شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة [١١]
مفاسد سؤال المخلوقين كثيرة، منها الذلة التي تلحق السائل، والافتقار إلى غير الله تعالى، وإيذاء المسئول، وكل هذه المفاسد وغيرها فيها ظلم واعتداء، وقد أمر الله العباد وحثهم على سؤاله وحده والتوجه إليه والرغبة فيما عنده، فإنه وحده تعالى الذي ينفع عباده ويثيبهم ويعطيهم أعظم وأجزل وأكثر مما لو طلب العبد غيره.
[ ١١ / ١ ]
مفاسد سؤال المخلوق
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [ولابد في جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصة لله رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٤ - ٥].
وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:١ - ٣].
فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة؛ كالإيمان بالله ورسوله والعبادات البدنية والمالية ومحبة الله ورسوله، والإحسان إلى عباد الله بالنفع والمال، هو مأمور بأن يفعله خالصًا لله رب العالمين، لا يطلب من مخلوق عليه جزاء، لا دعاء ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء، لا دعاء ولا غيره.
وأما سؤال المخلوق غير هذا فلا يجب، بل ولا يستحب إلا في بعض المواضع، ويكون المسئول مأمورًا بالإعطاء قبل السؤال، وإذا كان المؤمنون ليسوا مأمورين بسؤال المخلوقين، فالرسول أولى بذلك ﷺ، فإنه أجل قدرًا وأغنى بالله عن غيره.
فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي من نوع الشرك.
ومفسدة إيذاء المسئول، وهي من نوع ظلم الخلق.
وفيه ذل لغير الله وهو ظلم النفس.
فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة، وقد نزه الله رسوله عن ذلك كله].
قوله: (مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي نوع من الشرك)، لا يقصد بذلك أنها كلها من الشرك الأكبر، فالافتقار إلى غير الله إذا كان من باب العبادة كدعاء غير الله أو الاستعانة والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو شرك أكبر، وإذا كان ما دون ذلك، فهو نوع من الشرك الأصغر جزمًا، فيسمى شركًا تجوزًا، ولأن كثيرًا من طلب العباد للعباد فيه نوع افتقار إلى غير الله، حتى وإن كان من باب المباح، فكون الإنسان يحتاج إلى أخيه بأن يقترض منه مالًا، ومقتضى العزم والحزم أن يدعو الله ﷿ أن يجعل له من أمره يسرًا، ويعزم المسألة في دعاء الله ﷿ من دون اقتراض مثلًا، لكن لو اقترض فهذا مباح له وليس فيه عليه حرج، وربما يكون عند الإنسان أحيانًا نوع من الاعتماد على المخلوق حتى في المباح، حتى يذهل عن الاعتماد على الله ﷿، فهذا لا شك أنه يقع في الإثم، مما قد يجعل صورة العمل عنده قريبًا من الشرك الأكبر ولو لم تكن شركًا أكبر.
وأقول: إن مثل هذا الأمر يتفاوت، فمنه ما هو شرك أكبر، ومنه ما هو دون ذلك، وكله يسمى افتقارًا إلى غير الله، وكل ذلك فيه مفسدة.
[ ١١ / ٢ ]
الحث على سؤال الله والتوجه إليه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحيث أمر الأمة بالدعاء له فذاك من باب أمرهم بما ينتفعون به، كما يأمرهم بسائر الواجبات والمستحبات، وإن كان هو ينتفع بدعائهم له، فهو أيضًا ينتفع بما يأمرهم به من العبادات والأعمال الصالحة.
فإنه ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء)، ومحمد ﷺ هو الداعي إلى ما تفعله أمته من الخيرات، فما يفعلونه له فيه من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لم تجر عادة السلف بأن يهدوا إليه ثواب الأعمال؛ لأن له مثل ثواب أعمالهم بدون الإهداء من غير أن ينقص من ثوابهم شيء، وليس كذلك الأبوان؛ فإنه ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره، وإنما ينتفع الوالد بدعاء الولد ونحوه مما يعود نفعه إلى الأب، كما قال في الحديث الصحيح: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له).
فالنبي ﷺ فيما يطلبه من أمته من الدعاء؛ طلبه طلب أمر وترغيب ليس بطلب سؤال، فمن ذلك أمره لنا بالصلاة والسلام عليه، فهذا أمر الله به في القرآن بقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، والأحاديث عنه في الصلاة والسلام معروفة].
هذا ينبغي أن يكون هو الأول، وهو أن النبي ﷺ حينما أمر الأمة بالدعاء له، فهو امتثال لأمر الله ﷿، هذا الأمر الأول.
ثانيًا: لأن الناس ينتفعون بدعائهم للنبي ﷺ بالصلاة عليه وبالدعاء له بكل وجه من وجوه الدعاء المشروعة؛ لأن الله ﷿ وعدهم بالثواب على ذلك، فوعد من صلى على النبي ﷺ صلاة أن يصلي عليه عشرًا، فهذا من الأمور التي رغب الله فيها وأمر بها.
ثم إن النبي ﷺ أصل كل خير، قد جعله الله سببًا لكل خير للأمة إلى قيام الساعة، فالدعاء له من هذا الوجه يكون مشروعًا أكثر من الدعاء لغيره، وإن كان الدعاء مشروعًا لجميع العباد، لكن الدعاء له لا يدخل في صورته الكاملة في مثل الدعاء للآخرين، الدعاء للآخرين قد يكون فيه بعض المحاذير إذا لم يضبط بضوابط الشرع، أما الدعاء للنبي ﷺ فهو مطلوب مطلقًا، ولذلك سيأتي أيضًا في حديث قادم، أن أحد الصحابة قال: (إني أصلي، كم أترك لك من صلاتي) حتى قال: (لو جعلت لك صلاتي كلها؟) يعني: دعائي كله، فبشر النبي ﷺ ذلك الداعي بأنه ينتفع بصرف وقته للصلاة على النبي ﷺ والدعاء له، وأن ذلك من أعظم القربات ومن أسباب انتفاع هذا الداعي في دينه ودنياه، هذا أمر.
[ ١١ / ٣ ]
إهداء الثواب للرسول ﷺ
الأمر الآخر: أن مسألة إهداء الثواب للنبي ﷺ لا ترد، لأن كل ما يفعله المسلم من القربات، فإن للنبي ﷺ مثل أجره؛ لأن الله جعله هو السبب في كل خير لهذه الأمة، فكل من فعل خيرًا فإن للنبي ﷺ مثل ثوابه وأكثر، فهو ليس بحاجة إلى إهداء الثواب له، أو كما يفعل بعض الناس من إهداء الحج له أو القربات أو الأضحية إلى آخر؛ لأن كل ما يعمله المسلمون باتباعه ﷺ وبسنته، وله مثل أجرهم وأكثر، أما مسألة إهداء الثواب للآخرين فهي مسألة أخرى.
إهداء الثواب من قبل الحي للميت على صورتين: الصورة الأولى: بمعنى الصدقة عنه، فهذا مشروع، كأن تتصدق عن الغير من الأموات، بمعنى أنك تريد أن تبذل له خيرًا بعد مماته فتتصدق عنه، لكن هذه عند كثير من أهل العلم ليست من باب إهداء الثواب، بل هي صدقة جارية قد يكون تسبب فيها الميت أو وهبها له الحي، ولذلك بعض أهل العلم قال: إنه يدخل من باب الصدقة الجارية التي ينتفع بها الميت، لكن هل تعتبر من باب إهداء الثواب أو لا تعتبر هذه محل خلاف.
والنوع الثاني: بمعنى إهداء ثواب الطاعة والعبادة، فهذا غير مشروع، اللهم إلا ما ورد استثناؤه في الشرع.
ومثال ذلك أن تصلي ثم تقول: أهدي هذه الصلاة لفلان الميت، فهذا غير مشروع، أو تصوم أو تعمل أي عمل من أعمال البر، ثم تقول: أهدي ثواب هذا العمل للميت، أو كما يفعل بعض المبتدعة؛ حيث يقرأ الفاتحة ويقول: أهديها لفلان هذا كله ليس بمشروع، لكن بعض الأشياء استثنيت شرعًا من أعمال الطاعات تهدى للأموات مثل الحج عن الميت وإن كان سبق أن حج، فهذا مما يشرع، أما الطواف فلا يزال فيه خلاف بين أهل العلم إلى اليوم، وبعض مشايخنا لا يزالون يفتون بجواز هذا؛ لأنه ورد عن السلف، وكأنهم رأوا أن ذلك أصل، على أي حال سيأتي تفصيل هذه المسألة لأنها مهمة جدًا، وبدأ الناس يقعون في مخالفات في هذه القضية، وبعضهم أيضًا ينكر المشروع منها.
[ ١١ / ٤ ]
الأمر بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود للرسول ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن ذلك أمره بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة).
وفي صحيح البخاري عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، حلت له شفاعتي يوم القيامة).
فقد رغب المسلمين في أن يسألوا الله له الوسيلة، وبين أن من سألها له حلت له شفاعته يوم القيامة، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرًا، فإن الجزاء من جنس العمل].
هذا كله من باب الدعاء للنبي ﷺ، سواء الصلاة عليه ﷺ، أو طلب الوسيلة له، وأن يبعث في المقام المحمود.
وقد فسر النبي ﷺ الوسيلة بأنها درجة في الجنة، وبعضهم قال: يدخل فيها ما دون ذلك من الأمور التي ميزه الله بها.
أما المقام المحمود فقد فسر بتفسيرين: أولهما: أن المقصود بالمقام المحمود شفاعته ﷺ للخلائق أن يفصل الله بينهم يوم القيامة، ومنها شفاعته ﷺ لأهل الجنة بأن يدخلوها، وقد جاء تفسيره في النص الصريح بأنه هو المقام المحمود.
وفسر بعض السلف المقام المحمود بصورة أخرى، وهو ما ورد في بعض الآثار من أن الله ﷿ يجلس نبيه على العرش، وهذه مسألة قال بها بعض السلف وأنكرها آخرون، فبعضهم جعلها مسألة من مسائل العقيدة والأصول، وبعضهم جعلها من الأمور التي تحتاج إلى تحقيق ونظر، وبعضهم أنكرها، وعلى هذا فإن تفسير المقام المحمود بالشفاعة العظمى هو التفسير القاطع الذي لا شك فيه، لكن هل من المقام المحمود أن الله يجلس نبيه على العرش؟ هذه المسألة لا يمنع منها العقل، بعض الناس يستهولها عقلًا، ويقول: كيف يكون على العرش؟ فنقول: العرش مخلوق والرسول ﷺ مخلوق، والله ﷿ يقدر ما يشاء ويفعل ما يشاء، لكن لا يلزم من هذا أن يقف الإنسان عند ما يتخيله خياله من لوازم تتعلق باستواء الله على عرشه، فالله ليس كمثله شيء، والله قادر على أن يفعل ذلك، كما أن الله ﷿ رفع مقام النبي ﷺ في المعراج إلى أن وصل سدرة المنتهى، ووصل إلى مقام لم يصله أحد قبله من الخلق، ولن يصله أحد بعده، قادر على أن يجلسه على العرش كما يليق بفعل الله ﷿، وليس ذلك بممتنع، لكن أقول: إن هذه المسألة ليست متفقًا عليها عند السلف، بل بعضهم عدها من غرائب الأقوال.
والله أعلم.
[ ١١ / ٥ ]
سؤال رسول الله الدعاء من عمر وحديث: (أجعل لك صلاتي كلها)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن هذا الباب الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، وابن ماجه: (أن عمر بن الخطاب استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له، ثم قال: ولا تنسنا يا أخي من دعائك)، فطلب النبي ﷺ من عمر أن يدعو له كطلبه أن يصلي عليه ويسلم عليه، وأن يسأل الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة، وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات، فمقصوده نفع المطلوب منه والإحسان إليه، وهو ﷺ أيضًا ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به، وينتفع أيضًا بالخير الذي يفعلونه من الأعمال الصالحة ومن دعائهم له.
ومن هذا الباب قول القائل: (إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت.
قال: الربع؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك.
قال: النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: الثلثين؟ قال: ما شئت، وإذا زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذًا تكفى همك ويغفر لك ذنبك) رواه أحمد في مسنده والترمذي وغيرهما].
يقصد بهذا الدعاء للنبي ﷺ والصلاة عليه، ولا يقصد بالصلاة هنا الصلاة المعهودة، فالصلاة يدخل فيها الدعاء أو الصلاة والسلام عليه ﷺ، فالسائل هنا يقول: لو أني جعلت كل وقت من الأوقات أحدده للعبادة أو للذكر في الصلاة عليك والدعاء لك؟ فالنبي ﷺ قال: (وإن زدت فهو خير لك)، ثم لما قال: أجعل لك صلاتي كلها، قال: (إذًا تكفى همك ويغفر لك ذنبك)، بمعنى أن يخصص كل وقت الذكر للدعاء للنبي ﷺ والصلاة عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد بسط الكلام عليه في جواب المسائل البغدادية، فإن هذا كان له دعاء يدعو به، فإذا جعل مكان دعائه الصلاة على النبي ﷺ كفاه الله ما أهمه من أمر دنياه وآخرته، فإنه كما صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرًا، وهو لو دعا لآحاد المؤمنين لقالت الملائكة: (آمين، ولك بمثل) فدعاؤه للنبي ﷺ أولى بذلك.
ومن قال لغيره من الناس: ادع لي أو لنا، وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضًا بأمره وبفعل ذلك المأمور به، كما يأمره بسائر فعل الخير، فهو مقتد بالنبي ﷺ مؤتم به، ليس هذا من السؤال المرجوح].
هذه مسألة فيها غموض ويغفل عنها كثير من الناس؛ وهو أن الشيخ فرق بين صورتين في طلب الدعاء من الغير: صورة أن يطلب الدعاء من الغير من أجل أن يؤجر الغير، ثم هو ينتفع، فيقول: إن هذا مشروع.
والصورة الأخرى وهي أقل مشروعية وربما تكون غير مرغوب فيها، وهو أن يكثر من طلب الدعاء من الغير لينتفع هو، وليس على باله أن ينتفع الداعي بالأجر.
وقد فرق الشيخ بين الصورتين أكثر من مرة فيما مضى وفي هذا المقام وفي مقامات لاحقة، وهذا فقه دقيق لا يدركه أكثر الناس، فالشيخ تجده مرة يقول: طلب الدعاء من الغير ليس مرغوبًا فيه، وهنا يقول: طلب الدعاء من الغير في هذه الصورة مرغوب فيه وراجح، وليس من السؤال المرجوح.
إذًا: الصورة التي رأى أنها مرغوبة وراجحة وليست من السؤال المرجوح هي: أن تطلب من الغير الدعاء لك ويكون في نيتك الإحسان إلى هذا الغير من أجل أن ينتفع بالدعاء فيؤجر؛ لأن الدعاء للمسلمين من أعظم القربات، والدعاء للمؤمنين بخاصة من أعظم القربات، والدعاء للصالحين كذلك من أعظم القربات، فمن هنا تفطن الشيخ لهذا الفقه ففرق بين الصورتين.
[ ١١ / ٦ ]
السؤال المذموم في سؤال المخلوق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك، بل هذا هو من السؤال المرجوح الذي تركه إلى الرغبة إلى الله وسؤاله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله، وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع].
ختم الشيخ هذا المقطع ببيان أن الصورتين مشروعتان، لكن الصورة الأولى فاضلة والصورة الثانية مفضولة؛ والصورة الأولى أن يقصد فيها طالب الدعاء الإحسان للداعي والنفع له ولغيره، والصورة الأخرى هي أن يطلب الإنسان من آخر أن يدعو له، لكن لانتفاع يخص السائل، وليس على باله نفع الآخرين، فهذه صورة مرجوحة.
قال أهل العلم: لا ينبغي للمسلم أن يكثر من طلب الدعاء من الآخرين؛ لأنه يقلل من اعتماده على الله ﷿، ويضعف يقينه ويضعف قلبه، لكن مجال طلب الدعاء من الآخرين هو في ظروف معينة، كأن يكون في مكان فاضل أو في زمان فاضل أو في عمل جليل، أو من إنسان صالح يتوسم فيه الصلاح ويكون الدعاء في هذا الظرف له مناسبة، كأن يكون مضطرًا له حاجة ملحة، فمن هنا يكون طلب الدعاء من الغير في مناسبات محدودة وفي ظروف محدودة، أما أن يكون سمة للشخص، فهذا في الغالب إما أن يكون عن ضعف إيمان، أو على الأقل يدخل فيما لا يشرع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما سؤال الميت فليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب، بل ولا مباح، ولم يفعل هذا قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة؛ لأن ذلك فيه مفسدة راجحة وليس فيه مصلحة راجحة، والشريعة إنما تأمر بالمصالح الخالصة أو الراجحة، وهذا ليس فيه مصلحة راجحة، بل إما أن يكون مفسدة محضة أو مفسدة راجحة، وكلاهما غير مشروع.
فقد تبين أن ما فعله النبي ﷺ من طلب الدعاء من غيره هو من باب الإحسان إلى الناس الذي هو واجب أو مستحب].
[ ١١ / ٧ ]
الأسئلة
[ ١١ / ٨ ]
العرش الذي يسجد موسى عند ساقه بعد الصعقة
السؤال
قال الله ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر:٢٢]، وجاء في الحديث أن الخلق يصعقون حينذاك وإذا بموسى ﵇ ساجد عند ساق العرش، السؤال: هل هذا العرش هو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟
الجواب
هذا هو الظاهر والله أعلم.
[ ١١ / ٩ ]
معنى قول ابن تيمية: (ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره)
السؤال
ما معنى قول شيخ الإسلام: (وليس كذلك الأبوان، فإنه ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره، إنما ينتفع بدعاء الولد ونحوه)، وهل يعارض هذا ما ورد أن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها؟
الجواب
هذه العبارة نحتاج أن نرجع لها في الكتاب؛ قال: (لم تجر عادة السلف أن يهدوا إليه -يعني: إلى النبي ﷺ- ثواب الأعمال؛ لأن له ﷺ مثل ثواب أعمالهم بدون الإهداء من غير أن ينقص من ثوابهم شيء، وليس كذلك الأبوان، فإنه ليس كل ما يفعله الولد يكون للوالد مثل أجره)، قصده: ما أشار إليه النبي ﷺ من أنه: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له)، يعني: دعاء الولد الصالح لأبويه من الأجور الباقية التي يصل ثوابها إلى الميت، وهي مستثناة من عموم إهداء الثواب.
[ ١١ / ١٠ ]
رهن النبي ﷺ درعه ليس من باب السؤال
السؤال
ذكر الشيخ ما في سؤال الخلق من المفاسد، والنبي ﷺ مات ودرعه مرهونة عند اليهودي، فهل على هذا سأل الخلق؟
الجواب
هذا ليس من باب سؤال الخلق؛ لأن هذا ليس سؤال استجداء، هذا من باب المعاملة مثل البيع والشراء، والأصل فيه الإباحة؛ لأن النبي ﷺ ما طلب لنفسه صدقة أو هدية أو هبة من اليهودي، ولكنه استدان ووضع مقابل الدين عينًا مرهونة، فليس لليهودي فضل على النبي ﷺ.
فإذًا: الشيء إذا كان فيه تبادل، كبيع شيء بشيء، ودين برهن، هذا كله ليس فيه فضل من طرف على الطرف الآخر.
[ ١١ / ١١ ]
تفضل الله على المؤمن والكافر بنعمة الإيجاد والخلق
السؤال
ألا يقال: إن الله تفضل في البداية على المؤمن والكافر سواء بسواء عند إيجاد؟
الجواب
أنا ذكرت هذا، لكن يبدو أني ما أوضحت المسألة، وذلك أن التفضل على العباد على نوعين: تفضل الربوبية والخلق والرزق والنعم العامة في الدنيا، فالعباد فيها سواء.
والنوع الآخر: هو تفضل الله ﷿ على بعض عباده بالهداية، فلا شك أن الله يهدي من يشاء ويتفضل على عباده المؤمنين.
والشيخ كأنه أراد أن ينكر على الذين قالوا: إنه ليس هناك فرق بين الهداة والضالين، بين المؤمنين والكافرين، وأن فضل الله عليهم سواء في الدنيا والآخرة، وذكرت لهذا مثالًا واضحًا عند غلاة الفلاسفة والجهمية وغيرهم وهي يمثلهم ابن عربي وغلاة الصوفية.
[ ١١ / ١٢ ]
بيان مفاسد سؤال المخلوق
السؤال
هذا يسأل عن قول الشيخ في المفاسد الثلاث: مفسدة الافتقار ومفسدة إلى آخره نرجو شرح هذه الثلاث باختصار مع الأمثلة؟
الجواب
كنت أظنها واضحة جدًا، فالأولى وقفت عندها؛ لأن فيها بعض الغموض ففسرت شيئًا منها، أما الثانية: مفسدة إيذاء المسئول فواضحة؛ لأن المقصود بها أن السائل قد يقع في شيء من الإحراج، وأحيانًا يكون الأمر أكثر من ذلك، أحيانًا يكون في السؤال إتعابًا للمسئول أو خسارة عليه في دنياه، أو خسارة عليه في ماله أو نحو ذلك.
وكذلك قوله في الذل لغير الله؛ لأن السائل لا يسأل حتى يشعر بشيء من الافتقار إلى المسئول ويشعر بشيء من الذلة، ثم المسئول لابد إذا سئل وطلب منه العون، لابد أن يشعر بشيء من العزة على من يخدمه.
فهذه مسألة فطرية نجدها عند جميع الناس.
[ ١١ / ١٣ ]