شرح كتاب السنة للبربهاري [٩]
الجدال والخصومة في القدر منهي عنه، فيؤمن المؤمن بأن كل شيء بقضاء وقدر، ويؤمن بالإسراء والمعراج، وبفتنة العبد في القبر، وأن المؤمن يبشر بالجنة والكافر بالنار، وأن علم الله محيط بكل شيء.
[ ٩ / ١ ]
النهي عن الجدال والخصومة في القدر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والكلام والجدال والخصومة -في القدر خاصة- منهي عنه عند جميع الفرق؛ لأن القدر سر الله، ونهى الرب ﵎ الأنبياء عن الكلام في القدر، ونهى رسول الله ﷺ عن الخصومة في القدر، وكرهه أصحاب رسول الله والتابعون، وكرهه العلماء وأهل الورع، ونهوا عن الجدال في القدر، فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان واعتقاد ما قال رسول الله ﷺ في جملة الأشياء، وتسكت عما سوى ذلك].
قوله: (الكلام والجدال والخصومة في القدر خاصة منهي عنه عند جميع الفرق) أي: أن على الإنسان أن يسلم لقضاء الله وقدره وليس له أن يخوض ويجادل ويخاصم في القدر؛ فإن الخصومة في القدر تؤدي إلى التشكيك والاعتراض على قضاء الله وقدره، وهذا يؤدي إلى إنكار القضاء والقدر والشك في قضاء الله وقدره، وإنكاره كفر.
قال: (والقدر سر الله في خلقه)؛ ولهذا قال الطحاوي في عقيدته الطحاوية: القدر سر الله في خلقه، نهى الله الخلق عن الكلام فيه، وطواه عن أنامه ونهاهم عن مرامه إلى أن قال: -فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.
وهذا منهي عنه عند جميع الفرق إلا القدرية فهم يتكلمون فيه.
وقوله: (ونهى الرب ﵎ الأنبياء عن الكلام في القدر)، فقد نهى الله ﷾ نبيه نوحًا عن ذلك فقال: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] وهذا الأمر يشمل القدر وغيره.
وقد يدخل ذلك في عموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، ثم قال: (ونهى رسول الله ﷺ عن الخصومات في القدر) وهذا ثابت، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ سمع بعض أصحابه وهم يتنازعون في الآيات فغضب.
وجاء عنه ﵊ أيضًا النهي عن الخصومة في القدر، وكذلك كرهه أصحاب رسول الله ﷺ، وكرهه العلماء وأهل الورع، وهذا ثابت، ونهوا عن الجدال في القدر: فعليك -أيها المسلم- بالتسليم والإقرار والإيمان بقضاء الله وقدره فلا تعترض، والإقرار معناه أن تقر بأن الله قدر كل شيء وقضاه، وتؤمن بذلك.
[ ٩ / ٢ ]
الإيمان بالإسراء والمعراج
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن رسول الله ﷺ أسري به إلى السماء، وصار إلى العرش، وكلم الله تبارك تعالى، ودخل الجنة، واطلع إلى النار، ورأى الملائكة، وسمع كلام الله ﷿، وبشرت به الأنبياء، ورأى سرادقات العرش والكرسي، وجميع ما في السموات وما في الأرضين في اليقظة، حمله جبريل على البراق حتى أداره في السموات، وفرضت له الصلاة في تلك الليلة، ورجع إلى مكة في تلك الليلة، وذلك قبل الهجرة].
قوله: (والإيمان بأن رسول الله ﷺ أسري به إلى السماء)، فالإيمان بالإسراء لا بد منه، ومن لم يؤمن بالإسراء فهو كافر؛ لأنه مكذب بالله، ولقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١].
والإسراء في اللغة معناه: السفر ليلًا.
والمراد به شرعًا: السفر برسول الله ﷺ ليلًا، بصحبة جبرائيل على البراق، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
والبراق: دابة فوق الحمار ودون البغل، خطوه مد البصر، فتكون سرعته مثل سرعة الطائرة تقريبًا.
ومعنى خطوه مد البصر أي: إذا رفع حافره فخطوته تكون مد البصر؛ ولهذا قطع هذه المسافة في مدة وجيزة، وسمي بالبراق من البريق واللمعان، ثم صلى بالأنبياء إمامًا بعد أن جمعوا له، ثم عرج به ﵊ إلى السماء بشيء كهيئة السلم، فصعد فيه النبي ﷺ مع جبرائيل، فاستفتح جبريل باب السماء ففتح له، وقيل له: من معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، فرأى فيها آدم أبا البشر، فسلم عليه النبي ﷺ، ورحب به وأقر بنبوته وقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح.
ثم صعد إلى السماء الثانية في وقت وجيز وبسرعة، والله على كل شيء قدير، ووجد فيها ابني الخالة عيسى ويحيى، فسلم عليهما فرحبا به وأقرا بنبوته، وقالا: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح.
ثم عرج إلى السماء الثالثة فوجد فيها إدريس فرحب به وأقر بنبوته، ثم صعد إلى السماء الرابعة فوجد فيها يوسف فرحب به وأقر بنبوته.
ثم صعد إلى السماء الخامسة فوجد فيها هارون فرحب به وأقر بنبوته.
ثم صعد إلى السماء السادسة فوجد فيها موسى فرحب به وأقر بنبوته، ثم صعد إلى السماء السابعة فوجد فيها إبراهيم، فرحب به وأقر بنبوته.
وكلهم قالوا: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح إلا إبراهيم وآدم فإنه من سلالتهما فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، ووجد النبي ﷺ إبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، والبيت المعمور كعبة سماوية يحاذي الكعبة الأرضية فلو سقط لسقط عليه، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك للطواف والصلاة، ثم لا يعودون إليه.
ثم صعد نبينا ﵊ وتجاوز السبع الطباق حتى وصل إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، فكلمه الله ﷿ من دون واسطة، لكن من وراء حجاب، فهو ﵊ لم ير ربه ولا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا، وقد سئل النبي ﷺ: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه)، يعني حجاب النور منعني من رؤيته، وفي اللفظ الآخر (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
وكما سبق أن موسى لما سأل الله رؤيته قال له الله: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١] فكان الكلام بدون واسطة، لكنه ما استطاع أن يرى ربه، فهو محجوب عنها ولا يستطيع أحد أن يرى الله، فقد احتجب الله عن الخلق، ولا يستطيع أن يرى الله في الدنيا أحد من خلقه حتى جبريل، وإنما الرؤية خاصة بأهل الجنة في الآخرة.
فالرسول ﵊ عرج به ورأى الجنة والنار، فقد اطلع على الجنة ورأى فيها أقوامًا، واطلع على النار ورأى فيها المعذبين من الزناة والزواني وهم في تنور ضيق، ورأى الذين يغتابون الناس يهشمون وجوههم وصدورهم، ورأى آكل الربا يسبح في نهر الدم ويلقم حجرًا وكل هذا ثابت، والمعراج ثابت بالسنة، والإسراء ثابت في القرآن فلا بد من الإيمان بهما.
(والإيمان بأن رسول ﷺ أسري به إلى السماء وصار إلى العرش)، أما كيف صار إلى العرش؟ فالله أعلم بالكيفية فهذا يحتاج إلى دليل، وقوله: (صار إلى العرش) أي: مس العرش، أو جلس على العرش والله أعلم أيهما أصح، فالرسول ﷺ عرج به حتى جاوز السبع الطباق ووصل إلى مكان يسمع فيه صريف أقلام القدر، ثم كلمه بدون واسطة وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة، ثم هبط حتى وصل إلى موسى في السماء السادسة فسأله، قال: ماذا فرض عليك ربك؟ قال: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك ضعيفة لا تطيق خمسين صلاة في اليوم والليلة.
والله تعالى هو الذي حرك قلب موسى، وهو الذي حرك قلب محمد فقبل قول موسى فاستشار جبريل فأشار عليه جبريل أن نعم، فعاد به إلى الجبار ﷻ فسأل ربه التخفيف فوضع عنه عشرًا.
وفي رواية: فجعل يتردد بين ربه وبين موسى، فكلما جاء إلى موسى قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، حتى صارت خمس صلوات، فقال موسى ﵊: ماذا أمرك ربك؟ قال خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك ضعيفة لا تطيق خمس صلوات في اليوم والليلة، وإني عالجت بني إسرائيل أكثر من ذلك، فقال النبي ﷺ: (إني سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، فنادى مناد من السماء: أن أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ما يبدل القول لدي، هي خمس في العدد، وهي خمسون في الميزان والأجر).
قوله: (ونشرت له الأنبياء) أي: رآهم كلهم بأرواحهم، فقد أخذت أرواحهم شكل الأجساد، إلا عيسى فقد رفعه الله إلى السماء بجسده وروحه.
قوله: (ورأى سرادقات العرش والكرسي) وهذا يحتاج إلى دليل.
قوله: (وجميع ما في السموات وما في الأرضين في اليقظة) وهذا أيضًا يحتاج إلى دليل.
فكونه رأى سرادقات العرش والكرسي هذا يحتاج إلى دليل، وكونه رأى جميع ما في السماوات وما في الأرضين في اليقظة هذا أيضًا يحتاج إلى دليل، فهل طاف في الأرض كلها من أولها إلى آخرها ورأى ما فيها وما في لجج البحار؟ هذا يحتاج إلى دليل.
[ ٩ / ٣ ]
مكان أرواح الشهداء والمؤمنين والكفار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة، وأرواح المؤمنين تحت العرش، وأرواح الكفار والفجار في بَرَهُوت، وهي في سجين].
قوله: (واعلم أن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة) هذا جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، فترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش)، وهذا ثابت، وذلك أن الشهيد لما بذل جسمه لله حتى قتل الجسم ومزق وتلف عوض الله الروح جسمًا آخر تتنعم بواسطته في حواصل طير خضر.
وأما المؤمنون غير الشهداء فإن أرواحهم تتنعم وحدها بدون جسم، وفي الحديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة) يعني: أنه يأكل حتى يرجعه الله إلى جسمه يوم يبعثه، فروح المؤمن تكون طائرًا فتتنعم وحدها، وأما روح الشهيد فإنها تتنعم بواسطة حواصل طير خضر، إذًا: فتنعم أرواح الشهداء أكبر من تنعم أرواح سائر المؤمنين؛ لأن الشهيد بذل جسده لله فعوضه الله جسدًا آخر تتنعم الروح بواسطته.
قوله: (واعلم أن أرواح الشهداء في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة، وأرواح المؤمنين تحت العرش) جاء في الحديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة)، ومعلوم أن الجنة تحت العرش.
(وأرواح الكفار والفجار في برهوت)، قيل: إنها بئر في حضرموت، وقال المؤلف هنا: (وهي في سجين)، وسجين في الأرض السابعة، وهذا قول لبعضهم، وهناك أقوال كثيرة، فبعضهم يقول: أرواحهم عن يسار آدم، والصواب: أن أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار، فانظر إلى هذا التفاوت بينهما.
وأما القول بأن أرواح الكفار في برهوت وهي بئر في حضرموت فهذا لا دليل عليه.
فأرواح المؤمنين في الجنة، فالمؤمن إذا مات نقلت روحه إلى الجنة، ولها صلة بالجسد، فتتنعم مفردة وتتنعم بواسطة الجسد، وأرواح الكفار تنقل إلى النار ولها صلة بالجسد، فالقول بأن أرواح الكفار في برهوت قول ضعيف ولا دليل عليه، (يقول: وهي بئر عميقة بحضرموت لا يستطاع النزول إلى قعرها، ولا يصح حديث بأن أرواح الكفار في برهوت).
[ ٩ / ٤ ]
الإيمان بما يكون في القبر من السؤال وغيره
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الميت يقعد في قبره، ويرسل الله فيه الروح حتى يسأله منكر ونكير عن الإيمان وشرائعه، ثم تسل روحه بلا ألم، ويعرف الميت الزائر إذا أتاه، وينعَّم في القبر المؤمن، ويعذب الفاجر كيف شاء الله].
يجب على المؤمن أن يؤمن بأن الميت يقعد في قبره إذا مات، فيرسل الله فيه الروح حتى يسأله منكر ونكير -وهما ملكان- عن الإيمان وشرائعه، وجاء في الحديث أنه يسأل عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه، فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يثبته الله فيقول: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، والكافر لا يستطيع أن يجيب ويقول: هاه هاه لا أدري، هاه هاه لا أدري، هاه هاه لا أدري، فيضرب بمرزبة من حديد ويقال له: لا دريت ولا تليت، فيصيح صيحة يسمعها كل من خلق الله إلا الثقلين، ثم تسل روح المؤمن بلا ألم كما تسل الشعرة من العجين، وأما الكافر فإنها تنزع روحه نزعًا كما ينزع السفّود من الصوف المبلول.
قوله: (ويعرف الميت الزائر إذا أتاه) هذا يحتاج إلى دليل، لكن جاء الدليل بأن النبي ﷺ إذا سلم عليه مؤمن فإنه يرد ﵇، وأما أنه يعرف الزائر فهذا يحتاج إلى دليل.
وقال في الحاشية: وردت عدة أحاديث بأن الميت يعرف الزائر إذا زاره ويستأنس به، لكن لا تصح، فهذا يحتاج إلى دليل، والأصل أن الميت لا يعرف؛ فقد انتهى وانقطع عمله إلا ما دل عليه الدليل كأن يسمع قرع نعال المولين.
قوله: (وينعم في القبر المؤمن، ويعذب الفاجر كيف شاء الله) هذا أمر معروف، فالمؤمن يفتح له باب إلى الجنة، والكافر يفتح له باب إلى النار، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، وأما المؤمن فيفسح له في قبره مد البصر.
[ ٩ / ٥ ]
الإيمان بأن كل شيء بقضاء وقدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره].
قوله: (واعلم أن كل شيء بقضاء الله وقدره)، أي: تيقن أن كل شيء بقضاء الله وقدره، فالآجال والأعمار والذوات والأشخاص والصفات والحركة والسكون والأفعال وكل شيء قد قضاه الله وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
فلا بد للمسلم أن يؤمن بقضاء الله وقدره في كل شيء، وأن الله قد علم الأشياء قبل كونها، وكتبها في اللوح المحفوظ، وأراد كل شيء في هذا الوجود قضاءً وقدرًا، وخلق كل شيء في هذا الوجود.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره، فمن قال غير هذا فقد كفر بالله العظيم].
يجب على المسلم أن يؤمن بأن الله ﵎ هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقال سبحانه: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
قال العلماء: التأكيد بالمصدر يدل على أن المراد الحقيقة ويمنع المجاز الذي يزعمه بعض المبتدعة الذين أنكروا الكلام، ولهذا قال المؤلف: (وموسى يسمع من الله الكلام بصوتٍ وقع في مسامعه منه لا من غيره).
وهذا خلاف المعتزلة القائلين بأن الله تعالى لم يكلم موسى، وقالوا: إن الله خلق الكلام في الشجرة فكلمت موسى، فالشجرة هي التي كلمت موسى عند المعتزلة، والشجرة هي التي قالت: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، فهل يكون هذا؟! نسأل الله السلامة والعافية، فهذا كفر وضلال؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: (فمن قال غير هذا فقد كفر بالله العظيم)، واحتالوا في تحريف الآية، فقرأ بعض المعتزلة وبعض الجهمية قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] بالنصب؛ حتى يكون المكلِّم هو موسى، والله هو المكلَّم؛ لأنه لا يتكلم، فموسى قادر على الكلام والرب غير قادر على الكلام نعوذ بالله، وهذه القراءة تحريف لفظي، فقال لهم بعض أهل السنة: هب يا جهمي! أنك استطعت أن تحرف هذه الآية، فكيف تقول في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟ فلم يستطع أن يحرفها لفظًا، فحرفها معنىً فقال: «وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ» أي: جرحه بمخالب الحكمة، فهي مأخوذة من الكَلْم وهو الجرح، ومنه قولهم: فلان كَلْمه يدمى، أي: جرحه، فمن أراد الله فتنته فلا حيلة فيه، فالجهمية لما لم يستطيعوا أن يحرفوا لفظ هذه الآية حرفوا معناها.
[ ٩ / ٦ ]
تفاوت الناس في العقول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والعقل مولود، أعطي كل إنسان من العقل ما أراد الله، يتفاوتون في العقول مثل الذرة في السماوات، ويطلب من كل إنسان من العمل على قدر ما أعطاه الله من العقل -وفي نسخة: ويطلب من كل إنسان من العلم- وليس العقل باكتساب، إنما هو فضل من الله ﵎].
قوله: (العقل مولود أعطي كل إنسان من العقل ما أراد الله) لا شك أن الناس يتفاوتون في العقول على قدر ما أعطاهم الله وميزهم به، والله تعالى إنما يكلف العبد إذا كان عاقلًا، وإذا ذهب العقل ذهب التكليف، فناقص العقل كالصبي لا يكلف، والمجنون الذي ليس معه عقل لا يكلف، والمخرف الذي كبر في سنه وخرف فصار لا عقل له لا يكلف.
فالتكليف مربوط بالعقل، فمن كان عاقلًا كلِّف، ومن لا عقل له لا تكليف عليه، والناس يتفاوتون في العقول؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: (العقل مولود أعطي كل إنسان من العقل ما أراد الله، يتفاوتون في العقول مثل الذرة في السماوات، ويطلب من كل إنسان من العلم على قدر ما أعطاه الله من العقل) أي: أن العمل تابع للعلم، والعمل مبني على العلم، ويكون على قدر ما أعطى الله الإنسان من العلم.
قوله: (وليس العقل باكتساب وإنما فضل من الله ﵎) فالعقل ينمو تدريجيًا والله تعالى هو الذي أعطى الإنسان العقل، فهو فضل من الله ﵎.
[ ٩ / ٧ ]
تفضيل الله للعباد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن الله فضل العباد بعضهم على بعض في الدين والدنيا، عدلًا منه، لا يقال: جار ولا حابى، فمن قال: إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء فهو صاحب بدعة، بل فضّل الله المؤمنين على الكافرين، والطائع على العاصي، والمعصوم على المخذول عدل منه، هو فضله يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء].
قوله: (واعلم) أي: تيقن (أن الله تعالى فضل العباد بعضهم على بعض في الدين والدنيا)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل:٧١]، فقد فضل بعض الناس على بعض في الدين، فاختار تعالى للرسالة والنبوة الأنبياء، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]، فهذا تفضيل في الدين.
فالرسل أفضل الناس، وأفضلهم أولو العزم الخمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وأفضل أولو العزم الخليلان: إبراهيم ومحمد، وأفضل الخليلين نبينا ﷺ، ثم يليه جده إبراهيم، ثم يليه موسى، ثم بقية أولي العزم، ثم بقية الرسل، ثم بقية الأنبياء.
ثم فضل ﷾ الصديقين بعد الأنبياء، وفي مقدمتهم الصديق الأكبر، ثم فضل الشهداء، ثم فضل سائر الصالحين وهم المؤمنون، وهم طبقات، فأفضلهم السابقون الأولون، ثم أصحاب اليمين، ثم الظالمون لأنفسهم الذين يقصرون في بعض الواجبات أو يفعلون بعض المحرمات، فقد فضلهم الله على الكفار في الدين وفي الدنيا، وكذلك فرّق بينهم فجعل هذا ملكًا وهذا مملوكًا، وهذا وزيرًا، وهذا عالمًا وهذا جاهلًا، وهذا غنيًا وهذا فقيرًا، وهذا حليمًا وهذا غير حليم وهكذا.
كما أنه فرق بينهم في الأرزاق، وفرق بينهم في العقول، وفرق بينهم في الآجال، فهذا يموت في بطن أمه، وهذا يموت طفلًا، وهذا يموت صبيًا، وهذا يموت شابًا، وهذا يموت شيخًا، وهذا يموت كهلًا، وهذا يموت هرمًا، وله الحكمة البالغة ﷾ عدلًا منه.
قوله: (ولا يقال: جار ولا حابى) لأن الله تعالى حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمًا.
قوله: (فمن قال: إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء فهو صاحب بدعة) وهذا صحيح، بل فضل الله المؤمنين على الكافرين، والطائع على العاصي، والمعصوم على المخذول عدل منه، هو فضله يعطيه من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا يقال: إن هذا ظلم؛ لأنه ﷾ لم يمنع المخذول شيئًا يملكه، قال ﷾: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨]، فلله تعالى على المؤمن نعم جليلة خصه بها دون الكافر، فهو ﷾ يهدي من يشاء فضلًا منه وإحسانًا، ويضل من يشاء عدلًا منه وحكمة، ولا يقال إذا فضل المؤمن على الكافر: إن الله هدى المؤمن ولم يهد الكافر وهذا جور، نقول: بل هو عدل، فالله تعالى هدى المؤمن فضلًا منه وإحسانًا، وخذل الكافر عدلًا منه، فلا يقال: إن هذا ظلم؛ لأن الظلم هو أن يمنع الإنسان من حقه، فإذا منعته من حقه، أو اعتديتَ على ملكه فتكون حينئذٍ ظالمًا، والهداية ملك لله وليست ملكًا للعاصي، فإذا منعها العاصي فذلك لحكمة منه وعدل، وإذا هدى المؤمن تفضلًا منه فلا يقال: إن هذا ظلم؛ لأن الله تعالى لم يمنع العاصي شيئًا يملكه، فلو منعه شيئًا يملكه، أو حمله وزر غيره، أو منعه من ثواب استحقه فإنه يكون حينئذٍ ظلمًا، لكن إذا أعطى الهداية لهذا ومنعها من هذا فهذا عدله، فهو لم يمنعه شيئًا يملكه، وهذا هو معنى قول المصنف ﵀: (عدل منه، هو فضله يعطيه من يشاء، ويمنع من يشاء).
[ ٩ / ٨ ]
وجوب بذل النصيحة للمسلمين برهم وفاجرهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا يحل أن تكتم النصيحة للمسلمين برهم وفاجرهم في أمر الدين، فمن كتم فقد غش المسلمين، ومن غش المسلمين فقد غش الدين، ومن غش الدين فقد خان الله ورسوله والمؤمنين].
قوله: (ولا يحل أن تكتم النصيحة للمسلمين برهم وفاجرهم في أمر الدين)؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم من حديث تميم الداري: (الدين النصيحة، وكررها ثلاثًا، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
فالنصيحة واجبة، ومن كتم النصيحة عن المسلمين فقد غش المسلمين، ومن غش المسلمين فقد غش الدين، ومن غش الدين فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨]، فلا يحل لأحد أن يكتم النصيحة.
والنصيحة لله تكون بتوحيده وصرف الدين له ﷾، وأداء حقه، وترك محارمه، والنصيحة لكتاب الله تكون بالإيمان به، وتدبره، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، والوقوف عند حدوده.
وتكون النصيحة للرسول ﵊ بالإيمان به، وتحكيم شرعه، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتعبد لله بما شرعه.
وتكون النصيحة لأئمة المسلمين بمحبة الخير لهم، وعدم الخروج عليهم، ونصيحتهم.
وتكون النصيحة لعامة المسلمين بمحبة الخير لهم، ودفع الشر عنهم، وتحمل أثقالهم، ودفع المضار عنهم، وإطعام جائعهم، ونصح جاهلهم، وكف الأذى عنهم.
[ ٩ / ٩ ]
الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والله ﵎ سميع بصير عليم، يداه مبسوطتان، قد علم الله أن الخلق يعصون قبل أن يخلقهم، علمه نافذ فيهم، فلم يمنعه علمه فيهم أن هداهم للإسلام ومنّ به عليهم كرمًا وجودًا وتفضلًا، فله الحمد].
قوله: (والله ﵎ سميع بصير) السميع من أسماء الله تعالى، والبصير من أسماء الله، قال ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وأسماء الله مشتقة مشتملة على المعاني والصفات، فالسميع مشتمل على صفة السمع، والبصير مشتمل على صفة البصر، والرحيم مشتمل على صفة الرحمة، والقدير مشتمل على صفة القدرة.
قوله: (يداه مبسوطتان) فيه إثبات اليدين لله ﷿، قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
قوله: (قد علم الله أن الخلق يعصونه قبل أن يخلقهم)، لابد من إثبات علم الله الأزلي، (علمه نافذ فيهم) لا شك في هذا، ومن أنكر علم الله فقد نسب الجهل لله، وهذا كفر وضلال.
(فلم يمنعه علمه فيهم أن هداهم للإسلام)، أي: لم يمنعه علمه بهم أن هداهم للإسلام فضلًا منه وإحسانًا، كما قال ﷾: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧]، (ومنّ به عليهم كرمًا وجودًا وتفضلًا فله الحمد) فقال: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
[ ٩ / ١٠ ]
البشارات عند الموت
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن البشارة عند الموت ثلاث بشارات، يقال: أبشر يا حبيب الله برضا الله والجنة، ويقال: أبشر يا عدو الله بغضب الله والنار، ويقال: أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الإسلام.
هذا قول ابن عباس].
يبشر المؤمن عند موته بالمغفرة والرضوان، فقد جاء في حديث البراء وغيره: (أن ملك الموت إذا قبض روح المؤمن فإنها تخرج كما تخرج القطرة من في السقاء -يعني: من فم السقاء- فيقال لها: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، وأما الفاجر أو الكافر فتنزع روحه كم ينزع الصوف من السفود المبلول، ويقال لها: اخرجي إلى غضب من الله وسخط) فالمؤمن يبشر بهذه البشارة: (اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان)، والكافر يبشر بهذه البشارة: (اخرجي إلى غضب من الله وسخط) نسأل الله السلامة والعافية.
وقد بيّن الله تعالى في كتابه العزيز أن المؤمن يبشر فقال ﷿: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
وقال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].
فهذه ثلاث بشارات للذين قالوا: (ربنا الله) أي: معبودنا وإلهنا حقًا هو الله، ثم استقاموا على ذلك بالعمل، فتتنزل عليهم الملائكة عند الموت بهذه البشارات: (ألا تخافوا) وهذه البشارة الأولى، والثانية: (ألا تحزنوا)، والثالثة: (وأبشروا بالجنة).
فالبشارة الأولى: (ألا تخافوا) أي: مما أمامكم من عذاب الله وسخطه والنار، فأمنوهم من ذلك.
والثانية: (ولا تحزنوا) أي: على ما خلفتم من الأموال والأولاد فنحن نخلفكم فيهم.
والبشارة الثالثة: (وأبشروا بالجنة)، أي: عند الموت، ففي حال الشدة والوقت العصيب يبشرون هذه البشارات: لا تخافوا مما أمامكم من عذاب القبر والنار، ولا تحزنوا على ما خلفتم من الأولاد، فالملائكة يخلفون المؤمن فيهم، وأبشروا بالجنة.
وأما الظالمون فيبشرون بالنار، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣]، فهذا في غمرات الموت، فيبشرونهم بالعذاب والعياذ بالله، فالمؤمن يبشر بالجنة والكافر يبشر بالعذاب.
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠]، وهذا أيضًا عند الموت، فيضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق.
فهذه البشارة: (أبشر يا حبيب الله برضا الله والجنة) دليلها كما ذكرنا قوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].
وأما قوله: (أبشر يا حبيب الله برضا الله) فهذا اللفظ يحتاج إلى دليل، وأما بشارة الكافر: (أبشر يا عدو الله!) فهذا يحتاج إلى دليل.
وقوله في البشارة الثالثة: ويقال: (أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الإسلام) فما دليل هذه البشارة؟ وما الفرق بين هذه البشارة وبين البشارة الأولى؟ إذًا فالبشارات الثلاث التي هي للمؤمن كما سمعتم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠]، فهذه بشارة بتأمينهم من الخوف من العذاب في المستقبل، والثانية: ﴿وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠]، أي: لا تحزنوا على ما خلفتم من الأموال والأولاد، والبشارة الثالثة: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت:٣٠]، فهذه هي البشارات الثلاث.
وأما ما ذكره المؤلف فهما بشارتان للمؤمن بالجنة، وبشارة للكافر بالنار، ومعلوم أن للمؤمن ثلاث بشارات خاصة به كما ذكرنا، فليراجع كلام ابن عباس في تفسير ابن كثير والتذكرة للقرطبي، فينظر في كلام ابن عباس هل فيه ذكر هذه البشارات الثلاث التي ذكرها المؤلف، وينظر أيضًا هل هي: أبشر يا عبد الله! بالجنة بعد الإسلام أو بعد الانتقام، فإذا ثبت هذا عن ابن عباس فتكون البشارة الأولى للمؤمن الذي يدخل الجنة من أول وهلة، والثانية للمؤمن بعد تعذيبه بالنار، والثالثة للكافر، وإن لم يثبت فهما بشارتان: بشارة للمؤمن، وبشارة للكافر.
[ ٩ / ١١ ]
النظر إلى الله تعالى في الجنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واعلم أن أول من ينظر إلى الله تعالى في الجنة الأضراء، ثم الرجال، ثم النساء، بأعين رءوسهم، كما قال رسول الله ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته)، والإيمان بهذا واجب، وإنكاره كفر].
قوله: (واعلم أن أول من ينظر إلى الله تعالى في الجنة الأضراء) الأضراء جمع ضرير، وهو الأعمى الذي ذهب بصره، فهذا أول من ينظر إلى الجنة؛ لأنه كان غير مبصر في الدنيا فهو أول من ينظر إلى الله في الجنة، لكن جاء هذا في حديث ضعيف، والصواب أن الأضراء وغيرهم سواء، فالمؤمنون جميعًا ينظرون إلى الله.
قوله: (ثم النساء) فهذا الترتيب يحتاج إلى دليل، والله تعالى يقول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم)، وهذا خطاب للرجال والنساء، فلا يقال: إن الأعمى ينظر أولًا ثم الرجال ثم النساء.
وهم ينظرون إلى الله تعالى بأعين رءوسهم، قال النبي ﷺ: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته)، رواه البخاري ومسلم، والأحاديث في رؤية الله تعالى بلغت حد التواتر، قال ابن القيم ﵀: رواها من الصحابة نحو ثلاثين صحابيًا في الصحاح والسنن والمسانيد.
وكذلك النصوص في القرآن الكريم صريحة في رؤية الله، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
قوله: (والإيمان بهذا واجب، وإنكاره كفر) لقد كفر الأئمة من أنكر رؤية الله، فقال الإمام أحمد وجماعة: من قال: إن الله لا يُرى في الآخرة فقد كفر، نسأل الله السلامة والعافية.
[ ٩ / ١٢ ]