عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - الغلو في الصالحين
لقد حذر رسول الله ﷺ من الغلو في الصالحين أشد التحذير، وحسم كل مادة تخدش جناب التوحيد، وسد كل ذريعة تؤدي إلى ذلك، وقد اقتدى به أصحابه رضوان الله عليهم.
[ ٥ / ١ ]
التحذير من الغلو في الصالحين واتخاذ القبور مساجد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن صحابة رسول الله ﷺ هم الأسوة وهم القدوة، وقد قال فيهم ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب الناس فوجد أفضل القلوب وأنقى القلوب هو قلب رسول الله ﷺ فاصطفاه نبيًا ورسولًا، ونظر بعد ذلك في قلوب العباد فوجد أبر القلوب وأنقى القلوب قلوب الصحابة فاصطفاهم لصحبة نبيه، ونصرة دينه، ونشر دعوته، فهم أبر الناس قلبًا، وأحسن الناس خلقًا، وأصدق الناس إيمانًا، وأعمقهم علمًا.
علموا من رسول الله ﷺ كيف يأمر وبم يأمر؟ فتأسوا به الله ﷺ وأتمروا بأمره، وعرفوا ما ينهى عنه النبي ﷺ، على مراد النبي ﷺ في النهي، فحرموا على أنفسهم وعلى غيرهم ما حرمه رسول الله ﷺ.
فقد ائتسوا برسول الله وهو يحفظ جناب التوحيد الخالص لله جل في علاه، فإن رسول الله ﷺ نهاهم عن الغلو في الصالحين، وعن بناء المساجد على القبور، حيث قال النبي ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله).
ولما ذهب إلى بعضهم فقالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا قال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان) أي: لا تغلوا في أحد.
وأيضًا: نهى سدًا للذريعة وحسمًا للمادة عن اتخاذ القبور مساجد كما سنبين.
[ ٥ / ٢ ]
الغلو في الصالحين سبب للوقوع في الشرك
[ ٥ / ٣ ]
أول شرك وقع في الأرض سببه الغلو في الصالحين
والصحابة رضوان الله عليهم عبدوا الله بالتوحيد الخالص كما أمرهم النبي ﷺ، وسنرى كيف سدوا منابع الشرك، وكيف حسموا مادة الشرك ائتمارًا بأمر النبي ﷺ.
إن أول الشرك في البشرية بأجمعها كان بسبب الغلو في الصالحين، وكما قال ابن عباس ومحمد بن كعب كما في تفسير ابن أبي حاتم وهو عند البخاري وابن جرير الطبري وابن كثير أن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد الخالص.
أي: لم يشرك أحد بالله جل في علاه، ثم جاء قوم نوح وكان هناك بعض الناس يعني: من الفضلاء الكبراء الذين يتعبدون لله في ذلك الزمان فكانوا يعظمونهم، فلما ماتوا زين لهم الشيطان أن يصوروا لهم التصاوير، يعني: التماثيل من أجل أن يذهبوا إلى هذه التماثيل فيتذكروا شدة اجتهادهم في عبادتهم فيعبدون الله كما كان يعبده أولئك فكأنها تشد الهمم.
وانظروا إلى فقه الشيطان، فإنه لا يفتح للإنسان باب الشر على مصراعيه، بل يستدرج الإنسان ويفتح له باب الخير ليفتح بعده مائة باب من الشر، ولذلك كان الصحابة يسألون عن الشر حتى يغلقوا أبوابه، قال حذيفة: كان الناس يسألون النبي ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الشر من الخير يقع فيه فمن لا يميز بين الخير والشر سيقع في الشر حتمًا، ولهذا كان فضل العلم وفضل الفقه عظيمًا، فإن الشيطان استدرج هؤلاء الأغرار الأغمار الجهلة حتى يجتهدوا في العبادة كما اجتهد أولئك، فلما اندرس العلم ومات الذين كانوا يفعلون ذلك جاء أقوام بعدهم فقالوا: إنهم اتخذوا وسائل بينهم وبين الله شفعاء كما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فعبدوهم من دون الله جل في علاه.
وهذا أول الشرك وأصله، وهو الغلو في الصالحين وبناء المساجد على قبور الصالحين.
[ ٥ / ٤ ]
أول شرك اليهود والنصارى سببه الغلو في الصالحين
وإذا نظرت إلى اليهود والنصارى وجدت أن أول الشرك فيهم كان بسبب الغلو، فترى أن اليهود والنصارى عندما غلو في الأنبياء وفي الصالحين صوروا لهم الصور، ثم بنوا عليهم القبور، فلما بنوا عليهم القبور بلغوا بهم إلى درجة الربوبية ودرجة الإلهية، ففي الصحيح عن أم حبيبة أنها لما ذكرت للنبي ﷺ الكنيسة التي رأتها في الحبشة وفيها تلك التصاوير قال النبي ﷺ: (أولئك شرار الخلق عند الله) لم يا رسول الله؟ قال: (لأنهم إذا مات فيهم الرجل الصالح صوروا له تلك التصاوير وبنوا على قبره).
فكان أول الشرك هو الغلو في الصالحين والبناء على القبور، وقد بين لنا شيخ الإسلام كيف حسم النبي ﷺ المادة وكيف دافع عن التوحيد الخالص حتى لا تقع الأمة في الشرك، فرسول الله ﷺ أولًا حث الأمة على عدم بناء المساجد على القبور، وذم كل من فعل ذلك وهو في مرض الموت، كما في الصحيح عن عائشة أنه كانت هناك خميصة أو قطيفة في يد النبي، فطفق النبي ﷺ يجعلها في رأسه ثم إذا أفاق قال: (ألا لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك).
ثم إنه حث الأمة على البعد عن ذلك بقوله: (لتتبعن) يعني: ينكر على الأمة، والأمة اليوم والله إنها قد تاهت وضاعت وفعلت كما فعل السابقون إلا من رحم الله قال: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم حذو القذة بالقذة).
وفي رواية أخرى قال: (شبرًا بشر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).
وفي رواية قال: (ولو نكح فيهم الرجل أمه لوجد في أمته من يفعل ذلك) وقد وقع فقد وجد في هذه الأمة من زنى بأمه والعياذ بالله.
فالنبي ﷺ يذم الفعل ويحذر ما صنعوا.
وأيضًا: عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ: (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك).
[ ٥ / ٥ ]
نهي النبي ﷺ عن الغلو فيه
وفي الموطأ عن النبي ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيدًا) يعني: من العود، فلا تعتادوا وتنتابوا قبري ليل نهار، وهذا الذي نبينه للحجاج والمعتمرين لأن بعضهم إذا صلى الفجر قال: أنا سأسلم على النبي، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا عمر، ثم يأتي في الظهر يسلم وفي المغرب يسلم وفي العصر يسلم، وفي العشاء يسلم، فهو يقع في البدعة ولا يدري، وقد قال النبي ﷺ: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد).
وعلاقة الحديث بموضوعنا أن النبي ﷺ أراد حسم المادة؛ لأنهم لو عاودوا الذهاب والإياب إلى قبر النبي ﷺ سيقعون في الغلو في رسول الله، وقد حدث الغلو في رسول الله ﷺ، كما قال البوصيري: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم قال ابن رجب: هذا السفيه لم يترك لله شيئًا، أي: من جودك أنت الدنيا والآخرة، ومن علومك علم اللوح والقلم أي: علم اللوح المحفوظ من علمك يا رسول الله، وهذا من الغلو في رسول الله ﷺ.
وبعضهم غلوا في النبي ﷺ حتى قالوا: إن النبي خلق من نور.
والأشد من هذا قولهم: صعد جبريل ليأخذ القرآن من أجل أن ينزل به إلى محمد فكشف الحجاب فقال محمد: منك وإليك.
لقد جعلوا رسول الله الخالق وهو المخلوق.
فالعود على قبر النبي ﷺ سيصل بالإنسان إلى الغلو في النبي ﷺ، والغلو في النبي ﷺ يصل به إلى الشرك بالله جل في علاه، فلذلك قال النبي ﷺ حسمًا للمادة: (لا تجعلوا قبري عيدًا).
وكان يقول: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) والحمد لله قد كان.
وقالت عائشة ﵂ وأرضاها: قال رسول الله ﷺ: (اشتد غضب الله على أقوام يتخذون القبور مساجد).
وقال النبي ﷺ: (شرار الخلق عند الله من تقوم عليهم الساعة، والذين يتخذون القبور مساجد) كل هذه النواهي كانت حسمًا للمادة وسدًا للذريعة وخوفًا من وقوع الأمة في الغلو في الصالحين ببناء المساجد على قبورهم.
[ ٥ / ٦ ]
اقتداء الصحابة برسول الله في حماية جناب التوحيد
وصحابة رسول الله ﷺ حسموا المادة وسدوا الذريعة أسوة برسول الله ﷺ، فهذا علي بن أبي طالب كما في صحيح البخاري يقول لـ أبي الهياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ؟ ألا تجد تمثالًا إلا كسرته، أو قال: ألا تجد صنمًا إلا كسرته، ولا تجد قبرًا مشرفًا إلا سويته) فلا بد من تسوية القبور.
والبدع الموجودة في المقابر التي نراها من تعلية القبور وتجصيصها، وكتابة الكلمات التي لا تصح، كلها بدع تصل بالإنسان إلى الغلو في الصالحين ثم الشرك، وعلي بن أبي طالب ينتصر للتوحيد ويأتسي برسول الله ﷺ ويقول: إذا رأيت قبرًا مشرفًا لا بد أن تسويه بالأرض.
وعمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عندما فتح الله بلاد العراق على يده بعث إليه أبا موسى الأشعري بقوله: وجدنا قبر دانيال.
وهو نبي من أهل الإسلام لأن الأنبياء كلهم كانوا على الإسلام، والدليل قول النبي ﷺ: (الأنبياء إخوة لعلات) أي: لأب واحد والأمهات شتى يعني: دينهم واحد وشرائعهم مختلفة، ويصدق ذلك قول الله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] هذا هو الدليل الصريح الصحيح في أن الأنبياء كلهم كانوا على دين واحد وهو دين الإسلام.
فعندما رأوا قبر دانيال ﵇ في العراق بعثوا إلى عمر ماذا نفعل؟ انظروا إلى حسم المادة وسد الذريعة فقال عمر بن الخطاب: احفروا ثلاثة عشر قبرًا ليعمي على الناس، ثم ادفنوه ليلًا في واحد منها؛ لأنه علم أن الناس كانوا يستسقون به، والاستسقاء بالأموات ممنوع.
فإن قيل: هل هو شرك مخرج من الملة أم لا؟
الجواب
الصحيح الراجح أنهم إذا استسقوا بدانيال بأن يقولوا: أنزل علينا المطر، فقد كفروا، وإذا قالوا: اللهم بجاه دانيال أنزل علينا المطر فقد ابتدعوا في دين الله بدعة مميتة، وهي وسيلة إلى الشرك.
لكن في الأول من أي وجه أشركوا عندما قالوا لدانيال: أنزل علينا المطر؟ لاشك أن فعلهم فعل كفري، ولا يتجرأ على مسألة التكفير إلا جاهل جريء عميق الجهل؛ لكن نقول: القول قول كفري والفعل فعل كفري، والقائل والفاعل ليسا بكافرين حتى تقام عليهما الحجة وتزال الشبهة.
والذي يقول لدانيال: أنزل علينا المطر، أغثنا يا دانيال قد قال قولًا كفريًا صريحًا من عدة وجوه: الوجه الأول: أنه صرف العبادة لغير الله؛ لأن الدعاء عبادة لله وقد صرفها لغير الله، والقاعدة: أنه إذا ثبت في الشرع أنها عبادة لله فصرفها لغير الله شرك.
الوجه الثاني وهو المهم: أنه أشرك في الربوبية؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، فإذا اعتقد في دانيال أو اعتقد في محمد أو في إبراهيم أو في موسى أنه هو الذي ينزل المطر، فقد اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، وهذا شرك في الربوبية.
فـ عمر بن الخطاب حسمًا للمادة وحفاظًا على جناب التوحيد عمى على الناس خبره وحفر ثلاثة عشر قبرًا، ثم دفنه ليلًا حتى لا يستسقي به الناس وحتى لا يصلوا إلى الشرك بهذا الغلو.
[ ٥ / ٧ ]
حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر
مسألة: لقد منع النبي ﷺ من بناء المساجد على القبور، فهل إذا صلى فيها المرء تصح صلاته أو لا تصح، وإن كان هذا الجانب جانبًا فقهيًا أكثر منه عقديًا؛ لكن لزامًا علينا أن نبين هذه المسألة.
فهذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: أن من صلى في مسجد فيه قبر فصلاته باطلة ويجب عليه إعادة الصلاة، وهذا قول الحنابلة.
واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: فهو باطل ولا يمكن أن يكون صحيحًا.
وقول النبي ﷺ: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل.
وقالوا: مطلق النهي يقتضي الفساد، فلما نهى النبي ﷺ عن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، فهذا النهي يدل على أن هذا العمل ليس على سنة النبي، وكل عمل ليس على سنة النبي فهو باطل مردود، وهذا القول الأول.
أما القول الثاني فهو قول جماهير أهل العلم من الشافعية والمالكية والأحناف؛ وهو أن الصلاة صحيحة ويأثم المصلي، والإثم يكون مع العلم، فلو دخل رجل مسجدًا فيه قبر فصلى فيه وهو لا يعلم أن هذا المسجد فيه قبر لا يأثم؛ لقول النبي ﷺ: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
وقوله ﷿: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
فمن دخل مسجدًا فيه قبر وهو يعلم أن هذا المسجد فيه قبر فلا يصل فيه، فإن صلى فهو آثم؛ لأنه ارتكب نهيًا؛ ولأنه تعدى حدود الله، والنبي ﷺ نهى عن الصلاة في المساجد التي فيها قبور، فقال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها).
وقال النبي ﷺ كما في الصحيح: (صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبورًا).
ووجه الدلالة من هذا الحديث هو: الأصل أن القبور لا يمكن أن يصلى فيها ولا يجوز أن يصلى فيها، فأنت إن لم تصل في بيتك شبهت بيتك بالقبر، ولذلك كان النبي ﷺ يصلي النوافل في البيت.
وفي مسند أحمد بسند صحيح: أن السنة في البيت تساوي الفرض في المسجد، يعني: النافلة في البيت تضاعف على النافلة في المسجد بسبع وعشرين درجة، فكم ضيعنا من درجات، وكم فرطنا في صلاة النافلة في المسجد، وهذا تصريح من النبي ﷺ أن الصلاة في البيت كصلاة الفرض في المسجد.
فقال الجمهور: يأثم لأنه تعدى حدود الله، وصلاته صحيحة، لأن الجهة منفكة يعني: النهي منفك عن ذات الصلاة، فإن الصلاة لها أركان وشروط، فمن أتى بالأركان وأتى بالشروط تامة فقد صحت صلاته.
يعني: من توضأ، واستقبل القبلة، وستر العورة، وقرأ الفاتحة في كل ركعة وركع، ورفع، وسجد، ورفع من السجود، فقد أتى بالأركان وبالشروط تامة فتصح صلاته بذلك.
إذًا: فصلاته صحيحة لأنه أتم الأركان والشروط قالوا: ويأثم لأنه تعدى النهي وبعض الحنابلة يرون أن الجهة ليست منفكة.
ومعنى قولهم (الجهة منفكة) يتبين من قول النبي ﷺ عندما أخذ الذهب والحرير: (هذان حلال لنساء أمتي حرام على ذكورها).
فلو أن رجلًا لبس قميصًا من حرير ثم قام فصلى الظهر وقع في النهي فهل تبطل صلاته أم لا؟ قال أبو يعلى تبطل؛ لأن النهي عندهم يقتضي الفساد مطلقًا.
والصحيح الراجح أنها لا تبطل لأن لبس الحرير في غير الصلاة لا يجوز، وفي الصلاة لا يجوز أيضًا، فليس له علاقة بذات الصلاة، الصلاة علاقتها أن يكون فيها أركان وشروط متوفرة من استقبال القبلة وغيرها، فمن أتى بالشروط والأركان وأتمها في الصلاة صحت صلاته، وهذا الراجح الصحيح.
وأما الرد على من استدل بقول النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: فهو باطل فنقول: قد عمل عملًا عليه أمرنا وهي الصلاة بالأركان والشروط التامة، فصحت صلاته، ثم اتخذ مكانًا ليس عليه أمرنا، وهو المسجد الذي فيه القبر، فأثم في التعدي وصحت صلاته التي تمت فيها الأركان والشروط، وهذا هو الراجح الصحيح، فتصح الصلاة حتى ولو علم أن فيه قبرًا.
هذه آخر مسألة، والمسائل القادمة إن شاء الله ستكون في العقيدة.
[ ٥ / ٨ ]