شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١]
الوسيلة المأمور بها شرعًا هي التقرب إلى الله ﷾ على نحو ما شرع، بالدعاء والعبادة واتباع النبي ﷺ، والتوسل بدعائه في حياته، واتباع سنته بعد مماته، كما أن من التوسل المشروع طلب الدعاء من الرجل الصالح، والكافر لا ينال شفاعة الشافعين؛ لأن الكفر مانع من الشفاعة.
[ ١ ]
مقدمة جامعة في التوسل
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: [الحمد لله؛ نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا].
في هذا الاستفتاح ينبغي التنبيه إلى أن الشيخ في هذا الدرس بدأ بكتاب جديد في ثنايا المجلد الأول من الفتاوى، ولذلك افتتح بخطبة الحاجة، وهو كتاب التوسل والوسيلة، وهذا الكتاب كما يوجد ضمن الفتاوى، فهو يوجد مستقلًا ومطبوعًا في كتاب متداول، فينبغي التنبه إلى أنه في هذه الافتتاحية سيبدأ في كتاب جديد يشمل باقي المجلد الذي بين أيدينا.
[ ٢ ]
ابتغاء الوسيلة إلى الله بالإيمان بمحمد ﷺ واتباعه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ففرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق أهل الجنة وطريق أهل النار، وبين أوليائه وأعدائه.
فالحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، وقد أرسله الله إلى الثقلين الجن والإنس، فعلى كل أحد أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه في باطنه وظاهره، والإيمان به ومتابعته هو سبيل الله وهو دين الله، وهو عبادة الله، وهو طاعة الله، وهو طريق أولياء الله، وهو الوسيلة التي أمر الله بها عباده في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، فابتغاء الوسيلة إلى الله إنما يكون لمن توسل إلى الله بالإيمان بمحمد واتباعه.
وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد باطنًا وظاهرًا، في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته؛ في مشهده ومغيبه، لا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه، ولا بعذر من الأعذار، ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا بالتوسل بالإيمان به وبطاعته.
وهو ﷺ شفيع الخلائق، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدرًا وأعلاهم جاهًا عند الله.
وقد قال تعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]، وقال عن المسيح: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [آل عمران:٤٥]، ومحمد ﷺ أعظم جاهًا من جميع الأنبياء والمرسلين، لكن شفاعته ودعاءه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ﵎ بدعائه وشفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
ولفظ التوسل في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى].
قبل أن يبدأ الشيخ تفصيله في التوسل أحب أن أشير أنه في هذه المقدمة أشار الشيخ إلى مجمل الموضوع وسيفصل فيما بعد، فأشار إلى حقيقة التوسل التي سيتكلم عنها؛ لأن المخالفين خالفوا في مفهوم التوسل وحقيقته فوقعوا في البدع، وذكر بإيجاز أن حقيقة التوسل هو التقرب إلى الله ﷿، وأن كل تقرب على نحو مشروع إلى الله بالعبادة والدعاء واتباع الرسول ﷺ فإن ذلك هو التوسل الحقيقي، وأنه يدخل في التوسل صور أيضًا هي نوع من التقرب، لكن يخفى أمرها على الناس، وقد أشار شيخ الإسلام هنا إلى شيء منها، وهي التوسل بدعاء النبي ﷺ في حياته، أي: بطلب الدعاء منه، وهذه سيتكلم عنها الشيخ كثيرًا؛ لأن الناس توهموا في مثل هذه الصورة أن التوسل يكون بذات النبي ﷺ حيًا وميتًا، وأن التوسل يكون بدعائهم من دون الله وصرف أنواع العبادة له أو لغيره من الخلق، فأراد أن يستفتح هذا الكتاب بهذه المقدمة التي ضمنها المفهوم الصحيح عن حقيقة التوسل، وأنه يعني التقرب إلى الله بعبادته بما شرع هو سبحانه وشرع رسوله ﷺ، وأن الصور الأخرى التي تخرج عن هذا المعنى ملحقة به وهي صور محدودة، كالتوسل بدعاء النبي ﷺ، وما سيذكره أيضًا فيما بعد من طلب الدعاء من المسلمين أو من الرجل الصالح، وأن هذا ليس فيه توسل بالذوات، إنما فيه طلب لأمر مشروع، وهو أن تطلب من المسلم أن يدعو لك وهو قادر حي مستطيع، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، ومن باب النصيحة لعامة المسلمين وخاصتهم، لا من باب التبرك أو التوسل بالذوات كما يفعل كثير من الجهلة.
[ ٣ ]
التوسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته مع الإيمان به
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة.
ولهذا نهي عن الاستغفار لعمه وأبيه وغيرهما من الكفار، ونهي عن الاستغفار للمنافقين وقيل له: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦]، ولكن الكفار يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الإيمان].
إذًا: لو كانت الوسيلة بيد النبي ﷺ مطلقًا دون أن تقيد بإذن الله ﷿ وبشروطها لقبل استغفاره لمن لم يأذن الله له، لكن لما شرط قبول الاستغفار بشروطه الشرعية، صار الأمر لا يرجع إلى الرسول ﷺ، إنما يرجع إلى إذن الله ﷿، وإلى ما شرعه الله لرسوله.
والرسول ﷺ لما نهاه ربه عن أن يستغفر للمشركين، التزم هذا الأمر فلم يستغفر لهم، ولم يأمر به ولم يشرعه، لا كما يفعل كثير من المبتدعة الذين لا يفرقون بين هذا وذاك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن الكفار يتفاضلون في الكفر كما يتفاضل أهل الإيمان في الإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧]، فإذا كان في الكفار من خف كفره بسبب نصرته ومعونته، فإنه تنفعه شفاعته في تخفيف العذاب عنه لا في إسقاط العذاب بالكلية، كما في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: (قلت: يا رسول الله، فهل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، وفي لفظ: (إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح).
وفيه عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منهما دماغه) وقال: (إن أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه).
وكذلك ينفع دعاؤه لهم بألا يعجل عليهم العذاب في الدنيا (كما كان ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، وروي أنه دعا بذلك: (أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذاب في الدنيا)، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل:٦١].
وأيضًا فقد يدعو لبعض الكفار بأن يهديه الله أو يرزقه فيهديه أو يرزقه، كما دعا لأم أبي هريرة حتى هداها الله، وكما دعا لدوس فقال: (اللهم اهد دوسًا وائت بهم) فهداهم الله.
وكما روى أبو داود أنه استسقى لبعض المشركين لما طلبوا منه أن يستسقي لهم، فاستسقى لهم، وكان ذلك إحسانًا منه إليهم يتألف به قلوبهم، كما كان يتألفهم بغير ذلك].
على أي حال في هذا المقطع لا يزال الشيخ يقدم لما سيفصله، ليبين بعض الصور الجائزة في التوسل والصور الممنوعة، وأن الصور التي ورد استثناؤها من القاعدة كشفاعته ﷺ لعمه أبي طالب لا يقاس عليها؛ لأنه لا يجوز القياس في أمور الغيب.
ثم إن هذه الشفاعة التي ستحدث لـ أبي طالب لا تكون في مصيره، إنما تكون فيما يتعلق بتخفيف العذاب عنه، ونعلم أن أهل النار تتفاوت درجاتهم فيها.
ثم إن هذه الصور التي تخرج عن القاعدة في ظاهرها صور محدودة جاءت عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ.
أما الصور الأخرى التي ابتدعها أهل الأهواء وتوسعوا في مفهوم الشفاعة فيها، فهي من الباطل الذي يتعارض مع أصول الشرع، لأنها قول على الله بغير علم، والقول على الله من أعظم الذنوب.
والله أعلم.
[ ٤ ]
بيان أن رسول الله ﷺ أعظم الخلق جاهًا عند الله تعالى
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وقد اتفق المسلمون على أنه ﷺ أعظم الخلق جاهًا عند الله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته، لكن دعاء الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم، فإن الإيمان بهم وطاعتهم توجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقًا وعامًا، فكل من مات مؤمنًا بالله ورسوله ﷺ، مطيعًا لله ورسوله ﷺ؛ كان من أهل السعادة قطعًا، ومن مات كافرًا بما جاء به الرسول ﷺ كان من أهل النار قطعًا].
أراد الشيخ بذكر هذه الحقيقة تقرير أمر اتهم أهلُ الأهواء أهل السنة بأنهم ينكرونه أو قدحوا فيهم من هذا الجانب؛ ذلك أن أهل السنة والجماعة لما أنكروا على أهل البدع التوسل بذات النبي ﷺ ودعائه من دون الله ﷿ في قبره وهو ميت، وأنكروا عليهم أنواعًا من التوسلات البدعية، وما زعموا أن له ﷺ من الخصائص في الدنيا والآخرة ما لا يجوز إلا لله ﷿، وحينما زعموا ذلك ظنوا أن من منع هذا فقد انتقص الرسول ﷺ، فكأن الشيخ أراد أن يبين أن المسلمين اتفقوا على أنه ﷺ أعظم الخلق جاهًا عند الله، وأن هذا الجاه إنما هو منَّة من الله ﷿ وفضل، وأن هذا الجاه الذي للنبي ﷺ مشروط بشروطه وبضوابطه التي ذكرها الله ﷿، وأن شفاعته راجعة إلى إذن الله وإلى انطباق الشروط حتى يأذن الله بها، وأنه لا يعني قولنا بأنه لا يجوز تقديس النبي ﷺ أو التوسل به انتقاصه أبدًا، بل يعني ذلك تكريمه ﷺ من أن يحدث باسمه أو في دينه ما لا يجوز عند الله ﷿، فإنما ذلك لحماية جنابه ولحماية حقه ﷺ، بعكس ما يظن أهل الأهواء.
إذًا: اتفق المسلمون على أنه ﷺ أعظم الخلق جاهًا عند الله، وأهل السنة هم أول من قرر ذلك، وأنه لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، والشفاعة العظمى دليل ذلك، بل أدلة ذلك متواترة، فهو أفضل الخلق على الإطلاق ﷺ؛ أفضلهم ذاتًا، وأفضلهم جاهًا، وأفضلهم اعتبارًا، وأفضلهم قدرًا ومنزلة، وأقربهم إلى الله ﷿، لكن لا يعني ذلك أن تكون له خصائص لا تجوز إلا الله، أو أن يتوسل به التوسل البدعي؛ لأن ذلك من انتقاص قدره لا من تعظيمه.
[ ٥ ]
انتفاع العباد بالشفاعة والدعاء له شروط وموانع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار، والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم، ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا، فلا شفيع أعظم من محمد ﷺ، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١]].
بعد أن بين أن النبي ﷺ أعظم الناس جاهًا، ذكر أن الشفاعة والدعاء لها شروط وموانع، فإن شفاعته لا تنفع الكفار، فأراد أن يمهد بهذا المقام حتى يذكر الأدلة من الكتاب والسنة على أن شفاعة النبي ﷺ وغيره من الشفعاء لا يمكن أن تشمل الكافرين أبدًا، وأن الله ﷿ منع ذلك، وأن ذلك لا يعني الاستنقاص من جاه النبي ﷺ أو جاه إبراهيم أو غيره من الأنبياء، إنما يعني أن الأمر راجع لله وحده، فله الأمر سبحانه لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه.
[ ٦ ]
الأدلة على امتناع الشفاعة للكافرين
قال رحمه الله تعالى: [وقد كان ﷺ أراد أن يستغفر لـ أبي طالب اقتداء بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]، ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٤ - ١١٥].
وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب أنت وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله ﷿: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: انظر ما تحت رجليك فينظر، فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)].
الذيخ، هو الذئب، وذكر الضبع، وكله من جنس الذئب.
قال رحمه الله تعالى: [فهذا لما مات مشركًا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال تعالى للمؤمنين: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة:٤ - ٥]، فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومن اتبعه، إلا في قول إبراهيم لأبيه: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ» فإن الله لا يغفر أن يشرك به.
وكذلك سيد الشفعاء محمد ﷺ، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي).
وفي رواية أن النبي ﵌ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت).
وثبت عن أنس في الصحيح: (أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه، فقال: إن أبي وأباك في النار).
وثبت أيضًا في الصحيح عن أبي هريرة: (لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] دعا رسول الله ﵌ قريشًا فاجتمعوا فعم وخص، فقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها).
وفي رواية عنه: (يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله، سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا).
وعن عائشة: (لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] قام رسول الله ﵌ فقال: يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا ذات يو
[ ٧ ]
الأسئلة
[ ٨ ]
معنى قوله في الحديث: (سأبلها ببلالها)
السؤال
ما معنى: (سأبلها ببلالها)؟
الجواب
هذه ورد فيها تفسيرات كثيرة، لكن من أوضحها أنه سيبذل ما يستطيع لنفع رحمه في الدنيا، يعني: في الصلة الدنيوية فقط، أما الشفاعة فيما يتعلق بالهداية فلا ينفع رحمه بشيء، والشفاعة في الآخرة فيمن كان منهم كافرًا فلا ينفع رحمه بشيء، فقيل: إن معنى (سأبلها ببلالها) هو ما يستطيع أن ينفعهم به في دنياهم، والدعاء لهم بالهداية والصلاح لا أكثر من ذلك.
[ ٩ ]