
[ ٩ / ٢ ]
مسائل متعلقة بذم السلف لأهل البدع
ذم السلف لأهل البدع سنة سلفية ماضية، لكن ينبه فيه إلى مسائل، سواء كان الذم في مسألة الإيمان أو غيرها:
المسألة الأولى: أن بعض الناقلين لأقوال السلف زادوا عليها في الذم، كنقل أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ﵀ في كتابه: ذم الكلام، فإنه زاد في بعض كلام السلف، أو في النقل عنهم، وهو لم يزد عليهم كذبًا ولكنه زاد عليهم تفسيرًا.
وهذا يبين أن بعض المتأخرين المنتصرين لمذهب أهل السنة، ممن لم يحقق طريقة الأئمة في هذا الباب، يزيدون بفهمهم لمذهب السلف في ذم المخالفين، وقد نص ابن تيمية ﵀ على أن أبا إسماعيل قد زاد في ذم المخالفين من الجهمية وغيرهم وتكفيرهم.
المسألة الثانية: أنه درج في ذم السلف لأهل البدع لفظ التكفير، ولا سيما إذا تكلموا في ذم المخالفين في باب الإلهيات -باب الأسماء والصفات- كالجهمية ومن أنكر الصفات أو عطلها، وعلى جملة من المخطئين في مسائل أخرى من مسائل القدر أو مسائل الإيمان، كتكفيرهم لقول جهم بن صفوان في مسألة الإيمان ونحو ذلك ..
فهذا التكفير حكم على هذه المذاهب في الجملة بأنها كفر، وإن كان لا يلزم من ذلك أن أصحابها يكونون كفارًا.
وسيأتي شرح هذه المسألة -إن شاء الله- مستوفى في شرح حديث الافتراق.
المسألة الثالثة: أن بعض المصنفين من أهل السنة يذكر بابًا في مصنفه لمثل هذا القول -وهو الذم لأهل البدع أو للمخالفين- ويروي في صدره شيئًا يُرفع إلى النبي ﷺ، كحديث: (القدرية مجوس هذه الأمة) وغيرها من الأحاديث المرفوعة إلى الرسول ﷺ، والتي صرحت باسم بعض طوائف أهل البدع كالقدرية، أو الرافضة، أو المرجئة ..
والتحقيق فيها أنه لم يصح عن الرسول ﷺ حديث واحد في تسمية أية طائفة بدعية، لا القدرية ولا المرجئة ولا الرافضة ولا المعتزلة ولا الجهمية، ولهذا لم يعتبرها الأئمة كـ أحمد وأمثاله في ذم أهل البدع، إنما يرويه بعض المتأخرين وبعض من هو دون هذا القدر ممن صنف في السنة والجماعة.
أما ما ورد من ذم عن بعض الصحابة فلاشك أن بعضه صحيحًا، ولاسيما ذم القدرية؛ فإنه محفوظ عن عبد الله بن عمر وأمثاله.
والمقصود: أن هذه الأحاديث من حيث هي مرفوعة إلى النبي ﷺ لا يصح منها شيء، إنما الثابت في وصف النبي ﷺ هو وصفه للخوارج، وهو حديث متواتر متفق عليه.
[ ٩ / ٣ ]