الشرك بالله تعالى أعظم الظلم، ومنه الأكبر المخرج من الملة، والأصغر الموقع لصاحبه في خطر عظيم، وقد جاءت النصوص بالتحذير منهما وبيان خطرهما على الدين، وبأن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، وهذا مما يدعو إلى الخوف من الوقوع فيهما أو في بعض أنواعهما كالرقى الشركية والتمائم والتوله، والطيرة، وغير ذلك من أنواع الشرك.
[ ٢ / ١ ]
الشرك في الألوهية
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا هو الدرس الثاني من الدروس التي في شرح كتاب التوحيد للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وقد ذكرت أننا سنقسمها على ثمانية دروس، وسنأخذ في كل درس الأبواب ذات الموضوع الواحد المتشابه التي تُكَوِّن وحدة موضوعية واحدة في كل درس بإذن الله تعالى، ولا مانع من أن نملي هذه الموضوعات والأبواب على شكل أرقام.
فالدرس الأول: في توحيد الألوهية حقيقته وأهميته وفضله، والدعوة إليه، وحماية جنابه.
وفيه الأبواب ذات الأرقام التالية: ١، ٢، ٤، ٥، ٢١، ٦٥.
الدرس الثاني: في الشرك في الألوهية وبعض أنواع الشرك الأصغر.
وسيستغرق -إن شاء الله تعالى- هذا الدرس الأبواب التالية: ١، ٦، ٧، ٨، ١٠، ١٩، ٣٥، ٣٦.
وهذا الأبواب سنمر عليها -إن شاء الله- في هذا الدرس، وهي في الحديث عن موضوع الشرك في الألوهية وبعض أنواع الشرك الأصغر.
الدرس الثالث: في أسباب الشرك وبطلانه، وسيكون في الأبواب ذوات الأرقام التالية: ١٤، ١٥، ١٧، ١٨، ٢٠، ٢٧، ٦٠.
الدرس الرابع سيكون عن الأعمال الشركية في توحيد الألوهية، وموضوع الأعمال الشركية في توحيد الألوهية له أبواب كثيرة في كتاب التوحيد، ولهذا سنتحدث عنه في درسين بإذن الله تعالى: ففي الدرس الأول سنتحدث في الأبواب ذوات الأرقام التالية: ٩، ١١، ١٢، ١٣، ٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٦، ٢٨، ٢٩.
وفي الدرس الثاني سيكون في الأبواب ذوات الأرقام التالية: ٢٣،٣٠، ٣١، ٣٧، ٣٨، ٥٠.
والدرس السادس سيكون -إن شاء الله تعالى- في موضوع الشرك في الربوبية والقدر والأسماء والصفات، وسيكون في الأبواب ذوات الأرقام التالية: ٣٣، ٣٤، ٤٠، ٤٨، ٥٨، ٥٩، ٦٣، ٦٤، ٦٥.
والدرس السابع سيكون عن القبوريين وشبهاتهم، وهذا الدرس سيكون في بابين فقط، في الباب السابع عشر، والباب الثاني والعشرين، وفي هذا الدرس -إن شاء الله تعالى- سنلخص مقاصد كتاب كشف الشبهات للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
وأما القدر فهو تابع للربوبية؛ لأنه يتعلق بأفعال الله سبحانه تعالى، وهو الباب رقم: ٤٠.
والدرس الثامن هو في شرك الألفاظ، وهذا الدرس يستغرق الأبواب ذوات الأرقام التالية: ٤١، ٤٣، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٤٧، ٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٦١، ٦٢.
فهذه الأبواب جميعًا موضوعها واحد، وهو شرك الألفاظ.
وبهذه الطريقة سننتهي -إن شاء الله تعالى- من كتاب التوحيد كله من الناحية الموضوعية، ولن نأخذ الكتاب بالترتيب؛ لأنه في بعض الأحيان قد يأتي باب ثم يأتي باب آخر في نفس الموضوع بعد عدة مواضيع، مثل حماية المصطفى لجناب التوحيد، فقد تكرر مرتين، وقد بينا السبب في تكرير الإمام له مرتين.
وأما الموضوع الذي سنتحدث عنه في هذا الدرس -إن شاء الله تعالى- فهو الشرك في الألوهية وبعض أنواع الشرك الأصغر.
الشرك: هو أن تجعل لله سبحانه شريكًا في شيء من خصائصه، وقد حذر الله ﷾ منه تحذيرًا كبيرًا في القرآن، وترتبت عليه أحكام عظيمة في الدنيا وأحكام عظيمة في الآخرة، فمن الأحكام التي تترتب عليه في الدنيا: انتفاء الأخوة، وانتفاء الولاء، ووجوب البراءة، ووجوب الجهاد عندما تتحقق أسبابه، وعدم جواز النكاح، وعدم الإرث؛ لأن المسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم، وغير ذلك أحكام كثيرة تتعلق بالعلاقة بين المسلم والكافر، وهذه أمور نعيشها ونلحظها.
فالمشرك لا تنطبق عليه أحكام المسلم في الدنيا، وليس له شيء من حقوق المسلم في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه يكون خالدًا مخلدًا في نار جهنم، ولا يمكن أن يدخل الجنة أبدًا.
[ ٢ / ٢ ]
أقسام الشرك
الشرك عند العلماء ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الشرك الأكبر، وهذا هو الذي بينا ترتب الأحكام الشرعية عليه.
القسم الثاني: الشرك الأصغر.
والفرق بينهما من عدة جهات: الجهة الأولى: أن المشرك شركًا أكبر غير مسلم، وأما المشرك شركًا أصغر فإنه مسلم.
الجهة الثانية: أن أحكام الإسلام تنطبق على المشرك شركًا أصغر، ولا تنطبق على المشرك شركًا أكبر.
الجهة الثالثة: أن المشرك شركًا أكبر لا يدخل الجنة ولا يجد ريحها أبدًا، ويكون مخلدًا في نار جهنم، وأما المشرك شركًا أصغر فإن مصيره -وإن عذب في النار- إلى الجنة.
[ ٢ / ٣ ]
الأسباب الداعية إلى الخوف من الشرك
وقد بوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في التحذير من الشرك بابًا خاصًا سماه: (الخوف من الشرك)، بين فيه رحمه الله تعالى أن الأنبياء مع فضلهم ومكانتهم وقدرهم كانوا يخافون من الشرك، فغيرهم من باب أولى.
والأسباب التي تجعل الإنسان يخاف من الشرك عدة، منها قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فمن كان مشركًا ومات على الشرك ولم يتب، فإن الله ﷿ لا يغفر له أبدًا ويكون مخلدًا في نار جهنم.
أما الذنوب التي هي أقل من الشرك فإنها تحت مشيئة الله ﷿، فإن شاء عذب صاحبها وإن شاء غفر له، ويرجع في آخر أمره إلى الجنة إذا كان موحدًا.
وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، فهو يدعو الله ﷿ أن يبعده هو وأولاده عن الشرك، حيث قال: «وَاجْنُبْنِي» يعني: باعدني «وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ»، فكان إبراهيم يخاف على نفسه الشرك، مع أن إبراهيم هو أبو الأنبياء وهو إمام الموحدين، وهو الذي كسر الأصنام واجتهد في محو الشرك علمًا وعملًا، علمًا بالحجة وبيان التوحيد ورفض الشرك، وعملًا بتكسير الأصنام بيده في قصة مشهورة في القرآن وفي كتب التفسير.
وفي الحديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه، فقال: الرياء)، وهذا حديث حسن.
وهو يدل على أهمية الخوف من الشرك حتى ولو كان شركًا أصغر، لا يخرج صاحبه من الملة؛ لأنه جاء في أثر عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: [لئن أحلف بالله كاذبًا خير لي من أن أحلف بغيره صادقًا] ويقصد بذلك أن الشرك الأصغر أشد عند الله ﷾ من كبائر الذنوب، فهو يرى أنه أشد من اليمين الغموس، وهي من الكبائر التي تغمس صاحبها في نار جهنم.
وفي هذا الحديث دليل على أن الشرك الأصغر مصطلح موجود في كلام النبي ﷺ، وأن الإتيان بكلمة (الأصغر) في وصف الشرك ليس مسألة اجتهادية من العلماء، وإنما هي مسألة منصوص عليها في كلام النبي ﷺ.
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار) رواه البخاري.
ولـ مسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار)، وفي هذين الحديثين توكيد على ما أشرنا إليه من انقسام الناس إلى قسمين: قسم مسلم ولو وقع في شيء من الشرك الأصغر، فمصيره إلى الجنة.
وقسم آخر هو المشرك شركًا أكبر، فهذا سيكون من أهل النار ولن يدخل الجنة أبدًا.
وكل هذه النصوص تدل على الحذر من الشرك والتخويف منه، ووجوب الخوف منه على الإنسان حتى ولو كان وقد ولد في بيئة إسلامية، ولهذا بوب العلماء بابًا بعنوان: [باب ما جاء في أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان]، وعبادة الأصنام هي من أبعد ما يتخيله الإنسان من صور الشرك، وقد يقع الإنسان في أنواع متعددة من شرك الإرادة أو شرك التشريع أو شرك المحبة أو شرك الخوف أو نحو ذلك من أنواع الشرك التي سيأتي بيانها بالتفصيل، أما شرك الأصنام فإنه واضح، ومعركة النبي ﷺ مع كفار قريش إنما كانت في هذا الموضوع، فيبعد في العادة أن يرجع أحد من المسلمين فيعبد الأصنام، ولكن هذا يدل على أن الفتن تكثر في آخر الزمان، وأن الناس يضعف فيهم العلم، ويقل فيهم الدعاة والمجددون والمصلحون، وأن الشرك ينتشر فيهم بشكل كبير، وسيأتي معنا في الحديث عن النبي ﷺ أنه: (لن تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس حول ذي الخلصة) وهو صنم مشهور من أصنام الجاهلية، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من الشرك غاية الحذر، وأن لا يزكي نفسه ولا يزكي أتباعه وأصحابه وأهل بلده بأنهم بعيدون عن الشرك، فنحن أحوج ما نكون إلى أن ننقي أنفسنا وضمائرنا من الشرك، فهذا هو الغرض الذي عقد الشيخ من أجله هذا الباب العظيم، وهو باب الخوف من الشرك.
[ ٢ / ٤ ]
ضوابط الشرك الأكبر والأصغر
ويمكن للإنسان أن يميز الشرك الأكبر من الشرك الأصغر، فضابط الشرك الأكبر هو: صرف العبادة لغير الله ﷾، فإذا كانت هناك عبادة لله ﷾ فصرفت لغيره كان ذلك الصرف هو الشرك الأكبر المخرج من الملة، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وهي كل ذل وخضوع ومحبة واستقامة للمعبود، وهي كل ما أمر الله ﷾ به أمر إيجاب أو أمر استحباب، فإذا أردت أن تعرف العبادة فانظر في القرآن، فأي شيء أمر الله ﷿ به فهو عبادة، سواءٌ أكان أمرًا على سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب، فيدخل في ذلك المحبة، ويدخل في ذلك الولاء، ويدخل في ذلك الخوف، ويدخل في ذلك الاعتماد والتوكل، ويدخل في ذلك الطواف، ويدخل في ذلك الذبح والنسك، وأنواع متعددة من العبادات، حتى إن حلق الرأس يمكن أن يفعل على سبيل التعبد، فنحن نحلق رءوسنا بعد رمي الجمار تعبدًا لله ﷿، فهذا عبادة، وكل نوع من الأنواع التي أشرنا إليها ينقسم إلى قسم عادي لا ارتباط له بالعبادة، وقسم عبادي، وهذا سيأتي تفصيله في أنواع الشرك والأعمال الشركية في توحيد الألوهية.
فإنه يمكنك أن تذهب إلى الحلاق وتحلق رأسك لأنك تريد النظافة، وربما يكون شعرك فيه مشكلة أو مرض، فتحلق رأسك، وهذا ليس عبادة، ولكن حلق الرأس بعد أداء العمرة عبادة، وحلق القبوريين لرءوسهم بعد الطواف بالقبر عبادة، يفعلونه تشبهًا بالعمرة التي تفعل في المكان المشروع، وهو البيت الحرام، وهذا لا يصح فعله؛ لأنه صرف للعبادة لغير الله ﷾.
إذًا: ضابط الشرك الأكبر فهو: صرف العبادة لغير الله ﷿، وإذا سئلت عن أي مسألة من المسائل ليس فيها صرف للعبادة لغير الله ﷿ فلا يجوز أن تحكم بأنها شرك، وإذا وجدت عبادة صريحة واضحة صرفت لغير الله فهذا شرك لا شك فيه.
والعبادة هي الذل والخضوع مع المحبة للمعبود.
وللشرك الأصغر ضابطان: الضابط الأول: أنه كل ما ثبت بنص شرعي أنه شرك، ولكن دلت الدلائل على أنه غير مخرج من الملة، فهناك نصوص شرعية وصفت مجموعة من الأعمال أو الأقوال أو الإرادات بأنها شرك، وفي المقابل نصوص شرعية أخرى بينت أن هذه الأعمال لا تخرج عن الملة ولا تخرج عن دائرة الإسلام.
وسيأتي معنا في أمثلة الشرك الأصغر ما يؤكد هذه القضية ويدلل عليها بإذن الله تعالى.
الضابط الآخر: أن الشرك الأصغر هو كل قول أو عمل أو إرادة ليس من العبادة، ولكن يتوسل به إلى الشرك الأكبر، مثل الغلو، فالغلو في حد ذاته ليس شركًا؛ فمن الممكن أن يأتي إنسان ويعظم النبي ﷺ تعظيمًا شركيًا، ويمكن أن يعظمه تعظيمًا غير شركي، فعندما يتوسل أحد بجاه النبي ﷺ ويقول: اللهم إني أتوسل إليك بجاه محمد ﷺ، فهذا غلو وبدعة، وليس من السنة في شيء.
وهناك نوع آخر من التوسل، كأن يقول: يا رسول الله! اغفر ذنبي، فهذا شرك.
فكلاهما غلو، ولكن أحدهما أصغر والثاني أكبر، وسيأتي معنا بيان ذلك في الأمثلة.
فالشرك الأكبر هو صرف العبادة لغير الله ﷿، والشرك الأصغر منه الأمور التي تعتبر وسائل وطرقًا إلى الشرك الأكبر، وليست شركًا أكبر محضًا ولا صرفًا لعبادة لغير الله، لكنها طرق توصل إليه، وهذا الضابط ذكره الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في شرحه القول السديد، وهو من أجمل الضوابط وأنفعها لطالب العلم.
[ ٢ / ٥ ]
دلائل معرفة الشرك الأصغر
وهناك مجموعة من الدلائل التي يمكن أن نعرف بها الشرك الأصغر لنميزه، وليكون واضحًا لنا، ومن ذلك: الأمر الأول: التصريح بأن العمل شرك أصغر، مثل تصريح النبي ﷺ عندما قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء)، فهذا تصريح بأنه شرك أصغر، ويشبه هذا إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
الأمر الثاني: عدم ترتب حد الردة عليه، فقد كان يحصل الشرك الأصغر في زمن النبي ﷺ ولا يرتب النبي ﷺ عليه حد الردة، ويدل لذلك أن النبي ﷺ قال: (الرقى والتمائم والتولة شرك)، والتمائم لبسها بعض الصحابة في زمن الرسول ﷺ وأنكر عليهم ذلك، وأمر بأن تقطع الأوتار التي تعلق في رقاب الإبل، ولم يرتب أحكام الردة والكفر المخرج من الملة على أفعال هؤلاء وتصرفاتهم، فهذا يدل على أن هذا المشرك ليس شركًا مخرجًا عن الملة، بل هو شرك أصغر.
الأمر الثالث: أن يأتي لفظ الشرك منكرًا، كقوله ﷺ: (الرقى والتمائم والتولة شرك)، فلم يقل ﷺ: إن الرقى هي الشرك؛ لأن الشرك عندما يكون معرفًا بـ (أل) فإنه يدل على أنه الشرك المعهود، وهو الأكبر، كقوله ﷺ: (بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة)، فهنا عرف الشرك بـ (أل)، فهذا يدل دلالةً صريحةً على أن الشرك المعني هنا هو الشرك الأكبر، بينما قال ﷺ في الشرك الأصغر: (الرقى والتمائم والتولة شرك)، فجاءت كلمة (شرك) نكرة ليس فيها (أل)، وهذا يدل على أن ذلك شرك أصغر.
الأمر الرابع: فهم الصحابة للنصوص معتبر، فإذا فهم الصحابة من نص من النصوص الشرك فيه ليس مخرجًا من الملة؛ فهذا يدل على أنه شرك أصغر، وسيأتي بيانه -إن شاء الله- معنا في باب الطيرة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الطيرة شرك)، قال بعض الصحابة: وما منا إلا ويقع في شيء من ذلك، ولكن يغلبه الإنسان بالتوكل.
فهذه مجموعة من القواعد والضوابط في موضوع الشرك الأصغر، أما أنواع الشرك الأصغر فهي كثيرة جدًا وقد ذكر الشيخ الرقى الشركية وذكر التمائم وذكر التبرك وذكر الطيرة، وذكر الحلف بغير الله، ونحو ذلك من الأمور التي هي من الشرك الأصغر.
[ ٢ / ٦ ]
الرقى وأقسامها وأحكامها
الرقى: هي التعاويذ والأدعية التي يقرؤها الإنسان على نفسه أو على غيره لدفع المرض أو لرفعه، مثل قراءة شيء من القرآن على مريض بالسحر أو العين، أو بأي نوع من أنواع المرض، وكذلك التعاويذ التي يأتي بها الإنسان ليبتعد عن الأمراض قبل وقوعها.
والرقية تنقسم إلى قسمين: رقية شرعية ورقية شركية.
فالرقية الشرعية: هي التي تكون بالقرآن الكريم وبأحاديث النبي ﷺ، وبالكلام الصحيح الواضح، فإذا كان هناك أدعية صحيحة واضحة مبينة ليس فيها تكلف، فإنها تعتبر من الرقى الشرعية، ولهذا ورد في حديث عوف بن مالك الأشجعي أنه قال: قال الرسول ﷺ: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا) وكان عند أهل الجاهلية رقىً يرقون بها، فلما سئل عنها النبي ﷺ قال: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا).
وكان عند اليهود والنصارى رقى في التوراة والإنجيل، وبعض هذه الرقى صحيح؛ ففي الموطأ بسند صحيح أن أبا بكر دخل على عائشة ﵂ وعندها يهودية ترقيها فقال: (ارقيها بكتاب الله) يعني: بالتوراة.
قال الحافظ ابن حجر -﵀- في فتح الباري: وهذا يدل على أن الرقى والأدوية الموجودة في التوراة والإنجيل لم يلحقها التحريف؛ لأنها لو حرفت لفسدت، فهم يعرفون ذلك، فهم لم يحرفوا إلا العقائد والأحكام، أما هذه الرقى فلم يحرفوها، فالرقى ليست توقيفية، بل يمكن فيها الاجتهاد من حيث ألفاظ الرقية إذا كانت صحيحة من حيث المعاني، ولهذا يشترط أن تكون باللغة العربية الواضحة المبينة البينة، أما الرقى بالألفاظ الأعجمية والمجهولة والرموز والأحرف والأرقام ونحو ذلك مما يستعمله بعض الكهنة والمشعوذين والسحرة، فلا يجوز أبدًا أن يرقي الإنسان بها أو أن يجعل غيره يرقيه بها.
وأما الرقى الشركية فتنقسم إلى قسمين: رقى شرك أكبر، ورقى شرك أصغر.
ورقى الشرك الأكبر نوعان: النوع الأول: الرقية التي تتضمن استغاثة بغير الله، أو دعوة لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷾، فهذا شرك أكبر، وسيأتي معنا موضوع خاص يتعلق بدعاء غير الله ﷾.
النوع الثاني: أن يعتمد الإنسان على الرقية اعتمادًا تامًا من كل وجه، فهذا شرك أكبر في الربوبية.
أما من اعتقد أنها سبب من الأسباب فحكم ذلك بحسب نوع الرقية، فإن كانت رقية شرعية فلا شيء فيها، وإن كانت غير شرعية فإنه بحسب ما فيها من الكلام كما سبق أن بينا.
[ ٢ / ٧ ]
التمائم وأحكامها
التمائم: جمع تميمة، والتميمة هي التعاليق التي تعلق، سواءٌ على الرقبة أو في اليد أو في القدم أو في أي مكان، وهذه التمائم من الشرك، وسيأتي معنا في حديث صريح وصفها بالشرك، وتكون من الشرك الأكبر إذا اعتمد الإنسان عليها اعتمادًا تامًا، أما إذا اعتبر أنها سبب من الأسباب فذلك شرك أصغر؛ لأنه اعتبر شيئًا من الأشياء سببًا وهو ليس بسبب لا شرعًا ولا قدرًا، فهذه الخيوط من التمائم ليست دواءً معروفًا عند الأطباء، وفي نفس الوقت ليست دواءً مشروعًا؛ إذ يشرعها الله ﷿ ولم يشرعها رسول الله ﷺ، فهي من الشرك الأصغر.
والفارق بين الشرك الأكبر والأصغر فيما يتعلق بالتمائم هو اعتماد القلب، فإذا اعتمد عليها اعتمادًا تامًا شاملًا فهذا شرك أكبر، وإذا لم يعتمد عليها بل اعتبر أنها سبب وأن الشافي هو الله ﷾، فهذا شرك أصغر؛ لأنه جعل شيئًا من الأشياء من الأسباب وهو ليس من الأسباب شرعًا ولا قدرًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].
وعن عمران بن حصين ﵄: أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر، فقال: (ما هذا؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا)، رواه أحمد بسند لا بأس به.
وله عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)].
ومن التمائم حجارة يأخذونها من البحر يعلقونها على رقابهم أو على رقاب دوابهم يتقون بها العين.
والحديث الأول -حديث عمران بن الحصين - فيه إشكال كبير عند العلماء في قوله: (فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا)، فإن ظاهر الحديث أنه كافر كفرًا أكبر، ولكن يبدو -والله تعالى أعلم- أن هذا الحديث ليس صحيحًا، بل هو حديث ضعيف رواه الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم، وفي إسناده فضالة بن المبارك، وهو ضعيف؛ لأنه مدلس قبيح التدليس، وقد عنعن.
أما الحديث الثاني -وهو قوله: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) - ففي سنده ضعف أيضًا، وقد رواه الإمام أحمد وغيره، وإن كان بعض أهل العلم قد صححه، مثل المنذري والمناوي، وذكر الحافظ ﵀ في: (تعجيل المنفعة) أن رجاله موثقون، فالحديث فيه خلاف من حيث صحته وضعفه، ولكن الرواية التي بعده رواية صحيحة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك)].
وهذا يدل على أن التمائم من الشرك، وتكون شركًا أصغر أو شركًا أكبر بحسب ما يكون بقلب صاحبها، فإن اعتقد أن هذه التميمة تنفع وتضر من دون الله ﷾، أو مع الله فهذا شرك أكبر، وإن اعتبرها سببًا من الأسباب فهذا شرك أصغر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ ابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلًا في يده خيط من الحمى، فقطعه وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]].
[ ٢ / ٨ ]
باب ما جاء في الرقى والتمائم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الرقى والتمائم.
في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه: (كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولًا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت)].
سبق أن بينا أنهم كانوا يجعلون القلائد على الجمال والدواب وعلى الأطفال وعلى أنفسهم يتقون بها العين، وهنا مسألة لا بد من التنبيه عليها، وهي أن التمائم تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: تمائم ليس في حكمها خلاف، وهي التمائم التي تكون من الأحجار أو الودع أو الخيوط ونحو ذلك، ويدخل في ذلك ما يضعه بعض الناس في سياراتهم مثل العرائس ونحوها يتقون بها العين، وبعضهم قد يجعل في درج غرفة النوم شيئًا من الأشياء يظن أنه يدفع عنه العين، فكل هذه من التمائم ولو اختلفت صورها وأشكالها؛ لأن حقيقتها واحدة.
القسم الثاني: تعليق القرآن، وهو مختلف فيه، فلو أن إنسانًا علق في رقبته مصحفًا يتقي به العين، أو من أجل أن يزيل عنه مرضًا به؛ فهذه المسألة وقع فيها خلاف بين السلف رضوان الله عليهم، فمنهم من جوزها وأباحها؛ لأن القرآن مما يستشفى به، والصحيح من أقوال أهل العلم -وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس ﵄ منع ذلك؛ لأن أحاديث النبي ﷺ في التمائم عامة، ولأن النبي ﷺ لم يعرف عنه أنه شرع للناس أن يعلقوا هذه التمائم من القرآن، ولأن القرآن أنزله الله ﷿ للتدبر ولم ينزله للتعلق، ولأنه إذا وضع في رقبة الإنسان أو في رقبة دابة من الدواب؛ فإن هذا مدعاة للاستهانة به، ولأن الشفاء المقصود بالقرآن هو بتلاوته وقراءته والرقية به، وليس المقصود تعليقه، وقد بين النبي ﷺ كيفية الاستشفاء به ووضحه ﵊.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
رواه أحمد وأبو داود].
هذا واضح في أن الرقى منها ما يكون شركًا، وهناك أحاديث كثيرة تدل على أن الرقى منها ما يكون شرعيًا، ومنها أن النبي ﷺ رقى ورقي، ومنها أنه قال: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا) فقسم الرقى إلى قسمين: قسم لا بأس به، وقسم به بأس، وهو الشرك.
وأما التولة فهي نوع من أنواع السحر وهو سحر العطف؛ إذ السحر ينقسم إلى قسمين: صرف وعطف، فالعطف هو جمع بعض القلوب على بعض، والصرف صرف بعضها عن بعض، والتولة: اسم لسحر العطف الذي يحبب بعض الناس إلى بعضهم، وقد فسره الشيخ بذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: (من تعلق شيئًا وكل إليه).
رواه أحمد والترمذي].
وأحاديث ابن مسعود وحديث عبد الله بن عكيم كلها صحيحة محتج بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁].
لأنه في حديث بريدة بن الحصيب (أن النبي ﷺ رخص في الرقى من العين والحمى)، والحمى: هي لدغة العقرب أو الحية التي يكون فيها السم، بل إنه ﵊ رخص فيما هو أوسع من ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التولة: شيء يضعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.
وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ: (يا رويفع! لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا بريء منه)].
وهذا حديث صحيح، وموطن الشاهد منه قوله: (أو تقلد وترًا) يعني: لدفع العين أو رفع البلاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن سعيد بن جبير ﵁ قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة.
رواه وكيع.
وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن].
إبراهيم هو النخعي، وهو من فقهاء الكوفة، وقوله: (كانوا) يعني أصحاب ابن مسعود ﵁.
[ ٢ / ٩ ]
التبرك وأقسامه وأحكامه
والنوع الثالث من أنواع الشرك الأصغر هو: التبرك، والمقصود بالتبرك: طلب البركة، وطلب البركة منه شيء مشروع، فإن الشرع قد كشف عن مواطن وأماكن وأشخاص وأقوام مباركين، فماء زمزم مبارك، وبلاد الشام مباركة، والحرم مبارك، وهناك أمور كثيرة مباركة بين النبي ﷺ أن فيها بركة، وبين كيفية استعمال البركة الموجودة فيها.
وهناك نوع ثان من التبرك، وهو التبرك المذموم، وهو أن يتبرك الإنسان بأحجار أو بأشجار، أو يتبرك بأشخاص، أو يتبرك بفضلات إنسان، كالتبرك بما بقي من مائه أو ما بقي من أكله أو لبسه أو نحو ذلك، وكل ذلك من الشرك الأصغر.
إذًا: يمكن تقسيم التبرك إلى قسمين: تبرك محمود، وتبرك مذموم فالتبرك المحمود: يشترط فيه عدة شروط.
الشرط الأول: أن يدل دليل صحيح صريح على أن هذا الأمر فيه بركة.
الشرط الثاني: أن يكون التبرك به بنفس الطريقة المشروعة التي شرعها الرسول ﷺ، فماء زمزم يكون التبرك به بشربه والتضلع منه، فلو أن إنسانًا أخذ ماء زمزم ليداوي به الجروح فإنا نقول له: أخطأت الطريق هنا.
وبلاد الشام مباركة، والحرم مبارك، فلو أن إنسانًا جاء إلى الحرم وقال: هذا مبارك، وبدأ يتمسح بأشجاره وأحجاره ويأكل من ترابه ويعمل نحو هذه الأعمال التي لم ترد في الشرع، فإنا نقول له: قد أخطأت، فإن الحرم مبارك، والبركة التي تكون فيه هي بكثرة الطواف بالطريقة المشروعة التي بينها النبي ﷺ.
والنوع الثاني: التبرك الممنوع، وينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ادعاء البركة في أماكن لم يدل الدليل الشرعي على أنها مباركة، فبعض الناس يأتي إلى قبر من القبور وينصب عليه قبةً كبيرةً ويجعل له مدخلًا ومخرجًا، ويجلس فيه ويقول: هذه روضة من رياض الجنة، وهذا المكان مبارك، فهذا ابتدع بدعة من عنده، فإن أماكن القبور لم يدل دليل صحيح صريح على أنها أماكن مباركة، فلا بد من أن يدل دليل صحيح على أن هذا الأمر مبارك؛ لأن البركة أمر موجود في العين المباركة لا يمكن أن يكشف عنه إلا من خلقه، وهو الله ﷾، وذلك إما بكلام منه في القرآن أو بكلام من النبي ﷺ؛ لأن كلام النبي ﷺ وحي، أما ادعاء البركة بدون دليل فهو من الشرك.
القسم الثاني: التبرك ببعض الأماكن المباركة بغير الطريقة الشرعية، مثل الذي يأتي ويتمسح بمقام إبراهيم، أو يأتي ويتمسح بسواري الحرم، أو يذهب إلى بيت المقدس ويتمسح به ونحو ذلك، مع أن هذه أماكن مباركة دل الدليل على أنها مباركة، لكنه تبرك بها بشكل غير مشروع فهذا من الشرك الأصغر.
والتبرك قد يكون شركًا أكبر إذا أوصلك اعتقاد البركة في الشيء إلى عبادته، فالذي جعل كفار قريش يعبدون مناة واللات والعزى ونحو ذلك هو التبرك، واللات كان رجلًا صالحًا يلت السويق للحجاج ويطعمهم ويسقيهم، وكان رجلًا فاضلًا، فلما مات عكفوا على قبره فتبركوا به، ووصل التبرك به إلى درجة أنهم أصبحوا يعبدونه من دون الله، ويظنون أنه يرفع عبادتهم إلى الله ﷾، فوقعوا في الشرك، وهذا هو -أيضًا- فعل قوم نوح، كما قال الله ﷿: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، فهذه أسماء لرجال صالحين كانوا في قوم نوح ماتوا في شهر واحد، فصوروا على صورهم على هيئة تماثيل، ثم بعد أن نسي العلم وزال عبدوا من دون الله ﷾.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما.
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٢].
جاء الشيخ بهذه الآية مع أنها في شرك المشركين المخرج من الملة؛ لأن السبب الذي جعلهم يعبدونها من دون الله هو التبرك، فالتبرك قد يصل إلى الشرك الأكبر إذا أوصل صاحبه إلى عبادة المبارك، وقد يصل إلى الشرك الأصغر إذا كان وسيلة، كما بينا في الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط].
يعني: يعلقون أسلحتهم بها لأجل البركة.
قال: [فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، لتركبن سنن من كان قبلكم) رواه الترمذي وصححه].
فهؤلاء قوم من المشركين كانوا يتبركون بشجرة ينوطون به
[ ٢ / ١٠ ]
الذبح وما يحرم منه
ومن أنواع الشرك الأصغر: الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله ﷾، فلو أن مذبحًا تذبح فيه الهدايا والقرابين ونحو ذلك، وكان هذا المذبح مخصصًا للقرابين التي تذبح لغير الله ﷿، كان تذبح للأولياء أو تذبح للجن والشياطين، فلا يجوز للمسلم أن يأتي ويذبح لله فيها، مع أنه ذبح لله وليس لغير الله، ولكن ذلك وسيلة إلى الشرك الأكبر، وقد سبق أن ضبطنا الشرك الأصغر بأنه هو الذي يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر، والذبح عبادة مصروفة لله، لكن لما كان في مكان يذبح فيه لغير الله صار وسيلة من وسائل الشرك، فانطبق عليه حكم الشرك الأصغر، كما هو الحال في الغلو والتطير ونحو ذلك مما سيأتي بيانه في وسائل الشرك.
[ ٢ / ١١ ]
باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
قال المؤلف ﵀: [باب: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله.
وقوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٨]].
قول الله تعالى: «لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا» هذا في قصة مسجد الضرار الذي بناه المنافقون، من أجل أن يضاهوا به مسجد قباء، فنهاه الله ﷿ أن يقوم فيه أبدًا؛ لأن الموضع الذي يعبد فيه غير الله ﷿ أو لا يكون خالصًا لله ﷿ لا يصح الجلوس فيه والبقاء فيه، فالشاهد من هذه الآية للباب هو من جهة كون هذا المكان بني لغير الله ﷾، وليس فيه ما يتعلق بالذبح، فهو من باب الاستدلال بجهة عامة وليست جهة خاصة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: (نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم).
رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما.
بوانة: موطن في الطريق للخارج من المدينة إلى تبوك، وهو موجود الآن بهذا الاسم.
وهذا الحديث يدل على المنع من عبادة الله ﷿ في المكان الذي يعبد فيه غير الله ﷾؛ لأن ذلك ذريعة لعبادة غير الله، ووسيلة وطريق يفضي إليها، وهذا الحديث يدل على باب عظيم، وهو باب سد الذرائع، فهذا الباب باب عظيم يجهله كثير من الناس، وفي نفس الوقت يستغربون من مواقف بعض الصالحين وبعض أهل العلم الذين يقفون من بعض التصرفات ومن بعض الأعمال موقفًا قويًا، فيتعجبون من هذا التصرف مع أن الشيء ليس حرامًا في الظاهر، والسبب هو أن الشيء إذا كان وسيلةً وطريقةً إلى محرم فإنه لا يجوز أبدًا بأي حال من الأحوال، فأي وسيلة من وسائل الاختلاط تكون محرمة، وأي وسيلة من وسائل عبادة غير الله ﷿ تكون محرمة، وأي وسيلة من وسائل الشر بأي وجه من الوجوه تكون محرمة، فالحديث مع النساء -مثلًا- فيما لا داعي إليه محرم؛ لأنه طريق سيوصل إلى الحرام، ولهذا نهى النبي ﷺ عن الحديث مع النساء، ويحمل نهيه على ما لا داعي إليه، أما إذا كان هناك داع فإنه يصح الحديث، كما حصل منه ﵊.
وهكذا أشياء كثيرة جدًا لم تحرم لذاتها، وإنما لأنها طريق مفض إلى الحرام، وهذه القاعدة يجهلها كثير من الناس ولا يعرفها، ولهذا قد يتعجب من بعض آراء وأفكار ومناهج بعض المصلحين وبعض الدعاة في بعض التصرفات والأقوال والأعمال.
[ ٢ / ١٢ ]
باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟! في الصحيح عن عائشة ﵂: (أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح -أو العبد الصالح- بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل].
هذا الباب يشبه الباب الذي قبله، فالذي قبله كان في الذبح، وهذا الباب عام فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، يعني: جاء إلى قبر رجل صالح وصلى عنده لله، أو دعا عنده لله، أو بدأ يقرأ القرآن عنده لله ﷿، فهذا لا يجوز؛ لأنه وسيلة إلى الشرك، فإذا كان النهي عن عبادة الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده من دون الله؟! فلا شك في أن النهي سيكون أكبر، فهذا الباب يشبه الباب الذي قبله، والفرق بينهما أن الأول في الذبح وهذا عام في العبادات كلها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهما عنها قالت: (لما نُزِل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يتخذ مسجدًا) أخرجاه].
وموطن الشاهد من الحديث هو قوله: (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يعني: جعلوا المكان الذي يقبر فيه النبي مسجدًا للصلاة، فلو كانت الصلاة لله ﷿ فإنها تجوز؛ لأنها وسيلة من وسائل الشرك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك).
وموطن الشاهد هنا هو نفسه موطن الشاهد من الحديث السابق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد].
قوله: [وهو في السياق] يعني: في سياق الموت.
والمعنى أنه لو جاء إلى مقبرةً ليس فيها مسجد، وأنشأ الصلاة عندها فإنه تشمله هذه الأحاديث جميعًا، فكيف إذا بنى مسجدًا وأصبح مكانًا يعهد للتعبد؟! فلا شك فإن ذلك سيكون أشد، ويكون انطباق الحديث عليه أصرح.
قال: [وهو معنى قولها: (خشي أن يتخذ مسجدًا).
فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا كما قال ﷺ: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا).
ولـ أحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد).
ورواه أبو حاتم في صحيحه].
هذه النصوص كلها تدل على أن اتخاذ القبور مساجد وأماكن للصلاة من الوسائل التي توصل إلى الشرك الأكبر، وهي من الشرك الأصغر، وهي تدل على قاعدة عظيمة من قواعد الشرع، وهي قاعدة سد الذريعة.
[ ٢ / ١٣ ]
باب ما جاء في الرياء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في الرياء.
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
وعن أبي هريرة مرفوعًا: قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، رواه مسلم].
وهذا دليل صريح وواضح على أن العمل الذي يكون فيه الرياء يكون باطلًا؛ لأنه تعالى قال: (تركته وشركه)، فلو راءى تركه ورياءه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن أبي سعيد مرفوعًا: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل) رواه أحمد].
بقي من أنواع الشرك الأصغر باب عقده المصنف خاص بالرياء، والرياء هو أصرح صورة من صور الشرك الأصغر؛ لأنه ورد في الحديث مصرحًا عندما قال النبي ﷺ: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء)، وهذا صريح في اعتبار الرياء من الشرك الأصغر.
والرياء: هو أن يعمل الإنسان العمل لغير الله ﷾، فيزين الإنسان صلاته لنظر شخص من الأشخاص إليه، وهذا العمل من الشرك الأصغر، ويكون الرياء كفرًا مخرجًا عن الملة بالكلية عندما يراءني بأصل إسلامه، فإذا جعل أصل إسلامه رياءً وفإنه يكون حينئذ منافقًا، أما إذا كان أصل الإسلام لله ﷿ وهو مسلم لله ﷾، لكن حصل له الرياء في بعض أعماله فهذا شرك أصغر، قد يكون شركًا أكبر بحسب العمل الذي يقع فيه الرياء، فإذا أنشأ العمل من أجل الناس فهذا من الشرك الأصغر، وإذا قصد به الإنسان نفسه فإنه يكون تعبدًا لغير الله، فلو أن إنسانًا قام فدفعه إلى الصلاة رؤية شخص وكانت الصلاة لله فهذا شرك أصغر؛ لأنه لم يصرف عبادة من العبادات لغير الله ﷿، لكن الصلاة باطلة كلها ولا يقبل منها شيء؛ لأن الدافع هو مدح فلان أو المراءاة لفلان، أما إذا بدأ الصلاة لله ﷾، ثم طرأ عليه الرياء، فإما أن يغلب عليه ويستحسنه ويرتاح له، وإما أن يدفعه عن نفسه، فإن دفعه عن نفسه وجاهد نفسه فإن صلاته صحيحة، وأما إذا استرسل معه واستمر معه فلا تخلو العبادة من نوعين: النوع الأول: أن تكون هذه العبادة مما لا يتجزأ، مثل الصلاة، فتكون باطلة.
النوع الثاني: أن تكون العبادة مما يتجزأ، فما كان فيه مخلصًا فعمله صحيح، وما طرأ عليه الرياء فهو فاسد.
وذلك مثل صلاة التراويح، فقد يصلي الإنسان ركعتين بإخلاص لله تعالى، ثم صلى ركعتين فيرائي فيهما، فتبطل الركعتان اللتان راءى فيهما، وأما الركعتان اللتان أخلص فيهما فهما مقبولتان، مع أن الجميع يُسمى صلاة التراويح.
ومثل صلة الأرحام، فعندما يزور الإنسان أحد أقاربه مخلصًا لله ﷿ يكون عمله مقبولًا، فإن زار بعد ذلك مباشرة أحدهم وطرأ عليه الرياء وارتاح له واستمر معه فزيارته الثانية باطلة وغير مقبولة.
فهذا هو المقصود بالعبادة التي تتجزأ والعبادة التي لا تتجزأ.
[ ٢ / ١٤ ]
خطر إرادة الدنيا بالعمل الصالح
والباب الذي بعد ذلك من أنواع الشرك الأصغر هو إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وقد اختلف أهل العلم في الفرق بين الرياء وإرادة الإنسان بعمله الدنيا، فبعضهم جعل إرادة الإنسان بعمله الدنيا هي الرياء نفسه، مثل الحسن البصري وغيره.
وبعضهم فرق بينهما، والصحيح هو التفريق، وأصح نوع من أنواع التفريق هو القول: بأن إرادة الإنسان بعمله الدنيا عامة والرياء إرادة خاصة، وكل ذلك فعل لغير الله ﷾، لكن إرادة الدنيا عامة، فقد يريد الإنسان منفعة مالية، وقد يريد منفعةً دنيويةً، وقد يتعلق بشيء من الشهوات لا بالمدح والثناء، أما الرياء فمتعلق بالمدح والثناء، والأحكام التي سبقت في موضوع الرياء هي -أيضًا- منطبقة على إرادة الإنسان بعمله الدنيا، فتكون إرادة الإنسان بعمله الدنيا شركًا أكبر مخرجًا عن الملة إذا كان أصل الإسلام يريد الإنسان به الدنيا، ويكون حينئذ من جملة المنافقين، أما إذا كان أصل إسلامه يريد به وجه الله والدار الآخرة، وعمل بعض الأعمال لأجل الدنيا؛ فإنه يحكم عليه بحسب هذا العمل وبحسب درجة إرادة الدنيا فيه، كما سبق في الرياء، فإن كان بدأ بالعمل من أصله يريد به الدنيا فهو مردود، وكل الآيات والأحاديث التي جاءت في بطلان العمل إذا كان شركًا يستدل بها على بطلان إرادة الإنسان بعمله الدنيا، مثل قوله ﷿: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨]، وقول الله ﷿: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، والحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، وغيرها من النصوص التي تدل على بطلان الشرك، وهي -أيضًا- تدل على بطلان الرياء؛ لأنه من الشرك، وتدل على بطلان إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ لأنها من الشرك، فإذا كان أصل العمل مرادًا به الدنيا فهو باطل، وإذا كان أصل العمل مرادًا به وجه الله ﷿، ثم طرأ عليه إرادة الدنيا فهو بحسب حال العامل، وإن دفع هذه الإرادة وجاهد نفسه فعبادته مقبولة، وإن لم يدفعها وغلبت عليه فإنه يحكم بالبطلان بحسب نوع العبادة، فإذا كانت تتجزأ فإنه يقبل منها العمل الخالص، وأما غير الخالص فلا يقبل، وإذا كانت لا تتجزأ فإنها لا تكون مقبولة، على نحو ما فصلناه في موضوع الرياء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]].
هذه الآية فيمن أراد الدنيا بأصل إسلامه، أو غلبت عليه إرادة الدنيا حتى أصبحت هي كل شيء بدل الدين، فهذا لا شك في أنه ليس بمسلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)].
هذا الحديث فيه كثير من الفوائد، ومما يتعلق بموضوعنا هنا أن النبي ﷺ سمى من أراد الدنيا -ومثله من أراد المال- عبدًا، فقال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة وعبد الخميلة، وهذا بحسب درجة العبودية التي عنده على نحو ما سبق تفصيله، وقد قسم الناس في هذا الحديث إلى قسمين: قسم تعيس: وهو من أراد بعمله الدنيا.
وقسم له الطوبى، و(طوبى) في الأحاديث الواردة قيل: إنها الجنة، وقيل: هي شجرة عظيمة في الجنة.
فهذا ما يتعلق بالكلام في الشرك في الألوهية، وبعض أنواع الشرك الأصغر.
[ ٢ / ١٥ ]
الأسئلة
[ ٢ / ١٦ ]
حكم الشرك الأصغر في الآخرة
السؤال
هل توزن أعمال صاحب الشرك الأصغر أم أنه يعذب على قدر شركه ثم يدخل الجنة؟
الجواب
الشرك الأصغر فيه خلاف بين أهل العلم هل هو داخل في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، أم أنه داخل في قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] على قولين مشهورين لأهل العلم، ويبدو أنه داخل في عموم قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]؛ لعموم هذه الآية.
[ ٢ / ١٧ ]
ما يدعو به الإنسان ربه للنجاة من الشرك
السؤال
هل هذا الدعاء صحيح: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا فيما أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه؟
الجواب
نعم هذا الدعاء صحيح، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
[ ٢ / ١٨ ]
المراد بالعصرانيين
السؤال
تذكر في دروسك بكثرة كلمة (العصرانيين)، فما المقصود بهم؟
الجواب
العصرانيون: هم طائفة من المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية وإلى الإسلام أثر عليهم ضغط الواقع الذي يعيشون فيه تأثيرًا سلبيًا، بحيث إنهم أصبحوا يؤولون النصوص الشرعية بسبب ضغط الواقع الذي يعيشون فيه، ومفهوم العصرانية يدخل فيه دعاة العلمانية؛ لأن العصرانية هي دعوة نشأت في الأديان الثلاثة الكبرى عند اليهود وعند النصارى وعند المسلمين، وأساس الفكرة التي عند هؤلاء جميعًا هو أن الواقع المعاصر المتطور لا يصلح لفهم النصوص الشرعية كما كان يفهمها السابقون، ولا بد من تطوير وتطويع هذه النصوص حتى توافق الواقع وتكون مناسبة له، ثم تاهوا في كيفية تطويعها، فطائفة منهم انسلخوا من الدين وقالوا: إن الدين هو عبادة في المسجد فقط، وأما بقية الحياة فلا علاقة لها بالدين، ونحن نبنيها بمقتضى العقل، وهؤلاء هم العلمانيون ودعاة التنوير كما يسمونهم.
وطائفة أخرى أنكروا على هؤلاء العلمانيين وقالوا: الدين شامل لكل شيء، لكن قضايا المرأة وقضايا الفنون وقضايا التعامل مع الكفار لهم فيها آراء غريبة عن آراء الجيل الأول وعن إجماع الجيل الأول، فهم يبيحون السفور، ويبيحون الفنون، ويختلفون في ذلك، فمنهم من يغلو، ومنهم من يكون دون ذلك، فبعضهم عنده غلو في هذا، وبعضهم أقل من بعض، فبعضهم يبيح التصاوير والمتاحف المشهورة ويبيح الموسيقى بكل أنواعها وصورها، ولهذا قد يشجع وجود بعض أنواع الموسيقى الغريبة؛ لأنها تهذب النفس وتهذب الضمير برأيه، وهناك كتاب للأستاذ محمد حامد الناصر عن العصرانيين بين التجديد والتغريب.
[ ٢ / ١٩ ]
حكم اعتقاد كون الحجر الأسود أو الركن اليماني شفاء للأبدان
السؤال
شخص استلم الحجر الأسود واستلم الركن اليماني من الكعبة المشرفة وقال: فيه شفاء للأبدان، فما حكم ذلك؟
الجواب
استلام الحجر الأسود ورد عن النبي ﷺ، واستلام الحجر الأسود بصفات متعددة: منها استلامه بيده، ومنها تقبيله، ومنها الإشارة إليه، ومنها استلامه بمحجن وتقبيل المحجن، وأما الركن اليماني فقد ورد أنه مسحه ولم يرد أنه قبله، ولم يرد أنه قبل يده عندما مسحه، فيجب الاكتفاء بسنة النبي ﷺ.
وأما اعتقاد أنه شفاء للأبدان فهذا اعتقاد فاسد يرده كلام عمر بن الخطاب عندما قبله وقال: [والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت ﷺ يقبلك ما قبلتك].
[ ٢ / ٢٠ ]
حكم استعمال الأسورة والحلقات المغناطيسية لعلاج أمراض المفاصل والروماتيزم
السؤال
هناك أسورة أو حلقه مغناطيسية تباع لعلاج أمراض المفاصل والروماتيزم، فما حكمها؟
الجواب
إذا ثبت طبيًا أن هذا المغناطيس له أثر على العظام فلا بأس، ويكون دواءً عاديًا، لكن المنهي عنه هو الخيوط التي لا نفع فيها ولا فائدة فيها بأي وجه من الوجوه.
[ ٢ / ٢١ ]
حكم كتابة اسم الزوجة في الخاتم خشية سحر الصرف
السؤال
هل يحرم وضع الخاتم في يدي إذا كتب فيه اسم زوجتي لدفع السحر الذي يفرق بيني وبينها؟
الجواب
هذا لا يجوز؛ لأن السحر طريقة علاجه تكون بالرقى والتعاويذ الشرعية، ولم يرد أن النبي ﷺ كان يعالج الناس بخيوط أو خواتم توضع في أيديهم ويكتب فيها اسم الزوجة، فهذه طريقة داخلة فيما سبق أن أشرنا إليه.
[ ٢ / ٢٢ ]
حكم اتخاذ الخيط في اليد للزينة
السؤال
بعض الناس يعلق في يده خيطًا ولا يقصد به شيئًا ولكن للزينة؟
الجواب
هذا ليس فيه إشكال، ولكن لم يعهد أن الخيط يتخذ زينة.
[ ٢ / ٢٣ ]
حكم وضع حرز عند المسجد للطفل المولود بقصد حبه للصلاة
السؤال
ما حكم وضع حرز للطفل المولود بعد الولادة عند المسجد بقصد حبه للصلاة، أو عند المدرسة بقصد حب المدرسة؟
الجواب
هذا من الخرافات، وهو من التفاؤل والتشاؤم الذي لا دليل عليه.
[ ٢ / ٢٤ ]
حكم وضع خيط الزينة
السؤال
ما حكم وضع خيط الزينة؟
الجواب
إذا كان خيط الزينة فيه تشبه بالكفار فإن النهي يكون من باب النهي عن التشبة بالكفار، لكن لا يعتبر تميمة إذا كان لا يعتقد فيه، وهي عادات قبيحة اعتادها بعض الناس؛ لأن الخيط لم يعرف منذ قديم الزمان أنه يستخدم للزينة.
[ ٢ / ٢٥ ]
حكم طلب البركة من المرء مزاحًا
السؤال
كثر من الشباب الملتزمين -هداهم الله- قول بعضهم لبعض: تبرك بفلان؛ فإنه رجل طيب، من باب المزاح، فما حكم ذلك؟
الجواب
هم لا يقصدون البركة، لكن المزاح إذا تجاوز حده لا يكون محمودًا.
[ ٢ / ٢٦ ]
حكم التبرك بأستار الكعبة
السؤال
هل التبرك بأستار الكعبة من جوانبها مشروع؟
الجواب
هذا ليس بمشروع، ولهذا لما جاء معاوية بن أبي سفيان وتبرك بجميع أركان الكعبة نهاه ابن عباس ﵁، وبين أن النبي ﷺ لم يستلم من الكعبة إلا الحجر الأسود والركن اليماني.
[ ٢ / ٢٧ ]
قطع عمر بن الخطاب شجرة بيعة الرضوان
السؤال
ما صحة ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه منع من كان يأتي إلى الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان؟
الجواب
نعم منعهم عندما كانوا يجتمعون فيها، بل إنه قطعها.
أما إتيان ابن عمر ﵁ إلى الأماكن التي كان النبي ﷺ يصلي فيها فليس مقصوده التبرك بها بقدر ما هو تطبيق سنة النبي ﷺ، وقد كان ابن عمر يجتهد في اتباع هديه في كل شيء، ومع ذلك أنكر عليه بعض الصحابة رضوان الله عليهم.
[ ٢ / ٢٨ ]
كيفية التداوي المشروع بماء زمزم
السؤال
ذكرت أن التداوي للجرح بماء زمزم ليس مشروعًا، كيف ذلك، وفي الحديث: (ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم)؟
الجواب
أنا لم أقل لا يتداوى به مطلقًا بأي طريقة، ولكن يتداوى به عن طريق الشرب، فيشرب ماء زمزم وينوي به الشفاء لمرضه، أما أن يضع الماء على الجرح فهذا غير وارد في سنة النبي ﷺ.
[ ٢ / ٢٩ ]
عموم البركة في ماء زمزم
السؤال
هل البركة تكون في ماء زمزم في الحرم المكي فقط؟
الجواب
النصوص عامة، والنبي ﷺ يقول: (ماء زمزم لما شرب له) فالبركة عامة ليس فيها تخصيص بالحرم فقط.
[ ٢ / ٣٠ ]
أثر ترك السنن على التوحيد
السؤال
هل ترك بعض السنن ينقص كمال التوحيد، وما حكم من علم بعلم ولم يعمل به؟
الجواب
أي نقص في العبادة ينقص من توحيد الإنسان، ولكن ليس معنى ذلك أنه آثم، فلا تترتب العقوبة على ترك شيء من السنن، أما أنه ينقص قدره وينقص توحيده التام الكامل فلا شك في ذلك، ولاشك في أنه لا يستوي مع من يأتي بالواجبات والسنن جميعًا.
[ ٢ / ٣١ ]
بيان معنى الشرك الخفي
السؤال
ما هو الشرك الخفي؟ وهل هو من أنواع الشرك؟
الجواب
الشرك الخفي هو الذي يكون فيه خفاء وبعضهم يجعله من الشرك الأصغر، وبعضهم يجعله وصفًا عامًا يدخل فيه الأكبر والأصغر.
[ ٢ / ٣٢ ]
حكم الغش
السؤال
هل الغش في البيع والاختبارات نوع من أنواع الشرك الأكبر، لحديث: (من غشنا فليس منا)؟
الجواب
الغش ليس شركًا أكبر؛ لأن قوله ﷺ: (فليس منا) ليس قصده به أنه لا يكون مسلمًا، وقد وردت أحاديث كثيرة فيها نفي الإيمان، مثل قوله: (لا يؤمن) و(ليس منا) ولكن لا يقصد بها التكفير، وإنما يقصد بها بيان تحريم هذا الأمر، ولهذا فإن الرجل الذي وجده النبي ﷺ قد وضع الجيد من الطعام في الأعلى الذي أصابه البلل في الأسفل لم يستتبه النبي ﷺ، ولم يرتب عليه أحكام الكفر.
[ ٢ / ٣٣ ]