استنبط أهل العلم من حديث الشفاعة فوائد عظيمة، وما ذلك إلا لأن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم، فقد ثبت في هذا الحديث صفة الغضب لله ﷿، كما ظهرت فيه مكانة النبي ﷺ بين الرسل، وأن هؤلاء الرسل بشر قد يقعون في بعض الصغائر ويستغفرون الله منها، إلى غير ذلك من الفوائد المذكورة في كتب أهل العلم.
[ ٣٠ / ١ ]
من فوائد أحاديث الشفاعة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زلنا مع هذا الكتاب الجليل العظيم كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿ لإمام الأئمة ابن خزيمة وما زال الحديث عن مسألة الشفاعة.
فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أتي النبي ﷺ بلحم، فدفع إليه الذراع -وكان يعجبه- فنهش منه نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم ﵊، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كلماته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ﵊ فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك برسالاته وبتكليمه على الناس، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟، فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى بن مريم، فيأتون عيسى بن مريم فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟).
[ ٣٠ / ٢ ]
معنى قوله: (ونفخ فيك من روحه) وشبهة النصارى من ذلك والرد عليهم
سنتكلم على فوائد مهمة جدًا في هذا الحديث، أول هذه الفوائد: قول النبي ﷺ فيقولون: (يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده) فيه إثبات صفة اليد وقد تكلمنا عنها.
وقوله: (ونفخ فيك من روحه) (من) هذه يتمسك بها النصارى على أنها للتبعيض، ولذلك يقولون: إن عيسى ﵇ هو جزء من الله، ويستشهدون بحديث النبي ﷺ في الصحيحين: (من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) فيقولون: (من) هنا تبعيضية.
[ ٣٠ / ٣ ]
أقسام الإضافة إلى الله تعالى ومعناها
ومعنى قول النصارى: إن (من) تبعيضية: أن عيسى جزء من الله جل في علاه، وهذا خطأ فاحش إذ (من) هنا ليست تبعيضية، فالإضافة إلى الله جل في علاه إضافتان: أعيان، ومعان، فإن كانت إضافة معان فهي إضافة صفة إلى موصوف، فقولك مثلًا: كرم الله، هذه إضافة معنى، وليست عينًا قائمة تراها تمشي أمامك، فكرم الله إضافة صفة للموصوف، كذلك: قوة الله وعزة الله فإنها إضافة صفة للموصوف.
أما إضافة الأعيان فهي كقولك: الكعبة بيت الله، فالكعبة تراها أمامك عينًا قائمة، وإضافتها إلى الله إضافة تشريف؛ لأنها أعظم من أي بيت آخر، ومن أي مسجد آخر، كذلك ناقة الله فهي إضافة تشريف؛ لأن هذه الناقة فيها من المعجزات التي بين الله جل وعلا كما هو معلوم.
إذًا: فإضافة الأعيان إلى الله إضافة تشريف، وإضافة المعاني إلى الله إضافة صفة للموصوف.
فالروح عين من الأعيان وهي مضافة إلى الله إضافة تشريف، فهذه الروح قد خلقها الله وشكلها وأدخلها في آدم ﵇، فقوله: (منه) يعني: من عنده جل في علاه، وليس معنى ذلك أنها جزء منه، فهنا رد على النصارى الذين يقولون: بأن عيسى جزء من الله، فالروح من عند الله خلقها الله جل وعلا، وإضافتها إلى الله إضافة تشريف، ومثل ذلك: السماء والأرض والبحار والجبال فإنها ليست جزء من الله، وقد قال الله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] فإذا أقروا أن السماوات والأرضين والجبال والبحار ليست جزءًا من الله، وأن معنى قوله: «جَمِيعًا مِنْهُ» أي: من عنده، فأضيفت إلى الله إضافة تشريف، فكذلك عيسى إضافته إلى الله إضافة تشريف، وروح آدم خلقها الله من عنده وأضيفت إليه إضافة تشريف.
[ ٣٠ / ٤ ]
إثبات صفة الغضب لله تعالى
الفائدة الثانية: وهي مهمة جدًا، ففي قوله: (فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله)، إثبات صفة الغضب صفة ثابتة لله، وهي من صفات الأفعال المتجددة التي تتعلق بالمشيئة إن شاء غضب على فلان وإن شاء رضي عنه، وإن شاء عاقب فلانًا وإن شاء تاب عليه.
وقد ثبتت هذه الصفة بالكتاب وبالسنة وبالعقل.
أما ثبوت هذه الصفة لله في الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور:٩] فهذه الآيتان فيها إثبات لغضب الله جل في علاه.
أما من السنة فقد أثبت رسول الله ﷺ لربه هذه الصفة حيث قال بقوله: (إن الله كتب في كتابه عنده فوق العرش: رحمتي سبقت غضبي) فقد أضاف الغضب لله جل في علاه، فكل معنى يضاف إلى الله فهو إضافة صفة إلى موصوف.
أما ثبوت هذه الصفة بالعقل، فالعبد الذي تنتهك محارمه ولا يغضب لذلك ففي رجولته نقص، وليس من أصحاب المروءات، يقول الشافعي: من استغضب فلم يغضب فهو حمار يعني: أن من استغضبته ولم يغضب فقد ذهبت عنه المروءة والرجولة، فإذا كانت هذه الصفة نقص في حق الإنسان إن لم يتصف بها، فالله أولى أن ينزه عن هذا النقص، وهو ﷾ له الكمالات كلها، فإن كانت صفة الغضب عند مواطن الغضب كمالًا في الإنسان فمن باب أولى أن تكون كمالًا عند الله جل في علاه.
[ ٣٠ / ٥ ]
أسباب غضب الله تعالى
إذا قلنا: إن الغضب صفة من صفات الله، تتعلق بالأسباب والأحداث.
فما هي الأسباب التي تغضب الله جل في علاه؟
[ ٣٠ / ٦ ]
الكفر والشرك
إن أكبر وأعظم الأسباب التي تجر إلى غضب الله: الكفر بالله والشرك به، وأظلم الظلم أن يشرك العبد بربه جل في علاه، وأن يصرف العبد العبادة لغير الله، وهو الذي يستحق هذه العبادة، والدليل قوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤].
وقوله: عن الذين يقتلون الأنبياء ويكفرون بالله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة:٦١].
فهذه الآية أثبتت أن الله غضب عليهم، وقال الله تعالى عن قوم عاد: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف:٧٠]، فأمر الله نبيه أن يقول لهم: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف:٧١] وذلك لأنكم تسوون بين هذه الأسماء والأصنام وبين الله جل في علاه.
إذًا: فأكبر وأعظم الأسباب التي تستجلب غضب الله: الكفر بالله والشرك به، علم الإنسان أو لم يعلم، لأننا بينا أن الشرك بالله حتى ولو كان صغيرًا فإن الله لا يغفره فهو من أظلم الظلم.
[ ٣٠ / ٧ ]
قتل المؤمن بغير حق
أيضًا من الأسباب التي تستلزم غضب الله جل علاه: قتل المؤمن بغير حق، فإن دم المؤمن محترم وعظيم عند الله، وقد بينا أكثر من مرة موقوفًا ومرفوعًا أن ابن عباس كان يطوف بالكعبة ويقول: (أنت الكعبة شرفك الله وعظمك، وحرمة دم المسلم وعظمة دم المسلم عند الله أعظم منك وأشرف).
وكما في السنن بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (لو أن أهل السماوات وأهل الأرض اشتركوا في دم امرئ مسلم لأكبهم الله في النار) فإذًا: قتل أو سفك دم المؤمن بغير حق من أظلم الظلم الذي يستلزم غضب الله، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، فمن أسباب غضب الله جل في علاه التجرؤ على دم المؤمن المسلم إذ إن أولياء الله الصالحين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
[ ٣٠ / ٨ ]
اليمين الكاذبة
من أسباب غضب الله تعالى اليمين الكاذبة الفاجرة المنفقة للسلعة الممحقة للبركة، وأعظمها ظلمًا في اللعان، كما قال الله تعالى مبينًا حال المرأة التي لاعنها زوجها: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩] ولذلك فإن النبي ﷺ أوقفها وقال: (اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩]) فهذا يستلزم غضب الله.
فإذا اعتقد العبد الاعتقاد الجازم بأن الله يغضب، وأن غضب الله يتعلق بالأسباب، وأن غضب الله جل في علاه يستلزم الانتقام -كما سنبين- فإنه لن يتجرأ على حدود الله، ولا على أوامره.
فعلى العبد أن يخلص في توحيده لربه جل في علاه، وإذا اقتحم محارم الله وتعدى على إخوانه أو ظلم نفسه فعليه أن يستغفر ربه ويعود ويئوب، ويستحضر هذا الحديث العظيم: (رحمتي سبقت غضبي) فيتوسل إلى الله برحماته ألا يعاجله بالعقوبة، فإن الله يغضب، لكن لا يعاجل بالعقوبة، ورحمته وسعت كل شيء.
إذًا: فإذا فعل العبد ما يستلزم غضب ربه فعليه أن يسارع بالتوبة وبالأوبة وبالإنابة إلى الله جل في علاه، ولسان حاله يقول: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤].
[ ٣٠ / ٩ ]
عقيدة أهل البدع في صفة الغضب والرد عليهم
إن أهل البدعة والضلالة ألحدوا في هذه الصفة، ولم يتعبدوا لله بها، لذلك تراهم يحارون، مع أنهم لو اعتقدوا الاعتقاد الصحيح أن الله له الجلال والكمال، لما تعبوا ولا أتعبوا الناس، ولآمنوا بهذه الصفة، لكن حيرهم الشيطان فاحتاروا وضاعوا وضلوا وأضلوا، فقالوا: إن الله لا يغضب؛ لأنه لو غضب لكان له قلب يتغير ووجه يتمعر، والإنسان إذا غضب تغير قلبه وتمعر وجهه، فلو قلنا: إن الله يغضب فقد شبهنا الخالق بالمخلوق.
وقد انقسموا إلى طوائف، فمنهم من قال: لم يغضب الله أبدًا، والغضب لا ينسب إلى الله، ومنهم من قال: الغضب ينسب إلى الله، لكن معناه الانتقام، فحرفوا معنى الغضب إلى الانتقام، فبدل أن يقولوا: إن الغضب صفة من صفات الله تعالى قالوا: هو الانتقام.
والرد عليهم: أولًا: نقول: نحن نستيقن في ربنا أنه يغضب غضبًا له كيفية يعلمها هو ونجهلها، فنحن نفوض الكيفية لربنا، وإذا سألنا سائل وقال: هل يغضب ربنا؟ نقول: نعم نؤمن برب يغضب، فإن قال: كيف يغضب ربنا؟ نقول: الغضب في اللغة معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، والكيف مجهول، وهوعند الله لا نعلمه، فالله يغضب بكيفية تليق بحلاله وبكماله، أما قولكم: بأن الله إذا غضب يكون كالبشر، فالجواب أن هناك قاعدة مهمة لا بد من ضبطها وهي: أن الاشتراك في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمى، فقولنا: يغضب الله ويغضب محمد استويا واشتركا في الاسم، وهذا الاشتراك لا يستلزم التساوي في المسمى؛ فإن غضب الله يليق بجلاله وكماله وعظمته، وغضب محمد أو غضب زيد هو غضب يليق بعجزه ونقصه وفقره.
ولا مقارنة بين الغضبين، حاشا لله، فإن غضب الله يليق بجلال الله وكمال الله جل في علاه، وقد أثبت لعبده الغضب وأثبت لنفسه الغضب، وما لنا لا نثبت ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ.
أما الذين قالوا: إن الغضب هو الانتقام فهؤلاء هجموا على شرع الله وهدموا المعاني؛ فالله يكلمنا باللغة العربية بلسان عربي مبين، وبلغة نفهمها ونعقلها، وحاشا لله أن ينزل علينا قرآنًا لا نعقله ولا نفهمه ولا نتدبره، فالله جل وعلا أنزل علينا القرآن لنتدبر ولنعقل، وما أنزل علينا القرآن لنتخبط ونفهم خلاف ما يريده منا، فهو أخبرنا أنه يغضب، وأيضًا الرسول ﷺ وكله الله بمهمة عالية بعد التبليغ وهي البيان، فكان على الرسول ﷺ أن يبين إن كان الغضب هو الانتقام ويقول: إن قول الله: «غضب الله عليه» معناه: انتقم الله منه، لكن الرسول ﷺ لم يقل ذلك، وقد قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]؛ وقال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] وقال: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
إذًا: هذا اتهام صريح بأن الرسول ﷺ قد فرط وقصر؛ لأنه لم يبين لنا أن الغضب معناه الانتقام، وهذا الاعتقاد منقصة في حقكم؛ لأن رسول الله ﷺ قد بلغ وبين أتم البلاغ وأتم البيان.
ثانيًا: أنتم خالفتم الكتاب وخالفتم السنة وخالفتم إجماع الأمة على أن الغضب صفة من صفات الله.
ثالثًا: الانتقام لازم من لوازم الغضب، إذ لو غضب الله فإنه يلزم من غضبه أن ينتقم ممن غضب منه، وأنتم آمنتم بأن الله له انتقام ونحن آمنا بأن الله له انتقام، لكن قبلها أثبتنا أن له غضبًا يلزم منه الانتقام من المغضوب عليهم، وهنيئًا لمن يقرأ كل يوم في الخمس الصلوات: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فيستلزم ذلك أن الله سينتقم من المغضوب عليهم؛ لأن الله إذا غضب على عبد انتقم منه سبحانه جل في علاه، فنحن نثبت لله صفة الغضب، وأيضًا نثبت لازم الصفة وهو الانتقام.
[ ٣٠ / ١٠ ]
خوف الأنبياء والرسل من ذنوبهم يوم القيامة
ومن فوائد حديث الشفاعة فائدة مهمة جدًا وهي في قول آدم: (وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي!! وفي آخر الرواية يقول: وكل يذكر ذنبًا قد أذنبه).
ففي هذا مسألتان مهمتان: الأولى: بشرية الرسل، والثانية: وعصمة الرسل.
[ ٣٠ / ١١ ]
بشرية الرسل
إن الرسل بشر كما نحن بشر، ردًا على من يقول: إن محمدًا من نور وإن عيسى ابن الله وإن عزيرًا ابن الله حاشا لله جل في علاه، الرسل بشر مثلنا ينسون كما ننسى، ويأكلون كما نأكل، ويشربون كما نشرب، ويقضون حاجتهم، ويجامعون نساءهم، ويفتقرون ويبتلون بلاءات شديدة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠] فبشرية الرسول الله ﷺ معلومة، وأيضًا قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨] يعني: جعلناهم جسدًا يأكلون الطعام فهم بشر، وأيضًا بين الله جل وعلا لرسوله بأن قبله رسلًا كانت لهم أزواج وذرية، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] فهم من البشرية بمكان.
وأيضًا مما يدل على بشرية الرسل أن إبراهيم ﵇ ألقي في النار، ويونس ﵇ ابتلعه الحوت، والنبي ﷺ ضرب بالحجارة وأدميت بذلك رجله الشريفة ﷺ، فكل هذه الابتلاءات تدل على بشرية الرسل، وليس لواحد أن يقول: إن محمدًا قد خلق من نور، أو يقول: إن عيسى روح من الله، أو: إن عزيرًا ابن الله، حاشا لله، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد.
فقول آدم ﵇: (أكلت من الشجرة) لحاجته وحاجة البشر إلى الطعام، فهذه دلالة على بشريته، وأيضًا قوله: (فعصيته) دلالة على بشريته؛ فإن كل بشر جبل على المعصية، وقد جاء في الحديث: (لو لم تذنبوا وتستغفروا لذهب الله بكم، ولأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم)، إذًا: كل إنسان أرسله الله إلى البشرية فهو بشر منهم، والله جل وعلا ما أنزل ملكًا؛ لأنه لو كان في الأرض ملائكة لبعث ملكًا، ولأن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملك ولا يستوعبوا ما يقوله، من قوة وعظمة خلق الملائكة.
[ ٣٠ / ١٢ ]
عصمة الرسل
عصمة الرسل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: عصمة في التبليغ وفي الوحي، وهذه بإجماع الأمة بأسرها، فقد أجمعت على أن الرسل معصومون في الوحي وفي التبليغ، فهم يبلغون الرسالة ولا ينسون ولا يخطئون أبدًا، قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى:٦] وقال ﷿: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧] إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩].
فالله جل وعلا تكفل لكل رسول بعصمته في الاستقبال للوحي وفي التبليغ، فبالإجماع لا يمكن أن يخطئ رسول في أمر الوحي، وأيضًا ليس للرسول أن يأتي بقول من عنده، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦] فهذه دلالة على أنه ليس لرسول أبدًا أن يأتي بشيء من عنده، ولذلك جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) أي: وهو أمين الوحي ﷺ.
الثاني: العصمة من الكبائر، فقد أجمعت الأمة أيضًا على أن الرسل معصومون من الوقوع في الكبائر، إذ كيف يقعون في الكبائر وهم قدوة وأسوة للناس، وهم المنارات التي يهتدى ويقتدى بها؟! وقد تكفل الله بعصمة الرسل من الكبائر، فهذا يوسف ﵇: ﴿رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣] فقال الله تعالى مصورًا تصويرًا بديعًا هذه القصة: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] وألطف وأعجب ما يقال في تفسير هذه الآية: أنه لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، يعني: وما حدث منه الهم بحال من الأحوال؛ لأن (لولا) حرف امتناع للوجود، فامتنع همه بها لوجود برهان الله، هذا مفهوم الكلام، وليس كما يقول بعضهم: إنه هم بها فصرفه الله، فأصل الهم غير موجود؛ لأن الله جل وعلا قال: «لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ» يعني: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فامتنع وجود الهم لوجود برهان الله جل في علاه.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] فهذه دلالة على أن كل الرسل من المخلصين، وأن الله جل وعلا تكفل بعصمة كل الرسل من الكبائر، وهذا بالإجماع.
الثالث: العصمة من الصغائر، فهناك خلاف بين أهل السنة والجماعة في مسألة الصغائر، هل يقع فيها الأنبياء والرسل أو لا؟ قال بعض أهل العلم: الأنبياء لا يقعون في الصغائر بحال من الأحوال، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] وقول الله تعالى: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] يعني: اقتده بهدى الأنبياء واتخدهم أسوة لك، فإذا قلنا: إنهم يقعون في الصغائر فقد أمرنا بالتأسي بهم في اقتراف المعاصي وهذا محال، ولا يمكن لله جل وعلا أن يأمرنا أن نأتسي بالأنبياء في اقتراف الصغائر، فهذه الآيات فيها دلالة على أن الأنبياء معصومون من فعل الصغائر، وهذا القول ضعيف، والقول الراجح الصحيح الذي ندين الله به هو قول الجمهور، وهو أن الأنبياء غير معصومين من فعل الصغائر، فهم يقعون في الصغائر، ومما يدل على ذلك قول الله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] فقوله: «وعصى» تصريح من الله جل وعلا أن آدم وقع في العصيان، وأيضًا قال الله تعالى حاكيًا عن موسى عندما وكز الرجل: (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥] فهذه دلالة على أنه وقع في المعصية.
وفي حديث الشفاعة قال آدم: (فعصيته) وعيسى ﵇ لما أحال الناس إلى النبي ﷺ ولم يذكر ذنبًا قالوا: فيه تصريح أنه لم يقع في الذنوب.
فالله جل وعلا قد أثبت العصيان للأنبياء في الصغائر فقط، فنثبته كما أثبته الله جل في علاه، لكن لا بد أن نقول: إن الله لا يقر نبيًا على أي صغيرة، بل يبينها له في وقتها ويتوب عليه، والتائب من الذنب بعد توبته يكون حاله خيرًا من حاله قبل التوبة؛ ولذلك جاء في الحديث (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ويقول بعض السلف: إن داود ﵇ كان حاله بعد التوبة أفضل من حاله قبل التوبة، وقلنا: إن التوبة تودع في القلب المسكنة والخضوع والتذلل لله جل وعلا، والبكاء من خشية الله، والخوف من عقوبة الله، والهرولة في طاعة الله جل في علاه، وإتباع الحسنة بالسيئة تمحها، فهذه كلها أحوال للذي تاب من الذنب، ولا تكون للذي لم يتب أولم يقترف هذا الذنب.
إذًا فالصحيح الراجح أن الأنبياء يقعون في الصغائر، لكن هناك أمر لا بد أن نتكلم فيه، ألا وهو أن الأنبياء معصومون من الصغائر التي فيها دناءة وخسة، فلا يمكن أن يأتي النبي فيسرق لقمة ليأكلها حاشا لله، لكن من ممكن أن يقع في معصية، كآدم حين نهاه الله أن يأكل من الشجرة فأكل منها هو وزوجته وقالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، فهذه دلالة قوية على أنهم عصوا أمر الله جل في علاه، وليس معنى ذلك أن يقع في الصغائر الخسيسة التي تخدش المروءات كما بينا.
أما الرد على الذين قالوا: بأن الأنبياء معصومون من الصغائر؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] فهو أننا وإن كنا نوافقهم على ذلك، ولنا في رسول الله أسوة حسنة، إلا أنه ليس لنا أسوة حسنة في الصغائر التي يقع فيها؛ لأنه لا يقر عليها، وقد تاب منها، ونحن لنا فيه أسوة حسنة في التوبة؛ لأننا جبلنا على المعصية، فالإنسان ظالم جهول لنفسه، ولا يمكن أن ينجو من المعاصي، ودخوله الجنة لا يكون إلا برحمة الله وفضله، فقد ورد في الحديث: (لن تدخلوا الجنة بعملكم، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) أي: لا بد أن تنزل رحمات الله جل في علاه على هذا الإنسان، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ) [النحل:٥٣] وكان رسول الله ﷺ يقول: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، فأصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) وذلك لأن النفس ظالمة جهولة.
إذًا: لنا أسوة برسول الله ﷺ وبالرسل أجمعين في التوبة، وذلك بأن نسارع في التوبة ولا نقر أنفسنا على هذه المعاصي.
[ ٣٠ / ١٣ ]
وجوب محبة الله ﷿
الفائدة الأخيرة من حديث الشفاعة في قوله ﷺ: (فذهبوا إلى إبراهيم ﵇ وقالوا: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض) فهناك من ينتقصون من قدر النبي ويقولون: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد ﷺ، وقبل الرد عليهم لابد أن نتكلم عن محبة الله حتى نصل إلى أعلى درجاتها وهي الخلة نقول: لا يستقيم إيمان عبد إلا بمحبة الله جل في علاه، وهذا أصل أصيل وركن ركين في القلب، إن خلا القلب منه فإن الإنسان كافر لا يدخل جنة ربه جل في علاه، بل لا بد من محبة الله، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) [البقرة:١٦٥] وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم -نفى الإيمان- حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) فالركن الركين والأصل الأصيل في القلب هو محبة الله ﷿، ولها أصل ومكمل، والمكمل درجات، أما الأصل فإنه إذا انتفى انتفى الإيمان، وأما المكمل فهو درجات.
[ ٣٠ / ١٤ ]
الأمور التي تعرف بها محبة الله
تعرف محبة الله في قلب العبد بثلاثة أمور: الأمر الأول: إذا تعارض أمر الله وأمر رسوله ﷺ مع هوى العبد أو مع أي شخص كائن من كان، فإنه إن قدم هواه أو أمر أي شخص على أمر الله وأمر رسوله فهذا يراجع إيمانه؛ لأن الله جل في علاه قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النساء:٦٥] الآية، وهناك آية هي الشاهد على المحبة، وهي قول الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] أي: علامة المحبة أن تقدم أمر رسول الله ﷺ على أمر أي أحد كائنًا من كان، فالله جل وعلا أناط المحبة باتباع أمر رسول الله ﷺ، وأيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب:٣٦] هذه أول علامة على محبة الله في القلب.
الأمر الثاني: محبة ما يحبه الله وبغض ما يبغضه الله، إذا أبغض الله الفاحشة فعليك أن تبغض الفاحشة، وإذا أبغض الله كل حرام صغيرًا كان أو كبيرًا فعليك أن تبغض ما يبغضه الله جل وعلا، وإذا أحب الله الطاعة فعليك أن تحب الطاعة، وإذا أحب الله أهل الطاعة فعليك أن تحب أهل الطاعة، وإذا أحب الله أولياءه المؤمنين وبغض أعداءه الكافرين فيجب عليك أن تحب أولياءه وبغض أعداءه، وإلا فلتراجع إيمانك، فقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة:٢٢] أي: لا بد أن تجد في قلبك بغضًا لأهل الكفر، ولأهل الإلحاد، وبغضًا للذين يبغضون أهل الإسلام، وتجد في قلبك قوة المحبة لأهل الإيمان، ويتفاوت ذلك في قلبك بتفاوت الطاعة، فكلما كان العبد أطوع لربه كان حبك له أشد وأعظم؛ لأن حب الله له أشد وأعظم.
[ ٣٠ / ١٥ ]
إثبات الخلة لمحمد ﷺ والرد على من نفاها
إن محبة الله درجات، وآخر هذه الدرجات وأعلى منصة فيها هي: الخلة، وهذه الخلة ليس لأحد أن يرتقي إليها فالله جل وعلا يصطفي من يشاء ليجعله خليلًا، ولم يتخذ أحدًا من أهل الأرض قاطبة خليلًا إلا إبراهيم ومحمدًا، وهذا فيه رد على الذين يغالون في محمد -وهم يقصرون في حقه وينتقصون من قدره- فيقولون: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، ويستدلون بحديث في الترمذي بسند ضعيف أن النبي ﷺ قال: (وأما صاحبكم فحبيب الرحمن) وأيضًا تلوك ألسنتهم كلمة عن ابن عباس -وهي ضعيفة لا تصح عنه- أنه قال: أنتم لا تؤمنون بأن تكون الخلة لإبراهيم والرؤية لمحمد وهذا ضعيف ليس بصحيح، بل الخلة لمحمد ولإبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
فالصحيح الراجح أن محمدًا خليل الرحمن كما أن إبراهيم خليل الرحمن، والدليل على ذلك ما في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا) فهذا تصريح وفصل في النزاع، بحديث إسناده كالشمس، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال (لو كنت متخذًا أحدًا من البشر خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن) فهذا فيه تصريح أيضًا على أن النبي ﷺ خليل الرحمن.
[ ٣٠ / ١٦ ]
حقيقة الخلة ومعناها وبيان من يستحقها
الخلة هي أعلى درجات المحبة، والخلة معناها: أن تتخلل محبة الله الروح، فيعتقد العبد أنه لا يعيش إلا لله، ولا يموت إلا الله، وليس له شيء، فهو لله وفي الله ومع الله، وقلبه كله معلق بالله، ولو وضعت الدنيا بأسرها في كفة ووضع رضا الله في كفة تراه مسارعًا إلى رضا الله جل في علاه، وترى البلاء ينصب عليه صبًا، فهذا هو الذي اتخذه الله خليلًا، فإبراهيم ﵇ ابتلاه الله جل في علاه، لينظف قلبه حتى لا يكون فيه ثمة شيء إلا محبة الرحمن جل في علاه، فقد ابتلي بكفر أبيه، وقال الله تعالى عن أبيه أنه قال له: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] فهو يأمره بأن يخرج من بلدته.
ثم ذهب إبراهيم إلى النمرود عليه من الله ما يستحق، وكان له وزير سوء كما في حديث النبي ﷺ (ما من نبي ولا ولي ولا خليفة استخلفه الله على الأرض إلا جعل الله له بطانتين: بطانة خير تدله على الخير وتعينه عليه، وبطانة سوء تدله على الشر وتمسك عنه الخير، فمن أراد الله به خيرًا جعل له بطانة الخير) فبطانة النمرود كان وزير سوء، فقال للنمرود: إن رجلًا دخل هذه القرية ومعه امرأة جميلة، وكانت سارة عليها رضوان الله، من أجمل النساء؛ لأن العلماء يقولون: إن يوسف كما أخذ شطر الجمال من آدم أخذت سارة شطر جمال حواء ﵈ - فلما قيل للنمرود ذلك أمر بأن يؤتى بإبراهيم، فلما أتي بإبراهيم قال له: من هذه المرأة؟ فقال: هي أختي - وهذه التي صرح أنه كذب فيها من الثلاث الكذبات - ثم ذهب ثم ذهب إلى سارة فقال: ليس هناك أحد مسلم في هذه الأرض غيري وغيرك وإني قد سألني عنك فقلت: إنك أختي فلا تزيدين على ذلك، فأمر النمرود أن يؤتى بـ سارة إليه، فابتلي إبراهيم ابتلاء شديدًا وزلزل زلزالًا شديدًا؛ لأن امرأته عند رجل طاغية لا يتقي الله في شيء، وهي امرأة جميلة، وهو ما أرادها إلا لنفسه، فذهبت المرأة وقلب إبراهيم يرتجف مما سيحدث مع امرأته، لكنه متوكل حق التوكل على ربه جل في علاه، ومستيقن أن المليك المقتدر جبار السماوات والأرض أن سيدبر الأمر من فوق العرش، فهو يعلم من يتقدم ومن يتأخر، بل لا يتقدم أحد ولا يتأخر إلا بأمره ومشيئته، فعندما جيء بالمرأة ودخل عليها يريدها، فكان كلما اقترب منها ومد يده إليها أخذ أخذًا شديدًا، فقال: لا أقربك بسوء فادعي الله أن يفرج عني فتدعو الله له فيفرج الله عنه، ثم يأتيها مرة ثانية فيؤخذ أخذًا شديدًا فيقول لها: ادعي الله أن يفرج عني ولا أمسك بسوء، فتدعو الله له فيفرج عنه، وهذا من كرامات الله جل وعلا لأوليائه وحفظه لهم، فوالله الذي لا إله إلا هو إن الله لا يسلم أولياءه لأعدائه أبدًا، وإن فعل الله ذلك فلحكمة أعظم من هذا الفعل بكثير، علمناها أو جهلناها فهي عند الله، لكننا نثق بأنه لا يكون في الكون شيئًا إلا بإرادته، وإرادته ومشيئته تحت حكمته وعلمه، كما قال الله تعالى قبلها: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان:٣٠ - ٣١] فمشيئة الله تخضع لعلمه وحكمته ﷾، فمن رحمته ولطفه أنه حفظ سارة، فقال لها النمرود في الثالثة: ادعي الله لي ولن أمسك بسوء فدعت الله ففرج عنه فأعطاها هاجر، ثم قال لوزيره: أنت وزير سوء، فقد أتيتني بشيطان ولم تأتني بامرأة، ثم ذهبت ورجعت إلى إبراهيم ﵇.
ومن البلاءات التي ابتلي بها إبراهيم أنه الله أمره أن يضع امرأته وابنه الوليد في أرض قاحلة ليس بها شيء، قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧] ولذلك قالت المستيقنة بربها: يا إبراهيم آلله أمرك بهذا، فبين لها أن هذا استسلام لأوامر الله، وما ماء زمزم التي منحنا الله إياها إلا ببركة وجود هاجر ﵂ وأرضاها، والبلاء الأشد الذي حصل لإبراهيم أنه لما بلغ معه الولد السعي وأخذ جزءً من شغف قلبه غار الله أن يكون في قلب خليله محبة لأحد غيره، فأراد سبحانه أن يقطع هذه العلاقة، فأمره أن يذبحه، انظروا إلى الإيمان والاستسلام، اللهم ارفعنا إلى هذه الإيمانيات يا رب العالمين، ونظف قلوبنا من كل الذنوب والأرجاس واجعلنا من الذين يوحدونك توحيدًا خالصًا لوجهك الكريم.
فإبراهيم لما رأى الرؤية أن اذبح ولدك استسلم وقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]، وقال الولد: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]، وهنا استسلام تام لله جل وعلا، فلما علم الله جل وعلا من عبده وهو العليم الخبير أنه لا شيء في قلبه إلا الله، قال: يا إبراهيم ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٥]، يعني: ليس المقصود تذبح الذبح، وإنما المقصود هو نقاء القلب من كل شيء، إلا رضا الله وحب الله، لذلك أنزله الله هذه المنزلة واتخذه خليلًا.
والنبي ﷺ عندما عرض نفسه على العشائر والطوائف ردوا عليه بأقبح الردود، وتآمرت قريش على قتله، وقبل ذلك تآمروا على حبسه وحبس من معه من المؤمنين، ومن الابتلاءات التي ابتلي بها رسول الله ﷺ أن كفار قريش وضعوا له الأملاك والأموال وكل الوجاهات حتى يتنحى عن هذا الدين، فما رجع عن دينه طرفة عين، وهكذا فقد صبر الرسول الله ﷺ صبرًا شديدًا كما ورد في المسند وغيره بسند صحيح: (أوذيت في الله ما لم يؤذ نبي قط) وذلك لأن الإيذاء المعنوي أشد بكثير من الإيذاء الحسي، فالله تعالى رفعه بذلك منزلة عظمى وهي منزلة الخلة، قال: (اتخذني الله خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا).
نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المتبعين لرسول الله ﷺ، وممن يتعلمون التوحيد فيحققونه واقعًا بين الناس.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
[ ٣٠ / ١٧ ]