لقد جاءت نصوص الوحيين بإرساء قواعد التوحيد وإبطال الشرك بأدلة متنوعة تفيد القطع ببطلان عبادة ما عبد من دون الله تعالى، وتأكيد لإبطال الشرك جاءت النصوص بمنع كل الأسباب والوسائل الموصلة إليه، كالغلو في الصالحين، وفي قبورهم، وكالتطير والتشاؤم، ونحو ذلك، في جملة من المسائل الخطيرة التي ينبغي للمسلم أن يكون على بينة فيها.
[ ٣ / ١ ]
إثبات التوحيد وإبطال الشرك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الشرك قد أبطله الله ﷿ في القرآن، وأثبت الله ﷾ توحيد الألوهية بالطرق المقنعة التي تخاطب العقل وتخاطب فطرة الإنسان.
ويمكن أن نحصر الأدلة التي جاءت لإثبات توحيد الألوهية وإبطال الشرك في نوعين: النوع الأول: أدلة جاءت بإثبات التوحيد بذكر استحقاق الله ﷾ للعبادة.
والنوع الثاني: إثبات التوحيد عن طريق إبطال الشرك.
فتوحيد الألوهية -وهو إفراد الله ﷾ بالعبادة- بينه الله ﷾ في القرآن بيانًا كافيًا وشافيًا وواضحًا.
وقد استدل بالأدلة العقلية على إثبات توحيد الألوهية وعلى إبطال الشرك، فإذا سئلت: ما هو الدليل على توحيد الألوهية وإفراد الله ﷿ بالعبادة؟ فإنه يمكنك أن تجعل الدليل على إفراد الله ﷿ بالعبادة وتوحيد الألوهية على نوعين: النوع الأول: إثبات التفرد باستحقاق الله ﷾ للعبادة، فأنت تثبت في هذه الزاوية أن الله ﷾ متفرد في كونه هو المستحق وحده للعبادة دون غيره، وقد استخدم في هذا النوع صور متعددة في إثبات هذا المطلب المهم من مطالب توحيد الألوهية.
النوع الثاني: في إثبات توحيد الألوهية: إبطال الشرك، فإبطال الشرك يستلزم إثبات التوحيد ولا بد؛ لأنه إذا أبطل الله ﷿ معبودات المشركين مثل الأصنام أو الأولياء أو الأنبياء أو الملائكة أو الجن أو غيرهم، إذا أبطل الله ﷿ عبادة هؤلاء؛ فإن هذا يدل بالتضمن على إفراد الله ﷾ بالعبادة؛ لأنه هو وحده ﷾ المستحق للعبادة.
ولهذا سنذكر مجموعة من الأبواب التي ذكرها الشيخ في مجال إبطال شرك المشركين، فهو لم يتعرض -﵀- بالتفصيل لإثبات إفراد الله ﷿ بالعبادة، أو لإثبات إفراد استحقاق الله ﷾ للعبادة، لم يتعرض لهذه القضية بالتفصيل، لكنه تعرض لقضية بالغة الأهمية، وهي إبطال الشرك، وإبطال الشرك يستلزم إفراد الله ﷾ بالعبادة.
وسنلحظ أن الأدلة التي ذكرها الشيخ مما جاء في القرآن أدلة تخاطب العقل، وهذا يدل على أن القرآن مليء بالأدلة العقلية.
وهذه قضية مهمة جدًا ينبغي أن نتنبه لها وأن نعتني بها، وهي أن القرآن الكريم هو كلام الله ﷾، والله ﷿ هو الذي خلق الإنسان، وهو العليم به، كما قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فهو ﷾ أعلم بحال العبد وبطبيعة العبد وبما يصلح العبد، ولذا أورد الأدلة المقنعة على أن الله ﷾ واحد في ربوبيته، وعلى أنه واحد في ألوهيته، وعلى أنه واحد في أسمائه وصفاته ﷾.
وجاء بالأدلة العقلية -أيضًا- في القرآن على النبوات، وجاء بالأدلة العقلية على البعث والنشور.
فالقرآن مليء بالأدلة العقلية التي تدل على هذه المحاور المهمة في العقائد، فالأدلة العقلية القرآنية الموجودة في القرآن تدل على التوحيد، وتدل على النبوات، وتدل على المعاد، وهذه الأمور الثلاثة هي أصول العقائد.
[ ٣ / ٢ ]
إثبات توحيد الألوهية بالأدلة العقلية
أما مسألة إثبات توحيد الألوهية بالأدلة العقلية وأن الله ﷿ هو وحده المتفرد باستحقاق العبادة فقد جاء ذلك من خلال دلالتين: الدلالة الأولى: دلالة الربوبية على الألوهية.
والدلالة الثانية: دلالة الكمال والأسماء الحسنى والصفات العليا على توحيد الألوهية.
أما النوع الأول -وهو الاستدلال بتوحيد الربوبية على كونه إلهًا- فهو واضح جدًا، وهو أن الله ﷿ هو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت وحده، وأنه ﷾ مالك لكل شيء، وأنه المدبر لكل شيء، فهذا هو المستحق أن يعبد.
ولو عرضت على عقلك قولك: هل المستحق للعبادة والتعظيم هو الذي يدبر ويخلق ويرزق والذي بيده كل شيء، أم الفقير المسكين الذي ليس بيده شيء؟ فإنك ستقول حالًا: المستحق للعبادة هو هذا الموصوف بهذه الصفات العظيمة، والذي له الربوبية، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، ويقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]، فاستدل بكونه الخالق على كونه هو المعبود ﷾، ولهذا أدلة نماذج كثيرة غير هذه الأدلة.
النوع الثاني: دلالة الكمال، فكونه كونه ﷾ هو المتفرد بالكمال يدل على أنه هو المستحق وحده للعبادة دون شريك، وأوضح ما يدل على ذلك آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهو سبحانه يذكر صفاته، وأنه هو وحده المستحق للعبادة، ولهذا كانت أعظم آية في كتاب الله.
[ ٣ / ٣ ]
إبطال الشرك
أما إبطال الشرك فجاء من طريقين: الطريقة الأولى: تجريد الشركاء والآلهة المعبودة من دون الله من صفات الربوبية، وهذا الإبطال عكس لذاك الإثبات، فعندنا موضوع إثبات استحقاق الله ﷿ للعبادة، وهذا الموضوع الاستدلال بتوحيد الربوبية على أن الله هو المستحق للعبادة.
وأما في موضوع الإبطال فإننا نجد الشركاء ليسوا أربابًا، فهذا يدل على بطلان كونهم آلهة.
والاستدلال الثاني هو الاستدلال بكون الله ﷿ هو الكامل كمالًا مطلقًا، والاستدلال بتوحيد الأسماء والصفات على كونه منفردًا بالألوهية والعبودية، فيستدل بعكسه على إبطال الشرك، فنقول: كون الآلهة ناقصة وعاجزة وليس لها صفات الكمال يدل على أن عبادتها باطلة.
قال المؤلف ﵀: [باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩١ - ١٩٢]].
وجعلها عنوانًا للباب ليبين أن الآلهة التي تعبد من دون الله آلهة باطلة لا تستحق العبادة.
والدليل على أنها لا تستحق العبادة هو قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ [الأعراف:١٩١] فهم -أولًا- لا يخلقون شيئًا.
ثانيًا: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف:١٩١] فكيف يُعبد المخلوق والمخلوق لا يُعَبد؟! ثالثًا: ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف:١٩٢] فهذه الآلهة لا تستطيع أن تنصر من يعبدها إذا نزل به البلاد.
رابعًا: ﴿وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٢]، فهذه الآلهة لا تنصر نفسها، فهي لا تملك أسس استحقاق العبادة، وهي الملك المطلق، والتدبير المطلق، فهذه الآلهة ليست آلهة مستحقة للعبادة بل هي آلهة باطلة، ودليل البطلان في قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٩١] فهذا استفهام إنكاري يتضمن النفي، يعني: لا يصح أن يشركوا.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٢] يعني: لو أنها دمرت فإنها لا تستطيع أن تواجه من يدمرها، ولهذا كسرها إبراهيم ﵇ وعلق الفاسق على الصنم الكبير، فلما جاءوا إليه قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال: بل فعله كبيرهم هذا.
ثم قال لهم: اسألوهم إن كانوا ينطقون.
يعني: كيف تكون آلهة وهي لا تستطيع أن تدفع الضر عن نفسها، وإذا كانت لا تستطيع أن تدفع الضر عن نفسها فمن باب أولى ألا تستطيع أن تجلبه لغيرها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]].
هذه الآية تدل على بطلان الشرك بنفس الطريقة السابقة التي ذكرناها، حيث يخاطب الله ﷿ المشركين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] فنفى عنهم الملك، والقطمير: اللفافة التي تكون على النواة، وليس المقصود بالملك المنفي هنا ملك اليد، بل المقصود أنهم لا يستطيعون خلقها وتدبيرها وملكها الدائم، وإنما هو ملك ناقص غير تام، وجاء بكلمة (قطمير) ليبين أقل أنواع الملك.
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، وهذا هو الوصف الثاني الذي يدل على نقصان هذه الآلهة، وهي أنها لا تسمع الدعاء، ولهذا يخبر الله ﷿ عن إبراهيم في قوله لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] يعني: كيف تعبد ما لا يسمع؟! إله لا يسمع، وإله لا يبصر، وإله لا يغني عنك شيئًا، كيف تعبده؟! وهذا يدل على أن الإله إذا كان موصوفًا بالنقص فإنه لا يكون إلهًا حقيقيًا صحيحًا.
وكل من يعبد غير الله ﷿ فهو في ضلال، فالذين يأتون إلى أصحاب القبور ويدعونهم من دون الله تستطيع بكل يسر بطريق عقلي صحيح أن تبطل عبادتهم، فتقول: يا فلان! هذا الإنسان لو كان ينفع ويضر لأغنى عن نفسه شيئًا، ولم يمت، فكيف تعبده وقد مات؟! ولهذا كان أغبى أنواع العبادات عبادة الموتى، وعبادة الأحياء الذين لديهم سلطان ولديهم قدرات قد تكون أقرب إلى العقل مع كونها فاسدة، ولكن صاحبها أخف شأنًا من الذي يعبد ميتًا لا يغني عن نفسه، ولو كان يغني شيئًا لدفع الموت عن نفسه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤].
وهذا يسمونه التنزل في الخطاب، فهم لن يسمعوا، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤] والهدف منه إثبات عدم استجابتهم.
قال تعالى: (
[ ٣ / ٤ ]
بطلان الشرك بالنبي ومن دونه
قال المؤلف ﵀: [وفي الصحيح عن أنس ﵁ قال: (شج النبي ﷺ يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨])].
قوله: [وفي الصحيح] يعني: في صحيح البخاري.
وقوله: [شج النبي ﷺ] الشجة: هي الضربة في الوجه.
[وكسرت رباعيته] هما السنان اللذان يكونان في بداية الفم بعد الثنايا.
فقال: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]) والأمر: الخلق والثواب والعقاب، فليس للنبي ﷺ شيء من ذلك.
ووجه الدلالة من هذا الحديث في بطلان الشرك: أن النبي ﷺ مع فضله ومكانته عند ربه ليس له من أمر العبودية والخلق والتدبير وشئون الإلهية شيء، فإذا كان ﵊ هذا شأنه، وهو من أفضل الخلق فغيره من باب أولى.
فهذا يدل على بطلان عبادة من عبد النبي ﷺ، أو من عبد غيره وهو أنقص من النبي ﷺ قدرًا، وليس له من الأمر شيء من باب أولى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفيه عن ابن عمر ﵄: (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانًا وفلانًا بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]).
وفي رواية: (يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨])].
ووجه الدلالة من هذا الحديث هو نفسه وجه الدلالة السابقة، وهي قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، فالنبي ﷺ مع فضله ومكانته عند ربه ليس له من أمر الألوهية والثواب والعقاب والتدبير والخلق والربوبية شيء، ولهذا سيأتي معنا من أسباب الشرك الغلو، وهو رفع الإنسان فوق مرتبته، أو محاولة إيصاله إلى درجة الألوهية، ولهذا يقول الله ﷿ للنبي ﷺ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]، فليس له من شأن التدبير أي شيء.
فإن قيل: أيهما سبب النزول الأول أو الثاني؟ ف
الجواب
أن بعض الآيات قد يرد في سبب نزولها سببان، بحيث تنزل الآية بعد السببين جميعًا، فتحكى على أنها سبب للأول وعلى أنها سبب للثاني، ولا مانع من ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: (قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] قال: يا معشر قريش -أو كلمة نحوها-! اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ! لا أغني عنكِ من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئتِ، لا أغني عنكِ من الله شيئًا)].
هذا الحديث وجه الدلالة منه بيان إبطال الشرك؛ فإن النبي ﷺ غلا فيه بعض الناس حتى أوصلوه إلى درجة الألوهية فعبدوه من دون الله.
وهذا الحديث يدل على بطلان عبادة النبي ﷺ، ويدل على بطلان عبادة غيره من باب أولى، حيث قال ﵊: يا فلان، يا عباس، ويا صفية، (يا فاطمة! سليني من مالي ما شئتِ لا أغني عنكِ من الله شيئًا) وهذا يدل على بطلان من يطلب الشفاعة من النبي ﷺ الآن، وسيأتي معنا في شبهات القبوريين أنهم يقولون: نحن نطلب من النبي ﷺ الشفاعة، فنحن نعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يخلق ولا يرزق، ولكن نطلب منه الشفاعة، ونحن نقول لهؤلاء: إن الشفاعة لا يملكها النبي ﷺ؛ لأن الشفاعة لله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤].
فهي ملك لله ﷾، ولا يملكها النبي ﷺ في حياته، ولا في فترة البرزخ، وإنما يعطيه الله ﷿ إياها يوم القيامة، بعد أن يأتي ويسجد بين يدي ربه، ويدعو الله ﷿ فيقال له: سل تعطه، واشفع تشفع.
فإذا قال له الله ﷿: (سل تعطه واشفع تشفع) فحينئذ يكون الله ﷿ قد أذن له فيها، أما الآن فلا يصح أن تطلب من النبي ﷺ، فهي داخلة في قوله: (لا أغني عنك من الله شيئًا) فهو لا يملك شيئًا، ولا ينفع أحدًا ولا يضره، ولا يدخل أحدًا الجنة، ولا يخرج أحدًا من النار
[ ٣ / ٥ ]
بطلان الشرك بالملائكة ومن دونهم
قال المؤلف ﵀: [باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]].
هذه الآية تدل -أيضًا- على بطلان الشرك، ووجه الدلالة منها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣] فالضمير هنا يرجع إلى الملائكة، ومن فسر الآية بأنها في عموم الناس فهو مخطئ؛ لأن الحديث الذي سيأتي بعده يدل على ذلك دلالة قاطعة.
فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣] يعني: إذا ذهب عنهم الفزع.
﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ:٢٣] يعني: عندما يتكلم الله ﷾ - كما سيأتي معنا في الحديث - يفزع الملائكة ويخافون، فإذا ذهب عنهم الفزع ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣].
ففي الآية إبطال عبادة الملائكة، فالملائكة مع فضلهم ومكانتهم ومع كونهم يعبدون الله ﷿ لا يفترون، ومع كونهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، مع هذه الخصائص جميعًا لا يستحقون العبادة؛ لأنهم يخافون، والإله لا يخاف.
ونلحظ منذ أن بدأنا في الباب الأول إبطال عبادة الأصنام، وإبطال عبادة النبي ﷺ، وإبطال عبادة الملائكة، وهكذا بهذه الطريقة.
وإذا بطلت عبادة الرسول ﷺ فالأولياء من باب أولى ألا يعبدوا من دون الله، وإذا بطلت عبادة الملائكة فالجن وغيرهم من الناس من باب أولى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض -وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟! فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء)].
هذا الحديث يدل على نفس المعنى الذي سبق أن أشرنا إليه، فهو يدل على أن الملائكة لا تستحق العبادة؛ لأنها تخاف، كما ورد في هذا الحديث، والإله لا يخاف، وبناءً على هذا لا تستحق أن تعبد من دون الله ﷾.
وقوله: (كأنه سلسلة على صفوان) الصفوان: هو الحجر الصلب، والسلسلة معروفة، والتشبيه في قوله: (كأنه) المقصود به أن الخوف الذي لحقهم من سماعهم لكلام الله كالخوف الذي سيلحقهم عندما يسمعون السلسلة تجر على صفوان لقوة الصوت الذي يخرج منها، وليس المقصود تشبيه صفة الكلام بصوت السلسلة التي تجر على الحجر.
قال المؤلف ﵀: [وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة - أو قال: رعدة- شديدة خوفًا من الله ﷿، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صُعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير.
فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله ﷿)].
هذا الحديث فيه ضعف من ناحية إسناده، رواه ابن أبي عاصم في السنة والآجري في الشريعة، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، وفي إسناده نعيم بن حماد وهو ضعيف، وكذلك في إسناده الوليد بن مسلم، وهو مدلس، لكن هذا الحديث يشهد له الحديث السابق الذي في صحيح البخاري، ومعناهما واحد.
ووجه الدلالة منهما في إبطال الشرك هو أن الملائكة مع فضلها لا تستحق العبادة من دون الله ﷾ أو مع الله؛ لأنها موصوفة بالنقص في مقابل كمال الألوهية، فهي تخاف كما هو ظاهر في هذا الحديث والآية، والإله لا يمكن أن يخاف أبدًا.
[ ٣ / ٦ ]
باب قول الله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت) ودلالته على بطلان الشرك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦].
وفي الصحيح عن أبي المسيب عن أبيه قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال له: يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ: لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك، فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣].
وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦])].
هذا الباب عقده المصنف رحمه الله تعالى لبيان بطلان الشرك أيضًا، فهو يريد أن يبين أن النبي ﷺ لا يستحق العبادة مع الله ﷾، أو من دون الله، والسبب في كونه لا يستحق ذلك أنه مع شدة محبته لعمه وعظم منزلة عمه عنده لم يستطع هدايته، أي: هداية التوفيق والإلهام.
فهداية تصريف القلوب بيد الله، وليست بيد الخلق، والذي يستطيعه النبي ﷺ من الهداية هو هداية الدلالة والإرشاد، فالهداية تنقسم إلى قسمين: هداية الدلالة والإرشاد، وهذا أمر يقدر عليه النبي ﷺ، وهو الذي أثبته الله ﷿ له بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
وأما النوع الثاني من الهداية فهو هداية التوفيق والإلهام، وهذه تتعلق بتصريف قلوب العباد، ولا يقدر عليها النبي ﷺ، وهي المعنية بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦].
فالنبي ﷺ لا يملك تصريف قلوب العباد، فإذا كان النبي ﷺ مع فضله ومكانته ومنزلته لم يستطع أن يهدي عمه أبا طالب مع حرصه على هدايته ومع اجتهاده في ذلك ومع محبته لهدايته، فإن هذا يدل على أنه ليس إلهًا ولا يستحق أن يعبد من دون الله ﷾، ولهذا فإن مقام الألوهية لا يصح أن يرفع إليه أي أحد مهما بلغ عندنا من المحبة والتعظيم والمكانة والمنزلة.
وهنا مشكلة أحب أن أنبه عليها، وهي أن كثيرًا من الناس عندما يسمع منا القول بأن النبي ﷺ لا يستحق العبادة من دون الله، أو عندما يسمع أننا نقول -مثلًا-: إن النبي ﷺ لا يعبد من دون الله، أو لا يملك تصريف قلوب العباد، يظن أن في هذا قدحًا في النبي ﷺ، وهذا خطأ كبير جدًا، فهذا ليس فيه قدح في النبي ﷺ، بل هذا إنزاله منزلته التي أنزله الله ﷿ إياها، بل إن رفعه إلى درجة الألوهية هو القدح في الرب ﷾ الذي هو أعظم من النبي ﷺ.
وكثير من الناس لا يضبط موضوع محبة النبي ومحبة الولي ومحبة الصالح، فإذا رآك تقد جعل المخلوق -سواء أكان وليًا أم نبيًا أم صالحًا- في مصاف الألوهية يظن أنك تبغضه، وهذا فهم فاسد ليس بصحيح، فلا يعني كون الإنسان لم يوصل النبي ﷺ إلى درجة الألوهية أنه مبغض أو أنه محتقر أو أنه منتقص للنبي ﷺ، بل هذه أمور يشغب بها أهل البدع ويشغب بها القبوريون على أهل التوحيد، ويظنون أن ذلك مسوغ لعبادة الأولياء وعبادة الصالحين، أعاذنا الله وإياكم من الشرك.
فهدف الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀- عندما عقد هذا الباب هو بيان بطلان عبادة النبي ﷺ، وقد عبد النبي ﷺ كثير من الناس اليوم، فكثير من الناس يستغيثون به ويطلبون منه مغفرة الذنوب وكشف الكروب، ولهذا يقول البوصيري: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم وهناك قصائد كثيرة جدًا لكثير من شعراء الصوفية يستغيثون فيها به ويطلبون منه مغفرة الذنوب وكشف الكروب التي لا تطلب إلا من الله ﷾.
فأراد الشيخ أن يبين أن النبي ﷺ لم يملك هداية عمه أبي طالب، فكيف يعبد من دون الله؟! وهناك مسائل كثيرة تتعلق بشرح هذا الحديث، لكن ليست هي موضوعنا، وليست على شرطنا في شرحنا لهذا الكتاب.
[ ٣ / ٧ ]
الحكم على الكافر أنه في النار إذا مات على كفره
هنا مسألة، وهي: هل يجوز أن يحكم على الكافر إذا مات على الكفر بأنه في النار، كأن يقال: إن أبا طالب في النار؟ هذه المسألة مسألة عقدية، ولكنها ليست مرتبطة بتوحيد الألوهية بشكل مباشر، والصحيح أن الكافر إذا مات على الكفر وتيقن الإنسان موته على الكفر؛ فإنه يحكم له بأنه في النار، وعليه فإن أبا طالب في النار قطعًا، ولهذا أخبر النبي ﷺ بأنه في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه، أعاذنا الله وإياكم من النار.
[ ٣ / ٨ ]
أسباب موصلة إلى الشرك
هناك جملة أسباب توصل إلى الشرك، ومنها: أولًا: الغلو.
ثانيًا: التطير.
ثالثًا: التصوير.
فهذه كلها من الأسباب التي توصل إلى الشرك، ولكن هل يعني كونها أسبابًا أنها ليست شركًا؟
و
الجواب
لا، بل هي من الشرك الأصغر، ولهذا سبق أن ضبطنا الشرك الأصغر بأن منه الأسباب والوسائل والطرق والذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر، فكل سبب موصل إلى الشرك الأكبر يعتبر من الشرك الأصغر، إلا أنه في بعض الأحيان قد يتطور الحال بالأمر الذي هو شرك أصغر فيصبح شركًا أكبر، مثل الغلو.
الغلو كلمة عامة، وكثير من حالات الغلو قد يُصنف في الشرك الأصغر، مثل التعظيم غير المنضبط، أو الصلاة في أماكن قبور الصالحين، فهذا من الغلو، لكنه من الشرك الأصغر.
وأحيانًا قد يوصل الغلو إلى الشرك الأكبر، فقد يدفعه الغلو إلى صرف العبادة للمخلوق من دون الله، فيكون شركًا أكبر مع أنه من الغلو أيضًا.
[ ٣ / ٩ ]
الغلو في الصالحين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.
وقول الله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١]].
هذه الآية تدل على أن الغلو سبب من أسباب الشرك، ولهذا نهى الله ﷿ أهل الكتاب عن الغلو في الدين؛ لأن الغلو في الدين عندهم هو الذي جعل النصارى يعبدون المسيح ويقولون: إنه ابن الله، وهو الذي جعل اليهود يعتبرون عزيرًا ابن الله أيضًا.
والغلو: هو مجاوزة الحد والمبالغة في الإطراء والمدح والثناء، وقد يكون الغلو قولًا، وقد يكون الغلو فعلًا، وقد يكون الغلو اعتقادًا.
فمن الغلو القولي إطراء النبي ﷺ أو غيره من الصالحين إلى درجة التعظيم، وإلى درجة تقرب من مقام الألوهية، كالذي يقول مثلًا: إن الصلاة بجوار قبر الولي مثل الصلاة في الحرم، أو مثل الصلاة في المسجد الأقصى، أو مثل الصلاة في المسجد النبوي، وهذا كلام باطل، وهو من الغلو، وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه ليس فيه صرف للعبادة لغير الله ﷿.
ومن الغلو: طلب الدعاء من الأموات، وهناك فرق بين طلب الأموات، وطلب الدعاء من الأموات، فطلب الأموات هو أن يأتي شخص إلى الميت ويقول: اغفر لي ذنبي أيها الميت، ويدعوه من دون الله، وهذا شرك أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله، والعبادة التي صرفها لغير الله هي الدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، وهكذا.
أما طلب الدعاء من الأموات فهو أن يأتي إلى الميت ويقول: يا فلان! ادع الله أن يغفر ذنبي، فيطلب من الميت أن يدعو الله له، وهذا ليس من الشرك الأكبر؛ لأنه ليس فيه عبادة مصروفة لغير الله، بل هو من الشرك الأصغر، وهو من الذرائع الموصلة إلى الشرك الأكبر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن: انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت].
هذه الآية تدل على أن الغلو في الصالحين سبب من الأسباب التي توصل إلى الشرك، فهؤلاء الذين عبدوا ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا في البداية لم يقعوا هؤلاء في الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام.
لكن الأمر الذي وقعوا فيه هو الغلو، وهو أنهم صوروا على أشكالهم تماثيل ووضعوها في الأماكن العامة، وقالوا: إنكم إذا رأيتم هذه الصور تذكرتم هؤلاء الصالحين وكيفية عبادتهم لله، فتدفعكم للعبادة، وهذا غلو؛ لأن الإنسان لا يصح له أن يتذكر بهذه الطريقة المبتدعة، وهو أن يتخذ صورًا يعلقها وأصنامًا يصنعها لتذكره، وإنما يتذكر من كتاب الله، ويتذكر من أخبار الأنبياء، ويتذكر عظمة الله ﷿، وينظر في ملكوت السماوات والأرض، كل ذلك من وسائل الذكرى، وليس من وسائل الذكرى هذا العمل الذي قاموا به.
ولم تعبد في بداية الأمر، بل حين إذا هلك ذلك الجيل وجاء جيل آخر ونُسِيَ العلم، وفي لفظ: (نُسِخُ) بمعنى: محُيَ وقَلَّ وتناقص قليلًا قليلًا حتى زال بالكلية.
فجاءهم الشيطان مرة أخرى -وهذه خطوات الشيطان- وقال لهم: انصبوا على أشكالهم صورًا حتى تذكركم بالعبادة، فلما نُسِيَ العلم جاء إلى الجيل الذي بعد وقال: إن آباءكم كانوا يأتون إليها فيسترزقون بها فترزقهم، ويستنصرون بها فتنصرهم، ويستسقون بها فتسقيهم، فعبدوها من دون الله ﷾.
والأمران غلو، فحال الأوائل الذين وضعوا هذه الأصنام حتى تذكرهم غلو، ولكنه غلو لا يصل إلى الكفر الأكبر.
والجيل الذي جاء بعد نسيان العلم كانت عبادتهم لهم من دون الله غلوًا أيضًا، لكنه من الشرك الأكبر، وهذه قضية مهمة تدل على أن الشيء أحيانًا قد يبدأ صغيرًا ثم يتطور حتى يصبح أمرًا كبيرًا وخطيرًا.
كإنسان -مثلًا- رأى امرأة من بعيد، ثم اقترب منها وحاول أن يقنع نفسه بأنه يريد أن يدلها على طريق، فهذه درجة ربما تلحقها درجة أخرى، كأن يتكلم معها فيما لا داعي إليه، وربما تلحقها درجة أخرى، وهي أن يتعرف عليها، وربما تلحقها درجة أخرى، وهي أن يقع في الفاحشة معها، والعياذ بالله.
وهكذا تبدأ الأمور بهذه الطريقة، وهذه هي القاعدة التي سبق أن بينت، وهي قاعدة سد الذرائع، ولهذا لا يجوز الاختلاط، ولا يجوز أن تكون مدارس البنات قريبة من مدارس الأولاد مثلًا؛ لأن هذا ذريعة ووسيلة إلى الزنا والعياذ بالله، ولأنه عندما تخرج الفتاة من هذا الباب ويخرج الشاب من هذا الباب يراها وتراه، وقد لا يكون في اليوم الأول مشكلة، وفي اليوم الثاني يأتي الشيطان إلى كل واحد منهما، وفي اليوم الثالث يحصل شيء آخر، ويترقى الأمر مع الأيام حتى يصل إلى درجة لا تحمد عقباها.
ولهذا ينهى أهل العلم دائمًا عن الذرائع التي توصل إلى الأخطاء، والتي توصل إلى المش
[ ٣ / ١٠ ]
الغلو في قبور الصالحين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله.
روى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم لا تجعلي قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)].
اتخاذ القبور مساجد سبق أن أشرنا إليه، وهو الصلاة عندها واتخاذها مكانًا للتعبد، أو دفن الصالحين أو العظماء في المساجد، بحيث تصبح المساجد مثل المقابر، وكل هذا لا يصح، وهو من الغلو في الصالحين الذي يوصل إلى عبادتهم.
وصحيح أنه ليس عبادة للصالحين، ولكنه يوصل إلى عبادتهم، وهو وسيلة وذريعة من ذرائع الشرك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ ابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره].
اللات هو رجل كان يَلُتُّ السويق للحُجَّاج، فمات فعظموه وعكفوا على قبره، ثم عبدوه في آخر الأمر من دون الله كما حصل في قوم نوح.
ومن أمثلة الغلو: البناء على المقابر واتخاذ القباب عليها، وهذا مما ابتلي به كثير من بلاد المسلمين مع الأسف، بحيث تمر أحيانًا بمقبرة في بلد من بلاد المسلمين فتظن أنك في حي فيه بيوت كاملة، وإذا هي مقبرة لها باب، ويجتمعون عند القبر، وقد يدعون الله ﷿ عند صاحب القبر حتى يكون هذا أدعى في الإجابة، وكل ذلك من وسائل الشرك، وهو من اتخاذ القبور مساجد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج.
وعن ابن عباس قال: (لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)].
المراد بالمتخذين عليها المساجد أن يأتي شخص إلى قبر رجل صالح ويبني عليه مسجدًا للعبادة، وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذا من وسائل الشرك.
والسرج إنارة القبور، وما زال الناس -مع الأسف- يخترعون أنواعًا متعددة من المبالغات الغريبة عند قبور الصالحين، مثل بناء القباب عليها، ومثل وضع صناديق للنذور عندها، بل وصل الحال في بعض البلاد إلى أن جُعِل لها نظام خاص تابع للأوقاف، فالأوقاف تشرف على المساجد وتشرف على المقابر أيضًا، بحيث إن زوار المقابر يكون لهم طريقة معينة في زيارتها، وإذا كان عندهم صدقات تأخذها وزارة الأوقاف وتعتني بها عناية غير عادية، مع أن المقابر لم يكن يُعَملُ لها هكذا في زمن النبي ﷺ وأصحابه.
وسيأتي معنا أن علي بن أبي طالب أرسل أبا الهياج الأسدي على ما أرسله عليه النبي ﷺ، ومن وظائف هذا الإرسال ألا يجد قبرًا مشرفًا إلا سواه.
أي: لا يكون القبر مرتفعًا، فكيف ببناء والمساجد والقباب عليها؟! فهذا الباب كله يتعلق بموضوع الغلو في الصالحين، والغلو في الصالحين وسيلة من وسائل الشرك، وهو مثل الباب الذي قبله.
[ ٣ / ١١ ]
التطير والتشاؤم
التطير معناه: التشاؤم بالطير، وقد كانت هذه عادة من عادات الجاهليين؛ أي: أنهم يتشاءمون بالطير، فإذا أراد أحدهم السفر فاعترض له نوع من أنواع الطير فإنه يرجع من سفره؛ لأنه يظن أن وجود هذا الطير في هذا الطريق علامة على أنه سيقع له في سفره مكروه، وقد يتفاءلون بالطير.
وموضوع التطير يدخل في موضوع التشاؤم بما ليس عليه دليل، فهو من الوهم، ليس له حقيقة، وسمي تطيرًا لأن أكثر أنواع التشاؤم عند العرب كان بالطيور، وبعض الناس اليوم قد يتشاءم بالرؤى والأحلام، وبعض الناس قد يتشاءم بالأشخاص، كأن يرى -مثلًا- رجلًا أعور، ففي الحال تنقلب الدنيا في وجهه، ويحصل له تعب نفسي، وربما يترك العمل، وربما يترتب على ذلك أمور كبيرة.
وبعض الناس يتشاءم بالألوان، فيتشاءم من اللون الأسود، أو يتشاءم من اللون الأحمر، وبعض النساء تتشاءم من بعض الصفات أو الأشكال.
إذًا: التشاؤم كله وسيلة من وسائل الشرك؛ لأن التشاؤم ضعف في التوكل واعتماد على الوهم، وقد يتطور إلى اتخاذ أسباب ليست بأسباب حقيقة شرعًا ولا قدرًا، فتشبه حالته حالة أصحاب التمائم والرقى الشركية والتبرك ونحو ذلك.
فالمتشائم عندما يتشاءم من اللون الأحمر قد يسبب له هذا ردة فعل في بعض التصرفات، فبعض النساء تدخل مدرسة من المدارس فترى -مثلًا- في الفصل لونًا معينًا فإذا بها تترك المدرسة وتنتقل إلى مدرسة أخرى مثلًا.
وأنواع التشاؤم لا يمكن حصرها، فكلٌ عنده خرافة معينة، فقد يتشاءم بشكل معين أو بوضع معين.
وأساسها - كما قلت - هو ضعف التوكل وعدم الاعتماد على الله ﷾، وعدم وضع الأسباب الشرعية والطبيعية في أماكنها الصحيحة، واتخاذ سبب وهو ليس بسبب، مثل أصحاب الخيوط، حيث يضع أحدهم خيطًا في يده ويظن أن هذا الخيط سيرفع عنه الحمى التي يشعر بها، وهذا يدل على ضعف التوكل عنده؛ لأنه اعتمد على هذا الخيط، مثل التشاؤم الذي يرد الإنسان عن مطلوبه بسبب من الأسباب، وهذا السبب ليس سببًا حقيقيًا، بل هو سبب وهمي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في التطير.
وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٣١]].
وجه الدلالة من هذه الآية هو أن الله ﷿ ذم التطير، فأخبر أن طائرهم عند الله، أن أسبابهم وحوائجهم عند الله ليست معلقة بالطيور ولا معلقة بالأشجار ولا معلقة بالألوان، فهذا فيه ذم للتطير الذي كان عند الجاهليين.
ووجه الدلالة الثاني أن التطير خصلة من خصال الكافرين، ولهذا كانوا يتشاءمون بالطيور وغيرها.
قال المؤلف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس:١٩]].
هذه الآية قبلها قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس:١٨] يعني أن المشركين يقولون للأنبياء: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس:١٨] أي: تشاءمنا بكم، وأصبحتم شؤمًا علينا ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس:١٨].
فقال لهم الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس:١٩] يعني: تشاؤمكم لكم وفيكم، وأنتم سبب الشؤم؛ لأن سبب الشؤم هو المعصية، أما وجود الرسل فليس شؤمًا، فالمعصية شؤم حقيقي دل عليه القرآن والسنة.
قال تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس:١٩] يعني: أبسبب أننا ذكرناكم تطيرتم بالوهم؟! ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٩].
فهذا يدل على ذم التطير أولًا، ويدل على أنه من خصال المشركين ثانيًا، ويدل على ضعف التوكل عندهم ثالثًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر)].
قوله: (لا عدوى) هي انتقال المرض من جسد إلى جسد آخر، فالنبي ﷺ يقول: (لا عدوى) يعني: العدوى لا تنتقل بنفسها وبذاتها، وإنما إذا أراد الله ﷿ انتقالها نقلها، وإن لم يرد فإنها بيد الله ﷾، وقد كانوا يرون أن العدوى نتيجة حتمية لانتقال المرض من شخص إلى شخص آخر، ولهذا فإن العرب في الجاهلية قد يرتبون القتال في بعض الأحيان على مثل هذه الأمور، فقد يكون لأحدهم إبل كثيرة جدًا، وآخر عنده بعير أجرب مثلًا، فيقاتلونه إذا جاء ببعيره الأجرب فأرسله في الجمال، وهذا لظنهم أن انتقال العدوى حتمي ولا بد.
ولا يصح أن يورد المريض على الصحيح؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك قال: (لا يردن ممرض على مصح) فلا يصح أن يرد المريض على المصح؛ لأنه ربما يتحقق السبب، لكن الاعتقاد الفاسد الذي كان عند الجاهليين هو أن هذا السبب منتقل حتمًا، فالنبي ﷺ يقول: (لا عدوى) يعني: لا عدوى تنتقل بنفسها (ولا طيرة) يعني: ولا تشاؤم؛ لأن الطير لم يعلق الشرع
[ ٣ / ١٢ ]
حسن الفأل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهما عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل، قالوا: يا رسول الله! وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة)].
الفأل عكس الطيرة، فالطيرة تشاؤم، والفأل أمر يدعو الإنسان إلى الإقبال على العمل.
فكأن النبي ﷺ جعل الفأل بدلًا من الطيرة، فإذا كان ولا بد فليكن الفأل، لأنه يدفعك إلى العمل، وهو الكلمة الطيبة.
فلو جاء اثنان عند مريض فبدأ بدأ يقول: فلان أصابه هذا المرض وهلك، وفلان من الناس أصابه هذا المرض وعمي، ويأتي بالأمور التي تخيف المريض، وقال كلمة طيبة حسنة خففت عن هذا المريض، فأيهما أفضل؟ لا شك في أن الكلمة الطيبة هي الأفضل، وهي التي تدفع الإنسان لبناء حياته بناء صحيحًا؛ لأن طبيعة النفس الاتجاه نحو التشاؤم أو التفاؤل.
فالتفاؤل أعظم من التشاؤم وأحسن منه وأفضل منه ولا بد، والتشاؤم يكون بحسب الحال، فقد يكون الشيء شؤمًا قدرًا أو شؤمًا شرعًا، والتفاؤل يبني النفس، والتشاؤم يحطم النفس، ومثال ذلك السرطان، فهو -في الغالب- مرض مميت، وهذا بقدر الله، وهو سبب من الأسباب، فهناك أمراض مميتة، وهناك أمراض غير مميتة، وأمراض يرجى برؤها، وأمراض لا يرجى برؤها.
فلو أن إنسانًا جاء عند مريض بالسرطان، وبدأ يعد له أسماء الذين ماتوا من السرطان، فإن هذا يدفعه إلى الانزعاج، وهو من التشاؤم، والتشاؤم بالسرطان معناه الانزعاج منه، وهو أمر ليس فيه إثم؛ لأن السرطان مرض مميت، وهو سبب من الأسباب القدرية، وليس وهمًا، وليس مثل الطير، فالطير ليس له أي أثر، فعندما يأتي طير فيقف هنا أو يقف هناك، فإن بعضهم إذا رآه وقف عن يمينه أخذ منه أنه سينجح في عمله، وإذا رآه وقف عن يساره قال: سأخفق في عملي، وهذا خطأ، ولذلك قال ﷺ: (يعجبني الفأل)؛ لأن الفأل يدفع الإنسان إلى العمل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولأبي داود بسند صحيح عن عروة بن عامر قال: (ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)].
إذًا: يمكن أن نقسم التشاؤم إلى قسمين: تشاؤم بأسباب طبيعية حقيقية.
وتشاؤم بأوهام.
فالذي يوصل إلى الشرك -أو هو سبب في الشرك- هو التشاؤم بالأوهام، وأما التشاؤم بالأسباب الطبيعية فهو موضوع هذا الحديث، يقول عقبة بن عامر: (ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ) يعني: التشاؤم بأسباب حقيقية فقال: (أحسنها الفأل) يعني أن التفاؤل وبناء الإنسان لنفسه أفضل من التشاؤم.
(ولا ترد مسلمًا) يعني: لا ترد مسلمًا عن أمر من الأمور التي يريدها مهما كان هذا التطير.
قال: (فإذا رأى أحدكم ما يكره) يعني: إذا رأى أمرًا يكرهه فليقل هذا الدعاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن ابن مسعود مرفوعًا: (الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)].
قوله: (الطيرة شرك) هذا نص صريح على أن التطير بالأوهام من الشرك، ويكون شركًا أكبر إذا ظن أن هذه الأوهام السببية حسب تصوره تفعل بذاتها، فهذا شرك أكبر.
وإذا اعتقد أنها لا تفعل بذاتها، بل هي من الأسباب وليست في حقيقتها أسبابًا شرعية ولا قدرية؛ فهذا من الشرك الأصغر.
وإذا وقع في نفس الإنسان شيء من التطير فإنه ينبغي أن يجتهد في تربية نفسه على التوكل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـ أحمد من حديث ابن عمرو: (ومن ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك)].
هذا ذكر آخر في التعوذ من الطيرة، وهي من الكفارات التي تكون للطيرة إذا خالطت النفس، وخطرت في البال.
ولهذا يقسم العلماء التشاؤم والطيرة إلى قسمين: قسم يرد الإنسان عن عمله، فهذا لا شك في أنه من الشرك.
وقسم هو حديث نفسي فقط، فهذا يذهبه الله ﷿ بالتوكل وبالأذكار.
[ ٣ / ١٣ ]